Description: C:\Users\sabah\Desktop\My Web Sites\thawabitna.com\thawabitna1.com\Article\06-08-2014\img80.jpg



كردستان القومية  وكردستان الوطنية  - الحلم والواقع

نزار رهك

 

القومية  الكردية في العراق لها خصائصها و ظروفها وتجربتها السياسية  وتضحياتها البشرية  حيث ضلت كردستان العراقية تنزف أبناءها نتيجة  عوامل عديدة منها عنف النظام البائد، والذي تعرض له الشعب العراقي بكل قومياته وطوائفه  وقد تختلف حدته من شخص لآخر حسب تأييده للديكتاتورية والبعث، من جهة، ومن جهة أخرى نتيجة صراع الأخوة الكردية التي أدت بزهق أرواح آلاف الضحايا من مقاتلي الحزبين الكرديين القوميين (الأتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ) هذا الصراع  كانت بدايته ارادة أن تتخلص الحركة القومية الكردية من قياداتها الأقطاعية  أو البارزانية  المتوارثة  ولكنهما بقيا في الأطار القومي، إضافة الى عوامل أخرى تتعلق بسيطرة القوى العشائرية على القرار الكردي في أزمان الحرب والسلم معا بسبب إمتلاكها لأستقلالية التسلح و التعبئة الميدانية الخاصة بالعشيرة , والحرب بين الأخوة  ليس لها ما يبررها سوى التسابق نحو الزعامة القومية  لما لذلك من أهمية في السلوكية العشائرية وسلوكيتها المعروفة تاريخيا بسيطرة الأقوى وإستيلاءها على حصص ومناطق العشائر الأخرى ، قبل وبعد ان تتحول هذه العشائر الى حزب سياسي و توارث زعامة الحزب الأبن عن الأب و الحفيد ينتظر دوره   ..

 وهذا شيء بديهي فالطروحات والشعارات القومية تستلزم بمفاهيمها الكلاسيكية زعامة فردية و ليست ديمقراطية ، كما إنه ليست هناك طروحات قومية جديدة بطابع ديمقراطي في كردستان العراق إلا بما يتفق و تقوية ركائز الزعامات الفردية . فقد بقي جلال الطالباني رئيسا للأتحاد الوطني منذ تأسيسه وحتى هذه اللحظة و كذلك البارزاني ... المنشقون يتعرضون للمطاردة والقتل .

 لم تطرح في القضية الكردية مسألة الديمقراطية كمطلب شعبي يقرر القضية القومية  ويحدد طبيعة الحلول القومية  سواء كانت في القسم العراقي من كردستان أو الأقسام الأخرى ، بل كانت ولم تزل القضية القومية بطبيعة قياداتها العشائرية الموروثة هي التي تقرر تمثيلية الديمقراطية  و هي التي تقرر حتى من له الحق بالفوز بها ، وهي التي توزع المناصب والصلاحيات ، و الأهم أنها هي من يكون بيدها السلاح و دوائر الأمن الداخلي ومن خلالها يتم فرض الأوامر على بقية المنشآت والفعاليات .. ودون أي رؤية مستقبلية  على كيفية التكوين الدولتي لكردستان الكبرى المنتظرة  إلا بقيادة هذه الزعامة ذاتها , خاصة في قضايا و معضلات موزعة على أربعة بلدان أو أكثر لكل منها ظروفه وطبيعة علاقاته وتوازن القوى القومية و طبيعة أنظمتها القانونية والدستورية .. ( بعد عام 1991 جرى تشكيل أول برلمان كردي عراقي وقد كان عبارة عن توزيع الحصص بين طرفي النزاع  الكردستاني أكثر من كونه ديمقراطية تمثيلية)

الزعامات الفردية كانت قد نصبت نفسها ومعها عائلتها و أبا عن جد لهذا الغرض .. لمقاومة أي قوة أو حكومة لا تلبي حقوق ومصالح هذه الزعامة  أو على الأقل تتأسس على هذه الأسس بأن يخضع الشعب الكردي لأرادة هذا القائد صائبا كان أم خاطئا و يصبح بمرور الوقت الممثل الشرعي والوحيد .. وله إعلامه الذي يبرر له كل سلوكياته و افعاله السياسية التي تصبح كلها (حسب هذا الأعلام ) بأعتبارها خدمة لهذا الشعب .. حتى الجرائم و السرقات و الغنى الفاحش والفساد العلني والمخفي و المؤامرات ضد الشعب و العمالة لأعداء الوطن تصبح بمرور الوقت وكأنها ضرورات من أجل كسب (الحقوق و الحريات و الأنعتاق القومي ) .

العراقي العربي أو التركماني له الحق بسؤال شقيقه الكردي .. ما هي أهدافك القومية في العراق ؟

وهنا أكرر القومية وليس الأقتصادية أو المالية أو النفطية ... ماهي أهدافك القومية في العراق ؟

وما علاقة العراقيين بالقضية الكردية  إن كانت موزعة في عدة دول مجاورة ؟ فالقضية الكردية ليست قضية عراقية و لمراجعة التاريخ الحديث فأن أكثر الشعوب إنسجاما وتفهما وتسامحا مع الأكراد كان الشعب العراقي .. لماذا على العراقيين أن يدفعوا ثمنا غاليا من دماءهم و أراضيهم وثرواتهم من أجل قضية هي ليست قضيتهم  وعلى رقعة العراق الجغرافية  المتوارثة منذ آلاف السنين لم يكن بين طياتها شيء إسمه كردستان الكبرى .. ومع ذلك كان العراقيون الأكثر تسامحا في تقبل مفردة كردستان للمناطق الشمالية من جميع الشعوب المحيطة بهم وكان ذلك إحتراما منهم لمبدأ حق تقرير المصير لشعبنا الكردي الذي تم الأستغناء عنه بأصدار دستور بريمر و إعلان الفيدرالية  كشكل من أشكال الأدارة الذاتية .. وأمتزاج دماء العرب والأكراد سوية في مقارعتهم للديكتاتورية والحروب جعل تقبل التعايش أكثر إمكانية من الحلول الأخرى .. وبنفس الوقت الذي كانت تواجه فيه الديكتاتورية تمت مواجهة الشوفينية من أي جهة كانت سواء من الأنظمة الديكتاتورية أم من الأحزاب القومية الكردية . ولكن السلوكية اللصوصية للقيادات الكردية بعد عام 2003 هي التي كانت غالبة  وذلك بدخول مؤثرات الأستعمار المباشر و شركات النفط الأحتكارية

لتغير كامل المطالب الشعبية والتاريخية للأكراد الى تسابق لصوص نفط ومهربي سلاح و تجارة أرهابيين و إتفاقات موسادية سرّية و طرح قضايا شبيهة بمطالبات الهولوكوست و المبالغة في مظلومية  القومية الكردية على جميع مظالم الشعب العراقي .

ومن حق العراقيين بهذا الأطار أن يطرحوا الأسئلة على القيادات الكردية أيضا وهي :

- إن كنتم تطالبون التحرر القومي فممن سيكون؟ إذا كانت القضية الكردية  موزعة بين بلدان أربعة ؟

- من يحدد الجغرافيا التي تخص القومية الكردية ؟ ومن يقرر تاريخ المناطق و أصولها ؟

- ما هي طبيعة النظام السياسي الذي في ضله سيبنى الحلم القومي ؟ وماذا عن العولمة الجديدة .. ماذا سيكون موقع كردستان في سوق رأس المال العالمي ؟

- ماهي الضمانات في أن تكون الحرية و الأنعتاق القومي الكردي لا يهدد أمن و مياه و حياة الأقليات القومية و أجواء الحرب والسلام والأرهاب في المنطقة ؟ خاصة وتجربة هروب البيشمركة من سنجار و بقية المناطق مازالت ماثلة للعيان ... و كذلك طلب الأقليم بتحويل مطار حرير قاعدة عسكرية أمريكية ..

- هل هناك ضمانات بالتمسك بالمواثيق و الأتفاقات إن كانت تجربة سرقات النفط وتسويقه دون موافقة الحكومة لم تزل في متناول نشرات الأخبار .. وكيف يمكن الوثوق بمصداقية القيادة الكردية وهي تكذب بكل ما يتعلق بالنسب السكانية و ميزانية الأقليم والعقود النفطية و الأتفاقات التسليحية  والتعاون الأمني مع أكثر القوى الأقليمية معاداة لثلاث دول محيطة على أقل تقدير وهي أسرائيل والموساد.

إنها أسئلة كان من الممكن الأجابة عن بعضها  في عصور سابقة و موازين دولية مغايرة .. أما بعد 2003  فكل شيء وكل حدث وكل موقف سيكون إمتدادا للأحتلال الأمريكي  والخطط الأمريكية والصهيونية العالمية  وسوف لن يجد حتى البعض من الصحيح منه المساندة  اللازمة والتأييد  الشعبي الذي كان في السابق ..

 هل تنسجم الطموحات الوطنية مع الطروحات القومية . ؟

في الوقت الذي أصبحت العديد من الأحزاب لن تستطيع العيش والديمومة بدون الطروحات القومية .. وبالأخص الشوفينية منها و ذات الشكلية القديمة و المستهلكة و التي يعتمدها نفس الأشخاص و القادة و(الحاكم بأمر الله) وهي أصبحت كما لو إنها إمتدادا وتكريسا مملّا  للأساطير والحكايات القديمة للملك الذي وحد البلاد وقاد العباد للرفاه و السعادة .. ونسى ويريد الناس أن تنسى أيضا إن هناك ملوك آخرين في هذه البلاد ومازالوا يحكون نفس الحكاية و لكن البطل الموحّد هناك هو ليس البطل نفسه رغم إن البلاد هي نفسها .. هؤلاء الملوك أضاعوا على أتباعهم  وطنهم الحقيقي على الأرض الحقيقية و أضاعوا إنتماءهم الشعبي و التنوع الطبيعي السائد عبر مئات السنين , أمتزجت خلالها الأقوام و الشعوب وتركت مؤثراتها على اللغة والعادات والتقاليد .. 

ولكن للقوميين الاكراد كما للقوميين العرب متشابهات ومترادفات وطريق واحد مشترك .. أولها صناعة العدو الوهمي و هذا العدو يمتلك صفات قومية غير قابلة للتغيير وغير قابلة للتراجع .. صناعة هذا العدو هو مبرر وجود هؤلاء القادة القوميين و صناعة العدو هو صناعة  للقادة القوميين . أيضا .. وكما الطائفييون عدوهم مهيأ مسبقا وهو الطائفة المغايرة فأن القوميون كذلك فالقومية الثانية هي المعادية و شعبها كله معاديا و كل طروحاتها تصبح بالضرورة معادية وتحذف ثقافة هذه الشعوب من القوميين بالكامل والثقافة الصديقة هي الثقافة التي تمجد القائد القومي (الكردي أو العربي ) فحسب وتوطد من سلطته وجبروته ... ألم يتعلم الأكراد من التجربة القومية للديكتاتوريين العرب ومنهم صدام حسين .

صدام حسين كان قد الغى بالكامل ثقافة الجميع من الشعوب ذات الحكومات المعادية, و صنع عدوا فارسيا بسبب متطلبات الحرب وبعدها توسل للفرس لمساعدته على مواجهة أعداء جاءوا من عبر الحدود .. و كان العدو طيلة حياته هو المعارض لديكتاتوريته  وليس بالضرورة لقوميته  و العدو هو أيضا قد يكون أي ديكتاتور آخر بديل , وصراع الديكتاتوريين الأعداء لن يجد ما يبرره سوى الطروحات القومية أو إيجاد المنفذ القومي لصناعة هذا العدو  .

و يتصالح الديكتاتوريان عندما يتعرض الأثنان للخطر المشترك أو للفائدة المشتركة .. دون الأخلال بديكتاتورية أي منهما ..(إتفاق الطالباني- صدام حسين 1982 ) أو  ( إتفاق البارزاني صدام حسين عام 1995 ) أو (إتفاق الطالباني- البارزاني عشية إحتلال العراق عام 2003 ).. وأمثلة عديدة  يستطيع القاريء إدراجها في هذا السياق .. القومية ليست مشكلة بل مدخلا للصراعات من أجل السلطة والنفوذ ..

وكان المفترض بالقياداة الكردية الألتزام بالوطنية الحقة وهي الدفاع عن الحقوق الوطنية  المشروعة وفي أولوياتها التحرر من التبعية  والأستعمار الذي كان المتسبب حسب زعمهم في تفتيت وطنهم الكبير و تقسيمه  وجاء ثانية ليضيف للتقسيم التاريخي تقسيمات أخرى  .  ولكن ومع الأسف فأن القوميون الأكراد كانوا قد كرسوا كل طاقاتهم من أجل التحرر لا من الديكتاتورية و إنما من الوطن الحقيقي من أجل الوطن الأسطوري .

الوطنية الحقة هي أيضا التعبير عن حقوق المواطن المشروعة التي ستكون بالنسبة للقوميون حقوقا ثانوية غير ذات أهمية  .. ولكن ماهي حقوق المواطن الكردي ومن يحمل ويتحمل مسؤولية الدفاع عن هذه الحقوق؟ وهل علينا عند الحديث عن المواطنة والمواطن أن نضع للأكراد إستثناءا أم مواطنة أخرى أم مشروع يراد لنا أن نشترك (كمواطنين ) في صناعته ؟ أم إننا خارج إطار المشاركة في التفكير بحيثيات هذه الحقوق ؟ طالما إن التخطيط القومي هو من تكون له الأولوية وكل القضايا الأخرى تكون له مكملة وغير ذات أهمية ..

لدى قوميينا الديكتاتوريين العرب كانت قضية التحرر والوحدة العربية و تحرير فلسطين مدخلا لأمتلاء السجون بالمعارضين من العرب (أصحاب المصلحة المفترضة ) في هذا التحرر و مساهما فعالا فيه .. وتثبت الأحداث التاريخية بأن الأستعمار الذي كان والأستعمار الجديد لن يفقد أسلحته بل العكس هو الأكثر تطويرا لأسلحته بهدف ديمومة سيطرته ومنها صناعته للديكتاتوريين وقدرته على صناعة العدو الحقيقي والوهمي وبنفس الوقت صناعة  المقاوم الذي يتلائم وينسجم مع هذا العدو المصطنع ... يستطيع أن يستعمر ويصنع في الوقت نفسه حركة تحرر تابعة لمخططاته إستراتيجيا .

وقد دخلت الى المفهوم الوطني بعد مرحلة التحرر الأولى من الأستعمار تفسيرات جديدة تتعدى مرحلة تضميد جراح الأستعمار و طرده عسكريا الى التفكير بالتنمية و إدارة الحقوق الثقافية و الأدارية للأقليات و تنظيم العلاقة بين قوميات الوطن الواحد .. أي إعادة الوحدة الوطنية .. و في الوحدة  قوة  لذلك يتحد الأستعمار من أجل تفتيت ضحاياه وغنائمه و هذا التوجه لا يخلو من طيب الكلام و إدعاءات بالحريات والحقوق و مواجهة (التهميش) و الغبن ...وغيرها من الطروحات التي يساهم بها أيضا عملاء الأستعمار ومطاياه في بلداننا .

لم تكن هناك في التاريخ كردستان إلا بعد جمهورية مهاباد الفاشلة .. وإقترنت بالبارزاني (رحمه الله)  أكثر من أي شخصية أخرى  .. وكانت حينذاك فترة للتطلعات القومية في جميع أنحاء العالم .. ومنها التوجه النهضوي العروبي و أفكار الوحدة العربية والقومية .. ولكنها أفكار وتطلعات و توجهات فكرية لا غير ليس لها نظم إقتصادية إجتماعية واضحة  لأنها كانت ومازالت دول تابعة ..والدول التابعة لايحق لها أن يكون لها نظاما إقتصاديا مستقلا .. و نمت من خلالها الديكتاتوريات العربية ..

وقد رفض الرفيق الخالد يوسف سلمان (فهد) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي فكرة الوحدة العربية  ( وحدة الأنظمة الديكتاتورية ) وطرح حينذاك موقفه الخالد في الكونفيدرالية العربية كبديلا لأفكار الوحدة العربية التي كانت تترافق مع التوجهات القومية الفاشية ،  وموقف فهد من الوحدة العربية كان يمتلك نفس الأسس الآنية للوحدة الأوربية أي وحدة  كونفدرالية تعتمد على النظم التمثيلية الديمقراطية  و سوق مشتركة و رفع القيود الكمركية لتبادل البضائع والسلع  وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل بلد .. ورفض طروحات الوحدة العربية أيضا الزعيم الوطني  الشهيد عبد الكريم قاسم .. وتم إتهامه بالشعوبية .. وكانت التوجهات القومية البعثية تتلائم مع التوجهات الفاشية لديكتاتورية صدام حسين ... وهو زمن وتاريخ ولكل مرحلة فيه تفسيراتها وتشعبات للأحداث والمواقف  فيها .. طروحات الوحدة العربية هي طروحات عاطفية أكثر من كونها برنامجية و تمتلك المرتكزات العلمية وكذلك كانت طروحات كردستان الكبرى .. بينما حاول الأسلام السياسي سد هذا الجانب اللا منطقي في الطروحات القومية  و إتخذ من الدين مدخلا للتوسع السياسي  وبديل للطروحات العاطفية القومية بأخرى أكثر عمقا وعاطفية و تأثيرا وهي الأفكار الدينية ذات التفسيرات الفضفاضة و المتعددة الأوجه وتتعدى الوطنية الى العالمية أيضا ولكنه وقع و أوقع تابعيه في فخ المذهبية  ومؤامرة التقسيم الوطني و بدلا من ترقيع الشق تم تمزيق المتبقي وتشويه سمعة الأسلام والمسلمين ..

كردستان كانت فكرة أكثر عاطفية من الوحدة العربية  بسبب الغبن التاريخي الذي واجهه الأشقاء الأكراد  وبسبب الطبيعة العاطفية لشعبنا الكردي الطيب ..

وكان القوميون العرب (وليس العرب) يحاولون وبالقوة العسكرية تحويل فنطازيا الحلم الوحدوي الى ممارسات ديكتاتورية و إرهابية و مؤامرات وجرائم ليست لها علاقة بالحلم والعواطف والثقافة المنتظرة و لا حلم الحرية المرافق للوحدة .. إنها نفس الملامح العاطفية للنازية في ألمانيا ..وحلم المانيا الكبرى المتقطعة الأوصال في الحروب  .. و أي محلل للتاريخ يلاحظ تمركز فنطازيا هذا الحلم القومي  بشعاعه الأصفر يمر عبر ديكتاتورية  بشعة وأبدية .. والعكس أيضا صحيح إن الديكتاتورية وليدة فنطازيا الحلم القومي .. والحلم القومي جاء به الأمريكان الى العراق من خلال ديكتاتورية صدام حسين و من خلاله و رعونة سياسته وجرائمه إستطاعت السيطرة على العراق والمنطقة كلها ..

الديكتاتورية في كردستان لا تختلف كثيرا عن ديكتاتورية العرب و الديكتاتوريات المصنعة أمريكيا ... هو نفس الحلم القومي ونفس الفانطازيا و هلامية في الشكل و إضطراب في الجغرافيا .. يصبح الحلم شكلا آخر ليس له علاقة  بالثقافة الأستقلالية  بل بأسم الحلم القومي يتم الخضوع للأستعمار الجديد و بدلا من الحرية السقوط  في التبعية وبدلا من السلام  يتم السقوط في هاوية الدسائس والحروب و كردستان التاريخية  تختفي أمام التغيرات العالمية في التوجه نحو الديمقراطية و التبادل السلمي للسلطة  وهو ما يتعارض مع عرابي  الوحدة الكردستانية من الديكتاتوريين و الأغوات ومافيات التهريب و تجار السلاح .

كردستان هي ليست شعبنا الكردي و المواطن الكردي الذي يريد العيش بأمان ورفاه ويمارس طقوسه ولغته وثقافته بحريّة .. بل كردستان هي الحلم القومي  الزائف ولم تعد أحد مطالب شعبنا الكردي , بل أستطيع القول أصبحت كردستان منطلق الصراعات ضد الوطنية العراقية  والوجود العراقي  وحقوق الشعب العراقي .. كردستان المصطلح القومي إنما هو سراب يصنعه محترفي القيادة ليفقد شعبنا الكردي وطنه الحقيقي و ليبقى طول عمره معلقا بأمل الوطن الكبير الذي (حسب زعمهم) غبنه التاريخ و الأنظمة و الشعوب المحيطة كلها , وهذا الأمل دائما عرابه ديكتاتور صغير و مافيات تجارة السلاح والنفط و التهريب والعمالات والأقطاعيين ... و يتم تربية الأجيال الجديدة بروح العداء الدائم للجميع و ليس أمامهم من صديق سوى العبور عبر الحدود للتحالف مع إسرائيل .. عدوة العرب والأسلام الأولى ..

تربية العداء للشعوب التي يعيشون معهم وفي محيطهم هي السياسة الثابتة لأنصار كردستان الكبرى و كردستان أو الموت .. والموت طبعا لأولاد الفقراء و ليس لأمثال مسرور وقتاد وجوان معصوم وغيرهم .. أمثال هؤلاء يكونون في الجبهات فقط عندما ترافقهم الكاميرات التلفزيونية .. هم قادة عن أب وجد وهم الأغوات والأقطاعيين و ملاك العقارات و الاراضي المنهوبة .. وهم اللذين سيوحدون الوطن للشعب الكردي وفق مقاساتهم فقط ..حتى لو كان على حساب كل الشعوب  الأخرى  حتى لو تحولت هذه الأوطان الى خراب شامل.

وهؤلاء الحالمين بوطن وتحت قيادة هذه المافيات لم يطرحوا تسائلا واحدا ..لماذا ومنذ عام 1991 لم تجري هذه القيادة أي أحصاء سكاني لمناطق الأقليم .. ولم تطرح لشعبنا الكردي أين الميزانيات السنوية و أين آليات الصرف و أين ذهبت أموال النفط المهربة و التي تنكشف أسرارها يوما بعد آخر وهل هناك بالفعل تجار يتعاملون مع داعش دون علم ودراية قيادة الأقليم ؟؟

... كل شيء ممكن تبريره بأسم مصلحة كردستان ولا أحد يعترض و كل جريمة ترتكب تبرر من أجل كردستان وكل خيانة وطنية يجد القادة هؤلاء ما يبرر لهم غدرهم وخيانتهم ... و كل من يواجههم هو قومجي وبعثي و معاد للكرد و من يتحدث معهم كشركاء في الوطن يجيبون كأكراد لهم دولة كردستان المنتظرة ..

بعد إحتلال العراق عام 2003 إنتهى حلم كردستان الكبرى ليتم رسم كردستان النفطية  و كردستان الشركات النفطية  و تجار السياسة  وكردستان الموساد و شركات الحمايات متعددة الجنسية .. القادة الأكراد هم أكثر أغنياء العالم ثراءا وقد كثر أصحاب الملايين بشكل لا مثيل له منذ عام 2003 و سرقات نفطية يتحدث عنها العالم كله كل ذلك بأسم الشعب الكردي وبأسم الحلم القومي الكردي .. كردستان .

والحق يقال إن قادة إقليم كردستان شاركوا الشعب الكردي ببعض من غنائمهم وسرقاتهم الى الدرجة التي لا نجد بينهم صوتا معارضا ولا مثقفا منصفا ولا وطنيا يتحمل مسؤولية ما ستأول اليه الأوضاع في كردستان عندما ستنهار أسعار النفط  أوعندما تتغير الموازين الدولية و الأقليمية ..

ألم يكن داعش قاب قوسين و أدنى من النيل من الأمبراطورية  البارزانية  في أربيل ؟

ألم تنخفض أسعار النفط و أحد أسبابها هو عمليات التهريب الغير شرعية ؟

عندما ينتهي الحلم القومي .. وليس هناك سوى الحديث والخلافات عن حصص النفط و المالية والحصة من الميزانية  في الموقف الوطني .. هل سيبقى قادة الحلم القومي الكردي في سلطتهم و زعامتهم ؟؟ 

وهل للشعب الكردي موقفا آخر خارج إطار موقف زعاماتهم القومية .. أم هم بأنتظار مخلص خارجي ؟

 

نزار رهك

5.12.2014

Rahak@t-online.de