البحث عن قران العراق الضائع

 

عبدالامير الركابي

 

 

ظل العراق، كبنية، وكتكوين مجتمعي، خارج الادراك، الذاتي، الوطني، وعلى مستوى مايسمى المعارف المجتمعية، بالاخص خلال ما استقرت عليه، اعلى درجات تطورها،خلال العصر الاوربي الحديث، ليس هذا وحسب، بل ان كل مايخص المجتمعات البشرية، ومحركاتها الفعلية، ومايقف وراء حركة التاريخ، قد ظلت بناء عليه، بمستوى ادنى من المطلوب، والواجب وعيه، وسواء تعلق الامر بنظرية ماركس "المادية التاريخية"، او اجمالي نظريات "علم الاجتماع" فقد ظلت الرؤية، وحدود العقل، ونطاق مدركاته، احادية، نابعة من نوعها الذي صدرت عنه من المجتمعات، اي ابعد من ان تكون، مقاربة للحقيقة المجتمعية، ومضمرات حركة التاريخ، وسيرورته، واغراضه الكامنة في المجتمعية التحولية، الازدواجية الرافدينية.

ان صورة المجتمعية المتداولة، والمتعارف عليها، باعتبارها "النمط"، او "النموذج المجتمعي"، هي بالاحرى صورة نوع من المجتمعية، بذاته، ينتمي من بينها للاحادية، الى جانب نمطين اساسيين اخرين، وجدت عليها المجتمعات البشرية، عند نقطة نضج هذه، ومع اكتمال مقوماتها، هي اولا: مجتمعات الدولة الاحادية، ومثالها نموذج الحضارة المصرية ( حضارة النهر الواحد، والمجتمعية الاحادية)، والثاني: مجتمعات "احادية اللادولة"، ونمطه مثلته في امريكا اللاتينية، حضارةالازتيك، والمايا، وعرفتها امريكا قبل الغزو الاوربي الاستيطاني، واستراليا قبل الغزو الاوربي، وبعض افريقيا، وبعض من اسيا، واما الثالث فهو مجتمع الازدواج، الجامع بين الاثنين، وهو فريد في نوعه على مستوى المعمورة، ونشأ ابكر من سواه في ارض مابين النهرين ( حيث حضارة نهرين، لانهر واحد، ودولتين لادولة واحدة، رغم انهما تعيشان في كيان واحد، وهو مالاشبيه له في اي بقعة من الكرة الارضية، يمتد ليصبح نمط الحضارتين، اي حضارة النهر الواحد، مثل الحضارة الاشورية، وبغداد ايام العباسيين، وبابل الفراتية، على نفس الارض، الى جانب الحضارة الاولى السفلى، الاساس، وخصوصيتها الثنائية، وليدة دوائر مجافية ثلاث، البيئة المعاكسة، واولهما نهران مدمران، معاكسان للدورة الزراعية، والدولة الاكراهية التوأم، والمحيط، خلف الجبال الجرداء، والصحارى الضاخه للسلالات، من كل الجهات عدا الجنوب، نحو مصب الهجرات، بؤرة الخصب، في ارض السواد، مايجعل العملية الانتاجية هنا قائمة، وتجري ابدا، على حافة الفناء، ويجعل المجتمعية الاولى السومرية، نمط مجتمع كوني، تحولي.).

وثمة داخل النمطين المجتمعيين، الاحاديين، تباينات واختلافات، مثل الفارق بين مجتمع اللادولة الاحادي الجزيري العربي، وبين اشكال مجتمعات اللادولة، في امريكا اللاتينية، بالاخص من حيث النمط الاقتصادي الغالب، فمجتمع الجزيرة، يحكمه اقتصاد الغزو المرتكز لتوسط تجاري قاري، ومجتمع الدولة الاحادي المصري، يختلف عن مجتمع اوربا الطبقي الاحادي، فاوربا الاحادية، هي اكثر واعلى مجتمعات صنفها، دينامية، بفعل قوة التناقض الداخلي، والانقسام الطبقي الافقي الحاد،ضمن بنيتها، مقارنه بالمجتمعية المصرية الاولى، الاحادية السكونية، الاجترارية.

لاسباب موضوعية، واخرى متاتية من طبيعة العقل، وحدوده المتاحة، خلال فترة المجتمعية الاولى، وعند اول اطوار اشتغاله، تغلبت خلال طور طويل من تاريخ الانسانية، الرؤية، او المفاهيم النابعة من المجتمعية الاحادية، ولان مجتمع الازدواجية التحولي، مفرد في بابه، ونوع بنيته، وتعقيدها الاستثنائي، مقابل كثرة مجتمعات الاحادية، وقربها من البداهة، وتدني طاقة العقل على الاسيعاء بداية، فان الانسان قد كتب عليه، المرور بمرحلتين من اعقال وجوده والعالم، الاولى احادية، طويلة، استمرت من بداية المجتمعية، الى الوقت الحاضر، واخرى في طريقها للانبثاق، والتحقق وعيا، قبل التحول لممارسة حياتية، وواقع.

ومع بدء تكشف قرآن ( كتاب) الازدواج العراقي، المؤجل، ينقلب العالم، ولاتعود اعلى اشكال المفاهيم المتعلقة بالحياة، والتاريخ، صالحة للاستعمال، فالتاريخانيات الاوربية الحديثة، واعلاها نظرية التحول للشيوعية، لاتعود مقبوله ازاء مفهوم "النشوئية العقلية"، ومسار تحرر الانسان من الجسد، اي كل مايعود لبقايا الحيوانية العالقة به، والباقية من زمن "التحولية، او الصيرورة الاولى الحيوانية"، وهذا يعني، تعدي وعبور نطاق مايعرف بنظرية "دارون"، عن الارتقاء، المنحصره في النطاق الحيواني، وبحدود "الحيوانية الصائرة الى الانسان العاقل المنتصب"، والعاجزة عن رؤية الاغراض الكامنه، وراء وجود الكائن الحي على الارض، والمتعدية للبيولوجيا الارضوية، الى العقلية، المتعالية، باتجاه الاكوان العليا.

لم يوجد الانسان ابتداء، من الخلية الاولى، وتحولاتها، ومسار صيرورتها، الى "الانسان العاقل"، لكي يقف امام حاجز الجسد، وبقايا الحيوانية العالقة، وليس سوى عقل هو اقرب الى التدني الحيواني، يمكن ان يقبل مثل هذا النكوص، امام حاجز، لايوجد اي دليل على كونه، عتبة نهائية، او مستحيلة التجاوز، بناء لممكنات الوجود، وقوة حضورالطبيعة، التي سبق ان حولت الخلية الاولى،عبر مراحل الصيرورة والتحول، الى الكائن المزدوج ( عقل /جسد)، قبل بدء زمن، و "صيرورة" تفارق المكونين.

غير ان "التحوليّة"، وهي خاصية وجدت بالاصل في الكائن الحي، الصائر الى انسان باعتبارها قوة الحياة، التي من دونها، لااستمرار، ولاصيرورة، كانت دائما محكومه لشروط تطابق مع ظروف تحولية بيئية، كامنه في الطبيعة، تترافق وتتفاعل مع قفزة استثنائية، تكون مودعة في الكائن الحي، وهي عملية انتخابية تطابقية، وليست عشوائية ـ كما قد توحي نظرية "دارون" ـ تغيرت مع المجتمعية، لتصبح بدل الفردية الاستثنائية،بالتداخل مع الطبيعة، مجتمعية /بيئية، بحيث يكون هنالك "مجتمع متحول"، وجد بالاصل بصفته قفزة واستثناء، كما هو مجتمع النهرين، وآليات العيش الابدي على حافة الفناء، التي تنتظم وجوده، ان العقل الاحادي، قد ظل الى اليوم، عاجزا عن ادراك كنه فرضية، ومن ثم احتمالية، او امكانية "التحول"، خلال زمن مابعد انبثاق العقل، وانتصاب الكائن البشري.

وقد تكون اهم واخطر الانغلاقات، التي ينكص عندها العقل الاحادي، التصورالمغلق المتاتي من فرضية الابدية البيولوجية، ولانهائية المجتمع والجسد، مايولد نمطا من الابتسار المفهومي المجتمعي، ويسيّد نوعا بذاته من المجتمعية، المتصفة بالتراكمية اللانهائية، مع استبعاد الاحتمال الاهم، كما هو متجسد في المجتمعية المزدوجة التحولية الرافيدينة، والمرتكز لاليات "اللامجتمعية"، و "اللاثباتية"، و "الضد مجتمعية"، المتطابقة مع، والسائرة نحو، مابعد مجتمع، ان تاريخ العراق، محكوم من بين كافة المجتمعات، لقانون "الدورات والانقطاعات"، الفناء بعد الصعود، عرف الى الان، ثلاث دورات، وانقطاعين حضاريين، الدورة الاولى السومرية /البابلية، اعقبها انقطاع استمر من سقوط بابل 539 قبل الميلاد، الى القرن السابع مع الفتح الجزيري الاسلامي، حتى القرن الثالث عشر، مع سقوط القمة الكونية، بغداد هذه المرة 1258، والى القرن السابع عشر، حين اخذت مفاعيل الانقطاع بالتراجع، وبدات دورة الصعود الحالية، الثالثة، بينما اللاثباتية واللاتراكمية، ان لم تكن "التبديدية المجتمعية" هي القانون الغالب، كما يقتضيه واقع الدولتين، والمجتمعين المتضادين، حيث الكيانية المزدوجة، غير ممكنه، ولاقابله للتحقق، او التجسد، سوى بالعبور الى اللامجتمعية، العتبة المفضية للتحول والانتقال الكوني الاكبر.

بهذا، وعلى مثل هذا الاساس، يصير من المستحيل، تصور انطباق احكام، وتقديرات، ونمط ممارسات، ماتزال غالبة، وتنتمي للمجتمعية الاحادية الزائلة، فضلا عن انعكاسات مستعارة عن اعلى اشكالها، على واقع مغاير لها، متجاوز، بنية ومفهوما، لكينونتها. والامر ينسحب هنا على عموم السردية التاريخية الاحادية، المركبه على تاريخ العراق من خارجه، كما هي معتمدة، ومتداولة الى اليوم، باعتبارها جملة من المصادرات، ومحاولات اكراه واقع تحولي، لامجتمعي، لاشتراطات من طبيعة وتكوين آخر، مختلف جوهرا وكليا، الامر الذي تلح اليوم ضرورة تفكيكه، وازاحة ثقله المتراكم من عقود طويلة، لصالح الرؤية الوطن /كونية العراقية، الناهضة، كتاب العراق الضائع، يقترب من التجلي، بمناسبة اخر تداعيات الحداثة، وعصرها، ونهايات مسارها، كما تتجلى اليوم، عند لحظة، انتهاء زمن الغيبة، وبدء الظهور، بمعنى اقتراب زمن التحول،ان مسار العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية، اخر اشكال تجلي الاحادية بنموذجها المتهالك، وافاق الثورة المتدرجة عليها، هي مما سيكون مناسبة لاماطة اللثام عن "كتاب" العراق الضائع، وعلو نظرته الكونية. الامر الذي سيغير مسار الاحداث، ودلالاتها، ومغزاها، كما يبدل شكل الممارسة، بدلالة تغير افقها، واهدافها، العراق اليوم يشارف على الذهاب، نحو تكشف كينونته، وجقيقته الكونية الكبرى.. ومعه العالم، والانسان، حيث البدء الكوني الجديد، الثاني، بعد البدء السومري الافتتاحي العظيم الاول.

مع العقد الاخير من القرن الماضي، بدا الفصل النهائي من تاريخ الاحادية المجتمعية، حتى بصدرة قمته الاوربية الحديثة، وما قد اعتبر بناء على التوهمات الغربية المتاخره، بمثابه انهيار للاتحاد السوفياتي، الاشتراكي، لصالح "الديمقراطية" الراسمالية، بما ينهي "التاريخ" ويصل به لاخر مطافاته، لم يكن بالاحرى، سوى عتبة اخرى فاصلة، من عتبات انهيار حضور الغرب، وغلبته النموذجية والتفكرية على مستوى المعمورة، تضاف الى ماقد عرف القرن، من علامات انهيار للمشروع الحداثي الغربي، ضمن القرن العشرين، سواء بدلالة غلبة الايديلوجيات القاتلة، الفاشية، والاشتراكية التوهمية، او الحروب الكونية، ماقد تسبب بمجموعه، بقتل قرابه 70 مليون انسان، من دون احتساب المآسي الكبرى، والدمار، المادي والنفسي، الواقع على الانسان.

انتهى القرن المنصرم، بتبدل كلي في اشتراطات الحياة، والتاريخ، فقد فيها الغرب طاقته على الضبط، على مستوى النظام الدولي، فالامبراطورية الامريكية المفقسة خارج رحم التاريخ، دخلت عصر الافول، والتخبط، في اللحظة نفسها التي كانت قد اعلنت فيها عن " النظام الدولي الجديد" اثر الحرب الكونية الاولى على العراق 19191 ، كما اعلن جورج بوش الاب، انتقالا الى "الشرق الاوسط الكبير"، ثم الصغير، في حين بدا مما لايقبل الجدال، ان ماحدث من غياب القطب المقابل "الاشتراكي"، قد تسبب باختلال غير قابل للعلاج، سرعان مابدا كبار الاستراتيجيين الامريكيين، وفي مقدمهم بريجنسكي، يصفونه بضياع الفرصة النادرة، قبل ان يبادروا لاعلان "افول الامبراطورية الامريكية الوشيك"، بينما كانت مراكز راسمالية اسيويه تعتلي سلم الصدارة، بسرعه، فلقد تغير العالم كليا، بالاخص مع تراجع فعالية الانتاج الالي، والحضور الداهم، لشكل الانتاج المعرفي التكنولوجي.

على طرف المتوسط الاخر، عند المبتدأ المجتمعي التاريخي، كانت الولايات المتحدة، تحضر قاطعة الاف الاميال، لكي "تحارب ياجوج وماجوج قرب بابل" وهو ماقد ابلغه الرئيس الامريكي الابله، جورج بوش الابن، للرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي ازاح سماعة التلفون عن اذنه، غير مصدق انه يسمع مثل هذا الكلام، من رئيس اكبر دولة في العالم. كان العالم وقتها يدخل لاعصر "نهاية التاريخ"، بل عصر نهاية الغرب، وهيمنته على العالم.

بالمقابل، سيكون عام 1991، هو نفسه عالم الانتفاضة الشعبانية في العراق، وعالم نهاية التمثلات الاستبدالية، والاستعارات الحداثية الغربية في العراق، ومع بدايات ظهور ماعرف بالتيار الصدري، عند لحظة استعادة الازدواجية التاريخية، وتراجع احادية حكم البعث القاهرة، سجل الفصل الاول من "المهدوية"، واستعاد الايقاع الكوني العراقي، لمجتمع اللادولة التحولي، التاريخي شيئا من ايقاعه الاولي، بعدا كان الغرب وحداثته المستعمرة، طاغيا عليه. ووقتها كان قران العراق الموجل، والغائب، على مدى القرون، يصير اكثر فاكثر، على اول مفترقات الطرق المؤدية للحضور، متخذا مسارا انتقاليا اخيرا، متعرجا، ومفعما بالدينامية الشاملة والااولية والانتكاس، كما يمكن لقوة مختزنه من الاف السنين، ان تنبثق مزيحة ركامات الثباتية الاحادية، نحو العيش اللاثباتي، وقوة تعبير العيش على حافة الفناء، و"اللامجتمعية" المتجهة الى التحولية الانسانية الكبرى.

كان العراق الحديث، او الدورة الحضارية الراهنة الثالثة، "دورة اكتشاف القرآن العراقي الضائع/ المؤجل"، قد بدا يتشكل في القرن السابع عشر، في القرن نفسه، الذي عرف الغرب فيه الثورة الصناعية، والحداثة، غير ان وعيه لذاته، ولوظيفته الكونية، لم تكن ممكنه في حينه، واستمر هذا التعذر، والنكوص التاريخي، كما كان في الدورتين، الاولى السومرية/ البابلية، والثانية العباسية/ القرمطية، فجرى عبور حقبتين، استهلاليتين ضمن الدورة الراهنة، الاولى قبلية، بدات مع ظهور "اتحاد قبائل المنتفك"، والثانية " دينية تجديدية"، تمثلت بظهور "دولة اللادولة النجفية"، قبل ان يبدا الفصل الثالث، مع القرن العشرين، وحضور الغرب المباشر، ونشوب الصدام الكوني، على ارض الرافدين.

يقرا المتشبهون بالغرب، وممثلوه العلنيون والمبطنون، تاريخ العراق خلال القرن المنصرم بعين الغرب، ومنظومته النموذجية، والمنهجية الفكرية، المتاحة لهم، وبحسب ما تيسر لهم منها اعتباطا، واتباعا، فهم يرون اساسا، ان العراق الحديث، هو حصيلة التشكل المواكب لعملية الاندماج بالسوق الراسمالية العالمية، وتلك موضوعة، ليست حتى من نوع الاستشراق، انما هي وفي حالة العراق، من نوع التأسيس الاستعماري، وضع منطلقاته الضابط الانكليزي الملحق بالحملة البريطانية ويرلند، والغريب ان اليسار، والماركسيين منهم، والليبراليين، يقبلون هذه الموضوعة الفرية، الاكراهية، الخارجة عن ابسط مقومات البحث المجرد، ويبنون عليها، عراقا مفبركا، لاوجود له، الا بحسب مايريد ان يراه عليه الاستعمار، والغرب. ومن المميزات التي اختص بها الوضع العراقي، ان اشكال التعبير، او البنى المقترحة من الاستعمار والمفترض ان ترتبط به مباشرة، وبالاخص بصيغته الكولونيالية، كانت مستحيله، وغير صالحة للاستعمال، بينما كان الخط الثاني من التشبه بالغرب، وبالذات ماعرف بالحركة الوطنية الحديثة، من شيوعيين، وقوميين، وليبراليين، هي القوى الاكثر تلاؤما مع مشروع الغرب، واغراضه، المؤسسة على استبدال العراق وخاصياته، مع تامين الحد الادنى من امكانات ضبط حركته، المضادة الصادرة عن الكينونة الرافيدنية، المناقضة لمشروع الغرب، والمتعدية له باتجاه "مابعد غرب".

ان ماقد حدث من يومها، بعد نزول الحملة البريطانية في الفاو عام 1914، هو فصل صدامي تصارعي، نهائي، وفاصل على الصعيد الكوني، بين نمطين وصيغتين من المجتمعية هما: اللامجتمعية العراقية، المتطابقة مع اغراض الوجود الكوني العليا، المضمرة في الكائن الحي، وسيرورته الارتقائية التحولية، عبر عشرات الاف السنين، و المجتمعية الاحادية، التراكمية، بطابعها التابيدي، والتي تقف عند حاجز البيولوجيا الحيوانية، لاتتعداها. لتفرض على الظاهرة المجتمعية، منظورا قطيعيا حيوانيا(وهذا ماسيكون موضوع القسم التالي من تعرضنا هذا).

خارج ذلك، فان السردية المتعارف عليها، والشائعة، تزودنا بتخاريف، خارجة عن جوهر اللحظة التاريخية، وطبيعتها، واغراضها، وصولا الى المنعطف الاخطر، في المسار اللامجتمعي التبديدي، اللاثباتي العراقي، واليات دحره للمشروع الغربي الحديث، واكراهاته، ذلك مع ملاحظة حقيقة مهمة، تمثلت اليوم، في اختلال كبير في التوازن على المستوى المفهومي، فقد تمتع الغرب وهجومه الحديث، بفرصة الغلبة شبه المطلقة، وبالسيادة على المعمورة كنموذج ومفاهيم،خلال قرابه قرابة قرنين من الزمن، في حين كان "كتاب العراق"، و"قرآنه" الناطق عن كينونته، مايزال مختفيا، يكمل الباقي من زمن التاجيل، والتعذر، كما كان منذ مايزيد على السبعة الاف عام، ففي العشرينات، ومع ظهور اولى الارهاصات الدالة على شكل من اشكال "الوطنية"، المسماة حديثة، مع جعفر ابو التمن، و "الحزب الوطني العراقي"، عام 1922، تجلت بقوة، تلك المفارقة التاريخية، فامتنع وقتها، تبلور اي شكل من اشكال، ماعرف من وطنيات، في مصر، او الهند، كمثال، وهو مايحب الماركسيون تكراره، ليدللوا بالمقارنة، على ضعف وعجز الطيقة البرجوازية الوطنية العراقية، بان يشيروابالاسم الى "الوفد" المصري، و "المؤتمر الهندي" كامثلة مقابله تعذر تحقق مايماثلها في الحالة العراقية.

لقد مالت قوى الماركسية، والليبرالية، والقومية، المتشبهة بالغرب، منذ الثلاثينات من القرن الماضي، الى تجاوز مالايمكن تحقيقه في حينه، فانتكست امامه، وهربت منه، ومن تحدية، لتستبدلته بالجاهز الطاريء،مما يمكن الارتكاز اليه، اتباعا للغرب، ورضوخا لقوة حضوره، ماادى الى نشوء "وطنية حزبية ايديلوجية"، تلغي الواقع المجتمعي الوطني، لصالح منظومة تفكير عصبوية، وبيروقراطية، برانية،مهمتها قائمة على احتواء المجتمع، واكراهه على قبول اشتراطات الغرب وصورته، ساعية للاقتراب، والتماس مع ماتجده مكرسا لوجودها، بقصد تحويره، واستبداله، بهدف استعماله ضد ذاته التاريخية.

وجدت المجتمعية في ارض الرافدين، مختلفة كليا، عن اية مجتمعية معروفة على الكوكب، وهي الوحيدة التي تنتمي الى المجتمعية المزدوجة " التحولية"، المطابقة لاغراض الوجود الحي، والبشري لاحقا، والمتواصلة لحين حدوث الانتقال الاكبر، من الصيغة الحالية الازدواجية، ( عقل /جسد)، والتي انتهت اليها الصيرورة الحيوانية الاولى، الى حيث تحرر العقل النهائي، من آخر المتعلقات البيولوجية الحيوانية، الباقية من الصيرورة الاولى. ومع ان المجتمع الذي نتحدث عنه، هو بالطبيعة والكينونة، غير ماهو متعارف عليه الى اليوم، وماظل سائدا كرؤية للوجود، اي نمط المجتمعات التراكيمة، الثباتية، المغلقة، والتي من بلا افق.