جماعة الإخوان المسلمين والإستراتيجية الأمريكية في المنطقة

محمود جبر

 

عقب تفكك الاتحاد السوفيتي في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي السابق (جورج بوش الأب) عن ميلاد نظام دولي جديد، وفي بداية العقد الأول من القرن الحالي وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011 بالولايات المتحدة الأمريكية، وما بين ذلك الإعلان ويوم 11/9/2001 لم يشهد العالم استيعابا واضحا لحقيقة هذا النظام الدولي الجديد ومكوناته وخصائصه، وما تم فيما بين التاريخين لم يخرج عن تحليلات السياسيين ونظريات الأكاديميين وهم يتلمسون البحث عن ملامح هذا النظام.

ومع أن الأمر كذلك فانه من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت منتصرة من حربها الباردة مع عدوها الاستراتيجي –الاتحاد السوفيتي- كانت تشق طريقها نحو الهيمنة المطلقة على عالم ما بعد الحرب الباردة.

وكانت رؤية المحافظين الجدد أن الولايات المتحدة لديها فرصة تاريخية غير مسبوقة وربما غير متكررة لترتيب خريطة القوة في العالم، وتغيير الجغرافيا والأنظمة لو لزم الأمر بما يحقق الهيمنة الأمريكية ويفرضها لأطول مدى ممكن.

ولأن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من الحرب الباردة منهكة اقتصادياً، ونتيجة للتفوق المطلق للقوة العسكرية لديها، كان التوجه للأداة العسكرية ليصبح لها الأولوية على ما عداها من الأدوات لتحقيق هدف الهيمنة على العالم.

ولما كان استخدام القوة العسكرية على الساحة الدولية أمر بالغ الحساسية من قبل الحلفاء قبل الأعداء، أرادت الولايات المتحدة أن توجد مبررا لهذا الاستخدام. 

وكما أقنعت الولايات المتحدة من قبل حلفائها بخطر الشيوعية، واشتركوا معها لعقود في حرب باردة ضروس أو ساخنة بالوكالة ضد الدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي، بنفس المنطق كان لابد لها من إيجاد سبب يبرر استخدامها لأداتها العسكرية على الساحة الدولية، وتحشد حلفائها بإمكانياتهم من خلفها.

ومع بروز ما يسمى بالصحوة الإسلامية بخلفياتها الأصولية المتشددة، لعبت الولايات المتحدة الأمريكية على وتيرة خلق تيارات إسلامية متطرفة تستعمل قاعدة الجهاد في الدين الإسلامي في غير محلها وهدفها الشرعي الحقيقي لشن هجمات عسكرية على تجمعات مدنية غير إسلامية، كل ذلك بهدف تخويف العالم من الأصولية الإسلامية التي هي أساسا منشأ أمريكي.

وقد استفادت الولايات المتحدة من البيئة الجغرافية المنعزلة والانغلاق الفكري لهذه الحركات المتطرفة، ومن حالة الفقر التي تعيش في ظله لتدفعها إلى إعلان الجهاد ضد الشعوب غير الإسلامية بعد تكفيرها.

وهكذا أوجدت الولايات المتحدة الأمريكية العدو البديل الذي يحل محل الشيوعية، لتستخدمه تكأة لتطبيق إستراتيجية الهيمنة على العالم، وأصبحت الأوضاع كلها مهيأة في انتظار شرارة البدء.

وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتكون هي شرارة البدء، فبعد وقوع الهجمات بساعات قليلة خرجت تصريحات البيت الأبيض والإدارة الأمريكية لتلقي بالمسئولية على تنظيم القاعدة، الذي اعتبرته مجرد أداة لهذه الأصولية الإسلامية المحرض الرئيسي على الجريمة، وبرز ذلك جلياً حين استخدمت عبارة "حملة صليبية" من قبل الرئيس الأمريكي جورج بوش في يوم 11 سبتمبر 2001 في يوم الرثاء الوطني، حيث قال الرئيس الأمريكي: "هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب ستأخذ بعض الوقت".

رغم أن هذا التعبير انتقد في دول أوروبا والدول العربية والإسلامية، إلا أنه كان معبراً عن الإستراتيجية التي قرر المحافظين الجدد إتباعها للسيطرة على العالم.  

وفي هذا السياق، كان ما أطلق عليه الحرب على الإرهاب؛ فكانت البداية في أفغانستان باعتبارها مقراً لتنظيم القاعدة الأداة المنفذة للجريمة، واسترداداً للكرامة الأمريكية التي أُهينت على يد هذا التنظيم أكثر منها بداية تطبيق الإستراتيجية الأمريكية.

لكن البداية الحقيقية كانت في العراق؛ باعتباره نقطة انطلاق مثالية رئيسية لتطبيق الإستراتيجية الأمريكية في منطقة المصالح الأمريكية الأكثر حيوية في العالم وهي الشرق الأوسط، حيث منابع النفط، وإسرائيل، وطرق المواصلات والتجارة.

قدمت الإدارة الأمريكية ذرائع كثيرة لتبرير حربها على العراق؛ منها دعمه لتنظيم القاعدة، وحين عجزوا عن إثبات ذلك خرجت ذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وحين تأكد العالم من زيف هذه الذريعة، طورت الولايات المتحدة ذريعة جديدة أكثر منطقية وأكثر هلامية تتناسب مع طبيعة عدوها الذي حددته واستراتيجيها التي تطبقها؛ فقالوا بأن النظام السياسي في العراق بقيادة حزب البعث وصدام حسين يعد نموذجا للديكتاتورية التي هي بيئة خصبة لتفريخ منهج الأصولية الإسلامية، وأنهم يعملون على جعل العراق نموذجا ديمقراطيا متنورا لدول المنطقة يجب أن يُحتذى حتى يمكنهم مواجهة تطرف الأصولية الإسلامية.

ورغم الحسم السريع للآلة العسكرية الأمريكية في احتلال العراق في مارس 2003، جاءت النتائج مخيبة للآمال؛ فقد أصبح العراق نموذجاً للفوضى والعنف، ومستنقعاً يستنزف ويحرج القوة العسكرية الأمريكية. كما أن الولايات المتحدة واجهت كثير من الانتقادات على اتساع العالم من قبل الحلفاء قبل الأعداء حتى في الداخل الأمريكي نفسه ضد الحرب على العراق، وأسلوب إدارتها لهذا البلد.

كما أن حالة من الكراهية والرفض للسياسات الأمريكية انتشرت على امتداد العالم بصورة غير مسبوقة، تمثلت في التساؤل الكبير ( لماذا يكرهوننا؟)، فلم تعد الولايات المتحدة في أذهان الكثيرين نموذجاً للحريات واحترام حقوق الإنسان ...الخ من ملامح الصورة البراقة التي صنعتها القوة الناعمة الأمريكية عبر عقود، خاصة في ظل وسائل اتصال بالغة التقدم والسرعة أتاحت المعلومة للجميع، ولم تعد الحقائق سراً يمكن إخفاءه طويلاً، وكل ذلك يهدد المصالح الأمريكية ويعرضها لخطر شديد.

بدأت الولايات المتحدة تراجع أوراق اللعبة، ورأت أن تدخلها المباشر واستخدام القوة المسلحة في إحداث التغيير الذي تريده من وجهة نظرها فقد مبرره بعد القضاء على تنظيم القاعدة، وفضح جرائمها وفشلها في العراق.

وبدا أن واشنطن استوعبت الدرس، وقررت إدارة المحافظين الجدد إتباع نهج جديد في تطبيق إستراتيجية الهيمنة على العالم بدءاً من تغيير خريطة منطقة الشرق الأوسط، في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير من خلال خطة تفجير داخلية؛ حيث اللعب على وتر التناقضات والاختلافات سواء العرقية أو الدينية أو المذهبية، أو الاحتكاكات بين النظم والشعوب، بما يؤدي إلى فوضى، وفي مناخ الفوضى يمكن للأقوى أن يحكم السيطرة على المسار ويوجهه ويوظفه بما يصب في مصلحته؛ فمن رحم الفوضى تتولد أطر ومرتكزات جديدة لضبط حركة الواقع المضطرب، وهكذا أرادت واشنطن أن تخلق أزمة في المنطقة تحصل من خلالها على فرصة أكبر للحركة. 

ويشدد باحثون ومفكرون في هذا المجال أن قوة الفوضى أنها تنقل العدوى إلى من حولها، وأنها تشبه الزلزال عادة الذي له هزات ارتدادية في الدول الذي تشترك مع دولة المركز بالوضع الاجتماعي أو السياسي أو ربما العرقي واللغوي.

وفي ظل تنامي قوة ونفوذ الأصولية الإسلامية وفقدان السيطرة عليها، وقدرتها على تنفيذ هجمات عسكرية في غير الأهداف المرسومة لها بما يضر بالمصالح الأمريكية، وأمام عجز الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة عن السيطرة عليها من خلال أدواتها التقليدية، التي تعتمد على الأداة الأمنية واستخدام القمع، أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن سلاح الدين الذي تعتمد عليه الأصولية الإسلامية لا يمكن مواجهته إلا بسلاح مماثل، فكما واجهت الفكر الشيوعي من قبل من خلال الفكر الليبرالي وشعارات حقوق الإنسان واقتصاد السوق...الخ، كان لابد من إيجاد فكر ديني قادر على مواجهة الأصولية الإسلامية.

وبالطبع اتجهت الأنظار مباشرة إلى الصديق القديم، جماعة الإخوان المسلمين بما يحملون من فكر ديني وسطي معتدل –حسب الرؤية الأمريكية- وكانت صلات الإخوان مع CIA و MI6 تعززت عندما وصل جمال عبد الناصر للسلطة عام 1954، وقدم حلفاء الأنجلو-سكسونيون في الشرق الأوسط من مشايخ وأمراء النفط الدعم المالي والملجأ الآمن للإخوان حين لاحقهم النظام الناصري أمنياً عقب اكتشاف مؤامرتهم لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر وقلب نظام الحكم عام 1964.

منذ عام 2004 بدأت موجة اهتمام جديدة بالإخوان المسلمين في الدوائر العسكرية والسياسية للولايات المتحدة، شرع المحافظون الجدد في إدارة بوش الابن في استخدام جماعة الإخوان مجدداً، وبات واضحاً أن الولايات المتحدة أرادت استخدام وكلاء لها في تنفيذ خططها، وهذا نهج أمريكي كثيراً ما تلجأ له حين لا تريد أن تتورط أو تلوث يدها بسياسات قذرة تشوه سمعتها المزيفة، فتلقي بالعبء على من يقبل القيام به نيابة عنها ويقبض الثمن.

ويبدو أن واشنطن صارت على قناعة بضرورة تغيير المنظومة السياسية بمنطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها المنطقة العربية، بما فيها من أنظمة سياسية حليفة لها .. رأت أنها فقدت صلاحيتها وفائدتها، وباتت عبئاً على المصالح الأمريكية أكثر منها عوناً، ورأت في جماعة الإخوان المسلمين بديلاً مؤقتاً ممكناً لها تستخدمه كحصان طروادة لاختراق هذه الأنظمة وإحداث الفوضى بدولها.

بدأت واشنطن مخططها من خلال مطالباتها الأنظمة السياسية في المنطقة بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية بهدف إتاحة مزيد من الحريات والممارسات الديمقراطية، ومنح مؤسسات المجتمع المدني وقوى المعارضة القدرة على العمل بحرية، وضغطت بقوة في هذا الاتجاه، وأطلقت «مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط» المعروفة اختصاراً بــ «ميبي» لمساعدة المنظمات الأهلية في المنطقة، وقد تم افتتاح عدة مكاتب إقليمية في الوطن العربي، لخلق ذراع لها داخل المنطقة.

ويشير إلى ذلك الكاتب الأميركي والضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "فيليب اجي" حين يكشف الغطاء عن ثلاثة أشكال تستخدمها الوكالة لاختراق منظمات المجتمع المحلي في البلدان العربية خاصة:

الشكل الأول: دعم وتمويل منظمات أو تنظيمات قائمة بالفعل لمحاولة التأثير عليها لاتخاذ مواقف تخدم السياسات الأمريكية وتتماشى معها.

الشكل الثاني: التجنيد الاستخباراتي لعدد من الرموز السياسية للبلد المستهدف، وتمويلهم لصناعة واجهات منظمات مجتمع مدني ترفع شعارات التغيير السياسي وحماية الأقليات الدينية والعرقية وتمكين المرأة والشفافية والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات للتلبيس على الناس بوحي من الأجندات السياسية الأمريكية والتسويق لها على نطاق واسع.

الشكل الثالث: إقامة مؤتمرات دولية وإشراك منظمات الدول العربية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان في بلدانها "دعم معنوي"، وتوظيف القائمين على تلك المنظمات كمستشارين وأكاديميين في مؤسسات أمريكية ودولية بهدف إعطائهم مواقع مؤثرة في الرأي العام ببلدانهم، وتوجيههم بشكل غير مباشر في خدمة المصالح الأميركية بتحويلهم إلى طابور خامس ضد مجتمعاتهم وأوطانهم باستغلال قناعاتهم الشخصية الممزوجة بمصالحهم الخاصة.

وها هو التاريخ يكرر نفسه، فكما استغلت الإمبراطورية البريطانية رغبات وطموحات الشعوب العربية في جمع العرب تحت راية واحدة في مواجهة خطط التتريك العثمانية، ودعمتهم للتكتل خلفها لمواجه الدولة العثمانية، فكانت بداية فكرة إنشاء الجامعة العربية، أيضا تلاقت الدعاوى الأمريكية المزيفة من أجل الحريات والديمقراطية مع آمال وطموحات شعوب المنطقة نحو الحرية والتخلص من ظلم واستبداد النظم الحاكمة – رغم اختلاف المصالح والأهداف والنوايا – فكما أرادت بريطانيا تفجير الدولة العثمانية من الداخل أرادت الولايات المتحدة الأمريكية تفجير المنطقة من الداخل.

هنا نميز بين موقف فريقين داخل الدول العربية:

الأول: لم يجد غضاضة من الاستفادة من الضغوط الأمريكية والاستعانة بها لمواجهة استبداد الأنظمة الحاكمة، فما دمنا لا نستطيع بمفردنا التخلص من الاستبداد فلا مانع من الاستعانة بصديق.

وهذا الفريق ستجده الأكثر طمعاً في الوصول للسلطة، ولذلك يتغاضى عما يذكر حول الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية، ويفضل أن يتعامل معها من خلال الظاهر والنوايا الطيبة، ولذا تجده على علاقات جيدة أو ليس لديه موقف مسبق معاد حقيقي من الولايات المتحدة، وعلى استعداد للتعاون معها إن لم يكن يتعاون بالفعل، ومن هذا الفريق (تنظيم الإخوان المسلمين – بعض الأحزاب الليبرالية(.

الثاني: يتشكك كثيراً في الأهداف الأمريكية، ويدرك أن اللعبة السياسية لا يصلح التعامل معها بالنوايا الطيبة، ورغم معارضته الشديدة وربما تكون أكثر من الفريق الأول للأنظمة المستبدة إلا أنه يرفض الإستقواء بالخارج، ويرى أن نيل الحرية هو تطور مجتمعي ونتاج نضال شعبي وحضاري.

وهذا الفريق، طامح أيضا للوصول إلى السلطة، ولكنه صاحب تجربة سيئة، ولديه موقف سلبي من السياسات الأمريكية، وليس على علاقة جيدة ولا يتعاون معها، وليس على استعداد للتفاعل معها، ومن هذا الفريق (التيارات والأحزاب القومية والاشتراكية(.

أدركت الأنظمة السياسية العربية أن مآل ما تريده واشنطن هو نهايتها لو تحقق؛ فكان رفضها – النادر- للمطالبات الأمريكية، وتذرعت في ذلك بحجج السيادة والاستقلال الوطني!!، والخصوصية وضرورة إتباع منهج التدرج في إجراء تلك الإصلاحات، وهي كلها كلمات حق أُريد بها باطل؛ فكثيراً ما أُهينت السيادة وأُنتهك الاستقلال حين لم يكن ذلك يهدد بقاء هذه الأنظمة على عروشها.

وبدا أن الإدارة الأمريكية عازمة على المضي في مخططها؛ وذلك من خلال اتصالها بمؤسسات المجتمع المدني في تلك الدول وتقديم الدعم لها مادياً ومعنوياً، بالإضافة إلى الاتصال بقوى المعارضة وتقديم الدعم لها.

وبالطبع كانت جماعة الإخوان المسلمين جاهزة وتقدم نفسها على أنها أكبر قوى المعارضة تنظيماً وتأثيراً في العالمين العربي والإسلامي بما لها من تواجد مؤثر بين صفوف الجماهير، وتاريخ صراعي مع أنظمة الحكم.

ومن جديد تتلاقى المصالح، وحين تلتقي المصالح لا تسأل عن القيم والمبادئ، فكلها أمور لا اعتبار لها أمام لغة المصلحة .. وهذا ديدن الجماعة ومنهجها .. فهي تنظيم عملي .. برجماتي لأقصى مدى .. يطوع كل شئ ويوظفه لخدمة مصالحه وأوله الدين، ودائماً ما يسعى للتحالف مع الأقوى، وتقدم خدماتها لمن تراه يحقق مصلحتها مهما تضارب ذلك مع المصلحة العامة والوطنية.

ولا يخفى على الجميع تلك الاتصالات التي كانت تتم على قدم وساق في السنوات العشر الأخيرة بين الجماعة والولايات المتحدة الأمريكية، فلم يزر أي دبلوماسي أمريكي أو أوروبي مصر إلا وقابله وفد من جماعة الإخوان، وهو ما أثار حفيظة نظام مبارك أكثر من مرة، وتسبب في جفاء واضح بين إدارة بوش الابن ونظام مبارك ظهر جليا في المنتدى الاقتصادي الذي عُقد في شرم الشيخ عام 2008؛ حيث شهد سجالا نادرا بين الرئيسين حسني مبارك وجورج بوش حول ملف حقوق الإنسان والإصلاح الديمقراطي، رأي مراقبون انه يشير إلي توتر مركب في العلاقات الثنائية.

وعلى خلاف تقاليد المنتدى لم يستمع مبارك زعيم الدولة المضيفة لخطاب أهم الزعماء المشاركين وعلى رأسهم بوش، إذ ألقى خطابه وغادر، كما أن بوش الذي ألقى كلمته في وقت لاحق لم يستمع بدوره لخطاب الرئيس المصري.

    وهكذا مدت واشنطن خطوط اتصال بقوى المعارضة في دول المنطقة، وبدأت تمهد لتنفيذ مخططها في إحداث الفوضى (الخلاقة)، وربما أرادت أن تبدأ تلك الفوضى من مصر، فكافة التقارير الاستخباراتية والدبلوماسية والصادرة من منظمات المجتمع المدني كانت ترشح مصر لتكون نقطة البداية لاعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية، كما أن مصر هي قلب المنطقة وعراب التغيير فيها، وسرعان ما تنتقل عدوى الفوضى منها إلى المنطقة بأسرها، وهذا أيضا إحدى دروس فشل التجربة الأمريكية في العراق؛ حيث أدركت واشنطن أن التغيير لابد أن يبدأ من مصر وليس سواها.

وفي هذه الأثناء انفجرت موجة الغضب في تونس ضد نظام الرئيس بن علي، وتتابعت الأحداث بشكل دراماتيكي مذهل، فاجأ الجميع بما فيهم من صنعوا الأحداث أنفسهم، فانفجر الغضب في مصر وليبيا واليمن وسوريا، وبات الجميع مهدد بمواجهة ذات المصير وإن كان بدرجات وتوقيتات متفاوتة.

    بالطبع، المفاجئة أربكت الحسابات وخلطت الأوراق لدى الجميع، وتطلب الأمر وقتاً لإعادة التفكير فيما حدث!! فالأسباب مفهومة ولكن التوقيت والآلية والنتائج كانت غير متوقعة.

   وكما هو في لحظات الأزمة والمفاجئة تأتي تصرفاتنا الأولية فطرية عفوية بعيدة عن كل فنون التكتيك والمغامرة، هكذا أتت ردود أفعال جميع القوى، فالكل مأخوذ بالمفاجأة وتطورات الأحداث؛ فالولايات المتحدة الأمريكية فضلت التريث لاستيضاح ما يحدث، فربما كانت تعد لذلك، ولكنه حدث دون إذن منها، وفي زمان ومكان على خلاف ما هو مدرج في مخططها، وليس لديها لأول مرة معلومات كافية عما يحدث وعما سيكون، وهو ما جعلها مرتبكة مترددة، بطيئة في ردود أفعالها.

هكذا كان الجميع بما فيهم القوى الثورية في الشارع، كانت الأمور تتطور ساعة بعد ساعة دون إعداد مسبق، لم يعلم أحد ما هي الخطوة التي تتخذ غداً، ما عدا قوة واحدة كانت تعلم جيداً ماذا تفعل، ومتى تفعل وهي جماعة الإخوان المسلمين .. راقبت الأوضاع عن كثب .. واتبعت تكتيك دائما ما تمارسه وهو الظهور أمام الجماهير بمظهر المعارض الشرس، وفي الخفاء حمل وديع مع القوة الحقيقية الحاكمة .. وفي ذات الوقت تسعى لاستغلال قوى المعارضة الأخرى حتى التي تعارضها أيديولوجيا لتأجيج الغضب الشعبي .. حتى إذا ما أتت لحظة الانفجار كانوا أمام السلطة الحاكمة حليف مطيع، وأمام الجماهير المفجر الرئيسي للأحداث.

وهو ما حدث، في البداية أمنت نفسها خوفا من بطش النظام ورفضت رسمياً المشاركة في مظاهرات 25 يناير2011، ومعها عدد من قوى المعارضة التقليدية الكرتونية، وما أن لاحت في الأفق بوادر انتصار الثورة انضموا لها وركبوا الموجه، ولكي يكسبوا ثقة شباب الثورة وصناعها الحقيقيين، تظاهروا بمد أيديهم للجميع، واستكانوا خلف الثوار، وأخفوا راياتهم الخضراء المميزة لهم، وصمتوا عن ترديد شعاراتهم طوال الــ 18 يوم لحين تنحي مبارك.

لكن صاحب الطبع لا يتغير، فحين لوح نظام مبارك ببعض الغنائم والتنازلات، ولأنهم ليسوا أصحاب مبدأ، ولا يهمهم سوى المصلحة الخاصة والسلطة، سارعوا هم وبعض عناصر المعارضة الكرتونية للتفاوض على ما ظنوه غنائم أو عطايا، حين وعدهم عمر سليمان بالسماح لهم بتأسيس حزب سياسي وجعل الجماعة التي ظلت محظورة قانونا لسنوات جماعة شرعية، مقابل انسحابهم من الميدان وتخليهم عن الثورة وشق وحدة الصف في الميدان.

وعلى أثر ذلك كشف العضو النشط في جماعة الإخوان المسلمين المصرية هيثم علي أبو خليل مدير مركز "ضحايا" لحقوق الإنسان أن أسباب استقالته من الجماعة تتعلق بصفقة عقدتها قيادات من الجماعة مع عمر سليمان، وجاء في نص الاستقالة: "عدم اتخاذ إجراء صارم وحاسم ضد أعضاء من مكتب الإرشاد ذهبوا إلى لقاء سري مع اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية السابق أيام الثورة، وهو لقاء آخر غير اللقاء الذي حضره كثير من القوى الوطنية والذي خصهم فيه سليمان بالتفاوض من أجل إنهاء المشاركة في الثورة مقابل حزب وجمعية".

هنا لابد من وقفة للإنصاف، حين أتحدث عن موقف جماعة الإخوان المسلمين أثناء الـ 18 للثورة .. أنا أتحدث عن التنظيم والقادة والكوادر بالجماعة، وليس كل من هو منتمي للتنظيم أو متعاطف مع أفكاره ومبادئه؛ أؤكد على ذلك لأنني رأيت شبابا ينتمي للتنظيم أو متعاطف معه لا يقل حماسة أو ثورية عن باقي شباب الثورة، ومنهم من ضحى بدمه من أجل الثورة، وكان لدى أمل في هؤلاء الشباب في جعل هذه الجماعة أكثر وطنية وأكثر إعلاءً للمصلحة الوطنية العامة على مصلحة التنظيم، ولكن للأسف لازال مبدأ السمع والطاعة عائقاً منيعا أمام حدوث هذا، وفي ذات الوقت عاملا جوهريا في انهيار الجماعة.

نعود لمسارنا..

ما أن رحل مبارك وحُل الحزب الوطني، وخلت الساحة السياسية في مصر من قوة سياسية حاكمة منظمة، حتى عاد الإخوان المسلمين إلى أسلوبهم الانتهازي؛ كان جل همهم في البداية تفتيت قوى المعارضة الضعيفة أصلاً، والقفز على السلطة بأسرع ما يمكن قبل أن تتمكن القوى الثورية الحقيقية من شباب الثورة من تنظيم أنفسهم في كيان أو كيانات سياسية قوية على أرض الواقع، وقبل أن تفرز الثورة قادتها الحقيقيين، ساندهم في ذلك الحليف والراعي الأمريكي؛ حين أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" أن الإدارة الأمريكية لن تعارض وصول جماعة الإخوان المسلمين للسلطة في البلاد مادامت تنبذ العنف وتلتزم بالديمقراطية وحقوق كل أفراد المجتمع.

 

وفى يوليو 2011 أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلارى كلينتون، عن بدء اتصالات رسمية بين الطرفين، وذكرت أنه من مصلحة واشنطن إجراء مثل هذه الاتصالات، وشهد مقر الجماعة الجديد في حي المقطم زيارات أمريكية متكررة حملت معها شخصيات بارزة مثل السيناتور جون كيرى، والسيناتور جون ماكين والرئيس السبق جيمى كارتر، وكبار مسئولي ملفات الشرق الوسط في وزارة الخارجية.

ومع اقتراب حلم التمكين والوصول للسلطة الذي سعوا إليه منذ سبعين عاماً -وربما لن تتكرر الفرصة مرة أخرى- باتت جماعة الإخوان المسلمين على استعداد للتحالف مع الشيطان، وكعادتهم سعوا للتحالف مع القوي بصرف النظر عن المبادئ والقيم والمصلحة الوطنية العامة، فكان هذا القوي –آنذاك- هو المجلس العسكري الذي تولى أمر إدارة المرحلة الانتقالية.

ومرة أخرى تتلاقى المصالح، فزواج المصلحة بين جماعة الإخوان المسلمين والمجلس العسكري لا تخطئه عين؛ أراد المجلس العسكري أن يتعامل مع قوة مؤثرة يعرف الكثير عنها وتنال الرضاء الأمريكي، بدلاً من قوى متشرذمة لا يعرف عنها شئ، قوة يمكنه – هكذا تصور- أن يستغلها ويطوعها لتحقيق أهدافه، وأهمها تدجين الثورة، والوقوف بها عند تنحي مبارك، والتخلص من نجله جمال ورجاله، ثم إقناع الشارع بأن هذا هو منتهى ما تطمح له الثورة؛ بهدف أن يستكمل نظام مبارك دوره في حكم البلاد برعاية المجلس الذي هو جزء أصيل وصاحب مصلحة أكيدة في بقاء هذا النظام، وهذا ما عملت على تحقيقه الصياغة الدستورية التي جاءت بها لجنة المستشار/ طارق البشري.

ولأن المجلس العسكري يدرك أن قواعد النظام العالمي في عام 2011 تختلف كثيرا مثيلتها في 1952 بما لا يرحب ولا يشجع بقيام نظام عسكري في مصر، كما أن جل القوى السياسية المؤثرة في مصر ستقاوم بضراوة مثل هذا الاتجاه، فيبدو أنه كان يعد لنموذج أقرب ما يكون بالنموذج التركي؛ حيث تحكم المؤسسة العسكرية بصورة غير مباشرة، ووفق للقواعد التي تضعها، وتراقب عن كثب تنفيذ ذلك، ويكون لها من الأدوات ما يمكنها من ضبط الأمور في حال خروجها عن نصابها.. هكذا تصور مجلس المشير طنطاوي.

وفي هذا الإطار، بدا أن المجلس العسكري لا يمانع في أن يستغل طمع جماعة الإخوان في القفز السريع على السلطة، واستعدادهم لتقديم عظيم التنازلات في المقابل، والقبول بشروط اللعبة التي يضعها، وفي ذات الوقت يكونوا ستاراً شرعياً مقبولاً في الشارع المصري بما لهم من شعبية لتمرير أهداف وسياسات المجلس.  

أُعطى الميكروفون لجماعه الإخوان، وسمح لهم ببناء المقار واللجان والمراكز، ومُنحوا مساحات إعلامية بغرض فرضهم على الشعب وإظهارهم بمظهر أنهم المتحدث باسم الشعب وبأنهم الممثل الشرعي للشعب والتي تعمل لمصلحتهم. 

وبالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين؛ كانت تجربتهم مع مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 لازالت حية في الأذهان، ويبدو أنهم تعلموا الدرس؛ فتجنبوا الاصطدام بالمجلس العسكري قبل أن يتمكنوا من السلطة، وقرأوا جيدا ما يخطط له المجلس العسكري، ورأوا أن ما يقوم به المجلس يتوافق تماما مع هدفهم في القفز على السلطة، لذا قرروا أن يتبادلوا الأدوار مع المجلس؛ فبدلا من استغلاله لهم يستغلوه هم في تحقيق أهدافهم، وكانت رؤيتهم للساحة المصرية، والإقليمية والدولية، بالإضافة إلى إمكانياتهم المادية والتنظيمية ما يؤهلهم لذلك.

هكذا، أدارت الجماعة اللعبة مع المجلس، وأظهروا في البداية كثير من التوافق والتفاهم مع سياسات وقرارات المجلس، وفي يوم 29 يوليو2011 كانت المليونية التي دعت لها بعض الأحزاب والقوى الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة وجماعة الدعوة السلفية بعنوان "مليونية دعم الشريعة الإسلامية" وأُطلق عليها "مليونية قندهار"، شهدت دعما كبيرا للمجلس العسكري والمشير حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وظهر فيها الهتاف الشهير للإسلاميين "دقن وجلابية.. والعسكر مية مية"، و "يا مشير يا مشير ألف تحية من التحرير"، "ألف تحية من المشير من قلب ميدان التحرير"، "يا مشير يا مشير.. من النهاردة أنت الأمير"، كما قام متظاهرون إسلاميون وقتها بتكسير منصة شباب 6 إبريل حال اعتراضهم على الهتافات المؤيدة للمجلس العسكري.

استند هذا التحالف الثلاثي غير المقدس ضد الثورة إلى توافق المصالح بين العسكر والإخوان والأمريكان في الدفاع عن مصالح وأسس مجتمع واقتصاد فترة مبارك، لا يهمهم كيف أدت تلك الأسس لإفقار الشعب المصري ونهب ثرواته.. لقد توافق الجميع على أهمية تبريد الثورة تمهيداً لقمعها إذا لزم الأمر.

وفي هذا السياق، تم تجاهل مطالب شباب الثورة ونواتها الحقيقية وسائر القوى الوطنية في إدارة الفترة الانتقالية من خلال مراحل كل منها ترتب للأخرى؛ بدءاً من إعداد دستور مدني ديمقراطي يجسد أهداف الثورة، ثم انتخابات برلمانية حرة نزيهة تتمكن من خلالها القوى الثورية الشابة من المنافسة فيها بعد أن تكون قد أقامت قواعدها الشعبية، وأخيراً انتخابات رئاسية تتوج نهاية الفترة وتكون فاتحة لفترة جديدة في تاريخ مصر. 

وبدلاً من ذلك، تم تمرير استفتاء 19 مارس، الذي بناء عليه أجريت انتخابات برلمانية  ثم انتخابات رئاسية ثم أعد دستور مشوه أحدث انقساماً غير مسبوق بين المصريين، وكل ذلك تم في مناخ من تزييف وعي بسطاء المصريين بشعارات دينية مضللة.

 ورغم صراخ صناع الثورة الحقيقيين في كافة ميادين مصر بأن ما يحدث يجهض الثورة، ويؤدي بالبلاد إلى الفوضى، كان طمع الإخوان والعسكر في السلطة فوق أي مصلحة أخرى.

خلال كل ذلك، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تراقب عن كثب ما سوف تسفر عنه اللعبة، وظهر أهمية اللجوء إلى خدمات جماعة الإخوان المسلمين للعمل لصالح الأهداف الأمريكية، من خلال استخدام سلاح الدين في توجيه تلك الشعوب والجماهير وتوجيه قوتها وشحنتها وغضبها في اتجاه لا يضر المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

وجاءت جميع تعليقات وتصريحات المسئولين الأمريكان عن الوضع في مصر لتؤكد على ضرورة إتباع مسار التحول الديمقراطي، وسرعة الانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، ليس حرصا على الصالح المصري، فتاريخ الولايات المتحدة يشهد أنها لا تتورع عن وأد أي حركة تحرر وطني، وتأييد أبشع الديكتاتوريات لو وجدت في ذلك مصلحة لها، ولكنها في الحالة المصرية تدرك أن أدوات الديمقراطية مثل صناديق الانتخاب سوف تكون في صالح أصدقائها من "جماعة الإخوان"، فكثيراً ما تدار العملية الديمقراطية بأبشع صورة الديكتاتورية (ولهذا حديث آخر مفصل).

أمام الدعم الأمريكي الكبير لجماعة الإخوان المسلمين، بدأ القلق يتسرب إلى المجلس العسكري كان لابد من أن يُذكّر المجلس العسكري الجميع بأنه هو الحاكم الأصيل، رغم أنف الأغلبية التي أتى بها الشعب من خلال صناديق الاقتراع؛ فهو من يسيطر على أجهزة الأمن من جيش وبوليس ومخابرات ...الخ، وكذلك أجهزة الدولة البيروقراطية والسلطة التنفيذية (الدولة العميقة) من خلال رئيس وزرائه، ومن خلال اللواءات مندوبيه المباشرين في كل وزارة.

وأراد المجلس أن يثبت ذلك عملياً؛ فكانت مداهمة مراكز الجمعيات الغير حكومية خاصة الأجنبية منها، والقبض على العديد من الموظفين الأمريكيين الذين يعملون في هذه المنظمات، وكذلك العديد من المصريين وجنسيات أخرى، وتم تقديمهم للمحاكمة.

وعلى الفور بدأت زيارات لمسئولين عسكريين أمريكيين رفيعي المستوى للمجلس العسكري، واتصالات سياسية رفيعة المستوى بحزب الحرية والعدالة، منها زيارة السفيرة الأمريكية للمركز العام للإخوان المسلمون بالمقطم يوم 18 يناير 2012، و كذلك الزيارات المتتالية لوفود رفيعة المستوى من الإدارة الأمريكية والكونجرس لقيادات حزب الحرية والعدالة وعلى رأسهم السيناتور جون ماكين، ومايكل بوزنر مساعد وزير الخارجية، والسيناتور ليندسى جراهام، وغيرهم الكثير من الوفود الأمريكية، والباحثين الأكاديميين أو من خلف هذه المهنة، وهم في الحقيقة غير ذلك، ثم انفجرت القنبلة الكبرى عندما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" أمام الكونجرس يوم الأربعاء 29 فبراير الماضي أن قضية الـ 19 أمريكيا المتهمين في قضية التمويل الأجنبي في مصر سوف تحل خلال أيام بسيطة .. رغم أن القضية في عهدة القضاء الذي لم يبت فيها بعد، و بالفعل بعد أيام قليلة تم الإفراج عن المتهمين الأمريكيين، بعد أن حطت طائرة أمريكية عسكرية دون موافقة برج مطار القاهرة أو حتى وزارة الدفاع أو المجلس العسكري ذاته، وهو ما يمثل انتهاك صارخ وفاضح لسيادة وكرامة مصر والمصريين.

ولم تكن جماعة الإخوان المسلمين بعيدة عما حدث، فقد فضح تآمرها "جون ماكين" ورموز بالكونجرس الأمريكي حين خرجوا يشيدون في بيان رسمي صادر عن الكونجرس بأداء جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي "حزب الحرية والعدالة" في حل القضية.

مرة أخرى أكرر لا تزال الجماعة تسير على نفس نهجها لاهثة خلف مصالحها الضيقة على حساب المصالح العليا للأمة، وقررت التحالف مع الأقوى، ولو حتى على حساب كرامة وسيادة مصر.

لقد قدر الإخوان أن مستوى نفوذهم وكذلك تأييد الولايات المتحدة لهم (حيث يرونهم أقدر على تحجيم الثورة في الشارع من المجلس العسكري الذي يمثل القمع وسيلته الأساسية) يؤهلهم للمطالبة بزيادة نصيبهم في الصفقة بوضع موطئ قدم لهم في السلطة التنفيذية أيضا بجانب السلطة التشريعية، وبالتالي تخلت الجماعة عن حذرها في تجنب الاصطدام بالمجلس العسكري، وبدأت الاحتكاكات والمناوشات بين الطرفين، وصارت واضحة للعيان من خلال الصدام بين رئاسة مجلس الشعب الإخوانية المتمثلة في "الكتاتني" ورئاسة الحكومة المصرية الممثلة في "الجنزوري"، تلك الحكومة التي أيدها الإخوان رغم معارضة كل القوى الوطنية والثورية لها.

وفي مارس 2012 أجرى رجل الإخوان القوي نائب المرشد العام المهندس "خيرت الشاطر" زيارة إلى منزل المشير طنطاوي بصحبة المرشد العام للجماعة الدكتور "محمد بديع" ورئيس حزب الحرية والعدالة خلال هذه الفترة الدكتور "محمد مرسي"، والأمين العام للجماعة الدكتور "سعد الكتاتني"، وتقدم المهندس "خيرت الشاطر" بطلب للمشير مفاده إقالة حكومة الجنزوري، ومنح القوى السياسية الفائزة في انتخابات مجلس الشعب فرصة لتشكيل حكومة ائتلافية. وسعياً لطمأنة العسكري على وضعه خلال المرحلة المقبلة طرح المهندس الشاطر على المشير رؤية الإخوان لدستور مصر الدائم والذي يحافظ على كافة مكتسبات وصلاحيات واستقلالية المؤسسة العسكرية.

ومن جانبه وعد المشير بدراسة طلب الإخوان، وتوترت العلاقة بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين على خلفية رفض العسكري طلب الإخوان بإقالة حكومة الجنزوري.

وفي لعبة عض الأصابع بين المجلس والجماعة، قامت الجماعة بتأجيج غضب الشارع والثوار على أداء المجلس العسكري للفترة الانتقالية، وظهرت أعمال عنف وفوضى روعت المواطنين نسبت إلى ما عُرف "بالطرف الثالث"!، وتم الترويج للهتاف الشهير " يسقط حكم العسكر احنا الشعب الخط الأحمر " والذي تبناه الشارع الثائر في رفضه لسياسة المجلس العسكري، كما لوحت الجماعة – تهديداً - بالدفع بمرشح إخواني لرئاسة الجمهورية إذا استمر المجلس العسكري في نهجه، متهمين المجلس بالسعي للهيمنة على السلطة وعدم ترك الحكم كما يتعهدون.

أصبح واضحاً أن المجلس العسكري ضاق ذرعاً بالجماعة، وبأحكام قضائية حُل مجلس الشعب، وأُبطلت الجمعية التأسيسية للدستور، وكانت ضربة موجعة للجماعة، أوصلت العلاقة بين الجماعة والمجلس لنقطة اللاعودة.

وعند هذه النقطة، بدا وأن الأطراف جميعها خاسر، فلا الإخوان نجحوا في تحقيق ما هدفوا إليه من تحالفهم مع العسكري، بل خسروا كثيراً من تعاطف الشارع المصري والقوى الثورية معهم، كما أصبح المجلس العسكري ملوث اليد بدماء شباب الثورة، وفقد الكثير من مكانته التي اكتسبها في بداية الثورة لدى المصريين، حتى الثوار ومن خلفهم الثورة أصابهم الإنهاك جراء مقاومتهم أثار تحالف الإخوان والعسكر.

الكاسب الوحيد من كل هذه الخسائر كان فلول نظام مبارك؛ نظموا صفوفهم بشكل جيد، اكتسبوا ثقة في أنفسهم جعلتهم يتجرأوا على الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، ويمثلوا تهديداً حقيقياً على الثورة برمتها.. وحاولوا أن يستغلوا الموقف الذي وصل إليه المجلس العسكري والإخوان ليقدموا أنفسهم للعسكر على أنهم حليف قوي وداعم وقابل بكل شروط العسكري، ويمكن أن يحكم من خلف ستار العسكر، وفي هذا إنقاذ للطرفين من بطش جماعة الإخوان في حالة سيطرتهم على السلطة.

وأكبر الظن أن المجلس العسكري لم يكن لديه مانع في استبدال فلول نظام مبارك بجماعة الإخوان؛ فهو يعلمهم جيداً، وربما كانوا أكثر ثقة لديه من الجماعة، ويضمن ولائهم له؛ لأنهم بافتقادهم التأييد الشعبي ليس لديهم بديل سوى المجلس على عكس جماعة الإخوان الذين استقووا بالتأييد الشعبي على المجلس العسكري.

 بدأ المجلس العسكري يلاعب الجميع وأولهم الإخوان؛ حين سمح بتمرير أوراق مرشحي فلول نظام مبارك عمر سليمان، وأحمد شفيق، وعمرو موسى إلى اللجنة المشرفة على انتخابات الرئاسة.

هنا أدرك الإخوان هول ما يمكن أن يلاقوه إذا ما نجح المجلس العسكري في المضي قدماً في مخططه، وشعروا بأن حلم التمكين يتسرب من بين أيديهم بعد أن ظنوا أنه بات أقرب ما يكون منهم.

وفي هذه الأثناء، لاحت في الأفق ذكريات أزمة مارس 1954 بين جماعة الإخوان المسلمين ومجلس ثورة يوليو 1952، حتى أن وسائل الإعلام بدأت تعيد تحليلها، وإمكانية تكرار ذات السيناريو بين الإخوان والمجلس العسكري.

باتت الجماعة في موقف لا تحسد عليه؛ فبعد أن خسرت ثقة القوى الثورية في الميدان، وخسرت الكثير من رصيدها في الشارع المصري نتيجة مواقفها من الثورة وتحالفها مع العسكر، وأدائها الهزيل والسيئ في البرلمان كان لابد لها من الاستعانة بصديق، تقدم له كل ما يلزم من ضمانات مقابل دعمها في مأزقها .. ومن يكون ذلك الصديق الذي يملك الدعم سوى الأمريكان .. فكلاهما (الإخوان والأمريكان) يعرفان جيداً ماذا يريد كل منهما من الآخر، والمقابل الذي يقدمه في سبيل ذلك، والطرفان لا مانع لديهما من دفع المقابل.

أرسل الإخوان المسلمين وفدا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي يعرفون أنها تمسك بأوراق قوة أساسية في لعبة السلطة في مصر للتفاوض، والاستعانة بهم في معركتهم على نصيبهم في السلطة مع العسكر.

على الطرف الآخر، الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على العسكر الذين يمثلون أحد أهم ركائزها في المنطقة وليس في مصر وحدها، وما تجربة مشاركتهم فيما سمى بمعركة تحرير الكويت ببعيدة، وبصرف النظر عن حجم دورهم العسكري المباشر فقد كان دور العسكر في تقديم التغطية السياسية للأمريكان هو ميزتهم الكبرى.

كما أن أمريكا أيضا حريصة على الإخوان ذوى الوزن الهام في الشارع، مع مراعاة أنهم قوة منحازة لليبرالية الاقتصادية، وتقدم كل التطمينات الواجبة على أن كل دعايتهم السابقة أيام كونهم في المعارضة ضد إسرائيل لن تدفعهم حتى إلى المطالبة بتعديل كامب ديفيد، بل وتعهدت بعدم تنظيم استفتاء على كامب ديفيد!.

والولايات المتحدة الأمريكية في هذا تبحث عن مصالحها الخاصة، ولو حصلت عليها من الإخوان المسلمين فأهلا وسهلاً بهم، وقد عبر هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق عن ذلك في مقابلة مع وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي في اسطنبول، حين قال كيسنجر إن الولايات المتحدة لا مانع لديها من وصول الإخوان للحكم، ما داموا وافقوا على الشروط الأمريكية، وهي أن يظل ممر قناة السويس مفتوحاً كما هو، وأن تحافظ مصر على اتفاقيات السلام مع إسرائيل، وأن تظل الولايات المتحدة المورد الرئيسي للأسلحة للجيش المصري، وأن يحتفظ الجيش المصري بعلاقاته مع الجيش الأمريكي!!.

وعلى ذات الموجه، كانت تركيا هناك ترصد تطورات الأوضاع، وتعد وتخطط وتهيئ البيئة لدور تركي قوي ومهيمن في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن يأست من تحقيق حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي .. وأرادت تركيا أن تستغل نظرة دول الربيع العربي لها باعتبارها نموذجاً يُحتذى؛ يجمع بين الدولة الحديثة والمرجعية الإسلامية في تدشين موقعها كقوة إقليمية فاعلة.

وفي هذا السياق، لعب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان القادم من خلفية إسلامية دوراً مهما في ترتيب التفاهمات الإخوانية الأمريكية لإزالة شكوك واشنطن من وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر، وقام بالاتصال بالإدارة الأمريكية لنقل رسائل طمأنة من الإخوان بشأن وضع المنطقة في حالة فوز جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية وتشكيلها حكومة في مصر.

وعلى أثر هذه الرسائل طلب أردوغان من جماعة الإخوان المسلمين إيفاد مسئول إخواني إلى واشنطن للتفاهم بشأن القضايا العالقة، وتوجه كل من المهندس خيرت الشاطر الرجل الحديدي في الجماعة، والدكتور عصام الحداد مسئول ملف الاتصال الخارجي بالإخوان بصحبة عنصر بالتنظيم الدولي للإخوان إلى واشنطن، وتم التفاهم خلال الزيارة على أن تُبقي مصر على جميع الاتفاقيات الدولية كما هي دون تغيير خاصة "كامب ديفيد"، وكذلك الاتفاقيات الإستراتيجية بين البنتاجون والجيش المصري والمخابرات العامة.

نجح اردوغان في نقل الرسائل الإخوانية إلى الإدارة الأمريكية متعهداً على لسان الجماعة بالحفاظ على العلاقة الإستراتيجية بين واشنطن والقاهرة. وأكد أردوغان للإدارة الأمريكية أن وصول شخص إخواني إلى منصب رئيس الجمهورية في مصر من شأنه الحيلولة دون وصول تيار إسلامي أكثر تطرفاً إلى سدة الحكم، مشيراً إلى أن وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم من شأنه تشكيل حلف قوي في الشرق الأوسط يساعد الإدارة الأمريكية في حل أزمة طهران النووية، والوصول إلى صيغة لاتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ خاصة أن حماس قادمة من خلفية إخوانية.

 ودعا أردوغان المسئولين الأمريكيين إلى الاعتماد على المهندس خيرت الشاطر كصديق لهم في مصر، هذه الرسائل التي نقلها أردوغان إلى واشنطن كان لها الفضل في ضغوط الإدارة الأمريكية على المجلس العسكري في عدم تدخله في سير الانتخابات الرئاسية المصرية.

ويؤكد " د.عمرو هاشم ربيع " الخبير بمركز الأهرام الاستراتيجي، أن الدور الذي لعبه أردوغان في التفاهمات الأمريكية - الإخوانية، قائم على ثقة الطرفين في الوصول إلى حل وسط للقضايا محل الخلاف.

 وأوضح هاشم أن خلفية أردوغان الإسلامية مكنته من لعب هذا الدور؛ لتجربة واشنطن الجيدة مع دولة إسلامية كبيرة في المنطقة، مشيراً إلى أن ما وصلت إليه تركيا من تقدم جعل الأمريكان أكثر ثقة في قدرة الإخوان على صياغة نظام سياسي في مصر شبيه بالنظام التركي مدعوم شعبياً، يمكن الولايات المتحدة من صياغة استراتيجيات بعيدة المدى للتعاون مع القاهرة.

في المقابل كانت رؤية الإدارة الأمريكية تتلخص في النقاط الآتية:

أولاً: أن البديل عن الإخوان غير مضمون؛ فالعسكر لن يقبلهم الشعب، كما لن يقبل من هم محسوبين على نظام مبارك.

ثانياً: لن تغامر الولايات المتحدة الأمريكية بقدوم شخصية لا تضمن ولائها، ولا توجهاتها، أو شخصية وطنية تجعل من صيانة السيادة المصرية، واستقلال القرار المصري خطراً على المصالح والإستراتيجية الأمريكية في المنطقة على غرار جمال عبد الناصر.

ثالثاً: أرادت واشنطن تغيير الصورة الأمريكية في ذهن رجل الشارع المصري والعربي، عن مساندتها للأنظمة الديكتاتورية.

رابعاً: تهدف الولايات المتحدة الأمريكية إلى أمركة الإسلام، من خلال تدجين تيارات الإسلام السياسي بواسطة جماعة الإخوان، وتحويل نظرة العداء لأمريكا إلى نظرة تعاون وتحالف.

خامساً: ترى الولايات المتحدة أن جماعة الإخوان لها وزن هام في الشارع المصري والعربي، يمكنها من تمرير مخططاتها في المنطقة شعبياً، مستغلة في ذلك الخطاب الديني لجماعة الإخوان.

بعد أن حصلت جماعة الإخوان المسلمين على الموافقة والدعم الأمريكي نكثت وعدها بألا تقدم مرشحاً لها في انتخابات رئاسة الجمهورية، وقدموا في ذلك كثير من الأسباب ذهبت جميعها أدراج الرياح، وأعلنوا ترشيح رجلهم القوي نائب المرشد العام ورجل الأعمال خيرت الشاطر للمنافسة على المنصب بعد أن حصلوا على الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية على هذا الترشيح.

وهذا ما يوضحه تصريح الدكتور "محمود غزلان" عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين والمتحدث الإعلامي باسم الجماعة الذي أكد فيه أنه كانت لدى الإخوان مخاوف من تكرار حصار غزة في حال دفعوا مرشحاً منهم لرئاسة الجمهورية، إلا أنه عندما تبددت المخاوف كان هذا أحد أسباب ترشيح الشاطر .. ما بدد المخاوف هو حصولهم على موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على هذا الترشيح.

واجه هذا الحنث في الوعد سخط شعبي كبير، ومن جميع القوى السياسية بما فيهم تيارات الإسلام السياسي، وبعض الشباب النقي ثورياً من جماعة الإخوان المسلمين ذاتها؛ وها هم بعض من قيادات الإخوان قد أعلنتها صريحة بأن ما جرى يمثل صفقة بين الإخوان والأمريكان، فهذا كمال الهلباوي المتحدث باسم الإخوان في أوروبا يعلن استقالته من جماعة الإخوان المسلمين متهماً الجماعة بالتواطؤ مع الأمريكان، كما استنكر الشيخ وجدي غنيم أفعال الجماعة.

وفي بيان أصدره الداعية الكويتي -المصري الأصل- الشيخ "عبد الرحمن عبد الخالق" أدان فيه ترشح خيرت الشاطر وقال فيه: "أصبت بالصدمة بعد أن علمت أن جماعة الإخوان المسلمون في مصر ومرشدها العام قد أصدروا قرارا بترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة جمهورية مصر، وذلك أن الجماعة قد عاهدت الأمة المصرية ألا يدفعوا بمرشح منهم للرئاسة، وهذا الذي ذهبت إليه الجماعة إنما هو من باب الغدر وإخلاف الوعد والعهد .... أن ما فعلتموه لا يجوز لمسلم السكوت عليه، فإنكم تمارسون السياسة باسم الإسلام، وأخطاؤكم تقع بالضرورة على المسلمين جميعا، وفعلكم هذا يؤدي إلى انصراف الناس عن الإسلام وتسويتهم بين مسلم يمارس السياسة وعلماني (لا ديني) يمارسها. وكل من أعطى صوته لهذا المرشح سيكون داخلا في صفقة غدر وإخلاف وعد ونقض عهد".. وغير ذلك من ردود الفعل الغاضبة من قرار الجماعة.

إلا أن الجماعة كانت عازمة على المضي قدماً، فلا مصلحة تعلو فوق مصلحة الجماعة ولو كانت مصلحة مصر، فحصولهم على منصب الرئيس كانت بمثابة طوق النجاة لهم، وإلا كان البديل نهاية حقيقية للجماعة بعد أن خسروا كل شئ. وهذا يجعلنا نفهم دلالة تصريح المرشد السابق للإخوان "محمد مهدي عاكف" حين قال "طظ في مصر"؟!!

وبذات الحرفية التي عمل بها المجلس العسكري حين وضع بذور حل مجلس الشعب في قانون انتخاب أعضائه لإنباتها وقت الحاجة، وضع بذور إبطال ترشيح الشاطر في قرار العفو عنه؛ فلم يتضمن إعلان العفو ما يفيد أنه عفو شامل يتيح له ممارسة كل حقوقه السياسية.

وفي إطار لعبة الكر والفر بين المجلس والجماعة، كانت الجماعة متحسبة لمثل هذا؛ فدفعت بمرشح احتياطي –استبن- لها وهو الدكتور محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي للجماعة.

وسط هذه الأنواء والعواصف، وألعاب السياسة وتحالفاتها القذرة كانت قوى الثورة الوليدة تتشكل، تلملم جراح ما يزيد عن عام من عمر الثورة؛ تعرضت فيه هذه القوى لكافة أصناف العنف المادي والمعنوي، ولكنها صمدت في الميدان، ولولا صمودها لأجهضت الثورة في عامها الأول، هذه القوى الوليدة النقية عانت من نقاط ضعف عديدة:

أولها: نقص الخبرة والتجربة السياسية، نتيجة سياسات نظام مبارك الفاسدة، التي جعلت من ممارسة العمل السياسي مغامرة خطرة.

ثانياً: اندساس من يطلق عليهم نخبة مثقفة، عواجيز المعارضة الكرتونية، وبعض الأشخاص ممن يجيدون ركوب أمواج السياسة .. ممن يأكلون على كل الموائد بين صفوف هذه القوى؛ وكل هؤلاء استغلوا نقص الخبرة والطموح لدى الشباب، مما أدى إلى تشتت وتمزق الصف داخل هذه القوى.

ثالثاً: نقص الإمكانيات المادية البين لدى قوى الثورة، وافتقارها لأي دعم من الداخل أو الخارج.

رابعاً: الضربات الموجعة التي تلقتها هذه القوى على يد الحلف الشيطاني بين الإخوان والعسكر.

بكل هذا الضعف خاضت القوى الثورية معترك الانتخابات الرئاسية الضخم والغير مسبوق، ممثلين في مرشحين رئيسيين هما "حمدين صباحي" الذي مثل التيار الوطني ذو المرجعية الاشتراكية، و"عبد المنعم أبو الفتوح" الذي مثل التيار الوطني ذو المرجعية الإسلامية.

  وبنظرة مدققة للوضع السياسي في مصر بعد إعلان القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة يمكن أن نرصد الآتي:

1-أن جماعة الإخوان المسلمين أدركوا أن الاعتماد على رصيدهم في الشارع لكسب الانتخابات لم يعد مجدياً ولأسباب عديدة:

*اهتزاز الثقة في الجماعة نتيجة ممارستها خلال الفترة التي تلت الثورة وحتى لحظة الانتخابات الرئاسية.

*ضعف مرشح الجماعة محمد مرسي بالمقارنة بخيرت الشاطر، أو عبد المنعم أبو الفتوح.

*الانقسام الحادث في جبهة تيار الإسلام السياسي، والذي كثيراً ما كانت تعول عليه؛ خاصة بعد إعلان عدد من القوى السياسية الإسلامية عن دعمها لعبد المنعم أبو الفتوح.

*طبيعة الانتخابات الرئاسية وآلياتها بالقطع هي مختلفة عن انتخابات البرلمان.

2-بدا أن المجلس العسكري قد أيقن أن الإخوان لا كلمة لهم ولا حليف دائم، بل مصالحهم في التغلغل وتأسيس أو تقريب الدولة الدينية حتى لو أخلفوا وعودهم، ورأى أنه يمكن الاعتماد على الفريق أحمد شفيق بديلاً عنهم، فأنصاره من المؤيدين وبشدة للمجلس العسكري في إدارته للبلاد، بل ويطالبون بوضع خاص للمؤسسة العسكرية في إدارة شئون الدولة.

3-نشطت ما يطلق عليها أجهزة ومؤسسات الدولة العميقة في بث حالة من التخويف والتخوين لجماعة الإخوان المسلمين وبعض رموز الثورة بما فيهم "حمدين صباحي" و"عبد المنعم أبو الفتوح" مرشحي الثورة، لصالح المرشح "أحمد شفيق" وتصويره على أنه من سيأتي بالاستقرار والأمن للبلاد، ويجنبها ويلات الفوضى التي كان يهدد بها مبارك.

4-بدأ الظهور القوي من جديد لرموز وقوى الحزب الوطني المنحل، للوقوف خلف المرشح "أحمد شفيق"، والدعم الهائل لحملته الانتخابية، وفي الحقيقة كانت هذه القوى تدرك أنها تخوض معركتها الأخيرة من أجل البقاء، لذا لم تدخر وسعاً في تسخير إمكاناتها المادية وخبراتها السياسية، وصلاتها بالعائلات في الريف والصعيد لدعم "أحمد شفيق".

5-أن عقلاء الثورة فشلوا في مناشداتهم للقوى الثورية بالتوحد خلف مرشح واحد بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين، فلم يدرك هؤلاء أن لكل طرف هدف، ولكل طرف مصلحة وليس ضرورياً أن تتطابق أو تكون في مرحلة أدنى من المصلحة الوطنية العليا كما تصور هؤلاء الأنقياء الثوريين.

6-كان هناك حجم ضخم من الأموال ينفق من قبل الجميع؛ لاسيما المرشح المحسوب على نظام مبارك "أحمد شفيق"، ومرشح جماعة الإخوان "محمد مرسي"، والإشارة في ذلك عن مؤشرات واضحة بوجود دعم خارجي لهؤلاء.

بالطبع كان لكل طرف من أطراف المعادلة السياسية حساباته، وتكتيكاته التي أدار بها المنافسة:

-      جماعة الإخوان المسلمين، عولت على ما تبقى لها من رصيد في الشارع المصري، وقدرتها على توظيف الدين باعتباره أداة لم تخذلها من قبل، مع الاعتراف بوجود منافسين حقيقيين لهم في استخدام هذه الوسيلة لم يفقدوا مصداقيتهم لدى الشارع بعد (السلفيين)، فأرادوا تعويض ذلك من خلال حجم إنفاق مادي مذهل يفوق كل التصورات، وتحوم حوله كثير من الشبهات.

 

-      حمدين صباحي، خاض التجربة بتأثير دعم شعبي وتاريخ نضالي طويل، وتجربة ناصرية أعادتها أجواء ثورة يناير بقوة للوجدان المصري خاصة بين الشباب والنخبة المثقفة، وإن كان يفتقد لكثير من الدعم المادي.

-      عبد المنعم أبو الفتوح، قدم نفسه باعتباره يمثل نموذجا للتوافق الوطني، وأراد استغلال حالة الإرهاق النفسي التي ألمت بالمصريين نتيجة الصراعات السياسية بين التيارات والقوى المختلفة، كما قدم نفسه على أنه يمثل الوطنية المصرية بمرجعيتها الإسلامية المعتدلة، وأظنه نجح في ذلك كثيراً.. وبدا أن حملته لم يكن يعوزها الدعم المادي على غرار حملة حمدين.

 -      أحمد شفيق، أظنه كان قارئ جيد للمشهد السياسي وتطوره، وعول كثيراً على انقسام قوى الثورة، والتراجع النسبي لقوة جماعة الإخوان، وأدرك أنه يمكن أن يحصل على دعم يمكنه من الدخول في منافسه حقيقة؛ لا سيما من الطبقة الرأسمالية والبورجوازية التي ترى فيه ضمان لاستمرار حماية مصالحهم، ومن هؤلاء الذين يخشون سيطرة التيار الإسلامي على السلطة، وممن أرهقهم غياب الأمن والاستقرار، فقدم نفسه باعتباره ضامن لتحقيق الأمن بما له من خلفية عسكرية قادرة على تحقيق الضبط والاستقرار. وبالطبع كان يحظى بدعم مادي هائل ولكنه لم يصل لقدرات جماعة الإخوان.

-      عمرو موسى، لم يسعفه ذكاؤه وخبرته الدبلوماسية الكبيرة في إدراك حقيقة هامة؛ أن كل الأطراف، الثورة والفلول والتيار الإسلامي لم يراه واحد منهم، كما أنه اعتمد على صورته السابقة في ذهنية المواطن المصري باعتباره وزير خارجية جيد، وهذا لا يكفي لينتخبه المصريون في هذه المرحلة الدقيقة ليكون رئيساً للجمهورية في الوقت الذي يهتم فيه المواطن العادي بمشكلاته الداخلية.

وبصرف النظر عن كل التكتيكات والحسابات والتوقعات التي سبقت المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة جاءت النتيجة بالإعادة بين محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين وبين أحمد شفيق المرشح المحسوب على نظام مبارك (الفلول) مفجعة ومربكة للبعض وسارة للبعض الآخر:

-      مفجعة ومركبة بل وكارثية بالنسبة للقوى الثورية ممن دعموا حمدين وأبو الفتوح، فهؤلاء بقدر ما أدركوا حجم الخطأ القاتل الذي وقعوا فيه وأوصلهم لهذه النتيجة؛ حين عجزوا عن تحقيق التوافق وتوحيد الصف، وفتتوا كتلتهم التصويتية التي أثبتت النتائج أنها كانت الأكبر، وكانت كفيلة بنجاح أحدهما، بقدر ما سيطرت حالة من الارتباك حول ما هو آت؛ فهم أصبحوا أمام ثلاث بدائل جميعهم بمذاق العلقم؛ الأول: التصويت لصالح مرشح جماعة الإخوان المسلمين (الفاشية الدينية)، والثاني: التصويت لصالح شفيق (الديكتاتورية العسكرية وإعادة انتاج نظام مبارك)، الثالث: مقاطعة المرحلة الثانية من الانتخابات.

-      سارة لكلا المرشحين اللذان سيخوضان جولة الإعادة؛ فجماعة الإخوان المسلمين صورت نفسها بأنها ممثل للقوى الثورية مقابل الفلول، وهو ما لم يكن تستطيع طرحه في حال الإعادة مع أحد مرشحي الثورة (حمدين أو أبو الفتوح)، حينها كانت ستطرح نفسها تحت شعارات دينية بحتة، وكانت تدرك جيداً حجم المأزق الذي بات فيه الثوار، وأن الخيارات أمامهم لم تعد مفتوحة، وبات لسان حال الجماعة في معظم مؤتمراتها إما أنا أو عودة نظام مبارك وإجهاض الثورة.

-      بالنسبة لمعسكر شفيق، كان النتائج أكثر من ممتازة، وأعطتهم النتيجة قوة دفع هائلة وعززت الثقة في أنفسهم، وبات لسان حالهم يقول إما نحن بما نمثله من دولة مدنية أو دولة دينية فاشية أشد استبداداً من نظام مبارك وإجهاض الثورة.

ويالها من أقدار؛ يدعي الإخوان والفلول بأنهم حماة الثورة في الوقت الذي يخرج صناع الثورة وحماتها الحقيقيين خارج المشهد!!.

كلا الفريقان كان يعلم جيداً أن فوز الآخر يعني نهاية له، وشهد المجتمع المصري حالة من الاستقطاب غير مسبوقة، تشبه كثيراً تلك التي تسبق الحروب الأهلية، وكلا الفريقان كان يدرك جيداً أنه وصل للحد الأقصى من كتلته التصويتية في الجولة الأولى، ومن يريد الفوز عليه أن يستقطب بكل الطرق مؤيدين جدد من معسكر الثورة.

ومن جديد وجدنا جماعة الإخوان المسلمين تتحدث عن وحدة الصف والمشاركة لا المغالبة، بعد أن كانوا أول من شق الصف وتآمر على الثورة، بعد أن اتبعوا سياسة المغالبة بدلاً عن المشاركة.

وفي المقابل كان معسكر الثورة يعلم تمام العلم أنه لا عهد ولا أمان للإخوان، لكن مالبديل؟ وجل ما فعله هذا المعسكر هو أن استبعد خيار شفيق من الخيارات الثلاثة، وصار أمامه خيار المقاطعة، وهو ما يمكن أن يصب بالقطع في صالح شفيق، أو خيار التصويت لصالح الإخوان، وهو رهان خاسر بنسبة كبيرة، ولكن ما باليد حيلة، لعلهم -أي الإخوان- يكونوا قد تعلموا الدرس، وأدركوا حجم الخطر الذي تتعرض له الثورة والوطن جراء أفعالهم التي تحركها أطماعهم، وأنهم وحدهم لن يستطيعوا أن يفعلوا شئ.

وفي قراءة سريعة للمشهد يمكن استخلاص الآتي:

1-ظهر جلياً القوة الحقيقية لجماعة الإخوان المسلمين في الشارع المصري، وأنها أقل كثير مما كانوا يصورون.

2-أن الأغلبية الحقيقة في الشارع المصري مع معسكر الثورة، وهي نقطة مبشرة لو تم العمل عليها.

3-أن انقسام صف الثوار كان سبب الكارثة الحقيقة التي تعانيها الثورة.

4-أن نظام مبارك لازال قوياً وقادراً على الحشد والتأثير.

مع بروز احتمال وصول مرشح جماعة الإخوان إلى منصب رئاسة الجمهورية، المنصب الحاكم في تاريخ مصر، استنفر المجلس العسكري واستخدم كل أدوات قوته المباشرة وغير المباشرة، وفى القضاء الذي لا تبعد أصابع المجلس العسكري عنه بالذات من ناحية توقيت الأحكام والتقديم والتأخير في تاريخ الحكم في القضايا المختلفة تبعا للموائمات السياسية، صدر الحكم القضائي بحل مجلس الشعب في 14 يونيو، قبل انتخابات مرحلة الإعادة مباشرة (في 16 و17 يونيو)، ومثلت حيثيات الحكم مبررا قويا متوقعا لاستخدامهما في حل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية المنبثقة عنها.

 

ثم تلا تلك الخطوة قيام المجلس العسكري بإصدار الإعلان الدستوري المكمل في 17 يونيو، اليوم الثاني في انتخابات الإعادة، لكي يستبق انتخابات الرئاسة بخلق وضع يتيح له التحكم في الأمور مهما كان الرئيس، ويبدو – أيضا- أنه تصور أن تقارب نسبة التصويت بين مرشحي الإعادة، وحالة الزخم والثقة التي ملأت أنصار شفيق، في ظل حالة الارتباك في معسكر الثوار تمكنه من استخدام أدوات الدولة العميقة –على غرار ما كان يفعل نظام مبارك طيلة 30 سنة- لترجيح كفة مرشح على آخر، وهذا المرشح كان شفيق. وإذا ما أمكنه فعل ذلك يكون قد حقق هدفين؛ الأول التخلص من جماعة الإخوان نهائياً، والثاني محاصرة معسكر الثوار.

في ظل هذا الزخم السياسي المصري كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتابع باهتمام بالغ ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات الرئاسية، وكشف الدكتور سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية والذي له علاقات معروفة بجهات الإدارة الأمريكية أن جماعة الإخوان المسلمين أرسلت وفدا يضم ثلاثين قياديا إلى الولايات المتحدة قبل جولة الإعادة بين محمد مرسي وأحمد شفيق، وهؤلاء الثلاثون كانوا ممن تلقوا تعليماً عالياً في الجامعات الأمريكية والأوروبية، ولديهم المقدرة والمهارة للتحاور مع الغرب، وقد طرق الوفد كل الأبواب في واشنطن وفي نيويورك وفي شيكاغو وفي لوس أنجلوس أي أنهم طرقوا أبواب الحكومة وأبواب الكونغرس وأبواب المراكز البحثية وأبواب الصحافة الأمريكية، وقدموا ما يمكن تسميته بفروض الطاعة والولاء، وتعهدوا بأنهم لن يمسوا المصالح الأمريكية الأربع، وهي:

1-المرور الآمن في الأجواء والمياه الإقليمية المصرية، وخاصة في قناة السويس.

2-الالتزام بمعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية.

3-التحكم في السلوك الفلسطيني في غزة، وربما سلوك حزب الله في لبنان.

4-الدعم المصري في أي مواجهة محتملة مع إيران.

يضاف إلى ذلك العلاقات التجارية والاقتصادية بين مصر والولايات المتحدة، وفي ما يتعلق بهذا الملف فإن القريبين من المهندس خيرت الشاطر حريصون على توسيع نطاق هذه العلاقات والتوكيلات التجارية ....الخ.

مقابل ذلك طلبت جماعة الإخوان المسلمين من حلفائهم الأمريكان التدخل للضغط على المجلس العسكري لمنع أي محاولة من جانبه لتزوير الانتخابات لصالح أحمد شفيق، وبالطبع كان كل هذا يتم بجانب نشاطهم الدبلوماسي القوى مع واشنطن من خلال بعثتهم هناك التي مكثت نحو الشهر، طوال فترة الأزمة.

وبدا أن إدارة باراك أوباما مقتنعة بأن نظام سياسي في مصر تحت سلطة الإخوان المسلمين يمثل بديلاً جيدا لنظام مبارك، وجعلت من هذه القناعة حجر الزاوية في إستراتيجيتها في المنطقة، وتعاملت مع الجماعة كمشروع مستقبلي وبنت إستراتيجيتها على هذا الأساس، ومن ثم عملت على دعم ورعاية جماعة الإخوان المسلمين في وصولهم لقمة السلطة في مصر.

وقد أكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الاستجواب الذي قُدم له في الكونجرس على خلفية 30 يونيو الموجة الثانية من ثورة 25 يناير وسقوط حكم الإخوان أنه دعم جماعة الإخوان المسلمين بمبلغ 4 مليارات دولار نقدي بخلاف الدعم العيني في انتخاباتهم البرلمانية والرئاسية، وأن هذا الدعم قد نال بعض السلفيين وتيارات الإسلام السياسي نصيب منه بهدف دعم الجماعة أيضاً.

كما قدم عضو الكونجرس الأمريكي "فرانك وولف" مذكرة قانونية للكونجرس الأمريكي يطالب فيها بالتحقيق مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في المستندات المنسوبة إليهما من جهات أمنية أمريكية تفيد دعمهما لجماعة الإخوان المسلمين بحوالي 50 مليون دولار في الانتخابات الرئاسية المصرية في جولة الإعادة لصالح الدكتور محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة.

وقال وولف الذي يعتبر واحدا من أشهر أعضاء الكونجرس عن ولاية فرجينيا أنه يمتلك الأدلة والمستندات التي تكشف كيف تلاعب أوباما وكلينتون بأموال الشعب الأمريكي لتصعيد مرشح جماعة الإخوان في مصر.

وندد وولف بممارسات البيت الأبيض التي تسعي إلي خلق مناخ من الفوضى في الشرق الأوسط.. مشيرا إلي أن مساندة جماعة الإخوان المسلمين جاءت لنشر مسلسل من الفوضى في مصر ولزيادة الضغط علي الأقباط والأقليات غير المسلمة في مصر.

 وقال وولف الذي يتابع ملف الأقباط في مصر منذ سنوات إنه لن يصمت ولن يتراجع عن محاكمة أوباما ووزيرة خارجيته، مؤكدا أن أمريكا ستدفع الثمن غاليا في حالة تصعيد جماعات العنف بأموال الشعب الأمريكي حسب تعبيره.

وقال وولف إن أمريكا وافقت علي مساندة جماعة الإخوان بعد تعهدات شاملة من تلك الجماعة بالحفاظ علي المعاهدات الدولية خاصة اتفاقية كامب ديفيد!!

وتزامنت تصريحات فرانك وولف مع العديد من الزيارات التي قام بها أعضاء في حزب "الحرية والعدالة" إلي الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك التصريحات التي أدلي بها مجموعة من قيادات الجماعة وعلي رأسهم خيرت الشاطر الذي أدلي بتصريح لصحيفة "الواشنطن تايمز" في أبريل 2012 قال فيه أن جماعة الإخوان المسلمين يسعون لتحالف مع الولايات المتحدة يلتزمون فيه بالحفاظ على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وحماية أمن تل أبيب مقابل الدعم الأمريكي لهم ووصول مرشحهم إلي الحكم!!.

وفي إطار دعمها لجماعة الإخوان، لوحت الإدارة الأمريكية للمجلس العسكري بفتح ملف الفساد في المؤسسة العسكرية، وشرعوا في ذلك حين تقدم عدد من أعضاء بالكونجرس الأمريكي باقتراح وقف المعونة الأمريكية العسكرية لمصر حتى تعلن بشفافية أوجه إنفاق المعونة السابقة، والتي لوح بعض العسكريين الأمريكيين أن إنفاق المعونة شابه أوجه فساد كبيرة استفاد منها قادة المؤسسة العسكرية.

ولكن ما أن أُعلن عن فوز مرسى وتسلم السلطة في أول يوليو حتى سحب الأمريكان اقتراحهم بالشفافية موضحين أن المعونة العسكرية ستستمر بدون شروط، وأنه ليس من سياستهم التدخل في أوجه صرف المعونة العسكرية، وليس لهم مطالب في مجال الإعلان عن أوجه الإنفاق!.

 

كما جاء في مقدمة تقرير لـ "ماكس بوروفسكي"  في "فاينانشال تايمز" نشر في 14 أغسطس 2012 أنه: "بعد نحو شهر من توليه منصبه، وبشكل مفاجئ تخلص الرئيس محمد مرسي من القيادات القوية في الجيش، وألغى الإعلان الدستوري الذي قلص كثيرا من صلاحياته "بدعوى استكمال الثورة"، ولم يأت أي رد فعل من الجنرالات المحالين للتقاعد أو الذين تم نقلهم إلى مناصب شرفية، وترددت شائعات عن أن مرسي ابتز الجنرالات بإثارة اتهامات لهم بالفساد مازالت تحت الطاولة.

ومنذ فوز جماعة الإخوان المسلمين بمنصب الرئاسة، وأصبح جل شغلهم الشاغل أخونة الدولة، والسيطرة على كل مفاصلها في إطار خطة التمكين الإخوانية؛ بدءاً من الجيش وحتى القضاء مروراً بكافة أجهزة الدولة التنفيذية والإعلام، وكعادتهم نكثوا كل وعودهم، وتعاملوا مع معارضيهم ومنتقديهم بنفس منطق ومنهج الحزب الوطني المنحل.

وصار جلياً أن جهاد الإخوان قبل الثورة كان جهاد الشعارات، أما جهادهم بعدها فهو جهاد تثبيت الحكم، وإن تخلوا عن جميع قناعاتهم وأفكارهم.. ووضح أن الإخوان كانوا يتاجرون بهذه الشعارات من أجل الجلوس على كرسي الحكم، فلما جلسوا على الكرسي صارت تلك الشعارات لا قيمة لها.

وبالنسبة للحليف والراعي الأمريكي جسد الإخوان "الطبعة الإسلامية" من نظام مبارك الذي شاخ وانتهى دوره .. ورغم أن الإخوان أخلفوا كافة وعودهم مع معسكر الثورة، كانوا شديدي الالتزام بكافة تعهداتهم للجانب الأمريكي.

وهذا ما أكده الرئيس الأمريكي باراك أوباما في استجواب الكونجرس له عقب سقوط حكم الإخوان؛ فقد أشار إلى أن الجماعة قامت بدور رئيسي في تدجين حركة حماس، وعقدت لقاءات مثمرة بين الحركة وإسرائيل برعايتها، كما تم تكبيل تحركات الجيش المصري في سيناء بمساعدة مباشرة من الرئيس مرسي القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي قال عنه أوباما أنه كان يحركه كما يشاء، ودلل على ذلك بأنه فور أن أطلع مرسي على موقف الولايات المتحدة من المشكلة في سوريا استجاب على الفور؛ وسحب السفير المصري من سوريا، وأعلن في مؤتمر كبير عن فتح باب الجهاد في سوريا.

وهنا نفهم سر دعم إدارة "باراك أوباما" لنظام جماعة الإخوان المسلمين رغم التردي المتزايد للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر.. وبدلا من سماع أصوات المعارضة المصرية المطالبة الرئيس الأميركي بالضغط على الرئيس مرسي أو محاولة إسقاطه، فقد منح أوباما الرئيس المصري 190 مليون دولار لمساعدته على المحنة الاقتصادية، وخلافا للانتقادات العلنية التي وجهها للرئيس مبارك، لم يوجه الرئيس الأميركي لوما واحدا إلى الرئيس مرسي، بل على العكس، وجه أوباما شكره للرئيس المصري على حسن تعامله مع الأزمة بين حماس وإسرائيل.

وفي هذا السياق يشير الموقع الاستخباري الإسرائيلي "ديبكا" إلى أن السياسة التي ينتهجها الرئيس الأميركي باراك أوباما في المنطقة العربية هدفها دفع الإخوان المسلمين ومساعدتهم لاعتلاء الحكم بدلا من الزعماء العرب الحاليين، وأن هذه نقطة خلاف بين البيت الأبيض وبين إسرائيل، وكان رد فعل الإدارة الأمريكية أن الكثيرون كانوا ينتقدون عدم تعاملنا الرسمي مع جماعة الإخوان المسلمين بعدما خرجت للشرعية وأصبح لها حزب سياسي معترف به، والآن ينتقدنا الكثيرون من الليبراليين المصريين ومن أعضاء الكونجرس ومن اللوبي اليهودي على بدء هذه الاتصالات مع جماعة الإخوان.. نحن نقوم بذلك ببساطة لأننا نعتقد أنه يحقق مصلحة أمريكية.

ولفت الموقع إلى أن "القاسم المشترك بين أسامة بن لادن وباراك أوباما وإسرائيل هم الإخوان المسلمون، حيث يرى أوباما -في قرار سري غير معلن- أن مصلحة أمن إسرائيل الإستراتيجية تكمن في دعم الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط باعتبارهم قوى إسلامية معتدلة من بطن السنة تقف في وجه القاعدة المتطرف.

ووصف الموقع قرار أوباما "بالغريب والمستهجن"، بل ذهب الموقع للادعاء أن الرئيس الأميركي جورج بوش، والرئيس الأميركي بيل كلينتون كانا يعلمان مكان اختباء أسامة بن لادن ولم يذهبا لقتله بعكس أوباما الذي يستثمر كل جهده الآن في دعم الإخوان المسلمين.

وأضاف "ديبكا" أن "من قرأ خطاب أوباما في 4 يونيو 2006 بالقاهرة كان سيعرف جيدا أن أوباما قرر التحالف مع الإخوان المسلمين، باعتبارهم تيارا إسلاميا سنيا معتدلا، وأن قراره قتل أسامة بن لادن جاء لسببين:

الأول: إظهار مدى قوته ورغبته في محاربة الإسلام المتطرف ورفع أسهمه أمام الجمهور الأميركي.

الثاني: تحقيق الردع النفسي للإخوان المسلمين وتحذيرهم من التطرف مثل بن لادن من جهة وإفساح المجال لهم لدخول الحكم والاعتدال من جهة ثانية، بل والسعي الحثيث لجعلهم القوى الأكثر قوة في المنطقة، وان يكونوا حلفاء للولايات المتحدة الأميركية.

وأوضح الموقع استنادا إلى خبراء إسرائيليين في شؤون مكافحة الإرهاب أن الدعم الأميركي للثورة المصرية لم يكن بريئا، وإنما جاء على أرضية قرار استراتيجي أميركي للتعاون مع الإخوان المسلمين للإطاحة بحسني مبارك، والغريب أن أوباما لم يتخذ نفس الخطوات ضد بشار الأسد أو ضد زعماء آخرين مثل القذافي.

والسبب من وجهة نظر الخبراء الإسرائيليين أن مصر هي مركز قوة الإخوان المسلمين في العالم العربي والعالم، وأن تجربتهم تؤهلهم للدخول والسيطرة على الحكم هناك من خلال حزبهم أو مؤسساتهم الدينية، وفي حال نجحت التجربة فإن أوباما وكبار مستشاريه قرروا أنه سيجري تعميمها بهدوء في ليبيا والأردن وفلسطين واستبدال الحكام العرب الحاليين بقادة الإخوان المسلمين بناء على اتفاق دولي سرّي بين واشنطن وبين قيادة الإخوان، وهو الأمر الذي تمكن القادة العرب من فهمه لاحقا بعد سقوط مبارك وفهموا لماذا يتصرف أوباما على هذا النحو.

ويبدو من تحليل المواقف الأمريكية الداعمة لجماعة الإخوان المسلمين على مدار عام كامل من حكم الرئيس محمد مرسي أن إدارة أوباما راهنت على قدرة الجماعة على قيادة دفة الحكم في مصر بناء على وهم صدرته الجماعة للكل في الداخل والخارج بأن لديها رؤية واضحة للمستقبل، وكفاءات قادرة على تحقيق تلك الرؤية، وكانت الإدارة الأمريكية ترى أنه إذا التزمت الجماعة بتعهداتها فلا مانع من استمرار التعاون معهم، لكن سياسات الجماعة وسعارها على تحقيق مشروع التمكين، وولاء الجماعة لنفسها، إلى جانب ضحالة الرؤية وسوء الإدارة وقلة الخبرة لديهم جاء مخيباً للتوقعات الأمريكية؛ حيث أدت سياساتهم إلى تكتيل كافة قوى المجتمع المصري على اختلاف توجهاتهم السياسية والأيديولوجية والفكرية ضد الجماعة ومشروعها ومن يدعمها داخلياً وخارجياً.

وحين لاح في الأفق المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والذي جسدته حركة تمرد التي جعلت الجماعة وحلفائها في جانب والشعب المصري بكافة طوائفه ومؤسسات الدولة المصرية في جانب آخر، وبروز الجيش المصري على المسرح السياسي مدافعاً عن خيار الشعب المصري، وحاميا له ضد حملة الترويع والتهديد التي شنتها الجماعة وأنصارها ضد المصريين، انْبَرَت السفيرة الأمريكية لتحذّر القوات المسلحة من التدخل في السياسة، ولوحت بأن أي تدخل سيعتبَر انقلابا عسكريا، وهو أمر سيترتب عليه وقف المساعدات العسكرية وكل أشكال التعاون العسكري بين القاهرة وواشنطن، وفي نفس الوقت كانت دائمة الترحال إلى مكتب الإرشاد بالمقطم ومكتب الشاطر بمدينة نصر، وطوال الوقت تطنطن بأنها تدعم شرعية الصناديق!!، وألقت خطابًا عاماً يوم 18 يونيو لمعارضة التظاهر، وعملت على إقناع العديد من الجماعات بعدم المشاركة في المظاهرات.

وكعادته يبهر الشعب المصري العالم، فقد خرج يوم 30 يونيو بعشرات الملايين الذين امتلأت بهم الساحات والميادين العامة والشوارع على طول البلاد وعرضها، وكانت مطالبهم محددة، وهي تنحي الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد أن بلغ الخلاف السياسي الحاد مداه، وفشل الرئيس المنتخب فشلاً ذريعاً في الوصول إلى توافق وطني حول آلية الحكم بعد الثورة، ولم يكن هناك من مخرج سوى العودة إلى صاحب الأمر ليقرر وهو الشعب مصدر السلطات جميعاً.

وكما صُدمت جماعة الإخوان المسلمين من تلك الحشود المليونية الكبيرة التي فاقت في عددها تلك التي خرجت في 25 يناير 2011 لدرجة أنها أصيبت بحالة من الإنكار التي تعقب الصدمات، لم تتوقع أمريكا أن تخرج كل تلك الحشود إلى الشوارع؛ حيث كانت على يقين أن جماعة الإخوان المسلمين هي القوة الوحيدة التي تستطيع الحشد، وأن قوى المعارضة الوطنية لن تتمكن من حشد كل هذه الملايين.

وقبل عزله بيومين، اتّصل الرئيس أوباما بالرئيس المعزول محمد مرسي، وقال له إن الولايات المتحدة مُلتزِمة بالعملية الديمقراطية في مصر، وأنها لا تدعَم أيّ حزب بعيْنه أو مجموعة.

 واعتبر الرئيس المعزول أن مضمون الرسالة الأمريكية، هو أن مساندة واشنطن للعملية الديمقراطية، تعني وقوفها إلى جانب الرئيس المُنتخَب، ولم يفعل شيئا لمُعالجة الاستقطاب السياسي.

ورغم الضغوط الأمريكية الكبيرة على قيادة المؤسسة العسكرية لثنيها عن الانحياز لصالح الشعب المصري في صراعه مع جماعة الإخوان والمتحالفين معها، جاء بيان الفريق أول عبد الفتاح السيسي بعزل مرسى، محبطاً جدا لكافة الرهانات الأمريكية، ومصيباً قيادات الجماعة بالهوس والهستيريا مما دفعهم إلى أن يرتكبوا حماقات في حق المصريين بإثارة الفوضى وتعطيل حركة المرور، والاحتكاك بالجيش.

وقعت إدارة الرئيس أوباما في حِيرة شديدة بمجرّد أن استجاب الجيش المصري للإرادة الشعبية وقام بعزل الرئيس المنتخب، فإن هي أبْـدت تأييدا لِما حدث، تكون قد شكّلت سابقة خطيرة في العلاقات الدولية وانتهكت قانون المساعدات الخارجية الأمريكي، الذي يلزم الحكومة بقطْع المساعدات عن أيّ دولة تشهد انقلابا عسكريا ضد حكومة مُنتخَبة بطريقة ديمقراطية، وإن هي ساندت مطالبة أنصار مرسي من الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية بضرورة إعادته إلى منصبه، تكون قد خسِرت ملايين الشعب المصري وضحّت بعلاقاتها الإستراتيجية مع القوات المسلحة المصرية.

وبعد أيام من التردّد الذي فسّره كل جانب في مصر على أنه مساندة أمريكية للطّرف الآخر، خرج المتحدث باسم البيت الأبيض "جي كارني" ليُعبِّـر عن رفض الولايات المتحدة توصيف ما حدث في مصر بأنه انقلاب عسكري وبرّر ذلك بقوله:

"إن الرئيس مرسي لم يكُن يحكُم بطريقة ديمقراطية، وأن ملايين المصريين خرجوا للشوارع والميادين مطالبين بعزله، وهُم يرون أن مساندة الجيش لهم لا تشكِّـل انقلابا".

 وقرّرت إدارة أوباما إرجاء اتِّخاذ قرار بشأن توصيف ما حدث في مصر، وأن تراقِـب جهود السلطات المصرية لصِياغة عملية ديمقراطية شامِلة في الفترة الانتقالية. وأقرّ المتحدِّث باسم البيت الأبيض بأن إدارة أوباما ستأخُذ الوقت اللاّزم للتوصّل إلى ذلك التوصيف، بطريقة تتَّـسِـم بالمسؤولية وتخدِم الأهداف البعيدة المدى للولايات المتحدة، وبالتالي، لن تتَّخِـذ قرارا بشأن تعليق المساعدات الأمريكية لمصر في الوقت الرّاهن.

 ثم جاء التعبير الأوضَح عن التحوّل في موقِف واشنطن مما حدث في مصر، على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية "جين بساكي": "لم تكن حكومة مرسي تشكِّل حُكما ديمقراطيا، وخرج حوالي 22 مليون مصري للتّعبير عن آرائهم وإظهار أن الديمقراطية ليست مجرّد الفوز في صناديق الاقتراع".

ويجمع الخبراء الأمريكيون في شئون الشرق الأوسط على أن للولايات المتحدة عدد من المصالح الإستراتيجية، التي تستوجِب اتخاذ موقِف أمريكي مُسانِد لجهود المحافَظة على استقرار مصر الداخلي، لكي تُـواصل دورها الإيجابي في الحفاظ على استقرار المِنطقة ومواصلة احترامها لمُعاهدة السلام مع إسرائيل، والعمل من أجْل مكافحة الإرهاب والانتِشار النووي، بالإضافة إلى أهمية قناة السويس وحقوق المرور البحري والجوي.

 ولذلك، يرى هؤلاء الخبراء أن إدارة أوباما توصّلت إلى قناعة بأن الحلّ الأفضل، هو الترَيُّـث وإعطاء المؤسسة العسكرية المصرية الفُـرصة، لإثبات أنها استجابت لطموحات الشعب في تحوُّلٍ حقيقي نحْـو الديمقراطية.

 ومما أسهَـم في تغيُّـر الموقف الأمريكي في الأيام الأخيرة، مسارعة ثلاث من دول الخليج العربية الحليفة للولايات المتحدة (السعودية والإمارات والكويت)، للترحيب بما حدث في مصر وتقديم ما يصِل إلى 12 مليار دولار كمساعدات عاجِلة لمصر.

 وسُـرعان ما اتّخذت إدارة أوباما قرارا يُجسِّـد عمليا تغيير موقِفها المُتردِّد ويُـزيل الشكوك حول مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر؛ فالقرار كان المُضي قُـدما في تسليم مصر أربع طائرات إف-16، كما كان مُقرّرا قبل تدخّل الجيش في الصراع السياسي، وذلك تنفيذا لخُطة تُـقدّم من خلالها واشنطن عشرين طائرة مُقاتلة من هذا الطراز لسلاح الطيران المصري، ضمن برنامج المساعدات العسكرية.

ومن جديد، برّر المتحدث باسم البيت الأبيض القرار بأن إدارة الرئيس أوباما رأت أنه لن يكون من مصلحة الولايات المتحدة إدخال أيّ تغيير فوري على برنامج المساعدات الأمريكية لمصر.

كما نفت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية "ساكي" دعوة الجيش المصري إلى ‏الإفراج عن الرئيس المعزول محمد مرسي أو أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، وقالت: "نحن لا نتخذ مواقف بشأن أفراد أو قضايا محددة، وقد عبرنا في السر والعلن عن قلقنا إزاء ‏الاعتقالات التعسفية، فنحن لا نتخذ مواقف بشأن أفراد".‏

وقالت المتحدثة: إن الخارجية الأمريكية تركز على المرحلة المقبلة في مصر، داعية إلى تشكيل ‏حكومة انتقالية تضم جميع الأطراف بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين ثم إجراء انتخابات ‏رئاسية.‏

وتفادت المتحدثة الحديث أو الرد على ما إذا كانت الدعوة لإجراء انتخابات رئاسية تعني الإقرار ‏بأن الرئيس مرسي لم يعد رئيسًا لمصر.‏

وبشأن ما إذا كانت الخارجية قد طالبت من جماعة الإخوان التسليم بعزل الرئيس السابق محمد ‏مرسي قالت ساكي: "إن هذا الأمر لا يدخل في إطار تقييم الإدارة الأمريكية"، مشيرة إلى أن ‏الإدارة تطالب الجماعة بالانخراط في العملية السياسية انطلاقًا من الوضع الراهن.‏

ويُـقِـر مارك لينش، الأستاذ المساعد للعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، بأنه ليس في وُسْـع واشنطن الكثير الذي يُمكنها عمله للتأثير في المسرح السياسي المصري مهْـما حاوَلَـت، ولكن على الأقل من خلال اتِّصالاتها بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية.

ويتفق السفير "مارتن إنديك" المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى مع هذا التحليل، وينصح إدارة أوباما باستِغلال العلاقة الأمريكية الخاصة مع قادة القوات المسلحة المصرية، لحثِّـهم على العوْدة في أقرب وقْت مُمكن لحُكمٍ ديمقراطي، لا يستبعِد أي فصيل سياسي، وإطلاق سراح زعماء الإخوان المسلمين متى تعهّدوا بتهدِئة أنصارهم وتجنّب اللجوء إلى العُنف، والعمل بدلا من ذلك على استِخدام قواعِدهم الأكثر تنظيما في خوْض الانتخابات والتنافُس مع معارضيهم من العِلمانيين والليبراليين.

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت أن اللحظة التاريخية التي تمر بها مصر عقب 30 يونيو مختلفة تماماً عما قبلها، وأن أدواتها التقليدية للتأثير على القرار المصري فقدت كثيراً من قوتها، ولابد من التريث لاستيعاب وتحليل ما حدث ويحدث في مصر، ومراجعة سياساتها، ودراسة الأسباب التي أدت إلى فشل رهاناتهم على جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما برز جلياً من خلال الاستجواب الذي قدم لأوباما في الكونجرس على خلفية تداعيات 30 يونيو؛ حيث اعترف أوباما بخطأ سياساته في تقدير قوة جماعة الإخوان المسلمين، وإمكانية الاعتماد عليها ودعمها، وارجع ذلك إلى تقارير "آن باترسون" السفيرة الأمريكية بالقاهرة والتي وصفها بالخاطئة، والتقارير الإستخباراتية التي اعتمدت بدرجة كبيرة على تقارير باترسون.

وإذا كانت الموجة الثانية للثورة المصرية في 30 يونيو قضت على حلم جماعة الإخوان المسلمين، فإنها أحدثت صدمة للولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن المصريين أجهضوا ما تم الترتيب له علي مدار عقد كامل‏,‏ وأن توابع زلزال‏30‏ يونيو ستمتد إلي تونس وليبيا وبالتأكيد تركيا وستثلج صدر سوريا‏، لكن ليس معنى هذا أن الولايات المتحدة عدمت الآليات والأدوات التي تتعامل بها في المنطقة من أجل الحفاظ على مصالحها الشخصية، فيجب أن ندرك أن جل ما فعلته الثورة أنها عرقلت المشروع الأمريكي المزمع تنفيذه في الشرق الأوسط، وأن المرحلة القادمة في طبيعة العلاقات المصرية الأمريكية سوف تتوقف على استعادة الدولة المصرية لقوتها ودورها الاستراتيجي