هل هي صفقة قرن أم مؤامرة للتخلص من الفلسطينيين؟

محمد عبد الحكم دياب

 

 

سجل التاريخ أن السادات أول من اقترف خطيئة العلاقة العلنية مع الصهاينة في سبعينات القرن الماضي، وفور تسليمه بامتلاك أمريكا 99٪ من الأوراق السياسية والاستراتيجية ذهب إلى الكنيست مستسلما خانعا.. وغيره اقترف خطاياه سرا وخفية، ونام في الأحضان الصهيونية بعيدا عن الأنظار، وهو يضحك على شعبه ومستهزئا به، وانكشف ذلك بعد الإفراج عن الوثائق السرية في محفوظات الدول الكبرى عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد حرب 1973، واتضح منها أن حرب 1967 كانت تواطؤا بين واشنطن وتل أبيب وعواصم عرب النفط وحلفائهم من المشرق والمغرب، بالإضافة لإيران وتركيا في ذلك الوقت.

وكان الهدف المركزي لحرب 1967 إبعاد مصر، ومنعها من لعب أي دور إقليمي أو دولي، ويتحقق ذلك بالتخلص من عبد الناصر أولا، واستكمال إنتزاع فلسطين من خرائط السياسة والتاريخ والجغرافيا ثانيا، وهذا حدث بالفعل، وبدورها ارتكبت منظمة التحرير الفلسطينية خطيئة الاعتراف المجاني بحق المستوطنين اليهود في 78 ٪ من أرض فلسطين التاريخية، واعتمد المجتمع الدولي على اتفاق أوسلو (1993) في شرعنة الاغتصاب، وتحويله لمنصة تفاوض لحل صهيوني؛ المضمون والشكل.. فلا تحرير.. ولا عودة.. ولا تعويض.. ولا دولة. ولو كان اليهود في وضع الفلسطينيين لأشعلت الحركة الصهيونية العالمية الحروب العالمية وأعادت رسم خرائط العالم من أجلهم.

وجاء التفاوض بلا روادع لترسيخ الاحتلال والاستيطان، وليتيح فرصة التوسع، وتأمين المستوطنات القائمة، ومواصلة بناء المستوطنات الجديدة؛ في القدس والضفة والجولان وغيرها، وقد سمح التنسيق الأمني بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية؛ بارتفاع معدل التنكيل بالفلسطينيين، ولما وصل المجتمع الدولي إلى حل الدولتين؛ أتى ترامب ليجهضه، ويعيد الوضع إلى نقطة الصفر. وأحيا مشروع غزة الكبرى، وفكرته ليست جديدة، وبدأت بعد النكبة مباشرة، وأعيد طرحها عام 2004 باسم بدائل إقليمية لفكرة دولتين لشعبين للجنرال المتقاعد غيورا ايلاند الباحث من معهد دراسات الأمن القومي (الصهيوني).

وبنى إيلاند فكرته على ضم 12 ٪ من الضفة الغربية إلى الدولة الصهيونية؛ وتقدر بـ600 كم مربع، والحجة ضمان أمن الدولة الصهيونية، وضم 600 كيلومتر مربع أخرى من شمال سيناء وشريط على البحر المتوسط طوله 14.48 كيلو متر إلى قطاع غزة، بدعوى تمكين الفلسطينيين من ضم حقول غاز جديدة، وبناء ميناء ومطار، ومدينة تستوعب مليون فلسطيني. وتحصل مصر على 150 كم مربعا من أراضي النقب تعويضا عن أراضي ستقتطع منها، وتشق نفقا يربطها بالأردن؛ يقع بقرب قرية أم الرشراش التي أقيم عليها ميناء ايلات، وذلك بطول 10 كيلومترات؛ بدعوى تسهيل حركة الإفراد والحجاج والبضائع بين البلدين، وسوف تسمح تل أبيب لمصر بزيادة قواتها في المنطقة (ج) بسيناء، ومنح 100 كم مربع من أراضي الأردن للفلسطينيين عوضا عن أراضي ستقتطعها الدولة الصهيونية من الضفة الغربية.

وهذه الاقتطاعات والتنازلات ستُنْتزع من أراضي فلسطينية وأردنية ومصرية، وأشار تقرير لـمركز الدراسات الإقليمية ـ فلسطين، وصدر في شباط/فبراير، 2017 عن: دولة غزة.. الخلفيات والأبعاد؛ للوزير الدرزي في حكومة نتنياهو أيوب قرا وقوله: أن ترامب سوف يتبنى مع نتنياهو خطة الرئيس المصري السيسي بإقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء بدلا من الضفة الغربية، وأكد مدير مكتب أيوب قرا لقناة الجزيرة القطرية صحة تصريحات الوزير حول خطة المشير السيسي!!.

ومن جانبه أبدى الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفضه للمقترح بشكل نهائي، وصرح الناطق باسمه نبيل أبو ردينة أن الاقتراح مرفوض فلسطينيا ونفى أن يكون الرئيس المصري قد عرض هذا المقترح. وبدوره أنكر بنيامين نتنياهو ما قاله أيوب قرا عن إقامة دولة فلسطينية في سيناء، وأوضح أن هذا لم يُطرح، ولا أساس له من الصحة. في الوقت الذي صرح فيه النائب الصهيوني السابق الجنرال آرييه إلْداد (فبراير 2017) أن السيسي اقترح فعلا على تل أبيب إقامة دولة فلسطينية في سيناء.

ونقل موقع صحيفة معاريف عن إلْداد أن السيسي اقترح منح الفلسطينيين مساحة في شمال سيناء لإقامة دولتهم، واعتبر هذا الاقتراح مثالا لتسوية إقليمية، ولدولة فلسطينية في غزة وسيناء وأفضل صيغة للتسوية الإقليمية، وعلق إلْداد الآمال على الرئيس الأمريكي، ومقصده مما أسماه بـتسوية إقليمية كبرى، وإقامة دولة فلسطينية في سيناء، والضغط على الأردن ليصبح دولة فلسطينية بديلة في حالة تعثر مشروع دولة غزة الكبرى.

وهذه الوعود الملغومة لا تمت بصلة لأي تسوية، وهي معتادة في تنفيذ المؤامرات مكتملة الأركان في سعيها لإنهاء الوجود الفلسطيني، ومحوه من خرائط السياسة والتاريخ والجغرافيا. واللافت للنظر أن موقع المعرفة الألكتروني بدا مزكيا لهذه المزاعم، وأسهب في تعداد المكاسب العائدة على كل الأطراف؛ بادئا بمصر، وزعم أنها تتنازل عن الأرض للفلسطينيين، وليس للصهاينة، وتقدر بـ770 كم مربعا، وعلى الموقع المذكور مزيد من التفاصيل لمن يحتاج للمزيد.

والمكاسب الفلسطينية، تتحقق بتحويل غزة لـسنغافورة متوسطية، بجانب أضافة مساحة 74كم مربعا إليها من ساحل المتوسط، ومياه إقليمية تمتد 9 أميال بحرية، وفرص وفيرة لاستكشاف حقول غاز طبيعي، وإنشاء ميناء ومطار دوليين، ومدينة جديدة تستوعب مليون نسمة وأعدادا أخرى من اللاجئين الموزعين في الشتات، وتتحول غزة لمنطقة جذب بسبب النمو الاقتصادى المزعوم، ومركز تجاري دولي، وهذا بشرط تنازل الفلسطينيين عن جزء من الضفة الغربية؛ استولى عليه المستوطنون الصهاينة، وأقيمت عليه قواعد للجيش الصهيوني منذ سنوات.

واعتُبر الأردن الرابح الأكبر؛ غير المطالب بدفع أي ثمن، بجانب تحقيق مكسبين كبيرين إذا ما انخرط في هذا الوهم: وهي منظومة طرق وسكك حديد، وأنبوب نفط يربط الميناء الدولي المزعوم في غزة الكبرى عبر نفق مصري أردني إلى دول الخليج. ويحصل الأردن مجانا على إطلالة على البحر المتوسط من خلال ميناء غزة المقترح، فتعيد تواصله المقطوع مع أوروبا.. وعلى هذا المنوال تسير هذه الفانتازيا المزيفة!!.

والسؤال الملح هو متى سمح الغزاة والمستوطنون والمستعمرون بتنمية وإعمار أرض احتلوها واستوطنوها؟ والتجارب التاريخية الخاصة والعامة والكونية تؤكد أن هؤلاء يأتون للإبادة والقتل والتشريد والاستيلاء على الأراضي وبناء المستوطنات وجلب المستوطنين والغرباء وإحلالهم محل أهل البلاد الأصليين، ومن يصدق ذلك إما معتوه أو خائن.. وأرجو أن يذكرنا أحد بوعد قطعه مثل هؤلاء ونفذوه..

ولننظر للهاشميين ومصير الشريف حسين بن علي، والفلسطينيين والعراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين والصوماليين والأفارقة والصينيين والكوريين والفيتناميين والهنود الحمر، وسيتكرر هذا مع آل سعود وغيرهم.. ونجاح هذه المؤامرة يؤذن بمصير لا يختلف كثيرا عن مصير الهنود الحمر فهل يفيق سكان القارة العربية الممزقة؟، أم يصدق فيهم قول الشاعر: