العبث النقدي بتاريخ الإسلام: محمد آل عيسى نموذجا! 3من 3

 

علاء اللامي*

 

16-يشكك الكاتب في وقوع حروب الفتح العربي الإسلامي أصلا، لأنه يؤمن أن الفرس والبيزنطيين انسحبوا من هذين الإقليمين دون حرب، أو بسبب التعب على حد قوله، لنقرأ ما كتبه (لقد ترك الفرس العراق للمناذرة بسبب هزيمتهم الكبيرة أمام البيزنطيين، و ترك البيزنطيون بلاد الشام بسبب تعبهم من الحروب ورغبتهم للتفرغ لحروب جديدة في منطقة أرمينيا. لم يخرج البيزنطيون من سوريا بسبب غزو عربي أو فتح إسلامي، ولم تكن هناك أي مواجهات)[1]. ثم يتساءل وكأنه صدَّق بما يقول: (لماذا لم يثر المسيحيون في القدس على الغزاة؟ لماذا وصف العرب القادمون بأنهم مؤمنون؟ هل كان دينهم شكلا من أشكال المسيحية / اليهودية؟ فقد بدا الحكام العرب أقرب إلى اليهود... بل انهم قاموا بالصلاة على أطلال المعابد اليهودية. وعندما بنى العرب أكبر مسجد، وهو قبة الصخرة ، بنوه على أطلال الهيكل اليهودي). صراحة، يمكن اعتبار هذا الخليط من الأسئلة المتداخلة والملغومة كل شيء إلا كتابة في علم التاريخ. ومع ذلك لنحاول أن نفصل الأسئلة عن بعضها في محاولة لمعرفة ماذا يريد الكاتب منها.

لنبدأ بسؤاله "لماذا لم يثر المسيحيون في القدس على الغزاة؟" وسنكتشف عبثية السؤال إذا ما علمنا ان المسيحيين المقصودين هم السكان الأصليون في مدينة أورشليم-القدس أو "إيلياء" كما كانت تسمى عند العرب عصر ذاك، نسبة الى الاسم الذي أطلقه عليها الإمبراطور الروماني هادريان سنة 135م، وأن الغزاة هم العرب المسلمون. والحقيقة التي يسجلها المؤرخون عربا وغير عرب، وحتى المراجع المسيحية المقدسية هي أن الأهالي ثاروا ورفضوا طوال فترة حصار مدينتهم الذي دام من عام إلى عامين حسب المصادر المختلفة، أن يدخل من يسميهم آل عيسى "الغزاة" أو ربما " الغزاة الذين لم يغزوا أحداً أو بلداً" مدينتهم حربا. وطالبوا أن يأتيهم الخليفة العربي المسلم عمر بن الخطاب نفسه، ليتسلم من قياداتهم الدينية مفاتيحها بموجب عهد مكتوب عرف في التاريخ باسم "العهدة العمرية". وأن العرب المسيحيين كان لهم جيشهم المستقل والمهم ضمن قوات التحالف البيزنطي في معركتي أجنادين واليرموك، وكان يقود هذا الجيش المؤلف من العرب الغساسنة جبلة بن الأيهم.

إنَّ الكاتب مندهش من أن المسيحيين المقادسة وصفوا المسلمين بالمؤمنين، متسائلا (هل كان دينهم- دين العرب المسلمين -  شكلا من أشكال المسيحية / اليهودية؟) وهنا يبلغ الكاتب ذروة الجهل والتخليط، وكأنه لا يعلم أن الإسلام يوجب على أتباعه المسلمين الإيمان بالرسالات السماوية الإبراهيمية السابقة، وتحديدا باليهودية والمسيحية وأنبيائها وكتبها المقدسة، سوى أنه يعتبر تلك الكتب المقدسة قد حرفت! وأن اليهودية والمسيحية والإسلام هي تجليات ثلاثة لديانة توحيدية واحدة هي الإبراهيمية، فهل يجهل أي مسلم عادي ذلك، دع عنك المسلم المثقف أو المتعلم، أم أن آل عيسى اكتفى بنقل تساؤلات صغار المستشرقين الجهلة بتاريخ ومضمون الإسلام وبتلامذتهم العرب ممن يعتبرون الدين الإسلامي "مجرد هرطة مسيحية أبيونية" وأسندها لنفسه دون ان يتوقف عندها ويناقشها منهجيا وعلميا؟

بل إن الكاتب يتمادى في الخيال، ويعتبر بني أمية، هم المؤسسون الحقيقيون للإسلام، وتحديدا عبد الملك بن مروان من بينهم! ولو أنه قال إنهم مؤسسو الإسلام الملكي الوراثي، لكان كلامه قابلا للمناقشة والاستيعاب. ولكنه يكتب شيئا آخر، لنقرأ (إن عبد الملك بن مروان -الذي يعتبره الكاتبُ المؤسسَ الحقيقيَّ للإسلام - يمكن أن يكون مسيحيا نسطوريا من بلاد فارس جاء ليحكم بعد أسرة معاوية فالاسم بن مروان تعني القادم من مرو وهي مدينة فارسية)[2]. والدليل على هذه الفرضية العجيبة أكثر هَبَلا من الفرضية نفسها. لنواصل القراءة (أن العُملة التي ضربها عبد الملك ثبت عليها عبارة توحيدية هامة مأخوذة من الناموس اليهودي: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" وترجمتها كانت: قل هو الله أحد)[3]! أما سورة الإخلاص القرآنية، والتي تبدأ بآية (قل هو الله أحد)، فلا يبدو أنها مرت على ذاكرة وخاطر الكاتب، أو أنه يعتقد أن دينار عبد الملك بن مروان سُكَّ قبل نزول هذه الآية! ولهذا سارع لأن يجعل (من عبد الملك بن مروان الفارسي مسيحيا نسطوريا يقتبس الآيات عن الناموس اليهودي) فيا للعجب العجاب!

ولكن لماذا يهتم آل عيسى بعبد الملك بن مروان دون غيره من خلفاء بني أمية؟ نجد الجواب على هذا السؤال في قوله (وكما رأينا فإن الإسلام لم يظهر بشكله الأولي إلا مع عبد الملك بن مروان، ولم يكتمل إلا مع العباسيين. فالقرنان الهجريان الأولان يقعان في ظلمة التاريخ)[4]. وليفهم من يريد ان يفهم ما يكتبه آل عيسى بطريقته الخاصة، أما إذا طالب أحدٌ ما، بدليل ملموس على هذه التخليطات، فها قد وجده آل عيسى عند كاتب آخر، لنقرأ (وكما يرى سليمان بشير، فلا يوجد أي دليل تاريخي أو أثري ملموس على وجود الإسلام قبل فترة عبد الملك. وأقدم المساجد والنقوش والآثار النقدية والمسكوكات والإشارات المتفرقة في أوراق البردي تعود إلى فترة عبد الملك)[5]. ولا ندري كيف خرج آل عيسى بهذا الاقتباس أو الفهم لكتاب سليمان بشير مع أن هذا الأخير، وطوال صفحات كتابه الخمسمائة وأربع عشرة يناقش السردية الإسلامية نقاش العارف المدقق والخبير بتلافيفها وبطريقة منهجية علمية، ليخرج أحيانا كثيرة بنتائج جديدة ومثيرة أو مخالفة للسائد، فيختلف معه القارئ أحيانا ويتفق  أحيانا أخرى، ولكن سليمان بشير لم يشطح به الخيال مثل صاحبنا آل عيسى لينفي وجود مكة ونبي الإسلام، بل والإسلام نفسه كدين، ومعه حروب الفتوحات العربية الإسلامية، إنما قال ما نقوله ونكرره نحن الآن، في الصفحات الأولى من مقدمة كتابه حين كتب عن خصيصة أعاقت النمو العلمي للرواية التاريخية الإسلامية وهي ( ندرة المصادر الأثرية والوثائقية الثابتة والمستقلة لدراسة التاريخ العربي في الجاهلية وصدر الإسلام )[6]، وحتى حين يكتب في الصفحة نفسها عبارة (والواقع إنه لا يوجد دليل تاريخي ملموس على وجود الإسلام قبل فترة عبد الملك بن مروان)، فهو يوضح ما يقول مباشرة، ويحدد انه يعني بذلك ( الآثار المساجد والنقوش والآثار النقدية والإشارات المتفرقة في أوراق البردي تعود الى تلك الفترة). وهذا صحيح جزئيا، ونكرر أن الآثار الأركيولوجية من فترة أقدم هي نادرة وليست منعدمة، وقد ذكرنا بعض الأمثلة عليها في ما سبق وسنذكر غيرها لاحقا. ثم إن سليمان بشير لا يشتط به القلم مثل آل عيسى ويقول إن الفترة التي لا وجد فيها للآثار المادية كالمساجد والنقود محصور في الخمسة وسبعين عاما، ويسجل أن الأدلة موجودة منذ الربع الأخير من القرن الهجري الأول، وليس لقرنين بعدها. وهذا أمر طبيعي في بداية نشوء الدعوة الإسلامية، والحصار المضروب عليها، والحروب التي خاضتها، وانعدام الدولة بهيئتها المادية المكتملة خلال تلك السنوات!

وإذا كان آل عيسى، ومن يستشهد به، يشكك ولا يثق بما تقوله الروايات العربية الإسلامية عن الإسلام في الطور المكي ثم المدني اليثربي، وهذا من حقه وحق أي باحث يحترم العلم، فماذا يقول بصدد الروايات المسيحية المقدسية لمن عاشوا وشهدوا الفتوحات، وخاصة فتح أورشليم -القدس بعد الحصار الطويل الذي انتهى بعقد العهدة العمرية؟

لقد وردت قصة "العهدة العمرية" في كتب التاريخ بأكثر من صيغة ونص، وهي تتراوح بين نصوص قصيرة ومقتضبه كنص اليعقوبي ونص ابن البطريق وابن الجوزي، أو مفصلة كنص ابن عساكر ونص الطبري ومجير الدين العليمي المقدسيِ ونص بطـريركيـة الروم الأرثوذكس. وما يهمنا أكثر من غيره من مصادر، هو ورود العهدة في وثائق البطريركية المسيحية التي توقفنا عندها في موضع آخر من هذا الكتاب، يجعل من مزاعم الكاتب محمد آل عيسى محض هراء لا طائل تحته، وأكثر من هذا نضيف الآتي بخصوص العهدة العمرية:

*قام مستشرقان أوروبيان بدراسة العهدة العمرية، هما المستشرق والأمير الإيطالي من ثلاثينات القرن الماضي ليون كايتاني في كتابه "حوليات الإسلام"[7]، والمستشرق الأسباني دي خويه صاحب الكتب الجيدة والرصينة حول الشرق والإسلام في كتابه"أطروحة حول فتح سوريا"[8]، واتفق هذان الباحثان على أن (هناك أدلة تؤكد أن القيود ضد المسيحيين في شروط العهدة العمرية قد أضيفت في العصور المتأخرة، ومع ذلك فقد قبل فقهاء المسلمين الذين عاشوا في أزمان أقل تسامحا بأنها شروط صحيحة)[9]. فهل تورط هذان المستشرقان وغيرهما كثيرون في تلفيق هذه "الكذبة التاريخية" من عهد عمر بن الخطاب أيضا بحسب المنطق الذي يعتمده محمد آل عيسى؟

18-لماذا لم تتكلم المصادر البيزنطية عن معارك الفتوحات العربية الإسلامية في زمن هرقل؟ هذا هو السؤال أو التعلة التي يكررها آل عيسى دون سأم، ويبني عليها نظرية إنكاره لحدوث الفتوحات العربية الإسلامية للعراق والشام. والواقع فهناك ندرة في المصادر، وليس انعداما كما قلنا. ولنقرأ بهذا الصدد  ما يقوله د. ولتر كيجي أستاذ التاريخ في جامعة شيكاغو ومؤلف كتاب (البيزنطيون والاختراقات الإسلامية المبكرة)، عن قلة المصادر والسجلات البيزنطية، أو كونها تحمل تواريخ قرون لاحقة. كتب د. كيجي: (إن الروايات التاريخية البيزنطية والسجلات الخاصة بعهد الإمبراطور هرقل "هيراكليوس" هي روايات وسجلات قليلة العدد، وهي من تواريخ ومن قرون لاحقة. وإن المصادر الأهم منها هي المختصرات التاريخية التي كتبها نيسيفوروس، وهي تعود إلى أواخر القرن الثامن، والوقائع التي عرفت تقليديا بأنها لثيوفانيس والتي تعود إلى العقد الثاني من القرن التاسع)[10]. وهذا يعني أن الفقر في المراجع والمصادر حول تلك الفترة وندرتها ليس حكرا على المدونات العربية الإسلامية بل حتى لدى البيزنطيين أنفسهم.

ويكتب آل عيسى أن (انسحاب الفرس وكذلك انسحاب الروم من المشرق العربي ترك البلاد في فراغ سياسي وأمني قام العرب بملئه.  فأقاموا فيها الحكم الذي يريدون والشريعة التي يرتضون)[11]. معنى ذلك، أن حروب الفتوحات العربية الإسلامية خرافة وأساطير شعبية، ألفها العرب اللاحقون، ولم تقع على أرض الواقع كما كرر آل عيسى في أكثر من موضع من كتابه. فما حقيقة ذلك؟

لا أحد ينكر حتى من المؤرخين والباحثين العرب المسلمين القدماء والمعاصرين أن الصراع بين الدولتين الفارسية والبيزنطية قد استنزف الطرفين، الفارسي والبيزنطي، قبل بدء الزحف العربي نحو الشمال العراقي والشامي. ولكن صراع الدولتين الفارسية والبيزنطية، لم يصل بهما الى الانهيار التام والانسحاب من التاريخ والجغرافيا كما يحاول آل عيسى إقناعنا. والواقع، فالأمر ليس كما صوره أو تخيله الكاتب آل عيسى، لأنه لا يتعلق بانسحاب شامل وكامل للإمبراطورتين الفارسية والبيزنطية من المشرق الجزيري السامي، وخصوصا من العراق والشام، بل يتعلق بمعارك هائلة عسكرية منها معركة اليرموك، التي يتوقف عندها المؤرخ كلود شينيه في كتابه "اضمحلال الإمبراطورية البيزنطية"، ويقول إن القوات البيزنطية أبيدت في تلك المعركة، فقرر الإمبراطور سحب ما تبقى منها للحفاظ على ما تبقى من إمبراطوريته، ورغم ذلك حدثت معارك لاحقا في مصر بين الفاتحين العرب و القوات البيزنطية المتبقية والتي هزمت في النهاية، وتم للعرب فتح مصر. ويمر الكاتب مرورا عابرا على المعارك على جبهة العراق بين العرب والفرس، ويخرج بخلاصة مفادها أن (العرب قلصوا الإمبراطورية الفارسية آنذاك).

19-وكتاب كلود شينيه من الكتب الحديثة التي صدرت في القرن العشرين، وهو لم يعتمد في مراجعه على مراجع عربية إسلامية فقط، ليشكك به البعض، ومنه يمكننا أن نقتبس الفقرات المهمة التالية:

 (الهجوم العربي الإسلامي : ما ان استقرت الإدارة والجيوش جزئيا، من جديد، بالأقاليم الشرقية، حتى نشبت الهجمات العربية. منذ فترة وجيزة كانت العرب قد توحدوا خلف الدين الذي دعا اليه النبي محمد "ص" والذي لم يدرك البيزنطيون جديته، واجتاحوا فلسطين، وحققوا فيها انتصارات فتحت لهم أبواب دمشق. ولما كانت القوات المحلية قليلة العدد، لا تستطيع مواجهة الموقف، فقد عبأ الإمبراطور هرقل الجيش الريفي الوحيد في الإمبراطورية والذي أبيد بأكمله تقريبا في معركة اليرموك (رافد من نهر الأردن)، والتي حصلت في شهر آب –أغسطس سنة 636م. لم يكن القيصر يملك احتياطيا يستبدل به الرجال الذين خسرهم، ولما لم يكن يريد أن يبيد جيوشه الباقية في معارك لا طائل تحتها، فقد سحبها نحو الأناضول. دمشق والقدس وأنطاكية وقيصرية فلسطين سقطت بالتتابع بعد حصارات قصيرة ومعاهدات بين المنتصرين وبين السكان الذين لم يعودوا يأملون في أي مساعدة من الإمبراطورية البيزنطية. لم يعد شيء يقف في وجه فتح مصر، التي فتحت عام 641 م، على الرغم من مقاومة الجيش البيزنطي الصغير "جيش الروم" الذي دافع عنها، وخصوصا عن الاسكندرية، حيث أعطى القيصر هرقل أمرا استثنائيا بكل الصلاحيات للبطريرك كيروس، ولكن كل ما فعله هرقل ضاع بعد اليوم. ومع ذلك فهذا الملك بقي في التاريخ من أكبر العظماء الى جانب قسطنطين ويوستنيانوس وباسيل الثاني "...." كان العرب قد بدأوا في الوقت نفسه بتقليص الإمبراطورية الفارسية، فتقدموا نحو بلاد ما بين النهرين، ثم نحو أرمينية. وقد قرر زعيم -أرمينية - هذا البلد أن يفاوض على معاهدة لا يدفع جزية للعرب بموجبها، بل يمد العرب بفرق عسكرية مساعدة، بشرط ألا تستخدم ضد الروم البيزنطيين. وقد استعمل العرب ترسانات الأسلحة التي خسرها خصومهم البيزنطيين، وبدأوا بمهاجمة جزيرتي قبرص ورودوس. وشتتوا عام 650 م الأسطول البحري البيزنطي. إن ما أنقذ البيزنطيين الروم، ربما كان يعود إلى الحرب الأهلية بين الخليفة علي وحاكم سوريا التي كانت قد فتحت معاوية)[12].

20-ثمة دليل آخر مهم جدا ووثيقة تاريخية يعرضها المؤرخ هيو كينيدي في كتابه الضخم " الفتوح العربية الكبرى"، وفيه يستعرض المؤلف كتابا تاريخيا قديما جدا لراهب يدعى حنا باربنكايا في شمال العراق اليوم، أو جنوب الاناضول، وكان الكتاب عبارة عن ملخص لتاريخ العالم. إنَّ زمن تأليف الكتاب هو ثمانينات القرن السابع الميلادي، أي أن بينه وبين معركة اليرموك التي حدثت في ثلاثينات القرن السابع أقل نصف قرن. بمعنى، أنه يكتب من وجهة نظر شاهد عيان، ويقدم دليلا خارجيا بصفته راهبا مسيحيا منعزلا في ديره، وضمن المنطقة التي دارت فيها حروب الفتح، والتي وصلت الى أرمينيا وبلاد الأناضول بعد سنوات قليلة على معركتي اليرموك في الشام والقادسية في العراق. في هذا الكتاب أو الملخص التاريخي يتساءل الراهب باربنكايا، كما ينقل لنا المؤرخ هيو كينيدي، (كيف يمكن لرجال عراة، يركبون دونما درع أو ترس، أن يتمكنوا من الانتصار ويحطوا من شأن روح الكبرياء الفارسية؟ وقد صدمه أكثر أنه لم تمر سوى فترة زمنية قصيرة حتى تم تسليم العالم بأسره إلى العرب، لقد أخضعوا كل المدن الحصينة، وفرضوا سلطانهم من البحر إلى البحر، ومن الشرق إلى الغرب - مصر، ومن كريت إلى قابادوقيا ومن اليمن إلى "آلان" في القوقاز، والأرمن والشوام والفرس والبيزنطيين والمصريين وكافة المناطق فيما بينها: " كانت أيديهم فوق الجميع كما يقول النبي"). ويضيف كينيدي (بالنسبة لباربنكايا، الذي كان راهبا تقيا، كانت الإجابة واضحة "على سؤال: كيف يمكن للعرب المسلمين أن يفعلوا ذلك؟"، هي: إنها إرادة الرب! لم يكن هناك أمر آخر يمكن أن يفسر هذه الثورة الخارقة للعادة في أمور البشر. والآن وبعد ثلاثة عشر قرنا، وفي عالم لا يكون التدخل الإلهي تفسيرا كافيا للتغييرات التاريخية الكبرى بالنسبة لكثير من الناس، تاتي محاولة اقتراح أنماط أخرى من الإجابات على السؤال الذي طرحه الراهب حنا باربنكايا)[13].

21-في معرض كلامه عن معركة أجنادين السابقة لمعركة اليرموك بعامين، يذكر هيو كينيدي أن أخبار انتصارات العرب المسلمين على الروم البيزنطيين بلغت جهات قصية من العالم عهد ذاك، كفرنسا. فقد ورد ذكرها في الكتاب الرابع من الحوليات التاريخية التي كتبها بعد عشرين عاما من المعركة، الفرنسي فردغار ص 55 من الترجمة الانكليزية ص 116من ترجمة كتاب هيو كينيدي العربية[14]. وفي تلك الحوليات يذكر فردغار الفرنسي أخبارا عن معركة كبرى بين العرب والروم سنة 634م يرجح كينيدي، وهو محق، أنها معركة "أجنادين" قرب الرملة في فلسطين، ويورد فردغار تفاصيل كثيرة أخرى لم ترد في مصادر أخرى، منها أن العرب المسلمين عرضوا على هرقل أن يبيعوه الغنائم والأسلاب التي حصلوا عليها بعد المعركة، فرفض أن يدفع لهم شيئا، ربما لأنه كان يعاني من أزمة مالية ذكرتها مصادر تاريخية أخرى خلال التحضيرات لمعاركه في الدفاع عن الأقاليم الشرقية.

22-وهناك أيضا المؤرخ الأرمني سيبيوس المعاصر للأحداث في القرن السابع الميلادي (تاريخ ولادته ووفاته مجهول، ولكن المؤكد هو أن المؤرخين سجلوا أنه حضر المجلس الكنسي الرابع سنة 645م، بصفته أسقف من سلالة باكراتوني - بقرادوني؟ -)[15]. يذكر سيبيوس في كتابه "التاريخ الأرمني"[16]، الكثير من التفاصيل. منها توصية هرقل لقادة قواته أن يلتزموا حالة الدفاع، ولكنهم بدلا من ذلك، تركوا معسكراتهم قرب النهر ليحتموا بمدينة بيللا على الضفة الشرقية لنهر الأردن. والتفاصيل هنا، لا تمت بصلة لمعركة اليرموك، وربما كان سيبيوس يتكلم عن معركة أخرى، وما يهمنا هنا التوثيق لوقوع معركة من معارك حروب الفتح والتحرير العربي الإسلامي التي ينكر وقوعها صاحب كتاب "تاريخ الإسلام المبكر".

إن هذه الأدلة والوثائق التي عرضناها هنا، والتي درسها وتحدث عنها المؤرخون والباحثون والمستشرقون الأجانب قبل العرب المسلمين، تجعل مزاعم السيد محمد آل عيسى حول وهمية شخصية النبي العربي الكريم محمد، وعدم وجود مدينة مكة في موضعها الجغرافي المعروف، والتشكيك ببدايات قصة الإسلام دينا وحضارة، وإنكاره لحدوث حروب الفتح والتحرير للعراق والشام بالتفاصيل التي عرفها العالم، تجعل كل هذه المزاعم هباء منثورا، لا معنى ولا صدقية له.

 

*كاتب عراقي

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] - تاريخ الإسلام المبكر - ص 29 م.س.

[2] - تاريخ الإسلام المبكر- ص 45 م.س.

[3] -ص 45 م.س.

[4] - ص 182- م.س.

[5] - ص 186 م.س

[6] - مقدمة في التاريخ الآخر – ص 8 –سليمان بشير – صدر في القدس سنة 1984 – دار النشر غير مذكورة.

[7] - annali dell'islam..p.957.

[8] -Mémoire sur la conquête de la Syrie, p. 143

[9] - اقتبسه محرر مادة "العهدة العمرية" في الموسوعة الحرة وموسوعة المعرفة – نسخة رقمية على شبكة الإنترنيت.

[10] -  byzantium and the early islamic conquests -Walter E. Kaegi- ترجمة شخصية للمقتبس – ص 3

[11] -. تاريخ الإسلام المبكر - ص30 –م.س.

[12] - اضمحلال الإمبراطورية البيزنطية – جان كلود شينيه – ص 56 وما بعدها.

[13] - الفتوح العربية الكبرى – ترجمة قاسم عبده قاسم – المركز القومي للترجمة -القاهرة - ص 15.

[14] - ص 55 من الترجمة الإنكليزية، و ص 116من ترجمة كتاب هيو كينيدي العربية. م.س.

[15] - ثمة عائلة لبنانية من أصول أرمنية تعرف باسم بقرادوني موجودة في أيامنا هذه ممن يحملون اسمها كريم بقرادوني القيادي في حزب الكتائب

 [16] - التاريخ الأرمني – سيبيوس - المجلد الثاني ص 97 طبعة ليفربول 1999