ليسوا ( حوثيين) وليسوا ( شيعة)؟

فاضل الربيعي

 

 

 

لماذا يطلق الإعلام العربي لقب أو اسم ( الحوثيون) على الحركة الشعبية في اليمن؟ إن اصطلاح ( الحوثيين) ليس اسماً دالاً على حركة أو حزب او جماعة، بمقدار ما يبدو اسماً او لقباً دالاً على شخص بعينه؟ هذا اسم ( لقب، اصطلاح ...الخ الخ) اطلقه أعداء هذه الحركة منذ عهد علي عبد الله صالح ( وهذا امر مشهود في التاريخ، فالأمريكيون هم من اطلق اصطلاح الهنود الحمر على السكان الأصليين من ابناء حضارة الأزتك؟) . لقد سمّى أعداء الحركة التي انطلقت من مركزها التاريخي صعدة، باسم ( الحوثيين) بهدف تحقيرها والتقليل من شانها، بما أنها تنتسب لشخص متمرّد؟ اليوم، يُراد من هذا الاصطلاح ان يستخدم بطريقيتين، احداهما أن تنسب الحركة الشعبية برمّتها إلى شخص متمرّد يدعى الحوثي؟ وهذا شخص لا وجود له اليوم، لأن من نشاهدهم في الشوارع هم مئات الآلاف ، والثانية أن يؤدي مضمونها إلى الاعتقاد بوجود ( تيار مذهبي).

على هذا النحو تمّ تصنيع صورة ( الحوثيين) طوال اكثر من عشر سنوات. في المرحلة الأولى تمّ تصويرها كجماعة تنتسب لشخص، وفي المرحلة بوصفها ( مذهبية). الصورتان مزيفتان، لأن الحركة ذات طابع شعبي وليست حزب عائلة او قبيلة او جماعة دينية. وفوق ذلك؛ فإن الزعم بأنها ( حركة مذهبية) أي شيعية، كما هو السائد في وسائل الإعلام، هو تزييف فظيع، لأن هذه الجماعة زيدية على مذهب كل أهل اليمن، وكل ما يقال عن انها متشيّعة ، ينبني على مزاعم واهية. من المؤكد أن حزب ( انصار الله) وهو الجناح العسكري- السياسي للحركة الشعبية، يضمّ اليوم بين صفوفه عدداً من المقاتلين ممن ينتمون للمذهب الأثني عشري. لكن هؤلاء لا يزيد عدد هم عن 5% فقط. هذه حركة شعبية، ليست ( حوثية) وليست( شيعية) بل ثورية- يمنية- زيدية.

والآن : ما الذي يجري في اليمن وإلى أين هي ذاهبة؟ هل حقاً، انها سوف تنزلق نحو حرب اهلية؟ إن التهويل الإعلامي وتضخيم الأحداث والمبالغات الفظيعة في تصوير الوقائع، يكشف عن محاولة يائسة لحرف الأنظار عن حقيقة ما يجري. واخيراً، جاء غلق السفارات ليكون مادة في صناعة هذا ( التهويل). سوف اسجل الملاحظات التالية في تحليل الحالة اليمنية الراهنة:

أولاً : الحركة الشعبية وحزبها ( أنصار الله ) في اليمن، يقودون تحوّلاً تاريخياً سوف يضمن و- يحافظ- على وحدة اليمن في مواجهة داعش اليمنية ( التي تصوّر ضمن التزييف انها القاعدة المتحالفة مع القبائل والأخوان المسلمين، اي حزب الإصلاح). وهذه الحركة، هي القوة التاريخية الوحيدة القادرة على تفكيك شبكات داعش الأطلسية المخابراتية. لا توجد أي قوة على الأرض قادرة على قهر مشروع داعش الأطلسي- المخابراتي سوى الحركة الشعبية الثورية اليمنية وحزبها ( أنصار الله).حتى اللحظة لم تطرح الحركة أي شعار ديني- مذهبي في مواجهة داعش التكفيرية؟ فكيق يقال لنا انها حركة ( شيعية)؟

ثانياً : إن غلق السفارات الغربية لاقيمة له على الإطلاق، وهو محاولة ( للضغط) بوسائل يائسة لتعديل الوقائع على الأرض. اليمن هي التي تتحكمّ بمصير أوربا التي أغلقت سفاراتها وليس العكس. لديها باب المندب شريان حياة الأوربيين، وتستطيع أن تعيش لوقت طويل دون سفارات غربية ، بينما الغرب لا يمكنه سوى ان يستجدي الرحمة منهم ؟ إن التهويل الإعلامي المصاحب لعمليات إعلاق السفارات، غرضه خلق إنطباع أن اليمن يتجه تحو كارثة، وهذا تزييف للوقائع. الحركة الشعبية الثورية وحزبها ( انصار الله) تفرض سيطرتها المطلقة على اليمن. لقد جرى زحزحة وجود داعش، والدفع بها إلى اضيق زاوية في الجغرافية اليمنية. لم يتبق سوى حيوب ( داعش اليمنية) في رداع، وابين وحضرموت. ان تنظيف الاسطبل من نفايات الأطلسي سوف يتطلب ويا للاسف معارك قاسية.

ثالثاً : كل ما يشاع عن معارك تقوم بها القبائل في مأرب وسواها، هو تزييف مخابراتي- أطلسي. ما يجري بالضبط، هو اصطفاف لجماعات قبلية- تنتمي لحزب الإصلاح- مع داعش ( هذا وضع شبيه بما جري في العراق اي ما عرف بثورة العشائر في الأنبار ثم اتضح ان هؤلاء جماعات متحالفة مع داعش؟). وساعطي المثال التالي للتدليل على نوع التزييف: عندما دخل انصار الله الى محافظة عمران، شاعت مزاعم عن مواجهة بينهم وبين القبائل. حقيقية ما جرى هو التالي: إن محافظة عمران موطن الهمدانيين- قبائل همدان- كانت تشهد انقساماً داخل القبائل بين جيلين، شباب القبيلة متحمسون لأفكار الحركة الشعبية الثورية ويريدون دعمها وتأييدها، وشيوخ قبائل يحتفظون بولاء تقليدي لحزب الإصلاح. الصدام جرى بين الطرفين وليس بينهم وبين ( ما يزعم انهم حوثيون)؟ ولذلك دخلت الحركة الثورية دون قتال تقريباً.

رابعاً : ما يجري في اليمن ليس صراعاً يمنياً- يمنياً. إنه صراع على مصير المنطقة والعالم. اليمنيون يتحكمّون بباب المندب، أي أنهم يقبضون على ( عنق العالم) ويمكنهم في أي لحظة أن يخنقوا اوربا حين يصدر أمر بإعلاق باب المندب؟ سوف ترتعد أوروبا هلعاً. ولا قطرة نفط واحدة؟ وهذا ينطبق على الخليج كله؟ من يتحكّم بباب المندب يتحكمّ بالعالم. هذه هي المعادلة الجديدة. تذّكروا ما قاله حسن نصرّ الله: لقد تغيّرت قواعد الاشتباك؟ واليمنيون مع ( أنصار الله) يغيرّون هم أيضاً- قواعد الإشتباك ؟

خامساً : من هم اللاعبون الكبار؟ من الواضح أن ما جرى في المملكة العربية السعودية مؤخراً يكشف عن خفايا ما يجري في اليمن. لقد تمت عملية ممنهجة، صامتة وسرية لتصفية ( ارث عبدالله). وجرى تغيير دراماتيكي في السياسات والخطط الاستراتيجية، وبحيث اصبحت السعودية بين ليلة وضحاها من معادية للأخوان المسلمين إلى قوة مركزية في التحالف معهم؟ هكذا سوف ينشأ تحالف سعودي- تركي- قطري. لقد اصبحت السعودية في العهد الجديد جزء من هذا المحور المعادي والكاره لمصر. لكنه مضطرّ ، نظراً للوقائع على الأرض، للبحث والتفتيش عن تسويات ممكنة في سورية واليمن والعراق ولبنان، أي أن يدخل في تسوية مع محور ايران سورية وروسيا .

روسيا وصلت إلى المياه الدافئة في المتوسط ، ويمكنها أن تنام قريرة العين عند باب المندب. كما يمكنها أن تمدّ سيقانها الطويلة لتتمددّ في شواطيء السويس والاسكندرية بعد توقيع اتفاقيات ( صوامع القمح). وهي صوامع عملاقة سوف تمكن روسيا من القيام بعمل مزدوج: إطعام مصر وتخلبصها من الابتزاز الأمريكي، وتصديره إلى العالم. وهذه مجرد مقدمة لوجود عسكري تدعمه اتفاقيات تسليح وانشاء محطات نووية؟ إن الذين يتحكمّون بباب المندب يمكنهم أن يستلقوا بهدوء عن شواطي الإسكندرية.

سادساً : مستقبل اليمن ليس رهناً بالصراع الداخلي. كل من يعتقد أن الموضوع اليمني موضوع داخلي يمكن ان تحسمه تسويات داخلية واهم ولا يدرك حقيقة ما يجري. انه صراع دولي- إقليمي هائل بين محورين عالميين- إقليميين. لامناص من التفاهم مع إيران وروسيا وسورية. هل يبدو أمراً مفاجئاً حين أقول لكم أن سورية لاعب كبير بين كبار آخرين في الموضوع اليمني؟ تذكّروا أن الرئيس علي ناصر محمد المقيم في دمشق هو المرشح التوافقي