الوجه الآخر لابن خلدون في مسرحية "منمنمات تاريخية"!

في ذكرى رحيل المؤلف المسرحي سعد الله ونوس

علاء اللامي

 

تمر اليوم، الخامس عشر من مايس /آيار، ذكرى رحيل الكاتب المسرحي التقدمي العربي السوري سعد الله ونوس .. في هذه الذكرى الحزينة أحببت أن أحيي ذكرى هذا المبدع المحب لسوريا حبه للعراق بإعادة نشر  هذه الدراسة عن أحد أهم أعماله المسرحية التي تحمل عنوان منمنمات تاريخية.. 

لم يقدم المبدع الراحل في هذه المسرحيته خطيرة الشأن مسرحا تاريخيا بالمعنى المألوف للمسرح التاريخي او للرواية التاريخية. وعلى الرغم من ذلك, فان المادة التي اشتغل عليها دراميا وسرديا, بقدر تعلق الامر بالجانب البنيوي, النثري بعنصر السرد, هي مادة تاريخية بحتة. إن الإنجاز او للدقة, الجانب الاهم من الإنجاز المسرحي التأليفي لسعد الله, يكمن ويتبدى على جهة التحديد في هذه النقطة بالضبط, اي في فهمه لكُنه العلاقة بين المادة التاريخية الخام والإنجاز النثري المسرحي الطالع منها وخصوصا في عمله موضوع القراءة (منمنمات تاريخية).

قد يبدو الامر, للوهلة الاولى, متعلقا بما يمكن تسميته التوظيف المسرحي للمادة التاريخية وللحكاية كقلب وروح لتلك المادة التاريخية, ولكن متابعتنا المسكونة بالا سئلة لهذه المسرحية ستثبت لنا خطأ هذا التفسير, او على الاقل عدم كفايته وكفاءته, إذ ان الموضوع لا علاقة له, هنا ايضا, بالتوظيف الاقتباسي, لسبب بسيط هو استمرار نص ونوس باداء وظيفة النقد الموجه عن بعد, إن صح القول, وتسليط الاضواء على نتوءات واخاديد, كان من الصعب اكتشافها في السابق على السمت التاريخي. إن عملية هيكلة النص تدخل مع (منمنمات تاريخية) منعطفا خاصا وواعدا لاستجلاء الحقائق التي اراد الكاتب إيقافها على رأسها او هتك سترها وتجريدها من كساء الوهم لتظهر كما هي في حقيقتها. ويمكن لنا, بقليل من الخفة, والكثير من الحذر, تشبيه ما يفعله ونوس بنمنمة التاريخ, وذلك بمنح فعل النمنمة بعدا مكانيا اعمق بكثير مما توحي به كلمتا (وقت) و(مكان) .إنها نمنمة وصياغة تعنيان اولا وقبل اي شيء آخر, تقديم المعالجة الجديدة المعاصرة للحكاية التاريخية إياها.ولقد سعى الراحل ونوس لتفسير فهمه الخاص للمسرح انطلاقا من ذلك, وفي عدة مناسبات. فقد كتب مثلا في مقدمة مسرحيته (الاغتصاب) يقول: (ان إلهام المسرح الحقيقي لم يكن في يوم من الايام الحكاية بحد ذاتها, وإنما المعالجة الجديدة التي تتيح للمتفرج تأمل شرطه التاريخي والوجودي.الاعمال الكاملة (مج 2 ص 63) وتأسيسا على هذا, ستغدو الحكاية التاريخية او تلك المتخيلة اقل اهمية من المعالجة المسرحية الجديدة والحاوية لمضامين الشرط التاريخي المعاش من طرف الجمهور والكاتب معا.ولكن هل معنى ذلك تقصد العبث بالمادة التاريخية في مرحلة الكتابة الاولية؟ وهل يعني التأليف بحد ذاته عملية تركيب إضافي مسطحة او ذات بعد واحد, تمتح مادتها من نبع الماضي المتجمد في الماضي, وايضا من نهر الحاضر سريع الجريان, ام إنه التأليف اكثر تعقيدا وتشابكا من ان تفسره هذه الاسئلة؟

لنحاول رصد الموضوع بالعودة الى تجربة سعد الله في المنمنمات, فهو اولا, يحافظ على صحة ودقة المادة التاريخية حدثا وشخوصاً وبيئة عامة. ويُدخل كل ما تقدم ذكره من عناصر ومكونات الى مرجل النثر المسرحي الخاص به, والمشتغل بقوة موهبته وثقافته وإحساسه الوجداني العميق, ليخرج النص المنجز في منتهى الامر وكأنه تاريخ عتيق آخر يشبه الى حد التوأمة تاريخنا الجاري امام انظارنا.وربما كانت وقفة ونوس مع العلامة ابن خلدون مناسبة ينبغي التدقيق والفحص الاعتباري عندها ومعرفة مقدار خطأ او صواب الفرض النقدي الذي اتينا على ذكره في ما تقدم من كلام, مع ا نه لم يبدأ بابن خلدون بل بالشيخ المقاوم برهان الدين التاذلي.

 

الانتصار في هزيمة الشيخ التاذلي:

خصص سعد الله المنمنمة الاولى للشيخ التاذلي وعنونها كالتالي (الشيخ برهان الدين التاذلي او الهزيمة). وثمة قراءتان محتملتان لهذا العنوان الاولى تقول بقرن الهزيمة العسكرية امام جحافل المغول بالشيخ المجاهد قرن السبب بالنتيجة فالشيخ لم يتخل عن سلفيته وتشدده مع ما هو عليه من روح مقاوم وطبع جسور وقد تجلى ذلك في موقفه السلبي إبان محنة العالم المعتزلي الشيخ جمال الدين بن الشرائجي.

اما القراءة الثانية, والتي نميل إليها مرجحين, فهي تلك التي تجعل جهاد الشيخ ذا منحى إيجابي بمعايير التاريخ مقارنة بمواقف رجال دين جشعين الى درجة الكلبية, وخانعين الى درجة التفريط والخيانة, ومثالهم هو الشيخ ابن مفلح ومجموعته والتاجر دلامة ومجموعته ممن لا يهمهم الوطن والناس والدين بل املاكهم الخاصة واملاك الاوقاف التي يسرقونها بانتظام! اما ورود كلمة الهزيمة بعد العاطف المفيد الاختيار (او) فلا يعدو ان يكون اقتراحا لعنوان آخر مستقل. يمكننا إذن قلب المعطى المضموني لهذه المنمنمة واعتبار الانكسار العسكري لاهل دمشق واستشهاد الشيخ التاذلي وزملائه المجاهدين نصرا سيقطفون ثماره ويذكرنا بمعركة (عين جالوت) التي هزم فيها المغول هزيمة نكراء. وسوف يغدو هذا التفسير او الفرض النقدي على درجة عالية من الوضوح والمعقولية متى ما انتهينا من الاطلاع على تفاصيل مواقف وآراء العلامة ابن خلدون الاستسلامية الخانعة بل والبالغة حدود الخيانة والتعاون مع العدو الغازي ورسم خريطة جغرافية للمغرب العربي مرفوقة بكتاب وصفي للبلاد وناسها وإمكاناتها بريشة ابن خلدون بناء على طلب تيمور لنك.

 

ولإعطاء هذا الكلام التعميمي شيئا من الواقعية نعود الى المنمنمة الاولى والتي تمثل بحق رزمة مفاتيح المسرحية وليست مفتاحا واحدا لنجد الركائز التالية والصالحة للنمذجة:

الجو العام هو جو هزيمة كارثية فقد سقطت حماة وحلب بيد المغول وتحولتا الى ركام ومقابر جماعية حتى قيل ان المغول شيدوا مئذنة من جماجم القتلى.

جيوش المغول في طريقها الى دمشق.نائب الغيبة, وهو اشبه بقائم مقام الخليفة, او السلطان فرج بن برقوق, يميل الى (تسليم المدينة بالامان) للمغول ويحاول الهرب فتتصدى له الجماهير وتمنعه من الرحيل بل و تهينه.

الشيخ التاذلي يدعو نائب قلعة دمشق الامير عز الدين الى المقاومة بالاعتماد على الذات حتى وصول السلطان فرج وعساكره المصرية وتبدأ عملية المقاومة فعلا.

رجال الدين من جماعة ابن مفلح يسايرون المقاومين مرغمين ويدفعون الشيخ التاذلي لحسم قضية الشيخ المعتزلي جمال الدين وينجحون في ذلك, إذ تحرق كتب هذا الاخير, ويوضع في الحبس ولكنه, ولهذا الاستدراك مغزاه المعاصر العميق, لا يكف عن المطالبة بحقه وواجبه في المشاركة في مقاومة الغزاة.

يحدث اول صدام بين الشيخ التاذلي وابن خلدون ليلة انسحاب السلطان فرج بعد هزيمة عساكره بمواجهة المغول وتبلغه باخبار حول مؤامرة ضد عرشه في مصر, حين يعلق ابن خلدون على كلام السلطان المستبد بعبارات خانعة وانتهازية فيوبخه التاذلي: اتسمي الخذلان فصاحة يا بن خلدون؟

في نهاية هذه المنمنمة يستشهد الشيخ المقاوم برهان الدين التاذلي حاملا سلاحه, ولكن عملية المقاومة والصمود في القلعة تستمر. ففي معركة واحدة قتل واسر اهل دمشق من المغول حوالي الالف غاز وغنموا الكثير من خيولهم. غير ان هذه المعركة لا تحجب حقيقة الهزيمة العسكرية القادمة بسبب موازين القوى وخذلان السلطان وتآمر التجار ورجال الدين ولكنها, ايضا, لا تحجب حقيقة انتصار الخط المقاوم الذي مثله الشيخ التاذلي والامير عز الدين قائد القلعة على خط الاستسلام في المدى التاريخي.

إن اي كلام قد يقال, ومن باب المقارنات التاريخية بين دمشق التاذلي آنذاك والراهن العربي العام, سيكون نافلا ومكررا, ولهذا سنكتفي بدعوة القارئ الى القيام بتلك المقارنات بنفسه فيما بعد, إذا ما وجد, وقد يجد, فائدة في ذلك, وسنواصل نحن رصد الوعي المقاوم المبثوث خلف وفي احشاء النص المسرحي الشامل, وصولا الى تلمس المعالجة الجديدة التي كان يطمح الى إيجادها سعد الله لثنائية النصر والهزيمة او لجدلية (المقاومة ــ الحياة, الاستسلام ــ الموت) و بما يسمح لنا بمعرفة وتامل شرطنا الحياتي والاجتماعي من خلال هذه المعالجة لحكاية مركزية من حكايات وجود الامة.

الوجه الآخر لابن خلدون :

إنها المصادفة وحسب تلك التي قادتنا الى هذا التسلسل الرقمي او التراتبي في قراءة نص المنمنمات, فنحن الآن في المنمنمة الثانية, وسنختم بعد حين بالثالثة, لا لشيء يتعلق بالتراتب الزمني, وإنما لان طريقتنا في عرض افتراضاتنا النقدية وتسليط الضوء على ما هو مهم لنا من مكونات النص تطلبت ذلك بشكل تلقائي وغير مبرمج سلفا. بالعودة الى التساؤل المعبر عنه في عنوان هذه الدراسة ( هل يخون العبقري؟) من الواضح اننا نسجل على بياض, كما يقال, اعترافنا بالقيمة العلمية الاكيدة لنظرية ابن خلدون فيما سماه (طبائع العمران البشري) ونعتبر هذا الامر فتحا فريدا ورائدا في بابه.نقول هذا الكلام على الرغم مما يساق هنا وهناك من تحفظات محقة احيانا, حول اسبقية (اخوان الصفا)في التأسيس والتأثيل لهذه النظرية بحسب بعض الباحثين, او اسبقية مؤرخ كالمقدسي او المقريزي بحسب باحثين آخرين فهؤلاء واولئك يعتقدون بان ابن خلدون ليس إلا مكررا ومعيدا, او في احسن الافتراضات متمثلا ومطورا لتجربة واكتشافات (اخوان الصفا) او المقدسي والمقريزي في ميدان ما بات يعرف لاحقا بعلم الاجتماع.وإذن فالعبقرية ليست موضع شك او موضوع نقاش على اهمية هذا وذاك, ولكن المهم في نظرنا, وفي دراستنا المتواضعة هذه, هو السلوك الفعلي والفردي (الشخصي) لحامل العبقرية بوصفة مواطنا وبصفته ذاتا عاقلة ومسئولة إبان منعطفات حاسمة في تاريخ وحياة امته ووطنه.

وقد نفاجئ القارئ بالقول ان صاحب المنمنمات نفسه سبقنا الى طرح هذا السؤال (هل يخون العبقري؟) ولكن ضمن التباسات العملية التأليفية المعقدة ولهذا سنحاول ان نركز مهمتنا على هدفين او محورين:

تطوير التساؤلات الجنينية التي وردت في النص اصلا حول الموضوع والمضي بها الى آفاقها الحقيقية.

طرح تصور اقرب الى روح العلم والتاريخ حول علاقة المثقف ومنتج المعرفة كإنسان بجماعته الإنسانية ضمن خطين:خط المقاومة غير المشروطة بنوع معين من الادلوجة وخط الاستسلام وخيانة الجماعة. اين طرح سعد الله سؤالنا المركزي او ما هو قريب منه؟

بعد استشهاد الشيخ التاذلي خلا الجو لتحالف رجال الدين والقضاة من جماعة ابن مفلح والتجار والاعيان الممثلين بشخصية دلامة فشرعوا في إثارة البلابل والتشويش على الخط المقاوم عن طريق إدعاء الحيرة وصعوبة معرفة الصواب في وضع معقد! وهذا ما يحدث في جميع العصور, فمنذ ايام تيمورلنك في الشام الى ايام الصهاينة في فلسطين الراهنة, ونحن نشهد ونشاهد العديد من (المتخمين) بالقلق والحيرة والذهول والتمزق وهم يبررون الخنوع ويروجون الهزيمة والعبودية, إذ يبدأ دعاة الاستسلام هؤلاء ببلبلة الرأي العام, تمهيدا للتشكيك في شرعية وصواب المقاومة, وصولا الى ضرب الجناح المقاوم والانفراد برأس الامة والوطن ومن ثم تبضيعه في سوق المساومات الخيانية مع الغازي. والحقيقة فإن إدعاء الحيرة وبذر البلبلة ليسا إلا حركات مسرحية بلهاء تحاول مستغلة قسوة الصراع العسكري, تضبيب الصورة الواضحة او المضاربة على الحسبة السهلة كالماء التي تقول وببساطة:إن من يجد وطنه محتلا وعاصمته مطوقة بقوات الغزاة, وخصوصا إذا كان الغزاة من صنف المغول او الصهاينة, فلابد له من المقاومة, فإما النصر وإما النصر بالشهادة! هكذا وببساطة واحد مجموع الى واحد يعلن المنطق المقاوم عن نفسه.وهذا ما كان يعرفه عبد الرحمن بن خلدون الذي طالت عشرته مع الحيث التاريخي حتى صار ذهنه معجونا به ومشبعا بتفاصيله وعبره البليغة او هذا ما يعتقده المرء على كل حال.ولكنه ابن خلدون يختار الميدان الآخر لا ميدان المقاومة, والطريف واللافت انه يعبر الى ذلك الميدان على جسر عبقريته, وهو هنا كمن يستخدم النظرية الماركسية لإثبات استحالة بناء المجتمع الاشتراكي المساواتي! فهو يحاول تبرير عدم دعوته الناس للمقاومة, وانحيازه بعد قليل الى تحالف التجار ورجال الدين والاوقاف, بنظريته الخاصة (علم العمران البشري). وهاهو يقول لتلميذه وتابعه المصري (شرف الدين): (الا تعلم يا شرف الدين ان صبغة الدين حالت, وان عصبية العرب زالت وان الجهاد لم يعد ممكنا؟). وحين يحاججه التلميذ بشدة وحماسة وعصبية اهل دمشق اثناء تشييع الشيخ الشهيد التاذلي واستعدادهم التام والصادق لقتال المغول, يقول ابن خلدون (هذه ليست عصبية يا شرف الدين.تشدق الاحداث وهياج العامة والدهماء ليست من العصبية في شيء.والناس هنا في دمشق اهل مدينة وحضارة بلغ فيهم الترف غايته, وسقطت عنهم العصبية بالجملة.الاعمال الكاملة (مج 2 ص 394) وثمة حوار طويل بين ابن خلدون وشرف الدين لا يخرج عن هذا المؤدى ويدخل في تلافيف قضية المثقف ومبدع الثقافة والعلم والموقف التاريخي. فحين يسأل التلميذ استاذه (اليس من مهمة العالم يا سيدي ان ينير للناس ضوءا او ان يهديهم الى سبيل يخرج بهم من الانحطاط؟! يجيب ابن خلدون بالنفي ويضيف (مهمة العالم ان يحلل الواقع كما هو, وان يكشف كيفيات الاحداث واسبابها العميقة). وما ثمة حاجة كما نعتقد للتنبيه الى لغة الحوار المعاصرة والتي تنبئنا عن ان الراحل ونوس لا يضع كلاما في فم ابن خلدون بل إنه يقدم ما هو اقرب الى ترجمة مضامينه القديمة بلغة عربية معاصرة.غير ان الخلاصة الخطيرة التي يعلنها لنا سعد الله ونوس وتلخص موضوع العالم العبقري وموقفه التاريخي ومن ثم قيمته في التاريخ هي تلك التي يقولها مشخص دور ابن خلدون مجيبا على سؤال يلقيه مشخص دور شرف الدين: شرف الدين: (مباعدا بينه وبين دوره) ماذا سيقول عنك التاريخ يا سيدي؟

ابن خلدون: (مباعدا بينه وبين دوره) (لن يذكر التاريخ إلا العلم الذي ابدعته, والكتاب الذي وضعته.اما هذه الاحداث والمواقف العابرة, فلن يذكرها او يهتم بها إلا موسوس مثلك, ومثل كاتب هذه الرواية.) تنتهي هنا المنمنمة الثانية مثيرة كثرة من الاسئلة والتساؤلات المحنا فيما سلف الى البعض منها ونشعر بالحاجة الآن لطرح اخرى ذات استهدافات مختلفة ومنها:

هل كان سعد الله يعبر عن وجهة نظره هو بالقول ان ما يبقى من العالم العبقري هو علمه فحسب اما مواقفه العابرة فلا قيمة لها, ام عن وجهة نظر ابن خلدون كما فهمها وتوصل إليها هو؟

ما مقدار الحقيقة والصواب في مضمون ما قيل تاريخيا وحاضرا على ضوء الصراع المعاش بين الامة واعدائها الخارجيين (الغزاة) والداخليين الممثلين بتحالف الخنوع والقمع ؟

في اعتقادنا فإن السؤال الثاني يفسر جزئيا ولكن بوضوح طبيعة الإجابة على الاول, بمعنى: إن سعد الله كان يعبر عن وجهة نظر ابن خلدون السلبية معياريا (اخلاقياً, وبالتالي فإن مقدار الحقيقة او الصواب في المضمون الخلدوني مشكوك فيه تماما ان لم نقل إنه على الطرف النقيض للحقيقة المعيارية السائدة حتى يومنا هذا. وقد لا تحتمل المداعبة الواردة في الحوار (لا احد يهتم بالمواقف والاحداث إلا موسوس مثلك ومثل مؤلف هذه الرواية) شيئا اكثر من تعضيد هذا الاحتمال من خلال السخرية والهزء من واقع الحال الصراعي, ومن محاولات تصنيم وعملقة (العلامة) عبد الرحمن ابن خلدون, وتناسي او إهمال (القاضي المالكي) عبد الرحمن ابن خلدون, الذي حمل نسخة من القرآن وعلبة الحلاوة هدية للغازي تيمور, الذي بنى مئذنة من جماجم اهل حلب! فهل نحن إزاء ابن خلدون واحد ام اثنين, وهل يخون العبقري؟

اختلاف المصائر والاتفاق ضد العقل:

تنتهي المنمنمة الثانية بانشقاق التلميذ شرف الدين على استاذه ابن خلدون بعد عودة هذا الاخير من زيارة الغازي تيمورلنك وتقبيله يده وامتداحه وتقديم الهدايا له.وقد املى ابن خلدون تفاصيل زيارته تلك على تلميذه, وحين انتهى منها, حاول ان يبدأ بإملاء تفاصيل كتابي صف بلاد الغرب ومسالكه بطلب من تيمورلنك, رفض شرف الدين الكتابة وافترق عنه بعد ان قال له ما كان ينبغي ان يقال في مواضع كهذه. لقد رفض شرف الدين التورط او الوقوع في كمين الازدواجية واختار الانتماء الى قلعة دمشق التي صارت هوية المقاومة والحياة.

تنتهي هذه المنمنمة إذن بشروع ابن خلدون بتدوين كتابه: (في وصف بلاد المغرب) , وتبدأ الثالثة والاخيرة وعنوانها (آزدار امير القلعة او المجزرة) (وآزدار هو ذاته الامير عز الدين قائد المقاومة في قلعة دمشق) ويوحي اسمه بانه من اصول كردية ومعلوم للمشتغلين بتاريخ تلك الفترة المساهمة الفعالة للامة الكردية في مقاومة الغزاة المغول حيث قدمت عددا مهما من القادة العسكريين البواسل من امثال حسام الدين عكا الذي قاتل دفاعا عن بغداد حتى الشهادة وناصر الدين محمد الملقب بالملك الكامل الذي قطعه المغول إربا وذرات صغيرة بعد ان ر فض شرب الخمر وبصق بوجه هولاكو الذي امره بفعل ذلك, و هناك ناصر الدين القيمري احد قادة معركة (عين جالوت) وابن كورال وغيرهم كثيرون من ابطال الكرد المقاومين. لنعد الى دمشق على ركح المسرح الونوسي ولنتابع:

يفلح القضاة والاعيان والتجار في شق ومن ثم تشتيت المقاومة داخل المدينة التي يدخلها الغزاة المغول ويعملون السيف في اهلها, ولكن المقاومة تستمر في القلعة. يرسل تيمورلنك مجموعة من اعيان دمشق وقضاتها الى القلعة في محاولة لإقناع المقاومين بإلقاء السلاح والاستسلام, فيجرد المقاومون اعضاء الوفد من ملابسهم ويهينونهم ويعيدونهم عراة الى تيمورلنك. يلجأ الغزاة الى الحل الاخير وهو استخدام اعيان دمشق ومن تبقى حيا من اهلها في نقب وحفر اسوار القلعة فيتم لهم ما ارادوا وتستباح المدينة وينتقم الغزاة من الجميع بمن فيهم تحالف التجار ورجال الدين والاعيان الذين خانوا قومهم وآزروا الغازي.

إن جردا سريعا للاحداث, كهذا الذي قدمناه, لا يحمل اية قيمة نقدية في حد ذاته, ولكننا سنسعى الى الإفادة منه على مستويين:

رصد عملية المعالجة الجديدة للشرط الوجودي عن طريق غير مباشر ومتروك لمتابعة المسرحية قارئا كان ام متفرجا. تجسيد وتبيين المحمولات الاديولوجية او المعاني الكامنة تحت القشرة الاديولوجية بالامثلة الحَدَثية خصوصا في تحليل, ومن ثم, تأكيد الفروض النقدية التي وردت في بداية الدراسة. كما ان سردا, مهما بدا مبتسرا وسريعا, لابد له ان يعرج ويلحظ المغزى العميق لمصير الفيلسوف المعتزلي الحر الشيخ جمال الدين بن الشرائجي طالما يدور الكلام عن المصائر.فبعد ان يسلّم التحالف الاستسلامي المدينة الى الغزاة, وبعد ان تستشهد المقاومة ببطولة, يؤتى بالشيخ السجين جمال الدين الى مجلس تيمورلنك ليحسم امره ويحكم في قضيته, وبعد ان (يروي) البعض ممن حضر المجلس ومنهم الشيخ محيي الدين بن العز والعلامة القاضي ابن خلدون حكايته من وجهة نظر منحازة, حتى يغضب السلطان تيمورلنك والذي لا نعرف منذ متى تأسلم وهو الغارق بدماء المسلمين حتى حاجبيه, ويأمر بتنفيذ قضاء الله في هذا (الكافر), فيصلب الشيخ جمال الدين على يد الغزاة بعد ان حرمه (الآخرون) من شرف المساهمة في المقاومة و هاهو يحمل صليبه في نهاية المسرحية ويتقدم نحو مصيره المأساوي متسائلا:(عجبت من اتفاقهم في امري على ما بينهم من الحرب وسفك الدماء.ص466).إن الاتفاق الذي اشار إليه سعد الله على لسان ابن الشرائجي, والذي ساد من دون تواطؤ مسبق بين اطراف العملية الصراعية, والتي لا يمكن اختصارها فقط بالمقاومين ــ الغزاة, ففي هذا الاختصار يكمن خطر تبسيط التاريخ وتحويله الى معادلات رياضية ميتة.هذا من ناحية, ومن اخرى, فهو اتفاق ضد العقل والتنوير الذي مثله ابن الشرائجي, و لا يمكن فصله واجتزاؤه من السياق التاريخي كحدث عابر, لانه لم يبدأ مع اجتياح الغزاة لدمشق بل سبق ذلك بزمن طويل.من حيث المبدأ, يمكننا تسجيل الاهمية الفائقة لهذا المحور في المسرحية, والذي لا نعتقد بانه اخذ الحيز المكافئ لاهميته نصيا, ونحسب ان وروده بهذا الشكل, إنما استدعاه المحور الاهم والهيكلي في النص, وهو الملخص في مواقف وآراء وسلوك ابن خلدون خلال الصراع. لقد اراد سعد الله, ضمن ما اراد, من فتح هذا التفريع, اختبار إمكانية التمييز والمقارنة المعيارية بين مجموعة مصائر مأساوية متباينة من حيث المحمول والمحتوى الوجودي, والخلوص من ذلك الى إيجاد تنويعة من الاجتهادات التأملية لمشاهد المسرحية المعاصرة دون محاولة فرض فجة, كما اعتادت ان تفعل نصوص كثيرة, للاجتهاد الوحيد والواحدي.وهكذا سيكون بمقدور المشاهد, على سبيل المثال, القيام بمصالحة معيارية بين المقاوم الشهيد الشيخ التاذلي مع المحروم من شرف المساهمة في المقاومة الشهيد الشيخ جمال الدين ومع مقاتلي القلعة في نفس الوقت, او الخلوص الى مساواة معيارية هي الاخرى, بين اطراف التحالف المحلي والمؤلف من التجار ورجال الدين والقضاة وبين الغزاة انفسهم.وعلى الرغم من ان بعض شخوص هذا التحالف قد انتهى نهاية مأساوية بسيوف حلفائه المغول, ولكننا لن نستطيع المساواة وربما حتى المقارنة البحتة بين مصيرهم ومصير شخوص الطرف المقاوم, لن نستطيع ان نفعل ذلك, دون الوقوع في خطر تجريد التاريخ من الابعاد المعيارية (الاخلاقية) وتحويله الى مجرد حركة ذات بعدين زماني ومكاني خالية من المعنى تماما وعبثية حكما وسيعني هذا المآل حكما تحويل العمل المسرحي الى مجرد تصوير فوتوكوبي شاحب لتلك الحركة الميكانيكية الكئيبة الامر الذي شكلت التجربة المسرحية (الونوسية) نقيضه التام والعميق والدائب. ونختم بالتأكيد على ان ما قدمناه في هذه الدراسة, لا يعدو كونه محاولة اولية لقراءة النص من وجهة نظر مختلفة, إن لم نقل مخالفة لما هو سائد, وهي بهذا مفتوحة على احتمالي الفشل والنجاح معا وفي ذات الوقت في سبر اغوار النص وممارسة النظرية التي يتبناها ونوس في تأمل الشرط الوجودي والتاريخي الذي يحياه مشاهد العمل المسرحي ومن دون كثير احتفال بالحكاية.

إن هذه القراءة ستكون حلقة اولى فقط, قابلة للتطوير والتعديل وربما قلب الافتراضات النقدية الرئيسية كلها, على ضوء الخطة الإخراجية العامة والروح الفنية التي سيقدم بها هذا النص المسرحي فائق الاهمية, معنى هذا الكلام, إننا لم نقم في الواقع إلا بنصف العمل النقدي المطلوب على اكبر تقدير, بانتظار ان تتاح لنا فرصة رؤية النص وقد اخرج على الركح المسرحي وحينها ستكون لنا وقفة نقدية تكميلية وشاملة اخرى.