البوصلة العقل: هل نصر عليها أم لنا ترف التخلي عنها في التظاهرات؟

صائب خليل

 

 

التظاهرات الشعبية العراقية وما يصاحبها، تثير تحفزاً وتوجساً فكريا في رؤوس العراقيين في الداخل ومن يتابعها في الخارج، بما لا يقل عما تثيره في الداخل من حراك فعلي. وينعكس هذا التحفز في الرؤوس بشكل مواقف في غاية التصلب والاستعداد للعنف اللفظي، يكاد يشمل الجميع. الجميع انقسم الى خندقين يتبادلان التهم بالخيانة العظمى والخطر على البلاد. خندق يرى في التظاهرات أمله المنشود الذي طال انتظاره، وهو ليس مستعداً للتخلي عنه ابدا، والآخر الذي يرى فيها تكرار لتظاهرات الربيع العربي والثورات الملونة التي اجتاحت العالم بتوجيه أميركي إسرائيلي، لما فيها من تشابه شديد معها، حتى في بعض اساليبها التكتيكية الصغيرة وكأن بعض قيادات الجانبين قد دربا من قبل جهة واحدة.

 

هذا واضح للجانبين، وواضح لهما أيضا أن الغالبية الساحقة من المتظاهرين هم بالفعل جماهير خرجت تطالب بحقوقها في ابسط متطلبات الحياة من مطالب، وهي مستاءة من الحكومة وكل القائمين على العملية السياسية في بلادهم، عابرين بذلك خطوط الطائفية التي رسمت لهم من قبل الاحتلال ويبدون الاستعداد للعمل والتضحية من اجل تغييرها نحو الأفضل.

لكن ألم يكن هذا هو الحال في تظاهرات مصر وليبيا وحتى بداية تظاهرات سوريا كما يؤكد الكثيرون؟ ألم تنته كل واحدة منها بمأساة ابعد ما تكون عن أسوأ ما يمكن للشعب ان يتخيله؟

هل حالتنا مختلفة؟ وهل لنا ما يبرر التفاؤل بنتائج إيجابية؟

للأسف فأن كل المؤشرات تشير إلى أن حالنا هو الأخطر على الإطلاق. فلم يكن أي من تلك الدول تحت الاحتلال المباشر لدولة تستهدف تحطيمه كما اثبتت التجارب في العلاقة بين اميركا والعراق، رغم ان الأمر قريب من ذلك في حالة مصر.

إضافة إلى الاحتلال، هناك نقطة أخرى أساسية تجعل من أوراقنا اضعف حتى من متظاهري هذه الدول وهي الانعدام شبه التام لأية قيادات للتظاهرات، على العكس من كل تلك الدول! وهذا يعني بالطبع تشويش شديد في الأهداف والمطالب.

الشديدو الحماس للتظاهرات يرون أنه لا يجب مطالبة المتظاهرين بأكثر مما يجب. وان التظاهرات "العفوية" قد تنتج شيئا إيجابيا، كما يشير التاريخ. بل ذهب البعض إلى أن "عفوية" التظاهرات وانعدام قيادتها السياسية، امر إيجابي!

قلنا ان الجميع يتفق على عفوية الغالبية الساحقة من المتظاهرين، ويتفقون على وجود المندسين بينهم بنسبة أو أخرى، فأيهما اقوى ولمن سيكون التوجيه في نهاية الأمر؟

إنه سؤال لا يمكن الإجابة عليه ابداً، وفي الرياضيات يقولون: إن عسرت الإجابة عن سؤال، فلنبحث عن سؤال آخر يمكن الإجابة عنه، ويقود الى ذات النتيجة. وهنا يمكننا ان نطرح السؤال البديل: ما هي فرصة تظاهرات غير محددة القيادة والأهداف، في النجاح في تحقيق نتائج إيجابية في العراق؟

انا اعتقد أنها: صفر!

لماذا؟ لأن العراق محتل، ولأن هذا الاحتلال يملأ كل الفراغات المتروكة، وهو عبقري ويستميت في توجيه كل ما يمكن توجيهه في البلاد، نحو تحطيم البلاد، وليس هناك اسهل عليه من توجيه الضائعين إلى الوجهة التي يريدها. لقد درس ذلك زمنا طويلا واسماه "الفوضى الخلاقة" حيث يتكفل الشعب بخلق وإدامة الفوضى ويقوم هو بتوجيهها بشكل "خلاق". وقد صقل معرفته النظرية المدروسة هذه بالكثير من التجارب والخبرة خلال العقود الماضية، وقامت معاهده بتخريج "الكفاءات" المتخصصة بقيادة الجماهير وبمنهج علمي محدد.

هذا ما يجب ان يدركه حتى المكتفون بالشعارات المطلبية الخدمية من كهرباء وعمل الخ. ويجب ان يعرفوا ان انتفاء هذه الخدمات لم يكن إلا بتأثير الاحتلال المتعمد تخريب كل شيء! لذلك يجب أن يكون التخلص من الاحتلال واتباعه ومشاريعه، في مركز الأهداف، للوصول إلى المطالب الخدمية وغيرها.

خريجو المعاهد الامريكية يدركون هذا ايضاً، ويوجهون للالتفاف عليه، دون تخريب مرحلة "خلق الفوضى" والزخم اللازم لها. وبالفعل، تجد شعارات لـ "التحرير" مثلاً، لكنك حين تقرا التعليقات، تفهم ان المقصود منها "التحرير من إيران"! وليس اميركا او تركيا اللتان تحتلان البلاد بالفعل. كما حذر الصديق بسيم محمد بوجود توجيه قوي لتظاهرات البصرة إلى نفس الجهة التي تم توجيه العميل الأمريكي الدكتور محمد الطائي لها منذ بداية الاحتلال وتم تسليمه محطة تلفزيونية خصصت تقريباً لذلك الهدف وهو: إقليم البصرة!

وما إقليم البصرة (أو أي إقليم آخر) إلا خطوة (نفسية) لتفتيت العراق والقضاء عليه في نهاية الأمر. لأن الدستور ينص ان للأقاليم والمحافظات ذات الحقوق حيث تذكر الكلمات معاً في تلك النصوص. وقد حاولت بعض الجهات السياسية الأقرب إلى اميركا في الماضي العمل على تحقيق إقليم البصرة أو "إقليم الجنوب" مثلما حاول غيرهم في المناطق الغربية.

لذلك كله أقول: بدون العقل البوصلة الموجهة للتظاهرات والمحددة لأهدافها، فالمعركة خاسرة لا محالة! وقد اقترح الزميل علاء اللامي توجيه المتظاهرين إلى تكوين "لجان شعبية" واعية، في المدن والأحياء، لتكون كل منها نواة في قيادة التظاهرات. فبدون جهة وطنية تمتلك الحد الأدنى من الوعي اللازم لمعرفة من يقود الخراب في البلاد، والإرادة اللازمة لتوجيه تلك التظاهرات، فأن الذين دربهم الاحتلال ويشرف عليهم، سوف يستلمون القيادة!

هل لنا من هؤلاء؟ قرأت هذا الصباح تعليقا من الصديق أحمد آل عودة يدعو عددا من الكتاب كنت احدهم، إلى تحديد المطالب التي يرون ان التظاهرات يجب ان توجه لها وتسترشد بها. وقد كتب هو بالفعل ورقة تحمل مطالباً استندت إلى مقالة للزميل والصديق علاء اللامي، كانت أولها المطالبة بإخراج الجيشين الأمريكي والتركي من البلاد، فاستبشرت خيراً.

هذه المقالة استجابة لطلب الصديق العزيز أحمد آل عودة في العمل على تحديد المطالب المناسبة، والتي اضع قائمة لها ادناه أملا ان بقية الزملاء\الزميلات ممن يود\تود اضافة أو إبداء ملاحظة على اية نقطة، المبادرة إلى ذلك بشكل مقالة مستقلة أو تعليق، لتكون مسوّدة مناقشة بناءة بين الجميع، كتاباً وقراءاً، وصولا إلى قائمة للمطالب الأهم والممكنة التحقيق بالفعل، والتي يمكن أن تشتق منها الشعارات المبسطة المناسبة للتظاهرات.

هناك بالطبع "مطالب" لها شعبيتها دون ان تستند إلى شيء حقيقي، مثل المطالب بتغيير النظام الانتخابي إلى فردي أو التمثيل النسبي إلى رئاسي او الغاء العمل بقانون سانت ليغو وغيرها من المطالب التي وضعت اما خطأً في الفهم أو أدخلت للتشويش على المشكلة الحقيقية، وسوف نكتفي بعدم الإشارة إليها.

وهكذا، وتأكيداً لمبدأ استحالة النصر في معركة التظاهرات بدون العقل والتوجيه المحدد والأهداف المحددة، فإنني اضع هذه القائمة من المطالب حسب تسلسل أهميتها وفق رؤيتي للموضوع، لتكون خاتمة هذه المقالة وفاتحة للمناقشة والبناء وصولا إلى اهداف "مقترحة" للمتظاهرين. ففي النهاية هم من يبذل الجهد ويتعرض للخطر، وهم من يقرر على الأرض، صلاحية أي هدف، وصيغة كتابته.

1- السيادة على البلاد وتلاحمهما ووحدتها ومركزيتها: لا أقاليم جديدة ولا صلاحيات إضافية للمحافظات، ولا اية خطوة نحو التفتت القانوني أو السياسي او العسكري أو المعنوي، مهما كان اسمها ومهما كانت الحجة لها!

2- إخراج الجيش الأمريكي المحتل

3- اخراج الجيش التركي المحتل

4- الغاء نتائج الانتخابات واعادتها، لما تم كشفه من تزييف واسع النطاق ومنع استعمال الأجهزة الالكترونية والحاسبات في عمليات العد وإدخال البيانات مستقبلا، ومحاكمة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بتهمة التآمر على البلاد.

5- "حصر السلاح بيد العراقيين" بتنفيذ النقطتين 1 و 2 وتنظيف البلاد من داعش أولاً، ثم "حصر السلاح بيد الدولة" لإكمال السيادة على البلاد، ومحاكمة المسؤولين عن سقوط الموصل وتكريت ومدن الانبار وغيرها بتهم الخيانة العظمى، والتحقيق في كيفية وصول الخونة إلى المواقع المناسبة في اللحظة المناسبة لإسقاط تلك المدن بيد داعش. وكذلك فتح التحقيق بقصف القوات الامريكية للجيش العراقي والحشد والقاء المساعدات لداعش ودعمها في مناسبات عديدة.

6- كشف ونشر نصوص العقود السرية والتي تمنع التعيينات ودعم السلع الأساسية وتفرض الخصخصة على البلد، والتي وقعتها حكومة العبادي مع صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية، والعمل على تسديد ديونه والتخلص من شروطه فوراً. كذلك يجب مراجعة القوانين التي وضعها الاحتلال للبنك المركزي والمؤسسات المالية وتغييرها بما يناسب أمن البلاد المالي والاقتصادي وليس أمن المنظمات المالية الامريكية.

7- الغاء خصخصة الكهرباء والصناعة وغيرها، وكتابة قانون يمنع خصخصة الخدمات الأساسية لحياة الشعب في: الكهرباء والماء والتعليم والصحة والاتصالات والمواصلات والمالية والأمن بمختلف جهاته، وتغيير أي قانون يمنع ذلك.

8- الغاء المؤامرة الكبرى لخصخصة النفط العراقي وتحويل ملكية النفط من العراق الى شركة، والمتمثلة بتمرير ما يسمى قانون شركة النفط الوطنية في غفلة من الناس، وكتابة قانون حقيقي يليق بالإسم، ومراجعة الاتفاقات النفطية التي وقعتها وزارة النفط مؤخرا مستغلة نهاية موسم مجلس النواب والحكومة والتي تمس سيادة العراق على نفطه.

9- الغاء الجزية النفطية المهينة التي تقدم للأردن منذ زمن المقبور وتوجيه أموالها لتغطية حاجات الشعب العراقي، وإلغاء اعفاء البضاعة الداخلة من الرسوم الجمركية التي تخدم دول الجوار وغيرها وتضر بالاقتصاد والصناعة والزراعة العراقية، وتسبب انخفاضاً كبيرا في فرص العمل الإنتاجي في العراق، وبالتالي هي مسؤولة عن زيادة البطالة بشكل كبير.

10- منع التصويت السري في البرلمان وإقرار قانون بضرورة نقل كل الجلسات مباشرة ليفهم الشعب من يصوت له ومن يصوت للفساد. فلدى كل الجهات الأجنبية ممثلين ينقلون لها ما يجري في البرلمان إلا الشعب، الذي توجه السرية اليه.

11- نظرا لخطورة ما يبثه الاعلام من سموم أكاذيب، تشريع قانون لمحاسبة شديدة على الكذب المتعمد لوسائل الإعلام والعاملين فيها، واعتبارها جريمة مخلة بالشرف.

12- الغاء قانون العشائر والعمل على ان تكون القوانين منسقة لتتجه بالبلد الى دولة مواطنة حديثة تحترم القانون.

13- احتساب تقاعد النواب والوزراء وغيرهم، وفق مدة خدمتهم، كما في بقية الوظائف، والغاء مخصصات "المساجين السياسيين" والاكتفاء بدعم المعونة الاجتماعية لمن يستحق منهم، ضمن القانون العام، وإلغاء منصب "وزير الدولة" و "مستشار رئيس الجمهورية" وإلغاء مكاتب المفتشين العامين وهيئة النزاهة.

14- الوعد بالعمل على تغيير الدستور بإزالة كل ما يدفع بالبلاد الى التقسيمات الطائفية أو الإيحاء بها، وكذلك كل ما يحدد خيارات البلاد الاقتصادية أو يضع دساتير الأقاليم فوق الدستور العراقي أو يعرقل تغيير الدستور بشكل تعسفي بربطه بموافقة سكان عدد من المحافظات.

15- الغاء "المخصصات الاجتماعية" المخصصة للوزراء ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية ونوابهما، وإلغاء حق رئيس الجمهورية بالعفو أو تخفيف الحكم لأنه اعتداء على سلطة القضاء لا يخدم الا المجرمين الكبار والتآمر على القانون من قبل الحيتان الكبيرة ولا مبرر له على الإطلاق.