في مثل هذا اليوم: ١٨ تموز ١٩٦٣

د. كمال خلف الطويل

 

 

خرجت في حدود التاسعة صباحاً من منزلنا ​بحي ​القصاع متوجهاً بالباص الى ​حي ​ابورمانة- شارع نوري باشا حيث تقع ابتدائية أسرة الطفل النموذجية (نسخة يعربية من الفرير واللاييك والفرنسيسكان شاءتها نخب بورجوازية مسلمة بديلاً). كنت في الحادية عشر من العمر وكانت البغية الحصول على وثيقة شهادة السرتفيكا وعلاماتها.

لم أكن قد تهنيت بعد من فرحة كوني الأول بين الخريجين إلا والباص قد وصل الى شارع النصر وعليَّ ان انتقل لباص القصاع   ما إن وصلت ساحة المرجة ، في الحادية عشر قبل الظهر ، إلا وكانت أصوات القنابل والمتفجرات تدوي ، وليبدأ معها الناس بالتراكض على غير هدى وفِي كل اتجاه.

توقفت حركة الباصات وحرت في كيف أتدبر العودة للقصاع .. تلمست جيبي ووجدت ورقة عشرة او عشرين ليرة - لا اذكر بالضبط - فاطمأن قلبي وبدأت ألوح لسرفيس او تاكسي ولا من مجيب ، ثم أمسكت بورقة الفلوس ولوحت بها لتكسي مقبل فتوقف مفرملاً وسأل بعجلة: لوين ؟ فقلت: عالقصاع ولوحدي بس ولَك المبلغ ، وحصل.

مضى النهار على هذا المنوال: قصف وأصوات انفجارات واخبار متضاربة من إذاعات عمان وتل ابيب ولندن والقاهرة ، ثم بعد الظهر بدأنا نسمع اخبار الإعدامات للمشاركين في المحاولة الانقلابية لقائدها جاسم علوان ، وبلغ عدد المعدومين ٢٢.

بعد ثلث قرن ونيّف من الفاجعة تعرفت عن قرب على جاسم علوان ، ودارت بيننا احاديث بعشرات الساعات: في القاهرة وفِي دمشق وأولها كان في بغداد​ (دورة المؤتمر القومي العربي- مايو 2001).

للأحاديث مكان آخر ، لكن ​سمَتي​ الفاجعة​ كانتا:​ استئثارية البعثيين وثأرية الناصريين ، والنتيجة خرابٌ بأيدٍ "قومية"​ , وضياع حلم لاح في أفق الشرق ثم غاب​ ب"فضل" همم طلائعه