الاحداث في غزة هي ببساطة غباء

 

اوري افنيري

 

 

هآرتس   26/7/2018

          يمكن النظر الى الاحداث التي تجري في قطاع غزة عبر العين اليسرى أو العين اليمنى. يمكن إما ادانتها كغير انسانية وعنيفة وخاطئة وإما تبريرها كاعمال ضرورية لا يمكن منعها. ولكن توجد صفة واحدة تعتبر فوق كل نقاش: الاحداث غبية. لو كانت بربارة توخمان على قيد الحياة لكانت اضافت فصل جديد الى كتابها "مسيرة التفاهة" باسم "غزة كموت غباء".

          القضية الاخيرة في الملحمة المستمرة بدأت قبل بضعة اشهر، عندما قام نشطاء في غزة بدعم من حماس بالدعوة الى مظاهرة متواصلة قرب الجدار سموها "مسيرة العودة الكبرى"، كهدية لاكثر من مليون من سكان غزة الذين هم لاجئون وأبناء لاجئون من اراضي دولة اسرائيل.

          مؤسسات الامن الاسرائيلية تفاخرت بالتعامل مع ذلك بجدية. في نظر الاسرائيليين ظهرت صورة مدهشة: 1.5 مليون عربي، نساء ورجال واطفال، سيلقون بأنفسهم على الجدار، سيقتحمون مدن اسرائيل وقراها. سيناريو فظيع. الجيش وضع القناصة على طول الحدود وأمر باطلاق النار على كل شخص يظهر كـ"محرض". في عدد من ايام الجمعة المتواصلة قتل باطلاق النار اكثر من 100 متظاهر غير مسلح ومن بينهم اطفال. بضع مئات من المواطنين اصيبوا اصابات بالغة بالنار الحية، والكثيرون اصيبوا بسبب استنشاق الغاز. ادعاء اسرائيل كان أن الضحايا اطلقت النار عليهم اثناء محاولتهم "اقتحام الجدار".

          ازاء الاحتجاج العالمي غير الجيش الاوامر، والآن يقتل فقط عدد قليل من الاشخاص. حتى الفلسطينيون غيروا التكتيك: الآن هم يستخدمون الطائرات الورقية التي لها ذيل محترق، مثل ثعالب شمشون في حينه. على طول القطاع حقول اسرائيلية تحترق.

         اتجاه الرياح في الجنوب لا يتغير. وزير التعليم نفتالي بينيت يطالب بأن تقوم طائرات سلاح الجو بقصف هؤلاء الاطفال. هذا سيعلمهم درسا. لحسن الحظ، رئيس الاركان يرفض. وسائل الاعلام مليئة بالاخبار من غزة. يبدو أنهم جميعا يوافقون على أنه آجلا أم عاجلا ستندلع هناك حرب حقيقية.

          الصفة الاساسية لهذه الاحداث هي غباءها المطلق. كل عملية عسكرية يجب أن تخدم هدف سياسي. مثلما قال المفكر العسكري الالماني كارل فون لاوزوفيتش: "الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل اخرى". أين هي السياسة الاسرائيلية؟ ما الذي تريده اسرائيل؟.

          الحل الافضل هو اغراق القطاع وسكانه في البحر. في ظل غياب احتمال هذا الحل ماذا يمكن العمل؟ الامر الاخير الذي تريده اسرائيل هو ضم القطاع، وحتى عدم اقامة مستوطنات هناك (المستوطنات القليلة التي اقيمت هناك في السابق تمت ازالتها من قبل اريئيل شارون الذي اعتقد أن وجودها والدفاع عنها يكلف اموال طائلة).

          السياسة الاسرائيلية الحقيقية هي تحويل ظروف الحياة في قطاع غزة الى تهديدية جدا بحيث أن سكان القطاع سينتفضون ويطردون حكم حماس. من اجل ذلك تم تقليص التزويد بالمياه والكهرباء الى ساعتين ثلاثة في اليوم. البطالة تزيد على 50 في المئة. الاجور هبطت الى ما دون الحد الادنى. كل البضائع التي تصل الى غزة يجب أن تمر عبر اسرائيل (أو مصر). من حين الى آخر يتم قطع التزويد تماما لبضعة ايام من اجل العقاب.

          التاريخ يبين أن اساليب كهذه لا تنجح تقريبا، لكن احيانا هي فقط تزيد الكراهية. فماذا يمكن العمل؟ الاجابة بسيطة الى درجة مضحكة: الجلوس والتحدث والتوصل الى اتفاق.

          صحيح، هل تجلس مع الاعداء الاكثر كراهية، الذي ايديولوجيته الرسمية تنفي تماما وجود دولة اسرائيل؟.

          الاسلام الذي توجد لديه اجابة على كل شيء (مثل أي ديانة)، يعترف بشيء يسمى "هدنة"، وهو وقف طويل لاطلاق النار. الهدنة يمكن أن تستمر عشرات السنين، والحفاظ عليها هو فرض ديني. منذ سنوات وحماس تغمز بأنها مستعدة لعقد هدنة. مصر تطوعت بالوساطة. حكومتنا تتجاهل العرض تماما. هدنة مع العدو؟ هذا غير وارد في الحسبان. كما أنه ايضا امر غير شعبي الى درجة مخيفة.

          ولكن هذا هو اكثر شيء منطقي موجود. وقف كل اعمال العداء من الطرفين، لنقل لمدة خمسين سنة. الغاء الحصار. بناء ميناء حقيقي في غزة. السماح بالتجارة الحرة تحت اشراف عسكري معين. نفس الشيء بخصوص بناء المطار. السماح للعمال بالعمل في اسرائيل بدل استيراد عمال من الصين ورومانيا. تحويل غزة الى نوع من سنغافورة ثانية. السماح بحرية الحركة بين غزة والضفة الغربية عبر جسر كبير أو شارع عابر للحدود. تشجيع تكامل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم لا؟ مجرد الفكرة يتم رفضها من قبل كل اسرائيلي عادي. صفقة مع حماس؟ هذا شيء غير ممكن! حماس تريد القضاء علينا. سمعت ذلك عدة مرات وفي كل مرة أندهش من غباء من يكرره.

          لا يمكن لمجموعة تتكون من بضعة آلاف من رجال حماس تدمير دولة من اكثر الدول تسلحا في العالم؟ كيف؟ بواسطة الطائرات الورقية؟ حتى ترامب وفلادمير بوتين يتملقون لنا. الرؤساء الديمقراطيون والقادة الديكتاتوريون الفاشيون في العالم يقفون في الصف لزيارتنا. كيف يمكن ان تشكل حماس تهديدا لنا.

          لماذا حماس لا توقف بنفسها العمليات ضدنا؟ يوجد لحماس منافسين هم اكثر تطرفا. هي لا تتجرأ على اظهار علامات الضعف.

          قبل سنوات طرح العالم العربي بمبادرة السعودية اتفاق سلام مع اسرائيل. الشروط التي اقترحت كانت معقولة. حكومات اسرائيل الواحدة تلو الاخرى ليس فقط أنها لم تقبل العرض، بل تجاهلته تماما. حكومة اسرائيل تريد ضم الضفة الغربية وطرد السكان العرب واحضار مستوطنين يهود مكانهم. الحكومة تدير هذه السياسة بالتدريج وبحذر وبصورة مستمرة.

          هذه سياسة متوحشة، مقرفة، ولكن توجد فيها على الاقل درجة من المنطق. اذا كنت تريد في الحقيقة عرض هذا الهدف المقرف، فان الاساليب تناسب ذلك. ولكن هذا لا يسري على قطاع غزة، الذي لا احد يريد ضمه. هناك في غزة هذه الاساليب هي ببساطة غبية.

          هذا لا يعني أن سياسة حكومة اسرائيل تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية اكثر حكمة. هي ليست كذلك. يبدو أنه لبنيامين نتنياهو ووزرائه الاغبياء الذين اختارهم واحدا واحدا، لا توجد سياسة. ولكن توجد لهم سياسة غير معلنة: ضم زاحف للضفة. هذا يتقدم وهو سيؤدي بالتدريج الى دولة ابرتهايد فيها اقلية يهودية كبيرة تحكم اكثرية عربية. لأي فترة؟ جيل واحد؟ جيلين ثلاثة؟ ذات يوم اسرائيل ستتحول الى دولة ثنائية القومية يسيطر فيها العرب.

          لقد قيل إن الشخص الذكي يعرف كيفية التخلص من الشرك الذي نصب له، ولكن الرجل الحكيم من البداية لن يدخل الى هذا الشرك. الشخص الغبي لا ينقذ نفسه من الشرك، فهو لا يرى مطلقا أنه يوجد شرك.