تهويد العدو في الخطاب الاعلامي السعودي

د. مضاوي الرشيد

 

 

 

 

اكتشف النظام السعودي قوة الاعلام في العصر الحديث بعد ان سلطت اذاعة صوت العرب الناصرية سهامها عليه في فترة الستينات حيث لم يكن مستعدا لهذا النمط من الهجوم غير المتوقع وبعد ان كانت المنظومة السعودية تعارض الاعلام بشكل عام قبلت به على مضض وقررت خوض معركته علّها تستحوذ على ساحة هامة تستطيع من خلالها التأثير على الوعي العربي الجمعي والترويج لخطابها وسياستها.

جاءت اولا مبادرات الصحف العربية في الخارج التي تستهدف القارئ العربي ولحقت بها القنوات المتلفزة المملوكة من قبل شخصيات معروفة اما في مواقع رسمية او غير رسمية لتخلق بذلك امبراطورية اعلامية تتحدى رسالتها أي رسالة اخرى مغايرة لخطها الرسمي لتقلص المساحات الاخرى الرسمية هي ايضا او المستقلة. وجاءت هذه الامبراطورية حاملة رسالتين متناقضتين الاولى تروج لثقافة منغمسة بالترف والتسلية واخرى تحث على الفضيلة والعفة والتقوى فجمعت نقيضين لا يمكن ان يلتقيا الا على شاشات الاعلام السعودي. وربما يقول القائل ان التناقض طبيعي حيث يعكس تشتت الهوية العربية ذاتها والتي تتجاذبها تيارات واتجاهات متباينة بعضها يطلب الترفيه ونسيان الواقع المزري الذي يهيمن على الساحة العربية وبعضها الآخر يصبو الى النجاة من التحديات الجديدة فيهرب الى شاشات سعودية تحضره الى آخرة كريمة عفيفة بعيدة عن اغراءات الحاضر. فالاعلام السعودي يوفر له الخيارات بين حياة منغمسة بالملاهي والطرب او اخرى تقية ورعة وعلى المشاهد العربي التعبير عن شكره وامتنانه لهذه التعددية السعودية التي لا تفرض عليه موجة واحدة بل متعددة تعطيه حق الخيار في عالم هو نفسه يفرض انماطا متباينة ومتناقضة افرزتها تطورات الحداثة المتخبطة. وعليه اذا ان يتقبل الاعلام الريادي السعودي الذي يتماشى مع العصر ورغبات المشاهد. لكن يبدو ان الحقيقة تكمن في اطار آخر هو رغبة المنظومة الاعلامية السعودية في تسطيح الوعي العربي خاصة عندما تقدم له برامج تتجاوز كل معايير الصحافة المكتوبة والمرئية وتنغمس بسجالات تفتقد للمصداقية والنزاهة الصحافية بازدراء واضح لوعي هذا المشاهد خاصة عندما تكون البرامج المرئية تحاول جاهدة شيطنة من يعتبره النظام السعودي عدوا لدودا يهدد امنه الداخلي.

وجاء برنامج حواري انعدمت فيه قواعد الحوار ليثبت تدني مستوى التحضير والاخراج وخير دليل على ذلك برنامج عرضته قناة روتانا في 15 ايلول/سبتمبر كان هدفه نقاش حول الاخوان المسلمين في السعودية والخليج لكن تبين بعد دقائق من بدايته ان الهدف شيطنة الاخوان وليس الحوار حول موضوع قد درسه طيف كبير من الباحثين العرب والاجانب تفوق برنامج اتجاهات في اختزاله لكثير من الحقائق التاريخية عن كل دراسة او رأي كنت قد اطلعت عليه في السنوات الماضية وهبط مستوى الحوار الى زوايا لم اكن اتوقعها ولا بأس ان لا تستدعي القناة وجهة نظر اخرى او احد الباحثين المعنيين بالامر لكن ان تنزلق النقاشات الى مهاترات بالشكل الذي اتضح في البرنامج كان بالفعل صدمة حقيقية حتى لمن لا يتفق مع الاخوان المسلمين في منهجهم او سياستهم.

خذ مثلا الانزلاق التالي حين نوّر احد الضيوف المشاهدين عن حقيقة اصل حسن البنا مؤسس الجماعة فقال انه يهودي ينتمي الى عائلة يهودية معروفة ساعاتي او ساعتجي كما انه ماسوني الهوى والانتماء ومن ثم استعرض ضيف آخر سطوة التنظيم في المؤسسات التربوية السعودية حيث اعتبر انهم يشكلون 80′ من اساتذة الجامعات وانتقل بعدها الى سطوة التنظيم على عقول الموفدين الى الخارج خاصة في بريطانيا والولايات المتحدة ناهيك عن الامتداد الافقي للتنظيم في المجتمع السعودي وخلاياه المنتشرة في عرض الجزيرة العربية وطولها واستعرض هؤلاء الضيوف تجاربهم الشخصية كمسؤولين وطلاب واداريين حيث بدت الصورة اكثر تشويقا عندما تخللتها التجارب الحيوية عن صراع أزلي كان يقف فيه المواطن الصالح خاصة السلفي على حافة التدهور تحت وطأة الاخوان وفكرهم المميع لايمان المجتمع وعقيدته.

واكثر ما لفت الانتباه التشديد على كون هذا التنظيم العالمي سياسي وكأن المتحدثين قد اكتشفوا الحقيقة الغائبة عن وعي المواطن. وهنا يصل المشاهد الى صلب الموضوع وهو السياسة المنفية من القاموس الاعلامي السعودي والتي تخيف القائمين عليه حيث على المواطن المخلص ان ينفي وجودها ويسلم امرها للقيادة فقط. فمشكلة الاخوان تنبثق في تسيسهم للمجتمع بيد يهودية ماسونية متهمة بالعمالة للقوى الخارجية وعلى رأسها بريطانيا التي هي كانت قد صنعت التنظيم ومن ثم الولايات المتحدة بعدها حسب نتائج البرنامج.

من تابع هذا المشهد الاعلامي سيستنتج دون أي شك عدة استنتاجات منها اولا: تسطيح الحقائق بل تزويرها في سبيل تمرير مغالطات وتعميمات لا يمكن ان يقتنع بها المشاهد العادي ناهيك عن المتمرس بالبحث عن الحقيقة المؤصلة بالوثائق والمصادر التاريخية. ثانيا: الغوص في تهويد العدو ونبش اصوله الاسرية واعادتها الى اساطير واضحة كيهودية حسن البنا تعكس الافلاس الفكري الذي وصل اليه مثل هذا الاعلام الذي يتجاهل ان كثيرا من المصائب التي فرضت عليه اكانت تدار دفتها على يد العرب الاقحاح المتغنين بأمجادهم واصولهم العربية وعمقها التاريخي. ثالثا: تأصل فكر المؤامرة وارجاع اي ظاهرة تعكر السياسة السعودية الى الخارج المتربص اولا بالدولة المؤمنة وثانيا المجتمع التقي فينفي هذا الفكر قدرة المجتمع على الفعل بل يبدو دوما وكأنه مجتمع سطحي تقوده المؤامرات الخارجية مفعولا به. ويظل هذا المجتمع سلبيا ينقاد بسهولة وعدم ادراك الى تنفيذ اي اجندة خارجية تحاك له في دهاليز السلطة خارج البلاد. ويكرس مثل هذا الموقف الاعلامي طفولة المجتمع السعودي والخليجي بصورة عامة وهي طفولة أزلية لن تنتهي ولن يصل هذا المجتمع يوما ما لسن الرشد الاجتماعي فهو دوما يحتاج الى التحصين والحماية من خطر المؤامرات الخارجية التي تفتك بأمنه وسلمه وفكره. وهو مجتمع يحتاج الى وصاية الرقيب الذي يحميه من خطر المؤامرات الخارجية الفتاكة. رابعا: كشف برنامج اتجاهات معنى الحوار على الطريقة السعودية حيث ينحصر هذا الحوار في تلقي تفاصيل الحدث او الظاهرة والمزايدة على الخصم الغائب حيث لا يجد المشاهد أي محاولة للرد او التوثيق لتفاصيل الخطب والبيانات. فالحوار حقيقة منزلة لا تقبل النقاش بل تستدعي مزايدة الضيوف بعضهم على بعض في تقديم اسرارها التي لا يعرفها احد سواهم وتقدم للمشاهد جاهزة لا تقبل وجهة نظر أخرى او تحليلا مغايرا. خامسا: التضخيم في خطر الاخوان على الساحة السعودية ينعكس سلبيا على القيادة التي لم تنتبه الى هذا الخطر الا مؤخرا فهي القائمة على تثبيت السلم والامن ومع ذلك تحملت هؤلاء المغرضين المسيسين لعقود طويلة بل احتضنتهم ومكنتهم في مفاصل مؤسساتها التعليمية والخيرية بل حتى العالمية.

ونستنتج بعد مشاهدة هذا البرنامج ان السلطات السعودية كانت إما غافلة عن هذا الهم او متغافلة حتى اللحظة وبالطبع لا يريد مثل هذا البرنامج ان يصل المشاهد الى مثل هذه النتيجة السلبية حيث تتحول السلطة السياسية الى مراقب بليد وغير عالم بخفايا الحركات السياسية التي تعبث بعقول طلاب الجامعات في الداخل والخارج. خاصة ان الخطاب الرسمي يشدد على اهتمام القيادة بتحصين المجتمع من تبعيات استيراد الفكر الخارج عن ثقافة المجتمع وطبيعته فتعقد مؤتمرات كثيرة بكلفة باهظة لتحصن المجتمع ورموزه من الانزلاق خلف افكار ملوثة ليست من ثقافة هذا المجتمع او تراثه. فكيف فشلت هذه القيادة في استدراك تهويد الفكر السعودي النقي الصافي ونشر مغالطات الماسونية العالمية منذ فترة الخمسينات؟ قد يصل الهبوط الاعلامي الى درجة الابتذال لكن الانحدار الحالي للسياسة الاعلامية السعودية قد وصل الى مرحلة يصعب انتشاله منها. وعلى المجتمعات العربية ان تحصن وعيها من مغبات البرامج الحوارية التي تأتي باجندات معروفة سيئة الاخراج. من تهويد الخصوم مرورا بالمؤامرات الخارجية والاحصاءات المزورة الفاقدة لاي مصداقية سيجد المشاهد نفسه امام سلسلة طويلة من حوار عقيم لا يثري المعرفة ولا يؤثر في الرأي العام. وما يسعف المشاهد العربي في هذه المرحلة بالذات تعدد وسائل الاعلام والتي رغم تناقضاتها وهبوط بعضها الا انها تعرض مساحات واسعة للنقاش قد تكون اعلى مستوى من مستوى الحلقة التي ندمت على مشاهدتها واضاعة الوقت في متابعتها الا انني استطيع ان اجزم ان لمثل هذه البرامج قدرة فائقة على التسلية ان غابت الكوميديا الحقيقية. فتأكد أيها العربي ان تكون اصولك الاسرية تخلو من اليهودية قبل ان تدخل في معركة مع خصم اعلامي سعودي.