55 عاماً على حركة معسكر الرشيد  - استعادة شخصية

 

 

عبد الحسين شعبان

 

 

 

أعيد نشر هذه المادة مجدداً وذلك استجابة لطلب من رفيق قديم وصديقين لتسليط ضوء أقوى على انتفاضة معسكر الرشيد التي قادها حسن السريع وذلك إثر اطلاعهم على ما كتبته عن سلام عادل من دراسة نشرت في صحيفة الزمان العراقية على 8 حلقات والموسومة  " الدال والمدلول وما يمكث وما يزول" ، وانتهز فرصة ذكرى الستين لثورة 14 تموز وذكرى ال 55 لحركة معسكر الرشيد لأعيد نشر هذه المادة .

وجهت حركة 8 شباط (فبراير) 1963 (الانقلاب المعروف بإسم انقلاب 14 رمضان)، ضربة موجعة وقاسية للتنظيم الشيوعي في العراق، فتمزّقت وانهارت معظم تشكيلات الحزب الشيوعي ومنظماته الجماهيرية بسبب حملة القمع والتصفية، التي قام بها " الحرس القومي" وأجهزة الأمن.

لكن تلك الحملة التي قامت بها الحركة الانقلابية وجناحها الأساسي " حزب البعث" والحرس القومي، رغم إتسّاعها واستمرارها، لم تكن " ماحقة"، كما أراد لها منفذوّها، فلم تستطع رغم شراستها وانفلاتها من عقالها، القضاء على الحركة الشيوعية.

*        *        *

وبادرت نخبة متميزة في العاصمة بغداد ومدن الفرات الاوسط وريفه والجنوب إلى إعادة بناء التنظيمات وإعادة ربط وتجميع " الرفاق" المقطوعين والمختفين عن الانظار، في حين إتجهت منظمة الاقليم (فرع كردستان) إلى العمل المسلح، وكان هدف الجميع إشعار الرأي العام بأن " المقاومة" السلمية والمسلحة، سواءً الدفاع عن النفس، أو القيام بعمليات محدودة كما حصل في ريف الفرات ومناطق اخرى، لم تنتهِ. وساعد في إبراز وجود مقاومة وممانعة، الحملة الحكومية الدعائية والعسكرية ضد الحركة الكردية، التي إبتدأت في حزيران (يونيو) 1963، بعد ان إنقطع حبل الوصل، الذي ظل مرتخياً منذ القضاء على حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وتبديد الوعود بإعطاء حقوق الشعب الكردي، خصوصاً بعد طرح مشروع " اللامركزية" الادارية بديلاً عن " الحكم الذاتي"، الذي كانت تطالب به الحركة الكردية وقوى يسارية بما فيها الحزب الشيوعي.

ورغم إتسّاع الحملة العالمية للتضامن ضد حكم البعث وممارسات الحرس القومي الدموية، ناهيك عن تمّزق تحالفاته الداخلية وبخاصة مع القوميين العرب والناصريين، الاّ انه لم يتراجع عن مواقفه، بل ازداد عنفاً في التعامل مع الآخرين، وقد ضاقت قاعدته السياسية تدريجياً، وبخاصة بعد شنّه هجوماً شديداً ضد التيار القومي العربي الناصري وحركة القوميين العرب وضد شخص القائد العربي جمال عبد الناصر والتجربة الناصرية بشكل عام، خصوصاً بعد اتهام القوميين العرب "بالمؤامرة السطحية"، كما سميّت في حينها، حيث اعتقل العشرات من قياداتهم والمئات من قواعدهم، وأرسل عدداً منهم إلى سجن نقرة السلمان الذي كان يضم بضعة آلاف من الشيوعيين، وهكذا بدأت بعض التململات داخل الجيش.

 

كما شنّ الحكم الانقلابي الجديد هجوماً (في حزيران/يونيو) العام 1963 أشدّ قسوة ضد الحركة الكردية وقيادتها بزعامة الملاّ مصطفى البارزاني وكان هذا الهجوم الأكثر شراسة، خصوصاً وقد وصف وزير الدفاع في حينها صالح مهدي عماش الحرب ضد الاكراد، بأنها ليست أكثر من "نزهة" وإنّ الحملة ستنتهي بنجاح، وسيتم القضاء على "المتمردين"! ولم تستثنِ الحملة المتلاحقة والمستمرة حتى تيار " الحزب الوطني الديمقراطي" بقيادة كامل الجادرجي، الذي فضّل الصمت والابتعاد عن الأضواء، إذ لم تجدِ الملاحظات والانتقادات التي وجهها مباشرة أو بطريق غير مباشر، إلى الحكم أية آذان صاغية  خصوصاً بتعمق نهج الاستئثار والانفراد ومعاداة الديمقراطية.

 

في ظل هذه الأوضاع حدثت إحدى المفاجآت أو المفارقات أو كليهما حين قاد العريف حسن سريع الشيوعي التوّجه، حركة انقلابية مضادة ضد الحكم الانقلابي في 3 تموز (يوليو) 1963. واستولى في حينها على معسكر الرشيد ومعدّات وأسلحة واعتقل وزراء ومسؤولين عسكريين وحزبيين على مستوى رفيع.

*        *        *

          كنت آنذاك قد خرجت من المعتقل، حيث إعتقلت في " خان الهنود"، مركز شرطة النجف بعد ثلاثة أيام من الانقلاب، وفيما بعد نقلت إلى " الموقف الجديد"  تحت الأرض، وأطلق سراحي بناءً على توسّطات قام بها عمي الدكتور عبد الامير شعبان، لدى الحاكم العسكري العام رشيد مصطلح وناجي طالب الشخصية القومية البارزة وأحد كبار الضباط الاحرار الذين خططوا لثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وتوجهت منذ اليوم لاستعادة حريتي للبحث عن خيط يربطني بالحزب ويعيد صلتي، خصوصاً وقد كنت مفصولاً من الدراسة ووجدت ضالتي بجارنا وصديقنا عبد المنعم الجزائري ورفيقه شمسي الكرباسي صديقنا العتيق، الذي هُجّر فيما بعد إلى إيران في حملة السبعينيات ضد ما سميّ "بالتبعية الايرانية"،  وتوفي هناك في أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات. وكنت قد إلتقيته في دمشق في الثمانينيات.

وكان الجزائري والكرباسي قد اختفيا عن الانظار طيلة أشهر، وظلاّ على ارتباط مع بعضهما ومع رفاق محدودين وبعض الاصدقاء المقرّبين، لنقل بعض الأخبار والمعلومات. كنّا نلتقي ليلاً في دار الجزائري الملاصقة لدارنا وأخوه محمد حسن (صلة الوصل)، ونتبادل الاحاديث والأخبار، وأحياناً كنّا نخاطب بعضنا بعضاً من فوق السطوح، رغم الحذر الشديد وفي جنح الظلام، حيث كان يرمي رسالة على سطح المنزل ملفوفة بحجر وأفعل الشيء ذاته لتأمين الاتصال أحياناً.

          وكان ما يجري بيننا هو محاولة استذكار بعض الاصدقاء والرفاق والبحث عن مكان اختفاء ومعرفة مواقف المعتقلين والسعي للاتصال بمن يطلق سراحه ويكون موقفه جيداً أو غير منهار. وكنت من جانبي أنظمّ صلة خاصة مع المحامي حسن شعبان الذي كان قد أطلق سراحه بعد اعتقال دام بضعة أشهر في الموقف العام في بغداد، حيث كان عضواً في اللجنة التحضيرية لمهرجان هلسنكي للشباب والطلاب 1962، وكان شعبان قد تخرّج لتوّه وافتتح مكتباً للمحاماة، وظل مختفياً في النجف طيلة فترة حكم البعث، في زقاق معروف بإسم " عكد الخمايسي"، حيث كان لعائلته احدى الدور التي تؤجّر إلى زوار مرقد الامام علي، الذين يأتون للتبرك والزيارة، فإنتقلت إحدى المسنّات (العجائز) للسكن معه للتغطية أولاً ولرعايته واستقبال من كانوا يأتون إلى زيارته ثانياً، رغم إن عددهم لم يتجاوز 3 أشخاص كنت أحدهم.

ومن المفارقة إن بيت حسن شعبان (الذي يختفي فيه) كان مقابل بيت الشيخ عباس شعبان والد المناضل المعروف وهاب شعبان وأخيه عبدالإله شعبان، وكانت واحدة من الهموم التي تواجهنا هو كيفية التمويه على مكان الاختفاء، خوفاً من الثرثرة ونقل الأخبار، التي قد تصل إلى الطرف الآخر وبخاصة إلى الحرس القومي، ورغم استمرار اختفاء حسن شعبان (أبو مضاء) نحو ثمانية أشهر، فانه لم يعرف به أحد حتى من آل شعبان المقابلة بيوتهم لبيوت حسن شعبان أو القريبة منها!

كنّا نتبادل الرأي ونقوم بتحرّك محدود، وكنّا نراجع مواقف وردود أفعال السلطة والحزب وفيما بعد الحركة الانقلابية. (أي قبل وبعد الانقلاب). وبدأنا نسمع عن اختلافات داخل مجاميع الحكم والحزب.

وفي أحد الأيام داهمت قوات الحرس القومي بيت عبد المنعم الجزائري واعتقل الجزائري وكاد والدي أن يُقتل، حيث حاول بعض أفراد الحرس القومي أن يوجه رشاشته إليه، لمنعه من محاولة اقتحام الدار، لاعتقاده أنهم جاءوا لاعتقالي مرة أخرى، وليس لإعتقال جارنا الجزائري. وفوجئنا بأن الحرس القومي، تسلّق دورنا وقام بعملية أشبه بالانزال لإعتقال عبد المنعم الجزائري.

كهذا تفرقت الحلقة المصغّرة، وبقيت أتصل بحسن شعبان، الذي كاد هو الآخر أن يقع في الفخ، حيث داهم أفراد الحرس القومي داره وفتشوا عنه عدّة مرّات، لكنهم لم يعثروا عليه، فقد استطاع عبر السطوح القفز إلى سطوح دور متلاصقة وتمكّن بعد ذلك من الإختباء في مخبئه الذي أشرت إليه، في " بيت الزوار". وكنا نطلق عليه إسم بيت " الحاج شيخ". ولا أدري من أين جاءت التسمية، ولكن ذلك كان بمثابة إسم سري لمكان اختفاء حسن شعبان!؟

 حاولت بعدها الاستفسار عن عبد النبي حسن الدلال، فهو من الشيوعيين المعروفين في المدينة وكان مسؤولاً عن الخط الطلابي، فاضافة إلى كونه جارنا، فهو صديقنا أيضاً وكان لفترة قصيرة قد تناوب في الاشراف على خليتنا مع أنيس كاشف الغطاء، وكان المسؤول عن خليتنا  رحيم كاطع الغزالي.وكنت أعرف إن الصديق عبدالنبي " أبو فاروق" لم يعتقل، وحاولت الاتصال بأخيه حميد حسن الدلال، الذي زارنا إلى المعتقل أكثر من مرّة ونقل لنا الأخبار، وكنّا قلقين عليه مع إعجابنا بشجاعته في تلك الظروف، وكان يخبرنا إنه مرسلٌ لمعرفة أوضاعنا (حصل ذلك قبل منع المواجهات ومنع استلام الأغذية من خارج التوقيف)، وعرفت إن حميد الدلال اعتقل أيضاً، في حين هرب عبد النبي إلى إيران.

إتصل بي بعد ذلك أحد الرفاق الذين كنت على صلة بهم، وسبق وأن كنا في خلية واحدة عام 1962. وبعد أن تم جسّ النبض كما يقال، فاتحني للعمل في التنظيم الجديد، الذي قال إنه يعرف أحد " الرفاق"، الذي يريد الاتصال بي، لكنه بسبب عدم وجود معرفة سابقة، فضّل إرساله، وهو على علاقة خيطية كما أبلغني، وكان متحمساً للعمل.

ثم جاءني أحد " الرفاق" الذين لم أكن قد تعرفت عليه سابقاً، وأخبرني بأنه مندوب الفرات الاوسط، وأن صلته مع القيادة المتبقية وذلك لغرض تطميني من موضوع إحتمالات الاندساس أو التواطؤ، خصوصاً وإنه لمحّ لي بأن المرجع هو لجنة التنظيم المركزي، ولم أكن أفقه من ذلك سوى " الإسم"!

وعرفنا فيما بعد أنه مرسل أو بالتنسيق أو ضمن خطة جمع الرفاق من مركز الفرات الاوسط، الذي كان بقيادة الرفيق " باقر ابراهيم"، وكان بصحبته الرفيقين عدنان عباس وكاظم الجاسم، إضافة إلى زكي خيري (الذي كان معاقباً بسبب كتلة الأربعة التي ضمت خيري وعامر عبدالله وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس والاخير استشهد تحت التعذيب عام 1963، ضد سلام عادل، وكان زكي خيري يقضي فترة اعادة التأهيل في لجنة قضاء الشامية، ثم في لجنة الفرات بعد انتقاده لنفسه، كما تقضي التقاليد الحزبية الصارمة آنذاك). وهذا الامر عرفته لاحقاً بالطبع من خلال العلاقة مع بعض الرفاق وكذلك من خلال النشر وبخاصة من خلال: مذكرات زكي خيري وبهاء الدين نوري، وباقر ابراهيم الذي يذكره بالتفصيل مع بعض النوادر والتعليقات المثيرة!!

وبالمناسبة فقد حدثني عدنان عباس (عضو اللجنة المركزية سابقاً) عن وجوده في النجف خلال إنقلاب 8 شباط(فبراير) وكان حينهاعضواً في منطقة الفرات الاوسط ومن قياداتها التاريخية، وانه غادر النجف لآخر مرة بعد مرور نحو شهر على الانقلاب، وسار على الاقدام إلى ريف الكوفة بصحبة باقر ابراهيم وزكي خيري وكاظم الجاسم، وترك المسؤولية في تنظيم النجف إلى محمد موسى، وهو أحد الابطال الشعبيين، الذين لهم مكانة خاصة في النجف وكان يسكن في منطقة الجديدة في بيت حزبي، وفي اليوم نفسه الذي غادر به عدنان عباس (أبو ناديا) والرفاق الآخرين، البيت الحزبي فجراً، تمّ مداهمة الدار واعتقل محمد موسى بعد أن اعتقلت خالته، وكنت معتقلاً خلال تلك الفترة، ووقع عليّ الخبر وقع الصاعقة للعلاقة التاريخية بالرجل، منذ أن كنت طفلاً ثم فتىً، ولاعتقادي أن هناك حقداً دفيناًضده ومن المحتمل الاّ نراه ثانيةً. وكان محمد موسى قد قاد تظاهرة يوم 8 شباط (فبراير) وألقى خطاباً نارياً وتحريضياً ضد الانقلابيين بالقرب من الصحن الحيدري (باب القبلة- مدخل شارع الرسول المعروف بشارع موسكو) واستمر ظهوره في أزقة النجف لنحو ثلاثة أيام، ثم اختفى عن الأنظار وكان معه خلال تلك الفترة رفيق من الموصل يدعى فيكتور، ولا ادري أين حلّ به الدهر!!؟

بعد اعتقاله وتعذيبه في النجف، نُقل محمد موسى إلى الحلة وهناك تعرّض للتعذيب أيضاً، حيث كان سابقاً مسؤولاً حزبياً لقضاء الحلة باشراف من الصديق صاحب الحكيم الشخصية الشيوعية التاريخية في منطقة الفرات الاوسط، مسؤول محلية الحلة، الذي اعتقل عام 1962 في الحلة، ومن الحلّة أرسل محمد موسى إلى بغداد واختفى أثره في قصر النهاية. ولدى الباحث دراسة خاصة عن محمد موسى وشهادات لبعض من عرفه، سينشرها قريباً وكنت قد إلتقيت في المعتقل بآخر ثلاث أشخاص كانوا مع محمد موسى، وهم عامل المطبعة الكادر يحيى طربال وعضو اللجنة المحلية مجيد الحلوائي (اخ جاسم الحلوائي) ورفيق آخر إسمه محسن (عضو محلية)، وذلك بعد أسابيع من التحقيق والتعذيب معهم، حيث تم نقلهم إلى الموقف الجديد " تحت  الارض"، وهناك استفسرت منهم عن آخر تفاصيل اعتقال محمد موسى. وكان محمد الحياوي عامل النسيج والمتفرّغ الحزبي معتقلاً معنا، وهو على معرفة وثيقة مع محمد موسى، ونقل لي كيف استطاع الزوغان عام 1957 من الفخ المنصوب له، وانقاذ ما يمكن انقاذه، كما روى لي كيف تم كبس المطبعة!؟

قبيل هذه الفترة ذاتها تقريباً وصلنا خبر اعدام سلام عادل (أبو ايمان) أمين عام الحزب وحسن عوينه (أبو فلاح) ومحمد حسين أبو العيس، حين أذاع راديو بغداد النبأ يوم 7 أو 9 آذار (مارس)، وكان وقع هذا الخبر ثقيلاً ومؤلماً لدرجة الإحباط، حيث تبدّدت الكثير من الآمال، وشعر الكثير منّا بالقنوط، وترافق ذلك بنقل مسؤول السجن (المعتقل) صاحب الحكيم إلى جهة مجهولة وتعرّضه للتعذيب في مركز الحلة، ثم في بغداد (مركز المأمون). وكان الحكيم مربياً حقيقياً لنا لا ينام الاّ بعد أن ننام، ويسهر على كل صغيرة وكبيرة في المعتقل، إضافة إلى مكانته الحزبية كان مهاباً من المعتقلين العاديين، وظلّ يعمل بصمت وصبر وتواضع طيلة حياته، رغم تعرّضه لإجحاف وإساءات وجحود في الثمانينيات!

ولا يمكن لباحث منصف كتابة تاريخ النجف الشيوعي، إضافة إلى تاريخ الفرات الاوسط، دون أن يخصص حيّزاً مهمّاً لصاحب جليل الحكيم (وهو من عائلة دينية من سدنة الروضة الحيدرية)، عملت والدته منذ الخمسينات مراسلة حزبية مع سجن نقرة السلمان، واعتقل هو لأول مرة عام 1950، وقد فصل من الدراسة عام 1953 بعد أن اختفى عن الأنظار، وخلال هذه الفترة إحترف العمل الحزبي، وبعد ذلك، اعتقل عدّة مرّات في العهد الملكي وحُكم عليه بعد انتفاضة العام 1956 لمدة عام، وبعد عام 1958 كان عضواً في محلية النجف ورئيساً لاول اتحاد طلابي منتخب بعد اعادته إلى الدراسة، وكان مسؤول اللجنة المحلية يومها محمد حسن مبارك (أبو هشام)، ثم أصبح صاحب الحكيم مسؤولا للمحلية أواخر عام 1959 أو بداية العام 1960، وكانت يومها تضم: د.خليل جميل الجواد (الطبيب المعروف والشخصية الاجتماعية البارزة) عبدالسادة الخباز (أبو لميعة)، محمد موسى، المحامي حسين الرفيعي، علي النوري (من كربلاء)، ساجد حمادة!! (من الديوانية)  ومحمد رؤوف الجواهري ومحمد الجواهري، واستمر في ذلك حتى مطلع العام 1962، حيث سلّم مسؤوليتها إلى أنيس عباس ناجي. وانتقل ليكون مسؤولاً عن محلية الحلة(بابل) وقد اعتقل في أواخر العام 1962، ونقل بعدها إلى معتقل النجف وهناك إلتقينا به، ومنه بعد الانقلاب إلى الحلة ومن الحلة إلى بغداد " مركز المأمون" وبعد ذلك إلى سجن نقرة السلمان، وأطلق سراحه أواخر العام 1964 أو أوائل العام 1965 حيث عاد إلى صفوف الحزب.

كان حلقة الوصل بيننا وبين التنظيم الجديد هو عدنان الخزرجي، الذي عرفت إسمه فيما بعد وإلتقيت به أثناء اشراف لي على تنظيم ألمانيا الطلابي في العام 1973. اعتقل الخزرجي (الذي تخرّج من ألمانيا- دكتوراه في الفلسفة لاحقاً) خلال حملة جديدة مكثفة بعد مقتل محمد رضا الشيخ راضي، أحد ابرز المسؤولين البعثيين في النجف والذي اشتهر بقسوته، على أيدي فلاحين شيوعيين أثناء زركة من الحرس القومي على ريف منطقة العباسيات في الكوفة وبحثاً عن المحامي حسين الشعلان، وبعد أن تعرّض للتعذيب في مقر الحرس القومي نقل إلى الديوانية، ثم حُكم عليه وأودع في سجن الحلّة الشهير، وترافق ذلك أيضاً مع قيام حركة حسن سريع.

*        *        *

          شكّلنا لجنة للتنظيم الجديد، باسم لجنة النجف- للحزب الشيوعي العراقي وضمت بعض الرفاق من الكوفة وأبو صخر، وكانت امتداداتها واسعة وصلت حسب احصاءات آخر اجتماع لها نحو 60 رفيقاً وصديقاً وجمعنا تبرعات واشتراكات نحو 50 ديناراً آنذاك، حاولنا ارسالنا إلى مركز الحزب في الفرات.

          كانت اللجنة المسؤولة مؤلفة من عدنان الخزرجي ومحسن القهواتي، الذي كان عاملاً في احدى مطابع النجف (لا أتذكر ان كان مطبعة النعمان أو المطبعة الحيدرية). وكان يدرس في المدرسة الاعدادية (المسائية على ما أتذكر) وكفاح سميسم وصادق مطر وعبد الحسين شعبان وانضم إلينا علي الخرسان، الذي كان معتقلاً قبل انقلاب شباط (فبراير)، أي منذ أيام عبد الكريم قاسم الأخيرة، واطلق سراحه، وكان السبب في اعتقاله انه قام بتوزيع منشورات للحزب في مقاهي النجف بصورة علنية، كجزء من خطة الحزب آنذاك للفت الانتباه إلى مواقفه وبخاصة حركته الجماهيرية قبل سقوط قاسم، وكان علي الخرسان إسمه الحزبي (وائل)، في الخليّة ذاتها التي عملت فيها لبضعة أشهر، وكان فيها قبل ذلك جبار رضا عبدننه (العلي) (ناهض) وكوثر الواعظ (هيثم) (الدكتور- طبيب الاسنان)، الذي كانت عيادته في السبعينيات ملتقىً للشيوعيين واليساريين وكان قد اعتقل عام 1963 في النجف، ونقل بعدها إلى سجن أم عباسيات، وعندما أطلق سراحه أعيد إلى الدراسة بعد فصلنا جميعاً، ثم أكمل دراسته في الاتحاد السوفييتي، وهو أحد الوجوه الاجتماعية المعروفة، وطارق شكر الذي اعتقل معنا أيضاً، ثم هاجر إلى الكويت وعند هروبي العام 1970 بعد صدور أمر بإلقاء القبض عليّ، إلتقيته في الكويت، كما إلتقيت أحد الشيوعيين القدامى واسمه موسى مشكور، الذي كان يعمل كاتباً لدى جديّ في خان شعبان وهرب إلى الكويت العام 1963 وبقي هناك، وبعد الغزو الصدامي للكويت انتقل للعيش في ساندياغو (الولايات المتحدة) منذ العام 1990 وكان آخر لقاء لي مع طارق شكر في العراق العام 2003 بعد عودتي إلى بغداد.

وارتبط بهذه اللجنة أعضاء وأصدقاء كثيرون أتذكّر منهم محمد صادق الكويتي، عبد الامير السبتي، وهاب شعبان، طارق شكر (الصراف) ناجي الدباغ، وعبد علي الشرقي وعبد الامير الغرّاوي، باسم كمونة، حميد الدباغ (عامل) وعلاء عاتي ورواء مرتضى فرج الله وغيرهم، وكان لدى الشرقي وحده أكثر من 10 أصدقاء أو رفاق مقطوعين.

          كنت قد فصلت من الدراسة بعد اعتقالي، كما فصل آخرون. وكان التحرّك الأول للجنتنا هو المطالبة باعادتنا للدراسة أو اعتبار فصلنا بمثابة تأجيل سنة لأسباب طبية(صحية) ونجحنا في ذلك عشية الامتحانات النهائية. كما قمنا بفضح عملية تسريب الأسئلة الامتحانية للبكلوريا للجماعات المحسوبة على السلطة آنذاك، والتي كانت فضيحة صارخة، اضطرت السلطة والإتحاد الوطني المحسوب عليها إلى الاعتراف، بها ولكنها حاولت إلصاق التهمة بالشيوعيين والعناصر المندّسة حسبما جاء في بيان رسمي حول سرقة الأسئلة الامتحانية.

كنّا بشكل عام وهذا ما عرفناه نتلقى التعليمات من مركز باقر ابراهيم، أو شيء اسمه " منطقة الفرات الاوسط"، أو هكذا ركب الإسم في رؤوسنا، وكسبنا بعض الاصدقاء الجدد وأعدنا علاقات بعض المنقطعين بمن فيهم عامل الكهرباء عبد الحسين الشيباني، الذي كان يعيد كتابة البيانات بخطه الجميل. وكانت تحذيرات المركز بضرورة المحافظة على النفس واليقظة ازاء الاندساس. وأعتقد أنها كانت تمتاز ببعد نظر في تلك الفترة العصيبة وتحدّ من اندفاعاتنا، ولعلّ بعضها يقترب من التهوّر أحياناً.

          عقدنا 4 اجتماعات اثنان منها في بيت عبدالله الشمرتي صديقنا ورفيقنا، الذي فضّل تقديم جميع التسهيلات لنا دون أن يكون عضواً في الحزب (المقصود التنظيم الجديد) وظل على موقفه هذا، لكنه تعرّض فيما بعد للاعتقال وكاد أن يُرمى في السجن ويُقدّم إلى المحاكمة، حيث جلب لنا بيانات ووثائق من الحزب الشيوعي السوري، وألقي عليه القبض في الحدود، وأقتيد مخفوراً ولولا تدخلات أحمد الشمرتي المعروف بعلاقاته الواسعة لأودع السجن. وكان أنذاك يتردّد على دمشق للتسجيل في كلية الحقوق.

           لا أتذكر إنْ كان آخرون قد انضموا إلى اللجنة، ولكنني أتذكّر إننا كنّا في حالة توسع شديد. وعقدنا اجتماعاً في الكوفة في جامع الكوفة الشهير تمويهاً لرجال الحرس القومي وآخر في منطقة الجسر في بستان لاحد الفلاحين من اصدقائنا بواسطة تسهيلات من رفيقنا محمد الكويتي وسهام ماضي.

 

كانت حملة الاعتقالات سريعة ومكثفة، فقد اعتقل الخزرجي وبعده اعتقل محسن القهواتي، كما اعتقل كمونة وآخرون. واضطررنا إلى قطع الاتصالات والهرب حسب إتفاق كان بيننا، خصوصاً بعد أن عرفنا بواسطة رفيقنا علي الخرسان، عن طريق الحلاّق خضير الجزائري، الذي نقل له رزاق كشكول عضو قيادة منظمة البعث والحرس القومي اكتشافهم لحلقات من التنظيم الجديد واعتقالهم لبعض العناصر، وإنّ الحملة ستكون مركزة وخاطفة.

*        *        *

هربت إلى بغداد، التي كنّا نقضي فيها أوقاتاً طويلة ولدينا فيها الكثير من البيوت والعلاقات والأقارب والأصدقاء. إستأجر والدي سيارة تاكسي(أجرة). وكنت قد ذهبت مشياً على الأقدام إلى خارج المدينة وبعد نقطة التفتيش، التي هي في حي السعد، ركبت من هناك في السيارة، وكنت قد بت ليلة خارج البيت احتراساً من احتمالات الاعتقال. وفي بغداد اتصلت بلجنة الكاظمية أو بقاياها ومع بعض الأصدقاء والرفاق. وكان آخر تشكيلة لها بقيادة محمد أمين الاسدي (المحامي فيما بعد) الذي بادر مع نخبة لاعادة تشكيل التنظيم الجديد، لكنه اضطر إلى الهرب إلى إيران بعد انكشاف حركتها.

وبواسطة صديق خياط يدعى صادق وصيدلي إسمه عبد الأمير السعدي (كان طالباً آنذاك) وهما يسكنان في منطقة النواب حصلنا على صحيفة " طريق الشعب"، التي صدرت في حزيران (يونيو) العام 1963، وحرّرها في حينها عبد الجبار وهبي " أبو سعيد" وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي، قبل إلقاء القبض عليهم واعدامهم في تموز (يوليو) العام 1963، أي بعد شهر تقريباً من صدور أول عدد من صحيفة طريق الشعب، التي انعشت الكثير من الآمال، لكن تسارع الأحداث وفشل حركة سريع وفيما بعد اعدام العبلي والحيدري وأبو سعيد، سبّب بعض ردود الفعل السلبية وبخاصة في الجوانب المعنوية.

كنت " أختفي" أو هكذا يخيّل إليّ في منطقة الإنباريين في الكاظمية في بيت عمي شوقي شعبان، الذي كان معتقلاً في النادي الاولمبي وقبلها في الكاظمية واستقرّ به المقام في الموقف العام ببغداد (القلعة الخامسة). وأتحرّك بين بيت جدي التاجر المعروف الحاج حمود شعبان، في منطقة سوق حمّد (تانكي الماء)،  الذي دوهم بيته في أيام الانقلاب، حيث كانت المقاومة في المدرسة المقابلة له، وأصيب بعدها بأيام بجلطة قلبية وصاحبه مرض القلب، بضعة شهور لم تمهله طويلاً، وعلى أثرها توفي في بيروت آب (أغسطس) العام 1963، وكذلك في الأسواق التجارية حيث الكثير من أقاربي ووالدي يعملون في تجارة الأقمشة، وكانت السوق التجارية أرضاً خصبة لسماع الاخبار، من جهة ولمعرفة بعض توجّهات الحكم وخفاياه من جهة اخرى، حيث كانت ترد الكثير من المعلومات التي أسمعها وأدققها وأنقلها إلى الموقف العام عند زيارة  عمي شوقي.

ونقلت لهم في إناء خاص صحيفة الشعب بعد تمويهات كثيرة وكانت عمتي أمينة هي التي حملت " البريد" مع الكثير من المأكولات والحلويات دون أن تدري حقيقة ما يتضمنه. نقلت لهم بعد أول مواجهة في ذلك الصيف الساخن والملتهب  تداعيات حركة حسن سريع، وكان الرأي السائد عندهم وفي الشارع المؤيد للشيوعيين هو خطأ الانتظار طالما كانوا قد بدأوا بالتنفيذ، ولذلك كان لا بدّ من "تصفية" القيادات السياسية والعسكرية، التي وقعت في الفخ واعتقلت أثناء وصولها إلى معسكر الرشيد، لأن الأمر اقترب من التردّد وهو ما أوقع الحركة في عدم الحسم والحزم ازاء الخصم، في لحظة إقتضت اتخاذ قرار حازم وسريع والمبادرة لحسم المعركة، لأن الانتظار سيعني تمكين الطرف الآخر من تجميع صفوفه ومن ثم الانقضاض وهو الطرف الأقوى وهذا ما قاد الحركة إلى الفشل والى المزيد من التنكيل بالشيوعيين.

ولعل حادثة قطار الموت قد تمت بعد هذا التاريخ، حيث اقتيد بضعة مئات من الشيوعيين معظمهم من العسكريين في قطار خاص بالحمولة وفي ظروف مناخية سيئة وكانت أرضه عارية الاّ من الاسفلت وبدرجة حرارية عالية في صيف قائض، حين انعدمت التهوية بعد اغلاق الابواب وكاد الجميع يموتون، لولا السرعة الفائقة التي قاد بها سائق القطار" عبد العباس المفرجي" وهو والد الصديق مظهر، ووجود أطباء في القطار نفسه اضافة إلى اسعاف أهالي السماوة . ومن الطريف بالذكر ان عبد العباس المفرجي، الذي أنقذ المعتقلين اعتقل هو الآخر، ونقل معهم إلى سجن نقرة السلمان.

 كما إن عدم توزيع السلاح والتنسيق مع قطعات عسكرية أخرى وتنظيمات أخرى ساهم في تقوقع الحركة وانتهائها، رغم البطولة والشجاعة، التي تحلّى بها حسن السريع وزملائه سواءً عند الاقدام أو في المحاكمة فيما بعد وتحمّل التعذيب ومواجهة الموت ببسالة وثقة.

وهنا أريد أن أتوقف قليلاً فيما ساد في أوساطنا من ارهاصات وارتباكات وردود فعل سواءً كانت تنظيمية أو شبه تنظيمية أو فردية على شكل اجتهادات أو حالات من الجزع وعدم الصبر. وحتى هذا التاريخ لم أقرأ دراسة أو بحثاًً عن حركة السريع، باستثناء كتاب الصديق د. علي كريم، الذي ظل يدور في اطار كتابه الخاص بتدوين مذكرات طالب شبيب، والذي صدر بعنوان: من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، ولعلّ هذا الحدث وأحداث أخرى لم يسلّط عليها الضوء الكافي لنقدها وبحثها من زاوية موضوعية، فالبطولة شيء والحدث ما ترّتب عليه وطريقة التفكير شيء آخر!!

قبل هروبي من النجف بأيام وصلنا ما يسمى بالانذار" ج"، تشبثاً بالانذارات العسكرية. وكان الأمر محصوراً كما قيل لنا بعدد محدود من الكوادر، ولا ندري ما هو دورنا وتأثيرنا لكي نبّلغ بمثل هكذا سرّ خطير (إنْ وجد)، اذ لا بدّ من الاستعداد لأحداث مهمة قد تجري سريعاً، وعلينا مراقبة الموقف والتهيؤ لأية إحتمالات. ولم نكن ندرك حقيقة الأمر، فنحن مجموعة قليلة أولاً وصغيرة السن ثانياً وتجربتنا بسيطة آنذاك ثالثا،ً ومعرفتنا وثقافتنا محدودة وبخاصة في الجوانب العملية والحياتية رابعاً، وخامساً ولم يكن لأي منّا معرفة في الامور الخاصة بالدولة والحكومة والجيش. فما معنى الانذار "ج"؟

كان السؤال الذي راودني كثيراً وأعتقد أنه راود الزملاء الآخرين " وماذا بعد!؟ " بعد يوم أو يومين ألغي الانذار، ثم تكرر الأمر مرة أخرى وأخرى. وفي بغداد تكرّر الأمر كذلك، وهو ما تكرّر على نحو أشد وأوضح بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1963. ربما كانت بروفات لإعادة الثقة بالنفس وقد تكون بصفتها توجهات فردية، ولكن رد الفعل كان عكسياً معي، فبعد مرّة أو مرتين بدأت أهمل هذه الانذارات " الخلبيّة" كما سميّت فيما بعد.

أما الهدف وبخاصة بعد الانقلاب الثاني بقيادة العقيد (المشير) عبد السلام عارف، فقد كان يسعى إلى بعث الثقة في النفس وشحذ الهّمة والروح الجهادية واختبار درجة الاستعداد والجاهزية. قد يكون الأمر من باب رفع المعنويات أو حتى المبالغات في القدرات الذاتية أو شيئا من الاجتهادات الشخصية أو العلاقة مع بعض العسكريين. ولكن الأمر لم يكن يخلو من مفارقات.

كنّا نسهر أحيانا أنا وعلي الخرسان بعد استكمال بناء بيتنا الجديد في حي السعد، في الحديقة أحياناً وفي السطح أحياناً وبجوارنا الراديو وننتظر حتى نمّل وتأتينا بعد أيام بعض الاخبار " المقنعة" وغير المقنعة، بأن أمراً ما كاد أن يحدث، لكن الظروف استوجبت التأجيل. وأخذ الأمر بُعداً آخر بعد العام 1965 أيام ما سمّي " بالعمل الحاسم". وهذا حصل بعد انهيارات كثيرة في المعنويات وفكّ ارتباط وزعل على الحزب بسبب خط آب في حينها، وضمن مستوى الوعي والادراك السائد آنذاك، إضافة إلى نزعات التشدّد و" التياسر" والارادوية، التي كانت سائدة وظلّت إلى حدود غير قليلة في أوساط الحزب، ناهيكم عن الذكريات المؤلمة للفترة السابقة.

لكنني بكل صراحة وأقولها للتاريخ لم أكن أدرك حقيقة ما يجري فعلياً رغم إن قناعتي كانت إن الحزب لا يستطيع أن يعمل شيئاً قبل أن يضمد جراحاته العميقة ويعيد لحمة ما تبقى ويصحح نهجه السياسي ويتخلّص من تردّده وحركته البندولية، وهي سمة ظلّت ملازمة لقيادته مع الأسف الشديد.

أتذكر مرة وكنّا ما نزال في المعتقل، كان هناك من يحاول أن يبعث الامل في نفوس البعض، عن طريق أخبار يبّثها بإحتمال قيام حركة مضادة للبعث، وإن فلان وفلان من الرفاق لم يعتقلا، وان الفرع الكردي يستعد للتحرك، واذا جرى التنسيق مع قيادة البارتي (بزعامة البارزاني) سيكون الأمر مضمونا تماماً، وإن الحركة الانقلابية بدأت تتآكل وربما تنهار، وعندما سمع انفجاراً حدث، وسمعنا دوّيه في يوم مولد النبي محمد (ص)، في احتفالية في الميدان الرئيسي للمدينة، حيث يوجد " خان الهنود" هتف قائلاً إنه الانذار "ج". وسترون من يكون في الواجهة!؟ وأخذ يذكر إسم العقيد غضبان السعد وسعيد مطر وآخرين.

واتّضح إن القضية هي مجرد سقوط كراسي حديدية وربما انفجار قنينة غاز، هاج على إثرها الجمع وردّد الفلاحون هوستهم الشهيرة " مليوصة يا حسين الصافي "، حيث كان متصرّفاً (محافظاً) للواء الديوانية (القادسية) وجلب الفلاحين في سيارات كبيرة للمشاركة في الاحتفال المذكور، الذي إنفض بفضيحة، ظلّ الجميع يتندّرون بها.

وحيث كنّا في " خان الهنود" استجلينا الأمر من كاكه حمه الشرطي المكلف بحراسة غرفتنا، بما حصل وعرفنا الحقيقة، واذا بصاحبنا ينطفئ فقد كانت حماسته تعويضاً عن شعور بالمرارة من جهة، وتشبثاً بالامل من جهة أخرى، وغالباً ما كانت تحدث قضايا ومواقف مماثلة ومتناقضة من هذا القبيل!!

*        *        *

كنت أتوجّه بسيارة خالي ومعي والدي وأحد أقاربنا إلى بغداد من الكاظمية وعبرنا جسر الأعظمية (جسر الأئمة) واذا بالحرس القومي يوقف سيارتنا في نقطة التفتيش. وطلبوا هوياتنا وعرفنا منهم أو هكذا قالوا: إن انقلابا شيوعياً " أبكَعاً " قد حدث ولكنه فشل. وكنت يومها أحمل " طريق الشعب" في جيبي (وهي مطبوعة على الآلة الكاتبة ومعها نسخة أو نسختين بخط اليد). وكاد يغمى عليّ، خصوصاً بأخبار "الانقلاب الفاشل" وقبلها "انتفاضة معسكر الرشيد" واحتمال اكتشاف أمري. بعد لحظات تنفسّت الصعداء فقد سمحوا لنا بالمرور وحمدت الله على انهم لم يفتشوا جيوبنا، والاّ سيكون مصيري في كف عفريت. فمن يدري ماذا سيكون رد الفعل المباشر؟

بعد وصولنا إلى سوق المرادية وفي خان شعبان الذي كان لجدي الحاج حمود شعبان، أطلعت نعمان شعبان على الجريدة، التي قرأها بخوف شديد فوق سطح الخان، ثم قمت برمي ما عندي في أطراف شارع المتنبي بعد ذلك وبالقرب من نقابة المحامين، ونعمان الذي توفي في أوائل التسعينيات هو صديقي وأقاربي وكنت صلته بالحزب، وقد مثلّ الحزب في الجمعية العراقية للعلوم السياسية العام 1969 في قائمة مشتركة مع حزب البعث والحركة الكردية والحركة الاشتراكية العربية، وكان ذلك من التحالفات الأولى بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) بين الشيوعيين والبعثيين، كما كان عضواً في لجنة طلابية سابقة ضمّت حكمت سليمان(من الموصل) وعطية فاضل (الدكتورة في الاقتصاد لاحقاً) وعبد الامير صالح السعدي (انتمى إلى الحزب الحاكم لاحقاً وهو غير الذي ورد ذكره ) وزميل كان محسوباً على ملاك القيادة المركزية سابقاً إسمه (حسن).

عدنا إلى البيت سريعاً حيث كان الجو يميل إلى منع التجول واتصلت بأصدقائي والحلقة المصغرة في الكاظمية، لأستجلي الأمر منهم وأنتظر فيما إذا كانت هناك أية معلومات أو أخبار. واتفقنا على ضرورة اليقظة والحذر من الاندساس وانكار علاقتنا مع بعضنا في حالة اعتقال أحدنا.

علمت بان بقايا الحزب أو بعض منظماته المتقطعة، لم يكونوا يحبذوا قيام حركة في هذا الوقت بالذات ضمن وعينا آنذاك. ثم تأكد لي هذا الأمر بعد حوارات مع " أبو خولة" باقر ابراهيم أحد قادة الحزب التاريخيين وعضو المكتب السياسي لسنوات طويلة والمسؤول عن منطقة الفرات الاوسط خلال أحداث العام 1963، الذي علّق على مذكرات زكي خيري (عضو المكتب السياسي) ومقترحاته في حينها (العام 1963)، حول المبادرة بالهجوم على حامية النجف (العسكرية) أو ركوب القطار المتوّجه من الديوانية إلى بغداد والزحف ببضعة مسلحين من الفلاحين من هناك، وهي آراء كثيراً ما كانت تتردّد من باب رد الفعل وربما اليأس أو عدم الصبر أو بمكابرات " ثورية"، وهو ما دوّنه باقر ابراهيم في مذكراته. ولعلّ في هذا الجزء من مذكرات باقر ابراهيم ملء لي العديد من الفراغات في معلوماتي وفي ذاكرتي أيضاً.

ومثل تلك الفنطاريات الثورية والمغامرات كانت تتردّد بين بعض أفراد مجموعتنا الصغيرة، وكانت تلاقي صدىً وتُشمّر السواعد لجمع السلاح أو الاعلان عن فشل العمل السياسي أو غير ذلك. وأعتقد إن نظرة باقر ابراهيم كانت أكثر بعداً وواقعية من مثل تلك الاطروحات الصبيانية المغامرة، وحمداً لله لم يبادر البعض بتوريطنا مغبة اندفاعات غير محسوبة.

عرفت إن " أبو سلام" الشخص الذي كان اسمه يتردد في المحكمة، التي انعقدت سريعاً لمحاكمة حسن سريع، ورفاقه ظل مجهولاً، وربما ظلّت تلك احدى أبرز الحلقات المفقودة في حركة حسن سريع وبخاصة علاقة التنظيم المدني بالتنظيم العسكري، وكان الصديق طلال شاكر  " أبو ميلاد" قد حدثني عن جوانب خفية من علاقة حسن السريع ببعض تنظيمات الحزب، وعلاقة بعض رفاق وتشكيلات بقايا الحزب بالحركة، خصوصاً وإن هناك تجمّعات غير قليلة وتشكيلات مستقلة عن بعضها عملت باسم الحزب الشيوعي آنذاك قبل تجميعه فيما بعد وبخاصة بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 الذي أطاح بحكم البعث.

وقد حدّثني الرفيق عباس قاسم (بولس مراد) الذي عمل معي في جمعية الطلبة في براغ عندما كنت رئيساً لها، وكان متهماً بأحداث الموصل وسجن في حينها، ولكن أطلق سراحه عشية إنقلاب 8 شباط (فبراير)، بأنه ساهم في تلك التشكيلات وكان على رأس بعضها، وربما اعتقد أنه المسؤول الأول، إذْ لم يكن يعرف بأن هناك تشكيلات أخرى. وكان ذلك اثناء وجوده في براغ في السبعينيات وبعد خروجه من بغداد في أواخر العام 1965، وهذا الأمر حصل معنا أيضاً، فقد اعتقدنا اننا الوحيدون الذين يمسكون بتلابيب التنظيم، ولكن حسبما أعتقد وكما اتضح الامر بعد سقوط حكم 8 شباط (فبراير)، كانت مجاميع أخرى، وربما تنظيمات أخرى، وهذا ما حصل في بغداد ومدن أخرى أيضاً.

وبخصوص التنظيم الجديد عدت إلى النجف بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) وحاولنا اعادة تشكيل هيئة جديدة للنجف مؤلفة من شقيق عبد الرزاق السبيّس (لا اتذكر اسمه) وعباس فيروز (خياط) وحسون (عامل في مقهى) وعلي الخرسان ورفيق آخر نسيت اسمه وكاتب هذه السطور (طلاّب أعيدوا للدراسة). ثم جرى اتصال بيننا وبين منظمة العاصمة بواسطة بريد لا أعرف أو لا أتذكر كيف وصلنا، واتضح إننا نواة لما سميّ باللجنة الثورية ووزعنا بياناتها وبخاصة من قبل عبد الحسين الشيباني(عامل الكهرباء) وعلي الخرسان، وكنّا نعيد كتابة البيانات في فندق يعود إلى السيد هادي الخرسان (شقيق علي الخرسان)، ولكننا عرفنا ان مركز الحزب استعاد نشاطه ووصلتنا أدبيات وبيانات، واتصل بنا بعض الرفاق القدامى الذين نعرفهم ونثق بهم، مما أدى إلى انقطاع اتصالنا مع ما سمي باللجنة الثورية أو مجموعة ثورية متمردة على القيادة (لم أعد أتذكر ذلك)، أو بالاحرى لم أكن أميّز ذلك كثيراً لاعتقاد بعضنا أن نهجاً جديداً ثورياً قد بدأ بأسماء ثورية أو هكذا تصوّرنا ويعود الأمر إلى قلّة تجربتنا ، ولظروف العمل السري القاسية وانعدام الحريات.

ولا أدري إنْ كان ذلك نواة للجنة الثورية التي قادها سليم الفخري الضابط الشيوعي ومدير الاذاعة والتلفزيون في زمن قاسم أم جهة أخرى؟ وبالمناسبة فقد استدرج الفخري ورفاقه خلال تخطيطهم لحركة انقلابية ليقعوا في الفخ ويحكم عليهم بأحكام ثقيلة، ولم يطلق سراحهم الاّ بعد العام 1968، ومات سليم الفخري في لندن عام 1990 وحضرت حفل تأبينه، وظلّ في السنوات الأخيرة من حياته داعية لحقوق الانسان وكانت له علاقات متميّزة وواسعة مع الكثير من الشخصيات الوطنية العراقية .

لم نكن نفكّر رغم قلة تجربتنا بشيء أبعد من الحزب أو بديلاً عنه أو بارتباط خارجه، رغم سخطنا على بعض توجهات القيادة ومرارتنا بسبب النكسة التي حلّت بالحزب وتمزق شمله، خصوصاً وإن الكثير من الأسئلة بدأت تواجهنا وتراود عقولنا وشكلت تلك ارهاصات أولية لاختلافات فكرية ونظرية وعملية فيما بعد.

بعد هرب صلتنا (السبيس) إلى البادية (منطقة عرعر) حسبما أتذكر، انفرطت علاقاتنا التنظيمية. واتضح لنا وجود تنظيمات أخرى في الفرات والنجف. كما قمت بمحاولة تنظيم اتصالات جديدة لمجموعتنا مع منظمة بغداد عن طريق أحمد سنجر  وهو صديق حسن شعبانالموظف في احدى سفارات الدول الاشتراكية.

ثم ارتحلت عن النجف كليّاً حين إلتحقت بعد ذلك بجامعة بغداد (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) وداهمنا يومها خط آب، الذي صدمنا ورفضت تنظيمات النجف توزيع البيان الشهير، كما تم إتلاف حوالي 100 نسخة من صحيفة طريق الشعب، التي روّجت لخط آب الذي وصف " بالتصفوي والذيلي والانتهازي"، في محاكاته لسلطة عبد السلام عارف والسعي لتخفيض شعارات الحزب والدعوة المستترة والمعلنة لحل تنظيماته والانضواء في " الإتحاد الاشتراكي". ولم يكن ذلك بمعزل عن السياسة السوفيتيية، التي روّجت لفكرة "طريق التطور اللارأسمالي" وإمكان تحقيق التحول الإشتراكي عبر سلطة "الديمقراطيين الثوريين"، وهو ما جرى الحديث عنه في وقت لاحق خلال فترة التحالف مع حزب البعث في السبعينات، لكن رفض ومعارضة خالد بكداش لفكرة التطور اللارأسمالي وموضوع حلّ الاحزاب الشيوعية، مثلما حصل في مصر والجزائر، كان كفيلاً بإحداث نوع من الحراك في التيار الشيوعي العربي، ورغم ما يقال عن خالد بكداش من تبعية لموسكو، الاّ أن موقفه عام 1964 من هاتين المسألتين، كان شجاعاً ومبدئياً، رغم أن البعض يعتبر ذلك خطوة خارج السياق.

ولعلّ في تنصّل معظم قادة وأركان خط آب في الدفاع عنه فيما بعد خير دليل على فشله وعدم واقعيته، إذْ ليس من الممكن في أجواء الصراع وبخاصة بعد حركة حسن السريع، طرح مثل هذا الخط السياسي والفكري دون وجود مقدمات وتمهيدات، فضلاً عن مبررات موضوعية كافية، فقد كان غبار المعارك ما يزال يغطي الكثير من الزوايا، وأسئلة الضحايا كانت ما تزال تستفهم وتطالب بالعدالة، واذا كان بعض أقطاب خط آب قد اتجه إلى فكرة " العمل الحاسم" النقيضة، فإن باقر ابراهيم كان، استثناءً، حيث ظلّ أميناً لمواقفه  وهي مسألة تبعث على الاحترام بشأن الدفاع عن الرأي والثبات على المواقف، رغم الاختلاف في وجهات النظر في تقييم الحدث، وقراءة المستجدات التي أعقبته ، بما فيها المتغيّرات والتطورات وما أفرزته الحياة ذاتها!

أعتقد إنه آن الآوان لإجراء مراجعة انتقادية للتجرية بما لها وما عليها، خصوصاً ونحن نتعاطى معها الآن باعتبارها ماضياً لا يمكن استعادته، وليس من باب التنديد أو التمجيد، بقدر ما هي تجربة علينا إعادة قراءتها بالارتباط مع مجمل تاريخ الحركة الشيوعية، بما فيها ممارساتها السلبية والخاطئة وردود فعل الآخرين إزاءها، وبخاصة المجازر التي ارتكبت العام 1959 في الموصل، وفيما بعد في كركوك، وتشجيعنا وحثنا على إعدام العديد من القيادات القومية والبعثية، بمن فيهم من الضباط الاحرار الذين شاركوا في ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وفي المقدمة منهم: رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وغيرهما!! إضافة إلى محاولة الاستحواذ على الشارع وعزل وإبعاد الآخرين شركاء الأمس في جبهة الاتحاد الوطني، وما خلّف ذلك من احتكاكات بين تيارين متقاربين، لكنهما دفعا ثمن منافستهما غير المبدئية وغير الديمقراطية ومحاولات إلغاء كل منهما الآخر،  وهو الأمر الذي جلب الكثير من الكوارث على العراق، في العقود الأربعة الماضية، خصوصاً بتهميش الطبقة الوسطى وازدراء تيار الوسط الديمقراطي والسعي للاستئثار بالحكم وتصفية الهوامش الديمقراطية وتمجيد عبادة الفرد التي أوقعت البلاد في كوارث لا حدود لها، ابتداءً من الحرب العراقية- الإيرانية وغزو الكويت، وصولاً إلى ما تعرّض له العراق من حصار دولي ثم احتلال!!