محنة الروائية المصرية أهداف سويف

محمد عارف

 

 

نِمسك مبارك يطلع مرسي. نِمسك مرسي يطلع مبارك. دي مش ثورة، دي استغماية. هذه نكتة مصرية على الفيسبوك، ونكتة ثانية: أنا لو قعدت في البيت أكتر من كدا، الجيش هيجي يفض اشتباكات عندنا بالشقة. ونكتة ثالثة: السيسي فعلا خطير: خاطف مرسي، ومحدد إقامة مبارك... ومنيم البلد كلها من المغرب. وهكذا عاد المصريون إلى ما تسميها الروائية أهداف سويف بالإنجليزية النكات السوداء، وتختار واحدة منها في ختام رسالتها المنشورة بصحيفة الجارديان البريطانية تقول: أفضل ما بإمكانك فعله بانتظار نتيجة المعركة الجارية، هو جمع نقود لتوسيع مشرحة زينهم

ومشرحة زينهم تفتتح رسالة سويف المنشورة بعنوان ليالي ممنوعة التجول ونهارات ملطخة بالدم، وفيها تروي أحداث أربعة أيام دموية من تاريخ مصر. بعد إعلان حظر التجول في 14 أغسطس، كانت شوارع القاهرة أهدأ وأحلك مما رأيتها قط. هادئة كهدوء المشرحة، كما يقولون، باستثناء أن مشرحتنا (زينهم) كانت أكثر الأماكن ازدحاماً في المدينة: الموتى يصلون أكداساً، وشاحنة مثلجة عملاقة لنقل اللحوم وقفت في الشارع الضيق لحمل الجثث التي لم تتسع لها المشرحة، والأقرباء والأصدقاء المذهولين يحاولون التعرف على الأجساد، والسكان يحرقون البخور للتخفيف من الرائحة... المشرحة هي الموقع الذي يعود إليه واقعنا باستمرار.

المشاهد الفظيعة التي تتدفق عبر الفضائيات أفقدتنا القدرة على رؤية ما نرى، إلا أن بعضها لا يغادر الذاكرة، رغم أنها لا تعرض جثثاً دامية أو أجساداً مقطعة، وبينها مشهد أكفان بيضاء تتدلى حولها ألواح ثلجية، وعجائز ومسنون يحتضنونها، ويُهَوُّون وجوههم بأكفهم، ولا تدري إن كانوا يندبون موتاهم أو يطردون رائحة تفسخ أجسادهم. رسالة أهداف سويف تجعلنا نرى بالكلمات ما تعرضه الفضائيات ولا نراه، وتُدوِّن في ذاكرة التاريخ المصرية حادث خنق 38 من معتصمي رابعة العدوية محشورين في شاحنة بوليس. الشاحنة التي تشبه صندوقاً ضخماً مغلقاً إلا من فتحات ضئيلة احتُجزت في باحة سجن أبو زعبل الذي رفض تسلم المعتقلين لاكتظاظه. وبعد ساعات تحت أشعة شمس أغسطس الحارقة، شرع المعتقلون بالطرق على جدران الشاحنة مشيرين إلى أنهم يختنقون ويموتون من الحر، فقذفوا عليهم من الكوة علبة غازات مسيلة للدموع لتهدئتهم حسب اقتراح أحد الضباط. ويمكن أن نتصور اللحظات الأخيرة لهؤلاء الرجال، يقرعون الجدران على أحدهم الآخر، الجلود تتقرح، والرئات تتفجر، ويتساءلون غير مصدقين: أنموت هكذا. وليس كل من في الشاحنة من الإخوان، فبعضهم كان ماراً بالصدفة، أو متعاطفاً مع المعتصمين. وتذكر سويف أسماء من تعرف، وبينهم جار، وناشط في الحركات اللبرالية، ومخرج مسرحي. هل يعني ذلك أننا نوافق على ذلك لو كانوا من الإخوان؟، تسأل سويف، وتندب: أما يكفي هذا لإيقاظ الناس على وضع بوليسنا القاتل؟

وسويف التي عاشت معظم حياتها بين القاهرة ولندن، حيث نالت الدكتوراه في الأدب، وقررت الإقامة الدائمة في القاهرة مع أول أيام ثورة 25 يناير 2011 ، وشرعت داخل ميدان التحرير بتأليف كتابها المشهور القاهرة مدينتي، وثورتنا، وناهضت في مقالاتها في الصحف العالمية حكم مبارك، وحكم العسكر والإخوان المسلمين، وتناهض حالياً الطرفين المتحاربين على حد سواء. كلاهما تنظيم تراتبي، وبطريركي، وعسكرتاري، ومركزي، ودوجمائي، ومتزمت، وإقصائي. كلاهما يقوم على الطاعة، وكلاهما يكره التفكير النقدي والنقاش، وحربهما ليست حربنا. وتسخر سويف من المواجهة بين الإعلام المصري الحكومي، وحكومات الغرب العجوز المهترئة، وتدرك الأبعاد العالمية للثورة المصرية؛ فالصراع المشترك للشباب في كل مكان، هو ضد النخبة التي تفرض النظام الفاسد وتطوّح بالعالم في الجحيم

ومحنة سويف بثورة مصر روائية، أي مضاعفة. فالروائي يصبح بعد حين بطل الرواية، ويدخل في حوار متصل مع جمهوره الذي يتماثل معه وينتظر منه أجوبة على ما تطرحه حياته الشخصية من أسئلة. وكان على سويف أن تشرح في مهرجان أدنبره الدولي للكتب والفنون العام الماضي لماذا توقفت عن كتابة الروايات. في أوقات الأزمات ينبغي على الرواية أن تنتقل إلى المقعد الخلفي. وإذا كان معظم الناس قانعين بالعيش ضمن حدود معينة وشخصية. فإن إحدى علامات الفنانين هي بالتأكيد العيش خارج جلودهم، إنهم مشبوكون، ويؤذيهم ما يؤذي رفاقهم البشر. كيف يمكنك إذن إذا كانت مهمتك وموهبتك الحكاية، أن تغيب عن حكاية العالم؟.

وعكست سويف منذ أول أعمالها الأدبية بالإنجليزية وعي الفتاة العربية التي تنشأ في الغرب. مجموعتها القصصية القصيرة عائشة الصادرة عام 1983 تتحدث عن فتاة مصرية تعيش بين مصر وبريطانيا. وتابعت موضوع الحياة المنقسمة بين العالمين في روايتها عين الشمس. وروايتها خريطة الحب الواقعة في 800 صفحة، وترجمت إلى 16 لغة عالمية ورُشحت للفوز بجائزة بوكر البريطانية. تصوّر الرواية حياة امرأة إنجليزية تسافر إلى القاهرة عام 1900 حيث تقع في حب مصري كرّس حياته لخدمة وطنه، وتأتي بعد مائة عام حفيدة نشأت عن علاقتهما إلى القاهرة حيث تعثر في دفاتر يومياتهما على أسرار علاقتهما. وذاكرة سويف وقلبها يعملان، كذاكرة وقلب مصر. وقد رأيت ذلك رؤيا القلب عندما تعرفت عليها في ملتقى الإبداع الثقافي والتغيير الاجتماعي في المجتمعات العربية في نهايات القرن. عقد الملتقى الذي نظمته جامعة برنستون ومجلس البحث العلمي الإسباني ربيع عام 1998 في غرناطة، وعزف في أمسية الافتتاح الفنان العراقي نصير شمّه على العود مقطوعته حدث في العامرية. المعزوفة مهداة لذكرى 407 عراقيين، معظمهم نساء وأطفال، هربوا إلى الملجأ من القصف الأميركي لبغداد عام 1991، فأذاب أجسادهم صاروخان صُوِّبا بالليزر عبر فتحة هواء الملجأ. أمسك شمّه العود بكف واحدة، وعَزَف؛ وبقينا طوال الوقت في كف عراقية مبتورة تعزف العود حتى آخر أمسية عندما قفزت للحلبة راقصة فلامنكو إسبانية قرعت الأرض بكعبين انتزعا القلوب والأجساد من مخابئها، كقرع كعوب نساء العرب ليلة رحيلهن الأبدي من قصر الحمراء؛ القرع الذي لم يتوقف حتى اللحظة على شواطئ البحر الأبيض. ثورات الربيع العربي التي اقتبسوا اسمها من ثورات الربيع الأوروبي عام 1848، تبتلعها اليوم -كالثورات الأوروبية- ثورات مضادة. وكما استعادت الثورة الفرنسية المضادة شخصية بونابرت، تستعيد الثورة المضادة في مصر اليوم شخصية ناصر. والتاريخ يعيد نفسه مرتين؛ مرة على شكل مأساة تراجيدية، وثانية ملهاة كوميدية، حسب الفيلسوف كارل ماركس الذي عاصر ثورات أوروبا. و"شَكلِنا كده شلنا النظام ورجعناه تاني عشان كنا ننظف تحته"، حسب النكتة المصرية!