النخب والأوليجاركيات والعبودية.

غواريوالثورات المضادة وضحاياهم

خديجة صفوت

اكسفورد 24 ابريل 2012

 

لا يكتفي النخبوي بالنجاح والشهرة والثروة وبالتعين على إحلال نفسه مكان الحكام، وإنما ينصب نفسه داعية، والنخبوي والمتثاقف لم يعرفا بأن أي منهما خلق قيمة واحدة تنفع الناس.

خ..ص. من معترك التجاريب.

 تقديم:

عندما كنت أقوم بإعداد هذه المجادلة للنشر لأول مرة، كانت ليبيا تسقط في أيدي أوليجاركيات مالية ونخب وحكام جدد بغواية عصابة بيرنار هنري ليفي Berbard Henry Levy (BHL) التنويعة الفرنسية على لورانس العرب وعبد الله بن السوداء من قبله، ويقول بيرنادر ليفي وقد عاد لتوه من ليبيا صباح "سقوط طرابلس" إنه فخور بأن الشعوب العربية تتحرر وتقيم مجتمعات ديمقراطية تنعم فيها بالرفاهية". ويضحك برنارد هنري ليفي - وقد جمع حوله أمثاله من الكارهين للشعوب-على ذقوننا. ذلك أن معظم الأخيرين يصم الشعوب علناً بالكسل دفاعاً ضمنياً عن المضاربين والمصرفيين، فيقهقهون جميعاً بقيادة ذلك الأفاك وهويتلاعب بالكلمات التى تزوق، فتقول الكلمات ما لا تعنيه بل ما هوعكس ما قد يفهم. فهم يتحدثون عن الديمقراطية ويفكرون فى النفط والغاز وعن الازدهار ويقصدون إزدهارهم هم؟ يقصدون دمارنا ثمناًلإزدهارهم طبعا.

وقد بات أعضاء تلك الجماعة يحظون باستحباب القنوات المشبوهة، فتراهم على شاشاتها ملمعين بربطات عنق زاهية، يجلسون أمام مذيعات وكأنهن خارجات لتويهن من مخادعهن أو ذاهبات اليها فور انتهاء المقابلة. ذلك أن تلك النخب، ومعها جماعات مهمشة أو بعض الاقليات، من الانتهاز والتسلق. وكما يقول الدكتور يوسف حسن يوسف " إذ أنها ترغب فى تحقيق مصالحها الخاصة ولوكانت على حساب المجتمع نفسه"[i].

وكانت الاذاعات والصحف وحلف الاطلنطي قد شنّت حرباًاعلامية وشرسة بالاشاعات والاشاعات المضادة في الليلة السابقة، والنيران تستمر طوال الليل والنهار لحماية المدنيين. وتختلف الأنباء حول "سيناريوتحرير ليبيا" ما بين ال ار تي(RT - Russia Today)والبي بي سي (BBC)والقنوات المشبوهة. وتعلن الأخيرات سقوط طرابلس للمتمردين(هذه مفردة الغرب)،أى لبنى غازى غريمة طرابلس لمئات السنين، ولم تسقط طرابلس حتى كتابة هذه السطور ويعلن "سقوط القذافي" قبل أن يسقط، واعتقال أبناء العقيد قبل أن يعتقلوا، وموت أحدهم ولم يمت. وهكذا تكون الحروب الاعلامية في أفضل أحوالها، ما يلاحظه الناس الآن اكثر من أي وقت مضى بشأن سوريا، وكيف قتلت أنباء المعارضة والقنوات المشبوهة والقنوات التى لا جمهور لها سوى من يغويهم و يطربهم سماع أصواتهم وأسمائهم على الفضاء،قتلت تلك الكائنات المشبوهة ما قد يعادل مجموع نصف الشعب السوري.

وقياساً، فقد كان بوش يعلن انتصارات قوات الحلفاء في العراق قبل أن تحدث وحتى عندما لا تحدث: افلام افلام افلام،  فيما يجأر بيرنارد هنري ليفي بأن تحرير ليبيا ليس كتحرير العراق، مصرحاً بأننا "فعلنا فى ليببا ما لم نفعله فى البوسنة " ولا يقول لنا، ومعظمنا لا يعرف، ماذا فعلت الرأسمالية المالية فى البوسنة، فيما لا يملك أى كان أن يجرؤ على التصريح بأن الرأسمالية المالية بسبيل إعادة استعمار افريقيا بإمتياز، بدءا بالسودان بشقيه وليبيا وربما تونس ومصر، فى تنويعات غير معرَّفة بصورة كافية بعد[ii].

هذا وفيما ينكر بيرنرد هنري ليفى أن ليبيا لا تعيد إنتاج العراق، تحل عصابة التواطؤ الأوربي الامريكى والنخب المحلية أجندة لا تزيد عن استبدال طاغية بآخر مكان أجندة الطاغية الذى تم الاستغناء عنه، وتجأر تلك العصابات بأن على الأسد أن يفهم ما الذي يحيق بالديكتاتور. وتسوق تلك العصابة ورائها، في ليبيا وسوريا وغيرها،زاعمة أن العالم قد تغير وأن قوانين اللعبة قد تغيرت، فئات من شعوب مخلصة فى الثورة من أجل الحرية والكرامة والخبز الكريم. ولا تقول تلك العصابات إن الذي تغير هوأن الناس، الشعوب، العرب،العامة يستدرجون الى خوض حروب نياية عن الرأسمالية المالية وأزلامها،ولا تقول العصابة أن مئات الآف من عامة شعوب العرب والمسلمين تروح خسائر موازية.

ويرفض حلف الاطلنطي، وقد سّوغ له تاريخ طويل من القرصنة وصولاً الى التحايل على نهب العراق، وسرقة ذهب ومال ليبيا، وخصخصة البنك المركزي الليبي (الوطنى المؤمم)، وحرمان حلم الوحدة الافريقية من مليارات ليبيا، وتبييت النية على نهب مليارات الجنيهات الاسترلينية الليبية المجمّدة فى بريطانيا، فيما يجأر ويليام هيج وزير خارجية بريطانيا بأننا قدمنا 20 مليون استرلينى مساعدة للمجلس الوطنى الانتقالي. علىأن الأهم هوأن الشعوب العربية باتت أكثر وعياً ونضجاً وجسارة وإدراكاً لخصومها من أي وقت مضى ومن أىٍّ من كان. فلن يُخدع الليبيون بما قد يحاك لهم، ذلك أن العملاء والجواسيس ومشاة القوات البريطاينة الخاصة، كانوا قد راحوا ينتشرون فوق جبال نافيوسا(Nafusa)غرب طرابلس، منهمكين فى غواية قبائل البربر بما قد يبدووكأنه لمصلحتهم[iii]. ومن ناحية أخرى تحوّل الدارفوريون، وكانوا مقاتلين من أجل الحرية، الى مرتزقة سود لا تربي أعدادهم إلى خسائر موازية.

هذا وكان حلف الاطلسي قد بات ينكر مجدداًأعداد القتلي من الذين جاء لحمايتهم، فقد رفض الناتوذكر أعداد قتلى نيران الحلف من المدنيين العزل وينكر كل حادثة تسجل المذابح، كما فى كل مرة. ذلك أن عدوان الرأسمالية المالية على المدنيين مشهود له على مر التاريخ الحديث بالتنكر لمسئوليته عن الخسائر الموازية من المدنيين بخاصة العرب والمسلمين. وقياساً، تملك حروب الرأسمالية المالية/الصهيونية العالمية من أجل تغيير النظام، قدرة عبقرية على التحايل بعيون مفتوحة على القوانين والقرارات الدولية مثل قرار مجلس الامن رقم 1973 كما فى كل مرة. وفيما يحتفل أعضاء تلك العصابة من النخب والساسة بتحرير ليبيا لا يسقط حسب التقارير اليومية سوى صحفى أو مصور تليفيزيوني واحد أو اثنين. وحتى موت الجنرال عبد الفتاح يونس فى "ظروف غامضة"، لا تزيد تلك العصابة أكثر من التسارر بشأن موته[iv]. وأن تقترف تلك العصابة جرائم بحق الانسانية من كل نوع وفى كل مكان على رؤوس الأشهاد،إلا أن تلك العصابة لا تتورع عن المطالبة بتقديم من لا تستحبهم، ما أن أنها لم تعد تستحبهم،للمحاكمة بتهمة جرائم بحق الانسانية.

وقياساً، فسوف تترك الرأسمالية المالية الليبيين ليصفوا حساباتهم القبلية والجهوية والشخصية، وقد أغرقت ليبيا بالسلاح من كل نوع تهيئة لخلق شرط إندلاع حروب أهلية مشبوهة تعمل تلك العصابة على تأجيجها، كما فى العراق وجنوب السودان وغيرهما، كما فى كل مرة، فيما تقف الرأسمالية المالية تتفرج علينا وتجأر بعض النخب معتذرة "إننا لسنا سوى برابرة لا نستحق الحرية التى ساعدنا الغرب على نيلها منذ أن رفعنا الغرب من وهدة البربرية وحررنا من ربقة الاستعمار العثماني وساعدنا على استقلال وطنى منذ 60 عاما وطبع اقتصادنا وفتح أسواقنا وعولم حياتنا جميعا".

مادة هذه المجادلة الخام:

تعود بعض مادة هذه المجادلة بعد وفوق كل شئ الى توليفة من المعايشة والملاحظة والمعاصرة المستمرة للحياة وللأسفار، ولسنوات النضال الطويلة والمتصلة من أجل المفقرين والمستلبين وضد المظالم وضد الذاهلين بخاطرهم عن المظالم وعن موضوعها. وتصدر هذه المجادلة عن معاصرة وملاحظة مشاركة وبحث متصل في ظاهرة المثقف النخبوى،أكثر منه الذى غالباً ما يكون قد خان طبقته في تضامنه مع ما يسمى العامة الدهماء الغوغاء السوقة (Plebs). فهذه المجادلة هي محاولة فهم بعض النخب وتحليل قصور الفكر التنبؤي، وهى فى معظمها من تجربتى الخاصة مع بعضهم وبعضهن.

ويستهويني المثقفون بقدر ما يبعث بعض النخب والصفوة فى قلبي الفزع. وربما كان مفيداً البدء بالقول بأن هذه المجادلة لا تدّعي الالمام بأحوال نخب هذا الزمان كافة،إلا أننى أصدر عن مادة خام قوامها من عاصرت منهم وأولئك الذين قرأت عنهم وحاولت التعرف على ملامحهم وبعض غاياتهم وخلفياتهم التاريخية.

 في هذه المجادلة افرق بين النخبوي والمثقف والمتثاقف وبين هذا والقوى الحديثة. وحيث تحال هذه المجادلة التعرف إجرائياً((operationally ورصد بعضاً من تاريخ النخبوى والمتثاقف،أقول فوراًواختصاراًإن المثقف الشريف وعضو القوى الحديثة ينتمى الى جماعات تستدعى ما يسمى العقلانية، دون تعريفها لا في السياق وعلى تجريدا،كما تؤمن بالقومية قياساً على النخب خاصة التى تستنكر القومية بل وتؤبلسها فتصنفها فى عداد الفاشية.

وأفرق الى ذلك بين المثقف المنتمى الى طبقته ومتماهٍ مع الطبقات الشعبية في وقت واحد، ذلك المثقف غير المستعرر من طبقته إن كان من الطبقات الدنيا،والأهم المثقف الذي يتماهى مع الناس العاديين في مواجهاته اليومية للحكام والسلطة القائمة،وفي تطلب الفرد العادي للرزق وأسباب العيش المتواضع غالباً وبين المتثاقف، ذلك أن هذا الأخير يبرع فى النزوع الى اللحاق بالنخبة ويقضى عمره الأدبي، إن وجد، يعيد اختراع نفسه (Re-invent himself or herself) كل صباح حسب الطلب والطموح وقد بات مليئا بنفسهFull of himself)).

فترى ذلك الفرد العجيب الغريب وكأنه من لا مكان وفى كل مكان،وكأنه طائرة من الورق تحلّق منتشية عالياً،متصوراًأنه ينشأ الى مرتبة أعلى، مثابراً على إعادة انتاج نفسه حتى يليق بالحكام وقد صورت له أوهامه تباعاًواعتقاده فى نفسه  وكأنه أهل للسلطة. وغالباً ما لا يصدق ذلك الفرد حظه Cannot believe)(his luckوهوينفي صلته بطبقته الاصلية فيحتقرها. ففيما يبادل بعض المتثاقفين والنخب العامة الذراية، لا يدركون كم يزدريهم العامة، مما يفسر كيف أن العامة عندما ينتفضون أو يثورون لا يكترثون بتلك النماذج بل يتبرأؤن منها.ويسقط ذلك التبرؤ فى أيدى النخب، فتروح تبحث لها عن مكان  للتعيّن على مواصلة الثورة المضادة. وقياساً، تنقلب النخب على خصومها الأزليين،الشعوب، علناً هذه المرة، كما فى مصر وسوريا وتونس وليبيا واليمن، مما يلاحظه الناس فى كل مكان. وأخشى ما أخشاه أن تكون بعض أبعاد السيناريوالماثل الآن قد أُعدت ومصر فى خاطر أعراب الشتات أيضا. فقد بدأت مناوشات اسرائيل على الحدود وعند خطوط التماس. ولعلي لا أغالي إن قلت ربما كانت غاية كل ذلك الزخم وما يسمى الحراك الشعبى الماثل هو استهداف إحدى أوكلا الجائزتين سوريا وأم الجوائز مصر.

وفى الحالتين يقف المثقف المتماهي مع العامة فى معارضة السلطة القائمة، فيما تتماهى النخب مع السلطة القائمة وأسيادها مرة، ومرة قد تطرح النخب نفسها بديلاً للحكام.ويؤكد جرامشي إن المثقفين -النخب-يرتهنون بطبقتهم الاصلية مهما حاولوا التنكر لها ومهما حدث. وقياساً، قد يغدوالنخبوي وقد خرج من رحم الطبقات الدنيا مهووس كجائع لا يفارقه شبع بهاجس المجاعة،وكل همِّه أن يخلف ماضيه وراءه الى غير رجعة. ويثابر مثل ذلك النخبوي الكئيب على نفي صلته بطبقته الأصلية ويعيد إختراع نفسه صباح مساء،ويكتب تاريخه ويستكتب كل من لا يعرفونه خاصة والمبتدئين وصغار الكتاب والصحفيين وغيرهم، وكأنه يحتمي من ماضيه بحاضر افتراضي، خشية السقوط مجدداًلمرتبته الدنيا عائداً الى طبقته الاصلية. إلا أن أصله وفصله لا يفارقانه، فهما يدلان عليه أينماسار،وفي كل ما يقول وما يترك وما يفعل بمن حوله من أقرب الى أبعد الناس اليه. فطبقة فرد كهذا تطارده، وهواجسه تبقي كجلده ولون عيونه. ويدرك سادة الكون كنه أمثال ذلك الجائع تماماً فيعملون بمقولة "لا تثق فى جائع شبع بل ثق فى شبع جاع"مما ييسر استخدامه بأقل الأثمان.

ومن المفيد تذكر أن الجائع وامثاله ممن حرم من الغذاء النفسي والروحي واليتيم في القصص الباكية، يوقن بأن العالم والكل مدين له فلا يتورع عن الأخذ بلا روية ولا تبكيت. فقد أمات الحرمان ضمير بعضهم باكرا، لذلك ينطلق ذلك الفرد في أخذ وأخذ وأخذ لا يعرف العطاء (حسب ملاحظاتى الشخصية)، ومن المفيد تذكر أيضا أن النخب كانت عبر التاريخ غير المكتوب حصان طروادة لحساب الأوليجاركيات. ذلك أنه يستحيل،والعدو يعرف ذلك،إجتياح دولة أو/واختراق صفوف الشعب والثوار إلا بتجسس وتواطؤ بعض من يطلقون على أنفسهم النخب أو الصفوة،أو الأحرى المتثاقفينالمحليين وحلفائهم وأسيادهم من العصابات الخارجية. فإن كان كل شئ قد عُولِم فبات طيّعاً(Flexible)، من العمل الحى والحكومات ومعظم المفكرين ومعظم النخب وبعض المثقفين والصحفيين المرّقدين فى أحضان جيوش الاستباق الدفاعى، الى الضمير والأخلاق والولاء والشرف،وقد بات لكل شئ ثمن فلم يعد لشئ قيمة،فلم يبق سوى الحركات الشعبية التى لم  تطوَّع،لويل النخب والحكام والأوليجاركيات المالية. فاستعصاء الحركات الشعبية على التطويع، مما يثير ذعر العولمة والأوليجاركيات المالية والنخب جميعا. فإلاتجد العولمة سبيلا الى تطويع الحركات الشعبية التلقائية، تصمها بالغوغائية الدهمائية، فيما تتواطأ النخب على فبركة حركات بديلة تحل مكان الحركات الموضوعية التاريخية. وأموت وبي شئ من النخب والصفوات والمتثاقفين.

وينتشر نموذج ذلك الدّعي بين الليبراليين الجدد والعقلانيين الجدد ونظائرهم السابقة. ورغم عجز ذلك الفردوأمثاله جراء قدراتهم المحدودة، بغض النظر عمّا يسّوغ لهم الادعاء، عن إدراك المعنى الموضوعى التاريخي لمفهوم اللليبرالية الجديدة أو العقلانية الجديدة، إلا أن تعريف شريحة الجوعى تلك،أولئك الذين شبعوا تبقى بعدا اجرائياًOperationally)) ووظيفياً(Functionally)من الطبقات الوسيطة. وتعبر تلك الجماعة عن نفسها فى حالة مؤقتة ومهتزة ومترددة،ومن ثم ميالة للانتهاز ومذعنة لحاجة متصلة من عدم الأمان،يرغمها الانتهاز والابداع فى التخاتل. ولعل مثل تلك الجماعات حرية بأن تصدر عن مأثورات أعراب الشتات. 

النخب والمتثاقفون وبيجماليون المخادع :

 يتعين النخبوي والمتثاقف على تشكيل أخلاق بديلة لتلك التى كنا نعرفها بافساد القيم وتدليس المفاهيم التى نعرفها. وقد انتشر بين معظم النخبوالمتثاقفين فيروس البليرية(Blairite) (من توني بلير) الذى لا يعرف معنىً للحياء أو الاحتشام.  

المهم هو أنه سرعان ما ينسب الواحد من أولئك الصنائع –جمع صنيعة - الى نفسه صلاحيات فكرية وأكاديمية، ويقدم نفسه بوصفه دكتور،وهووحسب حامل- إن حمل-دكتوراه الدرجة الثالثة. فدكتوراه الدولة (الفرنسية مثلا)تحتاج،وقد بقيت لوقت طويل تفرض، حداًأدنى 8 سنوات من الدراسة قبل تقديم الاطروحة. ولدىّفيما لدى، واحدة من هذه وأعرف أنها لا تساوي دكتوراة الدولة أو دكتوراه الفلسفةPH.D. واذ قد يقوم بعضهم بتدريس ما يسمى اللغة العربية الخاصة(Special Arabic)بالكاد فى بعض الجامعات،إلا إنهم يطرحون أنفسهم أساتدة فى كبريات الجامعات. وشتان بين تدريس اللغة العربية أو الادب العربي لغير المتحدثين بالعربية وبين تدريس مادة أساسية مثل مبادئ نظريات التنمية(Principles of Development Theories)فى كلية دراسات التنمية.

وأجده مشوقاً كثيراًأن ألاحظ بأثر رجعى مآل بعض تلك الكائنات وما استقر عليه حالها،أو الأحرى لم يستقر، فليس من طبع من يقضي يومه وحياته يبحث عن مكان له، ولا يجد مكانا، فيما يجأر صباح مساء بأنه من المصطفين، أن يستقر على حال أو أن يُحظ براحة البال حقا. وإن لا أستحب، فإن أكثر من لا أستحبهكون بعضهم ينكر على غيره عضوية هذه الجماعة المتساررة المتخاتلة، فيما لا يدركون أن أحداً غيرهم لا يسعى لعضوية تلك الجماعة. ذلك أن معظمهم لا يدرك كم هى مفضوحة وعارية تلك الجماعة، فيما يتدارون وراء ادعاءاتهم ويبقون آخر من يعلم بما يراه الناس فيهم. فإن يذري معظم النخب بالعامة-الشعوب- يستهزئ النخب بالمثقفقن الشرفاء. فمعظم النخب لا ترى فى المثقفين الشرفاء سوى تعبير عن كل من الفشل فى الوصول الى شهرة النخب والعجز عن اقتناء الثروة التى هى عنوان النجاح العولمي.

هل ذلك وراء تجاهل تحليل النخب عربياً؟ لماذا لا يحلل المثقفون العرب والمسلمين المثقف العربى والمسلم، بعد جرامشى (Antonio Gramsci 1891 - 1937)وفيلفاريتوباريتو (Vilfredo Pareto) وموسكا(Gaetano Mosca) تاريخياً؟ لماذا لا يتعينون على إمعان النظر فى المثقف والنخبوي ودور الأخير خاصة فى السلطة والمعارضة وفى الحركات الشعبية؟ ولماذا يعشق الغرب النخب، وما ينفك يحل جماعات منها مكان أخرى مثلما يبدل العملاء من الحكام وغير الحكام؟ فكيف لا يرعوي الأخيرون وهم يرون الى مصير أسلافهم على مر التاريخ؟.

يرفع الضعفاء من احساس أو وهم الانجلوساكسوني، خاصة بأنه هوالذى يخلق ويدمر ويمنح ويمنع بوصفه محور الكون. وكان بعض العرب يمارس هذه العادة السرية، فحتى فى زمان ازدهار الخلافة العباسية مثلاً، كان أمثال ايتاح الخزرى والمملوك صالح بن وصيف (لاحظ الكنايات) مستشاري المتوكل،ومصعب الزبيرى وإسحاق بن أبى اسرائيل والقاضي أحمد بن داؤد وبشر المريسي وثمامة بن أشرس واحمد بن أبي خالد ويحيى بن أكثم، يؤكدون وجودهم خصماً على من هم أفضل منهم. فقد عانى علماء وفقهاء ومفكرين مثل الحلاج والامام احمد بن حنبلوالإمام محمد بن إدريس الشافعيومحمد بن نوح وأبي ذر الغفاري،بل وقضى بعضهم تحت التعذيب. وقياساً، يعشق الغرب وتعشق الرأسمالية كل من يوفر لها توكيد امتياز الفرد الغربي. فكل ضعيف أو/ومعوقذهنياً أو متخلف عقلياً،يشوق الفرد الغربى-الانجلوساكيوني خاصة- إذ يكرس الأول لدى الأخير الاحساس بالاهمية وباللزوم[v]. وأجادل،وقد حاولت تأمل تنويع ذلك الانجلوساكسوني الذي يمنح ويمنع ويخلق ويدمر، في تأمل علاقة الأخير بالغريب-البربري-اللاجئ المهاجر-واحساس الانجلوساكسونى بالتمييز والأهمية خصماً على من عداه.

محاولة فى تعريف مفردة النخبة أو الصفوة اجرائياً.  ومن الذى عرّفها حقا؟

 هل تعنى النخبة الانتخاب من دون من عداها؟ وهل تعنى الصفوة قياساً الاصطفاء خصماً على من عدا الصفوة؟ ومن ينتخب النخبة أو يصطفي الصفوة ؟ أهي الطبيعة أمالقدرة الالهية؟ لعل النخب والصفوات تعتقد أنها منتخبة ومصطفاة، فلا يطالها فى ذلك الاعتقاد أي شبه من تواضع. بل العكس تؤكد نخبويتها وصفوويتها خصماً على العامة الذىن تأنف من أن تقيس نفسها بهم، فيما تخالجها عاطفة تشارف عصاب تسلط الافكار والأفعال (Obsessive neurosis)بأن ربما كانت جديرة بقياس نفسها بالحكام. ويدفعها عصاب تسلط الافكار والافعال ذاك الى قبول الخدامة لدى الحكام بغاية االتمحك بالسلطة،وربما الوصول الى السلطة ولوبالقيام بصناعة الملوك (King Making) فى الزمن الضائع للوراثات المتعسرة.

وعليه، فقد كان من أوائل من كتب فى الصفوة الصوفيون الكلاسيكيون. وكان بعض الأخيرين قد تعيّن ونظائر من النخب الإثنية وتنويعاتهم اللاحقة على تيسير الوراثات العسرة. ورغم غموض نسب الصوفيين الكلاسيكيين الى اثينا،إلا أن أهمهم قد ينسب الى سلالة متصوفة شبه القارة الهندية وفارس ووادي النيل الأسراتي، بوصف أن بعضهم كان يشارف النخب. وكان الفلاسفة الأثينيين قد كتبوا فى الصوفيين الكلاسيكين في القرن الخامس قبل الميلاد بضغينة فيما لم يتورع النخب أو الصفوة عن الأخذ من الصوفيين. هذا وكتب في النخب باريتووموسكا في القرن التاسع عشر وانطونيوجرامشىفى القرن العشرين. وكتبت مارجريت ميد Margaret Mead 1901-1978)(لأو ل مرة في نخب العالم الثالث، فيما كتب فيلفريتوباريتوVilfredo Pareto) (وجايتانوموسكافى القرن التاسع عشر في الصفوة الأوربية. وكان موسكا سياسياًوعالم وصحافى ايطالي وكان له الفضل فى تطوير نظرية الصفوة وتعاليم مايسمى الطبقة السياسية، وكان واحداً من ثلاث هم فيلفاريتوباريتووروبرتب ميتشيل (Robert Michael) قد ألفوا المدرسة الايطالية للصفوة (Italian School of Elitists).

وكان بعض فلاسفة الصفوة يعتقدون فى القدرة السيكولوجية المتميزة  للنخبة بوصفهم أكثر من غيرهم قدرة على الانجاز فى أى مجال،وقد صنف بعض علماء الصفوة كباريتوورايت ميلز (Right Mills) النخب فى نوعين: النخبة الحاكمة والنخبة غير الحاكمة،وقالا إن النخبة يمكن أن تتحور فتغدوخارج النخب(how one can circulate from being elite to no elite)ولعل ثمة شرائح أو طبقات من الصفوة أو النخب،ومنهم الصفوة السياسية والتي تحتكر السلطة الاقتصادية والسياسية، تعبر عن نفسها دون تعريف أو وعي بوصفها جماعات أو شرائح وسيطة (Mediating). بل تتجاسر بعض النخب فى المجتمعات المفقرة فتدعي إذ تعتقد انها طبقة. وقياساً، تعتقد النخب السياسية الاقتصادية إنها أقدر من يكرس السلطة وذلك لاتفاق مصالحها حول مفهوم السلطة النخبوية. لعل تعريف تلك الجماعات يشارف مفهوم الطبقة الوسيطة فقد يناسب الأخيرة كونها ليست طبقة الا بقدر ما تتوسط طبقتين ماثلتين على مر مراحل وأنماط الانتاج وهما طبقة الحكام وطبقة المحكومين.

وتتعين هذه المجادلة وغيرها على تأمل ظاهرة تلك الشرائح الوسيطة،وهي من المفاهيم التى أقوم بنحتها تباعاًواكتب فى كل من الشريحة أو الطبقة الوسيطة مما أحاول أن أقومبنشره قريباً. ولعل الأخيرة حرية بأن تقف كما يلاحظ بين الليبراليين الجدد والعقلانيين الجدد ونظائرهم السابقة، كحالة مؤقتة ومهتزة ومترددة ومن ثم ميّالة للانتهاز ومذعنة لحاجة متصلة ترغمها على التخاتل كما ذكرت أعلاه. فالنخب أو الجماعات الوسيطة بين الحكاموالمحكومين، ليست طبقة بهذا الوصف بخاصة فى المجتمعات السابقة على الطبقات أو التى ما تبرح فى مرحلة الطبقات الرخوة. وقياساً، تغدوتلك الجماعات الوسيطة أقرب تعريفاً الى ما يعبر عن نفسه فى مقولة النخب. وتسمسر تلك الجماعة/الطبقة النخب عقلانياً لحساب خطاب الحكام غالباً.

وتتماهى تلك النخب والنخبة العسكرية، مما قد يفسر مسارعة النخب السياسية والإقتصادية للحلول العسكرية. وحيث تتوافق وجهة نظر النخب بتنويعاتها رغم الفوارق الاقتصادية والسياسية بين تراتبات النخب، فإنها تدين فى كل مكان وبغض النظر عن مراحل تطور مجتمعات تلك النخب بما يسمى عالمية  الرؤية (World View). وتبدوشرائح النخب بهذا الوصف وكأنها الماتروشكا (Matryoshka)،تلك الدمية الروسية التى تتألف من عدة دمى واحدة داخل الأخرى بدءا بالماتيورشكا الكبرى أى الأم، وتشبه كل واحدة التى داخلها الماتروشكا الأم حتى الدمية الرابعة أو االخامسة. ذلك أن التمييز يتصل بوضوح الرسوم والرموز والألوان بين الدمية الام والدمية الثالثة أو الرابعة ثم يتوقف بعد ذلك كثيرا. لذلك تجد أنه يمكن إحلال الدمي الصغيرة مكان أخرى كلما صغرت الدمى الصغيرة.[vi]

وقياساً، فلعله كلما هبطت مكانة تنويعة من النخب فى سلم التراتب النخبوي فى مجتمع أو فى زمان بعينه، كلما سهل الاستغناء عنهاواستبدالها بغيرها أو/وإحلال غيرها مكانها. وتدرك بعض النخب إنها قابلة للاستعناء عنها، مما يكرِّس لديها حس المغامرة وينمي قدرتها على الصراخ . فهي مثلها مثل أعراب الشتات، لا ولاء لها للدولة ولا للشعب، مما يدفعها الى اللياذ بالخارج قبل أن تبحث عن حلول، بل لم تعرف بأنها معنية بالحلول االداخلية يوماًإلا بقدر ما تسّخر العامة الدهماء وقوداً لمشاريعها هى وخصماً عليهم. فقد تواطأت بعض النخب العربية منذ اجتياح العراق وتباعاً على شعوبها، باستعداء الخارج عليها بكل الصور،ودعيت الدبابات ابراهام 8،وأستقدمت جماعات مشبوهة من قناصة فوق الأسطح وبلاطجة أو بلطجية وبلاك ووتر (Black Water)وغيرها بلا انتقاء. بل إن بعضهم يعلن كفره قائلاً:إن بلده  المحرر أكثر كاثوليكية من الكاثوليك فقد تحررت باسم الأب والإبن والروح القدس[vii]. ولم  تعد بعض النخب، ومن سار ورائهم من المغيبين، تستنكف الصهيونية ولا ترى فيها تهمة.

وتلاحظ(ين) كيف تستعدى بعض النخب العربية مايسمى المجتع الدولي (هذه المفردة غير المعرّفة قصداً، إذ لا تعنى أكثر من الولايات المتحدة ومن تسميه تحالف الراغبين (The collision of the willing)والاحرى المرغمين وأذرعها العسكرية). كما تستعدي بعض النخب العربية قوات حلف الاطلنطي على مجتمعاتها،ويقول بعضهم أنه لا يرى ما يسوءه فى تهمة التماهى مع امريكا، ذلك أنه إن يرى مصالحه ومصالح امريكا تتفقان فإنه لا يتحرج من مناشدتها لما يسميه إنقاذ بلده من حاكم مستبد. ولا يرى من يدّعى الفكر والذكاء والمعرفة فى أمريكا،الرأسمالية المالية/الصهيونية العالميةما هي عليه. بل يصدّق بلا نازع ما تجأر به الأخيرة وراء مصلحتها هى، وصولاً الى السلطة خصماً على شعب بلاده، بإسم الدفاع عن الشعب من عدوان الحاكم الماثل. ويسوق بعض النخب ومن يسمى بالمثقفين الشعوب الى حتفها بالتسويق لخراب ليبيا وسوريا رغم أنهم اجتربوا ما حاق بالعراق.

سفر تكوين النخب النغلة:

تشوق بعض جماعات النخب، سواء تعرّفوا عقلانيا على انفسهم كطبقة أو لم يفعلوا، الأوليجاكيات المالية وتستهويها. وازعم أن الرأسمالية تعشق تلك الجماعات وكذا الطبقات المتوسطة والوسطية لطواعيتها المدهشة. ذلك أن تلك الجماعات كانت غالبا ضائعة فى التاريخ، رغم أنها تكتب،أو تدّعى أنها تكتب، تاريخ من عداها. وقد تعيّنت تلك الجماعات على تكريس الميروتقراطية،أى ما يعرف بالقدرات المالية خصماً على النسب والحسب. وكان ذلك المفهوم قد نشأ باكراً على أيدى الصوفيين الكلاسيكيين،وكان معظمهم من المهاجرين من كل مكان الى أي مكان وراء الغذاء الروحى والفكرى، فقد قالوا، فى القرن الخامس قبل الميلاد، بتجاوز الأصل والنسب والمولد والمركز العائلى، بتسويغ الأحقية في كسب المال والنجاح، فالمجد والشهرة تبارياً مع الأثينيين الاحرار. وقد ضرب مفهوم الحراك الاجتماعى مفهوم المجتمع الاثيني المتراتب طبقياًإثنياًوجنسانوياً فى أحشائه. 

ولعل المفهوم أثار حفيظة سقراط وأرسطو،اللذين ناصبا الصوفيين العداء وكأنهما تنويعاً على النخب المعاصرة،وقد إدّعت علمانية غير معرّفة لأنها تبقى دائماً غير مفهومة فى السياق وغير مهضومة من ثم، بل وتطرح كفزاعة أو ولفبركة ما يمكن أن يفرق بين بعض النخب وبعض تنويعات الاسلاميين مثلاً تكاذباً، فكلاهما يسعى الى السلطة فى سياق العولمة،وليس لأيٍّ من الجماعتين برنامج خارج الرأسمالية بتنويعاتها،وكلاهما يتطّير من الاشتراكية بوصفها مما يتطّير منه أسياد النخب،ومما يراه الاسلاميون برنامجاً اقتصادياً، فيما أن الاسلام مشروعاً متكاملاً لكل شئ وكل زمان.

المهم، فوراً ناصب سقراط وأرسطوالصوفيين الكلاسيكيين العداء،إلا أنهما ونظائرهما لم ينفكا أن راحا يأخذان عن الصوفيين. ولعلك،إن أمعنت النظر، تلاحظ أن النخب تأخذ عن الاسلاميين ولومن حيث التقرب الى السلطة دون مجادلتها فيما تفعل أو تترك. ولعله من المفيد تذّكر أن جماعات الفلاسفة والصوفيين الكلاسيكيين ظلوا فى صراع فيما بينهم، رغم أن الفلسفة كانت حرية بأن تأخذ عن الصوفية وربما العكس أيضا. ذلك أن الفلاسفة الأثينيين مثلاً كانوا، كما ذكرت في مكان آخر وبحوث أخرى، يناصبون الصوفيين الكلاسيكيين العداء فيما كان بعضهم يأخذ عن الصوفيين. وافترض أن الصوفيين كانوا يسوًّغون قول الرب أو الطبيعة مما عصمهم من الارتزاق مرة بعدأخرى، وأحياناً،أسلمهم لغضب الحكام.وبالمقابل، ربما كان معظم الفلاسفة يزّوقون مفهوم السلطة وقد يتقرب بعضهم منها وربما شارف  بعضهم -مثل ارسطومع عرش مقدونييا-عضوية الدائرة الداخلية لشرائع السلطة بوصفه مسوغاً للسلطة أو/ومتوافق معها مثلاً.

ورغم أن الصوفيين الكلاسيكيين لم يكونوا مرتزقة،إلا أنهم كانوا يقولون بأحقية كسب المال، طالما كان الفرد يقدم أو يقوم بخدمة مفيدة، فى مساعدة المواطنين الأثينيين العاديين على اقتناص الفرص الجديدة، فبلوغ غايات وتبووء مراكز فى المجتمع، بغض النظر عن مولدهم أو مكانتهم الاجتماعية. وكان الصوفيون يتعيّنون على نشر العلم بين الشباب وتوسيع مداركهم، حيث كان التعليم الأثيني ينتهى فى سن الرابعة عشر، كما كان الصوفيون حريصين على توسيع نطاق التعليم فلا يحصر فى صفوة أرستقراطية سلالية صغيرة[viii].كما كانوا يشجعون ادخال التقنية(Technology) فى حياة الناس العاديين، فيما كان الأثينيون يتطيرون من كل ما من شأنه أن يطلق طاقات الأغلبيات، فيدفعها الى التطلع الى الأعلى والتطور والنشوء[ix]. ومع ذلك تلاحظ(ين) أن الصوفيين لم ينكروا مفهوم الأوليجاركية تماماً، إلا أنهم نادوا بتنويع عليها، فإنكان الصوفيون الكلاسيكيون،وربما معظم الصوفيين، جوّابون رحالة لا يستقرون ومن ثم لا ينتمون الى المجتمع الذي يحطون فيه لنشر أرائهم، فلعلهم كانوا أميل الى ألا تقتصر الأوليجاركية على نبلاء اثينا أو على الأرستقراطية الأثينية دون سواها. وقياساً، فربما ألفت أفكار الصوفيين بهذا الوصف سفر تكوين الميروتوقراط، ولعلهم كانوا الأباء الأوائل لمفهوم أصحاب المال الجديد والعلاقات العامة والديمقراطية الغربية الليبرالية.

العامة الدهماء الشعب

كان أرسطويرفض فكرة أن الله خلق الانسان على شاكلته وأن لكل انسان روح،لأن ما عدا ذلك من شأنه أن يقف عائقاً فى سبيل التمايز بين الناس، فينتفى من ثم حلول شرط العبودية. وكانت افكار أرسطوقد سوّغت النمط العبودى والربا. وتتعيّن العبودية على خلق شرط سيرورة العبد قابلاً للاستغناء عنه طالما لم يبق فيه رمق، فيما تسوغ العبودية انهاكه حتى الموت فتلك قسمته ونصيبه. وقياساً، فذلك هومفهوم القدر الجلي (Divine Destiny)، ومعناه حق الأقوام الممتازة، كما تصف نفسها وهي الأقوام البيضاء طبعاً، ،(وقد بُيّضت أوربا الغربية عشية ما يسمى الاكتشافات الجغرافية الكبرى والتيتعنى القسمة المباركة أو القدر الجل) في كل ما على الأرض من نبات وحيوان وبشر بمعنى الأقوام المنحطة والعبيد. ذلك أن العبد محض آلة بشرية بالكاد. وكان الأوليجاركيون الأثنيون يقولون أن حروب طروادة من شأنها إزاحة حمولة البشرية الزائدة من فوق صدر أمنا الارض. وحيث قال ارسطوبالربا مما من شأنه خلق شرط إتناج وإعادة إنتاج العبودية، فقد كان الربا حرّياً بأن يدفع الناس للاعتماد على المال بدلاً من التعامل فيما بينهم بالانتاج السلعى والتوزيع والتبادل واعادة الانتاج، فالربا يخصم على العلاقات الانسانية.

وقياساً، فإن قال الميروتقراطيون ومن لف لفهم، بأن كل من يخالفهم معتوه أو معوّق عقلياً، فقد كان ابن رشد، رغم خلافه مع بعض الخوارج والمعتزلة والمتكلمين، يرى أنه ينبغى التفريق فى قدرة العقل على الاستيعاب بين الخاصة والعامة. ويقول المعتزلة إن "الإنسان لا يولد عليم بل يصبح عليماً" ( وطبعا يقصدون بالعليم السادة وعلية القوم دون العامة الدهماء الغوغاء)، ولا يقول المعتزلة،ومن درج على فلسفتهم مثل مفكري التنوير والمبدأ الانسانوى ومثلما فعل أو لم يفعل فلاسفة أثينا،أى إنسان يقصدون حين يشيرون الى الانسان بإطلاق. ذلك أن المعتزلة من أنصار الفكر الصفوي النخبوي الذي يحتقر العامة ويذري بهم. فصفات الانسان العليم ليست زائدة عن الذات إنما هي عين الذات الإلهية بصفاتها السبع في تقديرهم (العلم–القدرة–الإرادة –الحياة–السمع–البصر–الكلام). ومن تلك الصفات صفات الفعل، ومنها صفات العقل. ويردد المحافظون الجدد أحفاد المعتزلة "إن "الرب وحده هو الذى يملك إنقاذ أغلبية البشر وبخاصة عامتهم من مغبة التجديف، فالضلالة قسمة لا يملك البشر ردها جراء أو بمعية قصور البشر وبخاصة العامة الدهماء الغوغاء عن بلوغ  العقل فالتعين على الخير" وهكذا. وقد ترجع ذلك فيما يسمى القدر الجليتسويغاً لاستلاب العامة الدهماء وكافة شعوب العوالم المستقطبة فى الرأسمالية  بتنويعها ،وبخاصة الأوليجاركيات المالية التى تخصص الربح وتؤمم الخسارة، كما جادلت فى دراسة أخرى مما يلاحظه الناس فى كل مكان[x]. وقد أخذ الغرب عن الخوارج ونظائرهم بمفهوم الجبر والقدر، وكان الخوارج وراء انتشار ذلك الفكر بعد مقتل عثمان وبيعة معاوية.وربما كانت تلك المفاهيم وراء بيعة الاثنين ومقتل الأخير. هذا فما أن بدأ  الخوض فى مفهوم المقدر (Manifest destiny)لم ينته، فقد تعيّنت فكرة الجبر على خلق مفهوم الصفوة وتكريسها بصورة غير مسبوقة. وقد بات مفهوم الصفوة، دون التوقف عند تعريفه طويلا، فكرة محورية تحدّرت من بعد الى مفهوم السلطة وتكرّست بصورة غير مباشرة فى الأنظمة العسكرية، حتى بملابس مدنية.[xi]

الخاصةأو الصفوة والشر في العامة عند المعتزلة

لم تتضح ملامح معظم نخب أو صفوة المعتزلة بصورة كافية فى حينها،وربما بعد، جرَّاء الجدل الذى ما يبرح ثائراً حول ظاهرة المعتزلة نفسها وحول كبار المعتزلين، زيادة على عزوف معظم العرب عن تعريف النخب اجرائيا. على أن مرور الزمن قد ييسر وضع تلك النخب فى مكانها الطبيعى من التاريخ،أو لا يضعها فى أى مكان يمكن العثور عليها فيه، مثلما فعل التاريخ ويفعل تباعاً مع غيرهم.وازعم أن شهرة بعض نخب المعتزلة كانت وظيفة التشهير(Notoriety)، بمعنى الشهرة، جراء التشهير إبان الخلافة العباسية. ولم يكن بعضهم نخب أو صفوة المجتمع سوى بالتعريف المعتزلي الذي يمنع ويمنح،أى بترويع من عداهم مثلما فعل بعضهم مع كل من اختلف معه أو وكل من غمط بعض المعتزلة علمه وكبره وترفعه على المال والكثرة الولاية والاذعان، كالامام احمد بن حنبل (164 هـ/780 م 241 هـ/855 م). وبقى من أهم صفوة أو نخب المعتزلة السياسيين بشر المريسي وثمامة بن أشرس، أحمد بن أبي خالد، يحيى بن أكثم وأحمد بن أبي داؤود، مما أبحث وأكتب فيه تباعاً. وقد تعين الأخيرون على ما يشارف سردية المحافظين الجدد. وازعم أن بعض معتزلة العباسيين أعاد انتاج تنويعات من طوائف الخزر،وكانوا قد جثموا فوق صدر الخلافة العباسية ومثابرين على قتالها ومناوشتها عند حواف الخلافة الشمالية لمائة عام،أنهكوا فيها الخلافة حتى النهاية. ويلاحظ كل من تعيّن على ملاحظة معتزلة العباسيين بصورة عميقة،أنهم لم ينفكوا أن راحوا يحاكون حاخامات الخزر على نحويدعوللدهشة،إن لم يكن الحيرة، حقا.

                                                                                       صورة حاخام خزري

المصدر:Arthur Koestler:1967: The Thirteenth Tribe: The Khazar Empire and its Heritage: Cover page

القاضي احمد بن ابي داؤد بين رصفائه فى هيئة تشبه هيئة حاخامات الخزر اعلاه

 

وأجادل، فى بحث طويل تعيّنت عليه سنوات طويلة،أن بعض المعتزلة أسلاف المحافظين الجدد الباكرين. وكانوا يرددون، مع أسلافهم المذكورين،أن الضلالة قسمة لا يملك البشر(بمعنى العامة فالبشرية انتقائية من وقتها) ردها "ويعود ذلك الى مغبة قصور البشر وبخاصة العامة الدهماء الغوغاء عن بلوغ  العقل فالتعيّن على الخير" وهكذا. وحيث يركز بعض المعتزلة على الشر الفردي يجعلون من الشر الجمعي- أى شر العامة الرعاع وخصومهم من الفئات الشعبية من الدهماء والغوغاء - أمراً متضمناً وحسب، قياساً على البروتستانتية الغربية التى تسقط الشر مباشرة وعلناًوبلا حاجة لتضمين على الخصوم وبخاصة مجاميع العامة بلا انتقاء. فالشر لدى المعتزلة "إما من الإنسان، أو لا يكون شراً". وقياساً، تجد أن عصاة البابوية من الجماعت التى تعيّنت على ما يسمى التنوير(المتخاتل ذاك) يجأر بأن "الرب وحده الذى يملك انقاذ أغلبية البشر وبخاصة عامتهم من مغبة التجديف". وعليه يميز المعتزلة، متأثرين بالرواقيين الذين تحدرت عنهم وعن فلاسفة أثينا مفاهيم الخير والشر والصفوة والعامة، يميّز الرواقييون،وبالتالى المعتزلة، بين قيمة الخير وقيمة الشر،"هناك أشياء خيره وأشياء شريرة وأشياء بين البينين". ولعل هذه هي فكرة المعتزلة عن الحسن والقبح والخير والشر بالقول بمنزلة بين منزلتين، إذ تأثروا بالرواقيين، وقد تشّكل الإعتزال باكراً كمذهب في القرن الثاني. على إنه من المفيد تذكر أن المأمون الذى انحاز الى المعتزلة، خصماً على خاصة وعامة المسلمين، وجد فى قلبهأن يتذكر الرعية قبيل موته، فأوصى بهم خليفته المعتصم هاتفا :"لا تغفل الرعية، الرعية، الرعية العوام، العوام فإن الملك بهم وبتعهدك المسلمين والمنفعة لهم الله، الله فيهم وفى غيرهم من المسلمين.

إبن رشد ونخبوية الأمازيغ

 كانت حركة الترجمة من اليونانية الى العربية فى القرن الثامن الى العاشر، قد وفرّت علوم وفلسفات كاملة حول معظم أهم فلاسفة الأثينيين، خاصة سقراط وأرسطووأفلاطون وزنيوفون،وكانالأخيران تلميذى أرسطو. وليس معلوماً تماماًإن كان ابن رشد يرجع بعض ما قاله المعتزلة من ذراية بمن عداهم من المفكرين والعلماء والشعراء. فقد عُرٍف عن المعتزلة أنهم مغالين فى الاعتداد "بانفسهم وبمبادئهم وافكارهم وبائتمانهم الى الحد الذى جعلهم يتهكمون على كل من عداهمويسخرون من سلوك الآخرين ومعتقداتهم وافكارهم"[xii]. ولعل ذلك الاعتداد وصل حد الصلافة، فالتعالى على من عداهم وعلى العامة جميعاً. وكان ابن رشد قاضاًوطبيبا وفيلسوفا ًبالمعنى الواسع وعالما فى الفلك والفيزياء والطب. وكان ابن رشد قد ولد إبان عهد الأمازيغ الموحدى،الذين كانوا يستقطبون المفكرين. وكان ابن تالموط قد مأسس فكره على فهم ما يعنيه الله فى كتابه مما أنتج مكاناً لم يكن موجوداً للفلسفة لدى العروش.

وكان الكندى وابن سينا، بعد ابن رشد والفارابي – ،الذى اكتشف ارسطو-بينهما قد تبنّوا فكر أرسطو. وكان ابن رشد يقول أن البشرية لها عقل أو فكر واحد أو طاقم فكرى ومبادئ واحدة حول المدركات العامة والظواهر الطبيعية، فالعاصفة هى العاصفة والريح هي الريح وغير ذلك مما يعبر عن نفسه فى التماثل المعرفى بين الناس بشأن مفهومات عديدة وظواهر طبيعية. إلا انه حيث قال المتكلمون والخوارج ونظائرهم بأن كل من يخالفهم معتوه أو معوق عقلياً، فقد كان معاصروهم من المعتزلة أمثال ابن رشد يرون أنه ينبغى التفريق فيما يتصل بقدرة العقل على الاستيعاب بين الخاصة والعامة.

وكان الامازيع يستقطبون المفكرين لأسباب تخصهم،ورغم تشددهم فقد حضّ الموحدون على الفكر ورعاية الفلسفة مما يعتبر أمرا مثيرا للتساؤل. وكانت الموحدية نتاج علم ابن تالموط. وكانت بدورها ذات خصوصية معينة بين اتباع ابن تالموط، فتقول بأن صفوة صغيرة من الموحدين من اتباع ابن تالموط هي الأجدر بفهم القرآن، وأن العامة غير مؤهلين لذلك،وقد كرّس الموحدون الفارق بين الصفوة والعامة من حيث الكشف الرّبانى لمعنى النص القرآنى للصفوة خصماً على العامة. وحيث قال الموحدون بأن الفلسقة من شيم قلة من النخبة، فقد قال الغزالى فى تهافت التهافت "أن ليس ثمة تبرير لإقحام الفلسفة على البرابرة الهمج الجهلة"[xiii].

مفهوم المثقف العضوي أو النخبوي الحديث والجرامشية الجديدة

تعيّن الادب السياسي الغربي وعلم الاجتماع على تعريف،وإعادة تعريف، كل من المثقف ثم النخبوى، مع التحولات التي جلت بالبرجوازية الصناعية فى القرن الثامن عشر،واعادة تعريف المراكز والأدوار بالنظر الى كل من الاكشتافات الجغرافة الكبرى منذ القرن السابع عشر والسوق في القرن التاسع عشر. . وكان مفهوم المثقف قد مني بذراية متضمنة مع نشوء فئة ما سمى رجال الحدود (Frontiers Men) والمبشرين والمغامرين وشذاذ أفاق التوسعات والامتدادات الاستعمارية  والمستوطنات فى افريقيا والعالم الجديد، مما كتبت فيه ونشرته على موقعى بقاموس الاستحواذ وغيره من البحوث التى بحثث فى كنه التاريخ الأوربي الغربي وتداعياته الفكرية والتنظمية[xiv]وغيره. ذلك أنه لم ينفك مفهوم النخبة أو الصفوة أن أسلم مكانه الى تنويعات بديلة أو/وموازية، عشية انقضاء زمان الارستقراطيات الكلاسيكية والأصل والمعتد النبيل، قياساً على العامة والأقنان وحتى على ما نشأ تباعاً من الطبقات الوسيطة البازغة(Burgeoning Middle Classes).

ولم تلبث مفردة النخبة أو الصفوة أن أعيد انتاجها تباعاً مع هيمنة الرأسمالية المالية، التى أزعم بإلحاح أنها،وقد ثابرت على إعادة انتاج الاقطاع والقنانة، لم تجد في قلبها مكاناً للطبقات الوسيطة أو للنخب جميعاً،إلا بقدر ما تلوح لهم بسراب السلطة على العامة الدهماء والغوغاء،الذين تم دفعهم الى حتفهم فى انتفاضات مشبوهة. ومن المفيد تذّكر أنه،إن كان مفهوم النخبة قد أستبدل فى القرن التاسع عشر فأحلت مكانه مفردات مثل الميرروتوقراطيا،إلا أن النخب ما انفكت أن زوّقت(Euphemised)فى مفهوم الطبقات الاجرائية (Operational classes)والثرثارة(Chattering classes)،وغيرها من المفردات غير المعرّفة والمستهتر بمن يمثلوها ضمناًأو علنا. وتلاحظ(ين) أن النخب نفسها كانت فى البدء قد كتبت عن نفسها. ولم يكن إلا أن تستعلي النخب على من عداها، العامة،رغم أن بعض هؤلاء كان غالباًأصل النخب وأسلافهم، قبل أن يصطفي الحكام أفراداً من بين العامة ليجعلوا منهم نخباًأو صفوات، حيث أن العامة كانوا،وبقوا، يصنفون دائما فى عداد البرابرة المتوحشين والغرباء وحتى العبيد.

وقياساً، فيما أهالت النخب على نفسها،أو تركتها الرأسمالية المالية الصهيونية العالمية تهيل على نفسها الصفات، فقد تعيّنت النخب على إهالة أشر الصفات على العامة حتى مضاهاتهم بالبهائم. فإن كرّست النخب أو الصفوات ما ادّعت أنه الطبيعة المعوقة لأغلبيات العامة. حيث ترفّعت النخب والصفوات على العامة الدهماء البرابرة وبقيت تهفوالى إلحاق نفسها بالطبقات العليا،إلا أنه لم يكن وارداًأن تضاهى الكائنات النخبوية بينها وبين الحكام فبقيت معنية بأن تطرح نفسها بوصفها غير قابلة للاستغناء عنها، حتى لا تسقط الى حضيض العامة الغوغاء الدهماء. وقد استدعى جرامشي ذلك الذى يلحق نفسه بتلك الشريحة المشبوهة زهواً بالاتنماء الى الصفوة. وازعم أن بعض من كتب فى جرامشى، وبخاصة معظم من تشدّق بمصطلحي جرامشي المثقف الوظيفي والمثقف العضوى، لم يدرك ما قصد جرامشي بصورة كافية. فقد ضمّن جرامشي في تعريف المصطلح استهانة ببعض تلك الكائنات. وحيث أن جرامشى كان يهزأ من المفهومات المسمطة، فقد التبس استهزاء جرامشى الضمنى ذاك، على أولئك الذين يأخذون المفهوم الغربي على عواهنه (On its face value).

وأجادل،إن أخطر ما لحق بالفكر سواء غربيا[xv]وغير غربي، هو أن المتثاقفين والنخب يأخذون بمناهج البحث الغربية بعمى صديدي،ويصدِّقون إدّعاء مناهج البحث الغربية إذ تجأر بالحيدة العلمية،وهى لا تملك تجاوز منتهى التحزّب واللاعلمية بامتياز. ولا يضير البحث ومحصلاته أكثر مما تضيره منهاهج تصادر على مطلوب الواقع والحقيقية[xvi]. وقياساً، تنشأ الجرامشية الجديدة (Neo-Gramscism) تباعاً لتتماثل ونظريات الصفوة وما بعد الليبرالية. ذلك أن تأثير جرامشي على علم السياسة المعاصر بالذات يعبر عن نفسه فى  فضاء الفكر النخبوي  السياسيHis influence is particularly strong in contemporary politicall) science, on the subject of the prevalence of neoliberal thinking among political elites, in the form of Neo-gramscianism). وجرامشي من أهم من تعيّن على تكريس تعالق كل حادثة وكل مفردة فى علم الاجتماع والسياسة الأوربية الغربية ببعضها،وقياساً بالصورة الكاملة للرأسمالية. وقد أدرك جرامشي باكراً، وقد عاصر أفول الرأسمالية الصناعية وحلول الرأسمالية المالية مكانها بصورة متسارعة، كيف أودى التخصص البحثى الضيق بقصد لئيم بكل إمكانية للتعرف على الواقع كاملاً،أو على الأقل متكاملاً فيما بين أجزائه، مما تعيّنت ما بعد الحداثة على فرضه بسوط الصواب السياسى (Political Correctness).

وكان جرامشي من أهم،إن لم يكن أهم،وأوائل من ألحق تلك الكائنات صراحة بالحكام، سواءاً حكاماً وضعيين أو دينيين، وهومدرك تماماً لواقع تاريخ ايطاليا الكاثوليكي الفاتيكاني النهضوي،بالمعنى التاريخي وليس المزّوق لايطاليا. فقد كانت النهضة بابوية،وكان أفضل ما خلعه جرامشى على بعض المثقفين وعلى النخب أو الصفوة، هوأنه اعتبر تنويعات من المثقف وكافة النخب/الصفواتبمثابة تابع لمتبوع،وأحياناً بلا قوة سوى قوة القدرة علىالاتنهاز. وقد جعل بعض فلاسفة الصفوة تلك الكائنات مسخّرة أو مجعولة أن تخلق أصلاًوتقصداً لاستباق نشوء العامة الى أعلى، كون العامة،كما المرأة والطفل،قُصّراًوبحاجة دائمة الى من يقودهم ويتعيّن على تسويس علاقتهم بالحكام. فكأن الصفوة أو النخب ليست سوى صمام عازل أو أرض عازلة (Buffer Zone) بين الحكام و المحكومين. والى ذلك، فليس من المنطق جمع كل من يوصف أو يدّعى النسبة الى تلك الجماعة النخبة بهذا الوصف. فمعظمهم لا يزيد على مضيعة كوميدية (Comical Waste)،أما المندس بين أدعياء النضال فيعبِّر عمّا لا يفوق الفضلات السامة (Toxic).

النخبوي والمتثاقف والمرأة:

تنتظم معظم النخب، لسببٍ ما يحتاج بعد نظرة أعمق، شئ من خواص العهر الفكري مما ينعكس على التنظيم وخلافه. وقياساً، فبعضهم قد لا يتورع عن تعهير المرأة، غالباً باسم التحضر والتحرر والغربنة التى لم يبدعوا هم فيها حرفا، فيما استعرروا من أصولهم وثقافاتهم. وغالباً ما يصيب بعض النساء المثقفات من رفيقات تلك النخب أو المتثاقفين التعهير من قبلهم،ومن قبل المؤسسة الثقافية أو حتى الاكاديمية، ليس فقط فى المجتمعات المفقرة والمتخلفة وحدها،إنما تجد أن المرأة فى معظم المجتمعات الغربية الغنية تستهدف لنفس الشئ، فتغدوموضوعاً مشروعا له.

ولعل ذلك يرجع الى أن المرأة الغربية كانت قد ورثت هذه الصفة باكراً قبل حلول الثورة الجنسية. ومن المفيد ملاحظة أنه وإن جاءت الثورة الجنسية بالتحرر للمرأة الغربية حد التسيب والاباحية، فقد كانت تلك الثورة قد أودت بوصمة تعهير المرأة، طالما بات الجنس تحرراً وثورة على العلاقات البرجوازية والأسرة ومؤسسة الزواج.

وقياساً، فقد بات النخبوى والمتثاقفأكثراً ستهدافاً لدواعى التعهير من المرأة فى المجتمعات الغربية، ذلك أنه ما أن رُفِعت عن المرأة وصمة العهر الأبدي جراء غواية حواء لآدم .. الخ، فقد بقي الرجل وحده هوالذى يُستهدف للتعهير ويخضع له.

ويعود تعهير النخبوى أو المتثاقف أكثر من المرأة، الى أنه يحتاج الى تسوّل كل ما يَحصُل عليه أو يُحصَل عليه في المحصلة النهائية، الى أنه يبذل الغالي والنفيس،والآخر الذى لم يعد غالٍولا نفيس مع إباحية العولمة والثورة الجنسية، كيما يحصل على أى شئ فى سوق  النخاسة الذى يسمى البيئة الثقافية أو حتى العلمية.

فإن بات الساسة عبارة عن خدّام مأجورين للمال، فلا معدى من أن يغدومن عداهم أقل من خدام،وربما أدنى من أقنان، رقعاء بإرادتهم وكأن بعضهم تنويعات من العاهرات المقدسات. ويزداد حنق النخبوى والمتثاقف بهذا الوصف، على كل من يترفّع وكل من يملك أو يثابر على الكبر والشرف وعزة النفس، فيدفع ثمن الترفع على المهانة والتنازل غاليا. وتعبر عزة النفس والكبر والشرف عن نفسها في الامام احمد بن حنبل ومن يستمثلونه ويحتذون به. وتلاحظ(ين) الهوان ونموذجه أكثر ما تلاحظ(ين) في قاضى قضاة العباسيين احمد ابن ابى داؤد وامثاله.

-موقع النخب من التراتب الطبقي؟

ذكر افلاطون الرجال الأحرار الحكماء بوصفهم الحكام،وذكر أصدقاء هؤلاء كأنداد- فكرياً وليس بالضرورة اجتماعياً اقتصادياً-للأثينين الأحرار. وذكر الجنود،وذكر المرأة الأثينية،بوصفها زوجة الرجل الحر، تنجب له الذراى الذين يرثون السلطة والثروة في أثينا. ولم ينس افلاطون ذكر المومسات المثقفات اللواتي يسلين ويرفهن عن الرجل الحر الحكيم الحاكم، مما تنزل فى ثقافة الرجال الفرنسيين المتميزين ربما. وذكر افلاطون الأجانب،أى غير الاثينيين، بوصفهم برابرة ومتوحشين. وقال افلاطون "لنا أصدقاء أنداداً فكرياً -الصفوات والنخب،ولنا نساء يرفهن عنا، ما يشارف العاهرات المثقفات، ولنا نساء يلدن لنا الذراى، المرأة الأثينية الحرة،ولنا نساء يخدمننا،الاماء". فكأن أصدقاء الرجال الأحرار من النخب والمومسات المثقفات والإماء كلهم بدرجات المقياس في مصاف بعضهم، وكلهم مكلف بمهمة يؤديها للرجل الحاكم الأثيني الحر. وكان أفلاطون، تلميذ سقراط، قد قال بتراتب المجتمع بين أحرار وعبيد وبين رجال ونساء أحرار[xvii] على نحومعسكر(Regimented).فالعالم كان حرياً بأن يغدومعسكراً بالاستقطاب الطبقى على الأقل، كون العسكرة تؤمن بالتراتب والضبط والربط أونظام الطوائف والمنبوذين .. الخ. ويكرِّس مفهوم السلطة بهذا الوصف العقاب الرهيب على "الخروج عن الصف".

ورغم أن معظم من فلسف أو سفسط بشأن المجتمع الكلاسيكي (الغربي تكاذباً)، منذ أثينا وجمهورية افلاطون وصولاً الى المدينة الفاضلة، كان من النخب والصفوات،إلا أن مكانة ودور النخب والصفوات لم يأت ذكرها بصورة واضحة فى تراتبات جمهورية افلاطون ولا في المدينة الفاضلة. وأجادل،أن النخب والصفوات تمأسس نفسها فوق ما يشارف ما أعرفه بمفهوم الطبقات الوسيطة ((MediatinClassesبين الحكام والمحكومين. وقياساً، فهم بهذا الوصف جماعة لا مكان لها حقاً بين الطبقتين الأساسيتين المتناظرتين،الحكام والمحكومين،إلا بقدر ما تسمسر النخب والصفوات فى عملية تسويغ سلطة الحكام لدى المحكومين أو/وتدعي، تخاتلاً- تمثيلهم لدى الحكام مما قد يعبِّر عن الخديعة بامتباز.

وكان النخب والصفوات فى المجتمع الأثيني هم الفلاسفة وربما الصوفيين، وكان معظم مع اشتهر من هؤلاءأجانب،أى برابرة،إلا بقدر ما اشترى بعضهم حريته، فنال شرفاًأثينيا اجتماعيا كانت آليته (function and or medium of)توفير خدمات للحكام. وكان انخراط سقراط فى صفوف القوات الأثينية قد رفعه حتى حظى من بعد،كونه بات من قدامى المحاربين، على مرتبة فوق مكانته الاجتماعية المتواضعة. وربما كان سقراط عبداً معتقاً مقاتلاً،ولا نعرف من هم العبيد أو البرابرة غير الأثينيين الذين كانوا يؤلفون عصب اقتصاد أثينا ويشكلون بعض أفراد قواتها المحاربة، فذلكم ديدن التاريخ الرسمى للحكام مما تنزّل في الخارطة الذهنية ومعمار لغة الانجلوساكسون وغيرهم من الاستعماريين المستكبرين، منذ القرن الخامس عشر بمغبة ما يسمى الاكشتافات الجغرافية الكبرى،وقد عبّر ذلك عن نفسه أكثر ما عبر فى المجتمع الفيكتوري وتباعا.

المهم هنا الآن، لعل العلاقة الغامضة بين تنويعات بعينها من النخب وحكام أثينا، بتنويعاتهم جميعا، عبّرت عن نفسها فيما يشارف التعاقد غير المكتوب والمسكوت عنه حتى اليوم، عبوراً بالاقطاع الغربي، حيث كان العبد يشترى حربته فيقتنى السلاح ليقاتل فى صفوف الحاكم أو الامير الاقطاعى، يقاتل العبيد والبرابرة أعداء الحاكم أو الامير الاقطاعي.وينبغى توسيع معنى القتال هنا، فليس القتال دائماً بالسيف أو البندقية، فقد يقاتل العبد المعتق،أو المقاتل، بهذا الوصف الى جانب السلطة فيكرّسها أو/ويقيض شرط تيسير الورثات العسرة، كما رأينافى حالة أبناء حسنى مبارك،أبناء القذافي، أبناء على عبدالله صالح،وزوجة زين العابدين بن علي،على الرغم إن أياً من تلك الوراثات لم يكتب لها التحقق. هذا، وما يبرح من يسعون الى نيل مكانة أجتماعية، بالنتيجة، فى كثير من المجتمعات السابقة على الطبقات والمجتمعات الطبقية معا-بين من هم في مصاف المحكومين بالضرورة- أن يتعيّنوا على الخدامة (Servitude) المذكورة . فحتى يغدوالواحد منهم من النخب أو الصفوات يتعين عليه اقتناء سلاح، هوالكلمة المكتوبة أو المسموعة، ليقاتل ومن على شاشات القنوات الفضائية وفوق صفحات الصحف اليومية وحتى على شبكة المعلومات،وبين صفوف جند الحاكم عبوراً بطالبى البطاقة الخضراء. كما يقاتل ذلك الفرد، رجلاً أو إمرأة، فى صفوف الحلفاء فى تنويعات لا متناهية على نظائر سابقة ولاحقة. وأعرف الاخيرين بالربابي البلاطيين (Court Hostages &)والعبيد المعتقين والمقاتلين(Manumitted and military slaves)والمحظيات الملكيات(Royal Concubines)والمحظيون الأميريين والبلاطيين، إن صح التعبير، ويقومون بالترفيه عن ومنادلة أثرياء العرب، منبطحين حرفياًأمامهم مقابل رخصة ورأس مال بقالة أو ورشة كلام، لا يقول شئياًإلا بقدر ما يملأ الصحف والمجلات وفضاءات عالم الشبكة الافتراضي، الى حظوة امتطاء طائرات الامراء والقادة وما الى ذلك، بلا خجل بل بافتخار.

فقد كان نظائر تلك الكائنات نساءاًورجالاً،ممن قال فيهم افلاطون لنا اصدقاء أنداد ولنا رفقاء،رجال من دون الرجال الأثينيين الاحرار،ولنا نساء يرفهن عنا،العاهرات المثقفات.وحيث كان ندماء ورفاق أحرار الاثينيين غالبا،أو اطلاقا،أجانبأوبرابرة،مجازا، منذ سقراط وارسطووافلاطون نفسه، فإن نظرائهم المحدثين هم كذلك أجانب،من غير مواطني بعض البلارد العربية مثلا، وبرابرة مجازاً بمعنى مفقري شعوب أوربا الشرقية وغيرهن ممن يجلبن بالطائرات بليل ويرحلن مع الفحر يوميا[xviii]. ولا غرابة فقد قال افلاطون، بتراتب المجتمع بين أحرار وعبيد وبينرجال ونساء أحرار وإماء[xix]، على نحو متراتب ومعسكر، بصورة شبه منتهية فى المدن الدول تلك. فقد كان ما يسمى اليوم باليونان، عبارة عن مئات الدول الأمم،ولم يكن هناك يونان إلا بقدر ما مفصله وزوقه الغرب،أوربا الغربية فى سياق اختراع أوربا الغربية لنفسها وتاريخها. وقد بقى العالم من وقتها معسكراً بالافقار وبالاستقطاب الطبقى على الأقل،كون العسكرة  تؤمن بالتراتب والضبط والربط أونظام الطوائف والمنبوذين ...إلخ ، ويكرِّس مفهوم السلطة بهذا الوصف العقاب الرهيب على "الخروج عن الصف" من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ذهنية التاريخ الأوربي الغرب وخارطة لغته كات حرية بهذا الوصف أن تجبر من عداأوربا الغربية،الغرب، الصهيونية العاليمة من بعد، على تجرّع فبركة تاريخ البشرية بوصفه تاريخ الأقوام الممتازة وشعوب الله المختارة. 

المهم فوراً، يمكنك قياس العبيد والإماء مقارنة مع الاثينيين أو اسبارطيين الاحرار، بوصفهم أجانب وبرابرة، بيوسف بن يعقوب، وصولاً الى باراك أو باما وغيرهما، عبوراً بحكام المجتمعات المستقطبة فى المراكمة الرأسمالية المالية. ومع ذلك، فقد كان بعض البرابرة الاجانب الربابي الملكيين ... الخ، يلحق بالعرش ويُضم الى شرائح السلطة فى أزمنة الشدة غالباً بوصفه ربيب بلاطي أو عبد معتق ... الخ. إلا أن ذلك العتق والالحاق بشرائح السلطة القائمة لم يعنِ شيئا للعبيد فى المجتمع الأثيني العبودي أو في نظائره من بعد،ولعل ذلك وراء السر فى عشق الرأسمالية وبتنويعاتها لتلك الجماعات الوسيطة. فمعظمها يبرع فى العصف بخصوم الرأسمالية المالية،ويعتبر الاشتراكية تجديفاً،والنضال فى صفوف خلق الله المفقرين إثماً،والى ذلك تجيد بعض تلك الجماعات،ومعظم افرادها، النيل ممن يكشفون كنهها الردئ وبخاصة من لا يملك أولئك الأنغال إزائهم رداًإلا باغتيال شخصياتهم أو النيل من سمعتهم، نيابة عن أسياد ينبطح أولئك الافراد أمامهم حرفياً مقابل أجور وجعول.

وتلاحظ(ين) أن ترفيع الربيب والعبد والمحظية الملكية، كان يعبر عن نفسه فى مراحل نكوص نمط الانتاج وصولاً الى أقسى تردي الأخير، فإن إعتاق أمثال أولئك الأفراد يكرِّس النمط العبودي بامتياز. ذلك أن اعتاق بضعة من تلك الكائنات لم يكن يوماً يعنى إعتاق كافة العبيد والإماء. بل العكس، قد بقيت ظاهرة العبد المعتق والمحظية الملكية تنعكس بهذا الوصف غالباً على أوضاع العبيد بالسلب كافة. وفيما قد يوهم صعود عبد أو محظية ملكية الى أعلى بنهاية العبودية أو حتى القنانة، فيصعدونالى أعلى،إلا أن أمرين أو ثلاثة ما ينفكان يعبِّران عن نفسيهما في سياق هذا النكوص:

1-    إن نشوء تلك الجماعات،أوالأحرى نكوسها، وإن كان بالألوان الطبيعة، مثله مثل تنويعات العبودية، التى نلاحظها اليوم فى كل مكان، يسوِّغ مفاقمة ثراء وسطوة الأوليجاركيات المالية خصماً على المفقرين والعبيد والأقنان والإماء.

2-    إن قنانة أو عبودية تلك الجماعات تيسر مزيداً من سطوة الأوليجاركيات المالية.

3-    إن قنانة وعبودية تلك الجماعات والأفراد تخلق شرط التخلص منها، وإحلال جماعات مكانها بصورة منوالية. ولك أن ترى الى ما يحدث فى المجتمعات التى أُدّعيت دمقرطتها أو/وتحريرها.

4-    إن العبيد المعتقين،إذ يتعينون على سواقة العبيد، يزاودون على أسايدهم فى سواقة العبيد بل فى ابادتهم إن لزم. فليس ثمة من هو أشد قسوة من عبد معتق، وحتى سيد العبيد، فى سياقة أو الاستغناء عن الأعداد الزائدة لمن لا وجوه لهم : "ثمنا يستحق دفعه"، كما قالت مادلين اولبرايت (Madeleine Korbelová Albright) وزيرة خارجية بيل كلينتون، مستهترة بموت نصف مليون طفل عراقى أثناء الحصار.

5-    لا يشغل بال تلك الكائنات مغبة مغامراتهم البائسة ناهيك عن ثمنها، فالخسائر الموازية ثمناً يستحق دفعه لقاء شعبية ينزعون الى تحقيقها لأنفسهم. فقد اقترف توني بلير،متعهد الليبرالية الجديدة بامتياز،فيما اقترف من أفعال نابية تطلبا للشهرةحرباً على العراق،وقد تراءت له شعبية مارجريت ثاتشر عندما اشعلت الحرب على الفولكلاند فى 1992م. فإن أشعل توني بلير الحرب على العراق سعياً لشعبية كان ثمنها ملايين القتلي وتدمير مجتمع عريق، فقد رأى في الحربأداته المنشودة في صناعة القادة ذوي الشعبية الواسعة. وقياساً، تطفوعلى سطح الاحداث المتسارعة بصورة غير مسبوقة وبصورة فجأئية أسماءاًوشخصيات لم يسمع عنها من قبل بهذه الكثافة. ويلاحظ الناس فى كل مكان كيف بات ما يسمى ربيع العرب مناخاً واسعاً للانتشار والإدعاء سوقاًمفتوحاً- إلا للشرفاء- لبيع تلك النخب لأنفسها(Sell themselves) بلا تحفظ، فكلهم مناضل وفيلسوف الثورة وحتى قائدها. ففيما خلا المضللون والسذج، فإن أغلبهم فى الواقع تنوعات على غواريي ثورات مضادة بامتياز. 

المحظيات الملكيات ويوتوبيا الاستقطاب العنيف:

قياساً،أزعم، وكنت قد جادلت فى دراسات سابقة لظاهرة الربيب البلاطي والعبد المقاتل والمعتق والمحظية الملكية،التي تتمظهر تمثلات المومس المثقفة،إن تلك الظواهر عبّرت عن نفسها فى تنويعات اليوتوبيا وفى المدينة الفاضلة، وماتنفك تنويعات على المومس المثقفة ماثلة بخاصة بين الهولات المجنحات،النسوقراط،أمثال مارجريت ثاتشر، مادلين أولبرايت،هيلارى كلينتون،كرواسان اكينو، إديث كروسون فى فرنسا،ومدام كامبل فى كندا وانجيلا ميركيل المستشارة الالمانية، التى تنّكرت لكل من المانيا الشرقية ولراعيها هولموت كول الذى ساعدها فى الصعود الى مراتب الحزب فخلت به، عبورا بكارلوتا شامورا فى نيكاراجوا، مسز اكينو فى الفلبين ،رئيسة وزراء بولندا وكريستينا فينتديز كيرشنر التى اعقبت زوجها نيستر كيرشنر، مثلما أعقبت كل من إيزابيل بيرون وإيفا بيرون زوجيهما خوان بيرون على التوالى فى الارجنتين[xx].

وهناك رئيسة وزراء تركيا وكافة النساء اللواتى حكمن أو يحكمن واللواتى فى مناصب عليا، فى جنوب شرقى اسيا وفى شبه الجزيرة الهندية الى امريكا اللاتينية وسيريلانكا وكلها مجتمعات النمط الشرقى. وتلاحظ(ين) ذلك النموذج فى البيجام خليدة فى بنجلاديش،والسيدة باندرنايكا وابنتهاشاندريكا من بعدها،وبنازير بوتو فى الباكستان،والسيدة انديرا غاندى ابنة نهرووزوجة ابن غاندى،وحسينة واجد رئيسة حزب عوامى المعارض ورئيسة بنجلاديش السابقة،وخالدة ضياء رئيسة وزراء بنجلاديش السابقة أيضا، وكلتيهما متهمتان فى قضايا قتل وفساد.وهناك جونداليس رايس وهيلاري كلينتون وسوزان رايس، ليس ثمة قرابة بين جوداليسا وسوزان سوى الخدامة، فيما أعرفه بنمط اللاانتاج الشمالامريكى، يشارف نمط الانتاج الشرقي اذ يتمأسس كلاهما على العبودية سواء بالألوان الطبيعية أو بأسمال بالية. ويصدر الأول عن الأوليجاركيات ويسمسر الربابي والعبيد المعتقين والمقاتلين والمحظيات الملكيات بوصف الأخيرين تنوبعيات على النخب الشرقوية.

وأزعم أن لعل الجماعات الوسيطة حرية بأن تّدعي الانتماء الى الميروتقراط مما تشجع الأوليجاركيات عليه عقلانياً، فتخايل لتلك الجماعات بغواية دور فى صناعة التاريخ والفكر ... الخ. ذلك أن تلك الجماعة تبقى أشد استهدافا للغواية كونها مجهولة الهوية،رغم استدعائها دوراًومكانة يخصمان غالباً على الطبقات الدنيا وعلى العامة الغوغاء والدهماء، الشعوب خاصة. ولعل مثل ذلك الخصم يجمع تلك الجماعات مع الصفوات الأوليجاريكية،ولا تناصب الأخيرة العامة العداء وحسب،إنما تنكر عليها اعادة التوزيع الذى يوفره العامة، الأغلبيات المنتجة للكفاف والحياة فى كل مكان بفائض إنتاجها وبالضرائب والأتاوات التى تُفرض عليها. وقد يفسر ذلك كل من :

1-استغناء الأوليجاركيات المالية عن تلك التراكمات العددية التى لا وجوه لها.

2-ذراية النخب بتلك الاغلبيات بلا انتقاء إلا بقدر استخدامها وتسخيرها. 

النخبوية والأو ليجاركية:

وكان أرسطو قد قال بوحشية الانسان وتأصل الشر فيه،وقصد بذلك الفرد من غير أعضاء الصفوة الأوليجاركية Oligarchies، بوصف عضو الصفوة، يمثل قمة الصفوة والاصطفاء. وليس غريباًأن تتعالق الأوليجاركية والنخبوية/الصفووية والأرسطية مما بقى كامناً فى مسام المجتمعات الأوربية الغربية وغير الغربية،وكان الأثينيون يخشون مغبة التكنولوجيا من حيث أنها قد تّيسر حراك العامة. وكان الأثينيون وبعدهم الرومان يحرِّمون على الحرفيين الصغار والعامة تطوير أدواتهم حتى لا يؤدى ذلك الى حراكهم الى أعلى. وتمارس الرأسمالية الغربية بتنويعاتها،وقد بقيت تتخفىوتحرم تعريفها،على الهوامش. وما تنفك الرأسمالية الغربية تجتاح تلك الهوامش كلما همّأى منها للنشوء الى مرحلةأعلى،أو حتي ما يشارف مرحلة أعلى وحسب، كما مع مجتمع العراق الذى شارف فى تسعينيات القرن العشرين مستوى معيشة المجتمعات الرأسمالية الأوربية الغربية، وتجاسر فأعاد التوزيع تجديفا بالرأسمالية الأوربية الغربية،وتفعل الرأسمالية المالية مع ليبيا،وتهم بالتهام سوريا، لتحيل تلك المجتمعات جميعاً الى ما هودون العبودية والقنانية الى مرحلة الجمع والإلتقاط.

وكانت أوليجاركيات"علمانية" افتراضا، قد أصدرت عن البندقية،الدول المدينة الايطالية و;اكثر من الهم الأوليجاركيات ما سمى العلمانية ،و كانت الاخيرة قد خذت العلمانية تلك عن مفهوم الرق المنقول والربا وأبقت مفهومهما وتمأسست فوقهما. وحيث تتعين الأوليجاركية على تكريس المراكمة بالربا وبخالص العمل العبودى المنقول، لا يعرف الأوليجاركيون عن الثروة سوى أنها ممثلة للمال وفيه.  فالأوليجاركية تتوجس من الانتاج السلعى،وقياساً، فإن تدهور قطاع الانتاج السلعى إن انتهى الى الجمود، فإن تطور التقنية حرىٌّ بأن ينتفى بدوره أو يصدر الانتاج السلعى عقلانياً الى الهوامش بعلاقات عمل عبودية، وكان ذلك تنويعاً باكراً على ما يحدث فى امريكا اليوم وفى الهند والصين والفليبين والبرازيل وفى مناطق التجارة الحرةFree trade Zones - FTZs))ومناطق ضمان أو التحكم فى الجودة الصناعية الكويز (QUIZ)فى معظم المجتمعات العربية. 

ذلك ان الأوليجاركية تتعيّن على الابقاء على العمل الحى فى مصاف الرق،وقد بقى الرق كامناً فى مسام المجتمعات المضيفة لأعراب الشتات على مر العصور، رغم اللوحة الخماسية. وإن تأملت تحوّر المجتمعات المستعمرة عشية الاستقلال، تلاحظ(ين) إن الصفوات التى نشأت في المستعمرات السابقة كانت فى الواقع خادمة أوليجاركيات قبلية وطائفية كما فى السودان والعراق واليمن مثلا. والأوليجاركية هنا تعنى حكم جماعة قليلة،أو أسرة تتوارث السلطة خصماً على المحكومين،أى العامة من أعضاء القبائل الضعيفة،أو حتى اعضاء القبيلة الأم،أو حواريي شيخ الطريقة، بوصفهم أتباعاً مسّخرين للعمل على أرضه، حيث يذهب جعل معين من فائض عملهم الى شيوخهم نيابة الله وعن الاستعمار الراحل وبعد أن يرحل. ولا يغير فى الامر شئ إن نشأت الدولة القومية[xxi].

العامة والنخب والأو ليجاركيات:

لم يتم التعيّن على تعريف العامة كثيراً،إلا بقدر ما يشار اليه باستهانة وضغينة والبربرية والاجرام وتلويث المجتمع[xxii]. قد بقي مفهوم العامة يعنى، منذ فلاسفة أثينا عبوراً بفلاسفة العرب فالغرب تباعاً، "الرعاع" و"الدهماء" أو/وحثالة المجتمع. وكان معظم هؤلاءيتدنى مع الازمات المنوالية الى ما هو أقل من حظ بعض العبيد المعتقين. وفيما خلا الأخيرين، فقد بقيت الطبقات الحاكمة تناصب العامة خصومة غير معلنة، رغم أن الطبقات الحاكمة لا تملك الوجود بدون العامة، بل بدون ما يسمى حثالة المجتمع وسكان العشوائيات. فمن يقود للحكام سياراتهم وينظف لهم بيوتهم وينتج لهم سلعاً ويأكل باقى طعامهم ويجمع قمامتهم ... الخ،واكثر من ذلك،فإن العامة هم الذين يعيدون تدوير (Recycle) فضلات الاغنياء، مما يجعل العشوائيات أقل تلويثاً للبيئة من أى مكان آخر ((Slums are responsible for the least polluting food prints). فيما يسقط الأغنياء ما يوقوعونه بلا روية أواكتراث بالبيئة من تلوث على العامة، فيتهمون العامة،وبخاصة عامة شعوب المجتمعات المستقطبة فى النظام الرأسمالي، بتلويث البيئة جراء تكاثرهم بجنون. هذا وعندما لا يوجد عامة بهذا الوصف، تستورد المجتمعات عامة ودهماء وعبيداً، كما فى العالم الجديد والخليجالعربي وغيرهما. هذا وتستورد مجتمعات أخرى عامة وعبيداً، حتى مع وجود عامة وعبيد محليين،لإحلال جماعة لا حقوق لها على الدولة القائمة مكان العامة المحليين.

وتتعيّن معظم الدول الى ذلك على خلق تلك الجماعة، سواءاً من العامة والعبيد المستوردين، لتقوم مقام العامة الذين يدّعون حقوقاً كالعمال. فقد بقيت جنوب افريقيا العنصرية ونامبيا تستوردان عمالاً لقطاع صناعة التعدين من موزمبيق ومن أنجولا لضرب الطبقة العاملة السوداء. وتستورد أمريكا عمالة مهاجرة من امريكا الوسطى ومن كل مكان لتحييد حراك العامة من السود والهسبان. وقد بقيت شرائح السلطة الأوربية فالامريكية تتطّير منذ روما من حركات العامة الرعاع والعبيد أكثر من اى شئ آخر،أى من الحركات الشعبية. هذا وقد تخلق السلطة القائمة بالمقابل طبقة نغلة مما أعرفه بالطبقات الوسيطة (Mediating classes)،وغالباً ما تتألف الاخيرة من تنويعات معينة من العامة ممن قد يقيّض لهم حراكاً مشبوها الى أعلى جراء مواضعات مركبة، منها رغبة الحكام فى وجود جماعة تنوب عنهم فى التعامل مع العامة أو وفي خلق عازل (Buffer) بين الحكام والعامة الشعب. ولعل ذلك قد يفسر ضغينة تلك الجماعة على العامة/الشعب فيما تدّعى تلك الجماعة الحديث باسم الشعب والنيابة عنه.

وأجادل أن ضعينة الجماعة المذكورة قد تفسر كل من:

-بقاء مفردة الشعب غير معرفة ومسمطة بوصف أن الشعوب تصّنف فى كل مكان،وعلى مر التاريخ،وكأنها بدائل مسمطة لبعضها.

- إن الشعب يوصم بالتجانس البهائمى، وكأنه من القطعان التى لا إرادة لها،وإن عّبرت الشعوب عن إرادتها تتهم الارادة الشعبية الجميعة بالعاطفية والجنون وباللاعقلانية، مما يسوِّغ ترويعها فوراًبعنف فقمعها الى الأبد إن أمكن.

- تقيّض تلك الضغينة، وكانت قد قيّضت منذ بدء التاريخ المكتوب،إيقاف النخب أو الصفوة،ومعظمها من تلك الطبقات الوسيطة المشبوهة، بوصفها فائقة على العامة وامتلاكهالخصائص، يعجز العامة الدهماء/القصر الذين يشارفون التخلف العقلي، عنها مما يسوّغ العصف بالعامة بهم فى كل مرة بغاية التخلص من الأعداد الزائدة عن الحاجة.

و قياساً، فلعله من المفيد تأمل مفهوم الشعب، تلك المفردة السهل الممتنع الميسرة معا. فكلمة أو مفهوم الشعب هو تلك الكلمة العجيبة والغريبة التى لم يتوقف معظمنا بعد فيتأملها ملياً ويعرِّفها على مر التاريخ. وتعنى مفردة الشعب موضوعاًوتاريخياً فيما تعنى:

-التنوع واللاتجانس، رغم توحد معظم مكوناتها حول أمانٍومصالح وغايات وطموح يحدوه النزوع للحرية والكرامة. ولعل تللك الأمانى والمصالح والغايات وذلك النزوع الجمعي هوالذى يثير تطّير الطبقة الحاكمة والطبقات الوسيطة معا. ذلك أن تحقق تلك الأمانى والمصالح والغايات وذلك النزوع الى الحرية والكرامة، حريُّ بأن يخصم على كل من الطبقات الحاكمة والوسيطة بها الوصف.

- الديمومة ومقاومة الفناء والتحول والتزايد فى مواجهة القمع والترويع والابادة والتكاثر فى مواجهة التعقيم والسموم.

- إنه كلما تفاقمت مواجهة أعداء الشعوب للشعوب، كلما أبدعت الشعوب وسائلا للبقاء مما يثير تطيّر أعداءها،وعلى رأسهم أعراب الشتات وتنوعاتهم الأوليجاركية وأتباعهم من النخب فى كل مكان. وذلك  أن افتراض برامج إعادة التوزيع مهما كانت فارغة، فهيتثقل كاهل أي مشروع أوليجاركي لتقاسم السلطة والثروة.

-مثابرة المؤرخين الرسميين، من النخب الوظيفيين، على تزييف تاريخ الشعوب لحساب سردية متكاذبة.

 

تعالق النخب والأو ليجاركيات والعبودية:

يعتقد بعض من عرف بفلاسفة الصفوة فى القرنين الثامن والتاسع عشر مثل فيلفاردوباريتوVilfredo)(Pareto  وجايتانوموسكا (Gaetano Mosca)وتوماس داى  (Thomas R. Day)وروبرت ميتشيل Robert)(Michels إن الأنظمة السياسية حرية بأن،ولعلها فى الواقع، تنكص الى أوليجاركيات،ويسمى ذلك النكوص أو تلك العملية القانون الحديدى للأوليجاركية(The Iron Law of Oligarchy). هذا ورغم أن معظم النخب والعسكر من أصول ريفية إلا أنهم،وربما بسبب ذلك،أكثر من يستهزئ ويذري بالفلاحين وصولاً الى محاولة القضاء على إرثهم الثقافي. وازعم أن أهم وأكبر وأشهر النخب العربية والمسلمة يساير الخطاب الغربي. وأجادل،أن أهمية وكبر مقام وشهرة تلك النخب يتعالق بصورة عضوية ومسايرة ذلك الخطاب. ذلك أن الأهمية وعظم القدر والشهرة هى ثمن تلك المسايرة وإلا فالثمن باهظ وقد يكون رهيبا. فكل من يساير الغرب، الرأسمالية المالية/الصهيونية العالميةمقتول مقتول مقتول، سواء أدبيا أو بدنياً، فالغرب يصفى خصومه بإسم الديمقراطية والحرية والدفاع عن مبادئ العالم الحر،ويصم غرمائه بالفاشية وبكل ما يتميز به هو.

والغريب أن تهمة وشهرة تلك النخب تحظى بنوع غامض من المصداقية فى كل مكان، حتى إن بعضهم ويعضهن يغدو أيقونة قومية، طالما أن الغرب قد دشنه أو دشنها وهكذا. ويغيب على كثيرين ما وراء ذلك الغموض، كون النخب لم يُتعرف عليها ولا عُرفت يوماً بصورة كافية من قبل العرب والمسلمين. هذا وتدرك تلك النخب أن عليها الالتزام بشرط الولاء للخطاب الغربي، فتتعيّن طواعية بوعي أو بلا وعى تكريس السردية (Narrative) الغربية،وتساهم بنشاط فى تحقيق الأجندة الرأسمالية خصماً على أي بديل غير غربي. والى ذلك، فإن كان الحوار الرأسمالي قد أُطِر بحيث لا يترك فضاءاً لبديل، فقد قيّضت عنصرية النخب العربية والاسلامية المتسترة إقصاء تاريخ غير الغربي، بدءاً بتاريخ افريقيا علناًوتاريخ العرب والمسلمين الموضوعى تضميناً، رغم،والأحرى بسبب، تبييض وادي النيل الأسراتي. وإن تم تبييض وادي النيل الاسراتي، حتى اختزل العرب فى شرق أوسط متوسطى، مما لم يعد معه وارداً ذكر موريتانيا والسودان والصومال واريتريا. فقد قيّض ذلك الاختزال التعميش على حضارات أسبق بكثير من الحضارات العربية الاسلامية. وقياساً، يسّر التاريخ الرسمي المكتوب للعرب والمسلمين نشر ميثلوجيا تفوق الغرب الأبيض خصماً على من عدا الغرب الأبيض. ذلك أن التعليم الغربي وما نحى نحوه ،مما نرى من تمثلاته فى كل مكان فى المجتعات العربية، حتى لم يعد بعض أطفالنا يتكلم  لغته.إن التعليم الغربى والمغرّب جعل من بعضنا،إن لم يكن معظمنا، مخلوقات مصنوعة من المادة التى يصنع منها العملاء. وفيما فضّل بعضنا المساومة على الوطنية، فالعمالة بخيانة الطبقات الشعبية والاستعرار من أصله ومن أى صلة له بالريف، فحصل غالباً على الشهرة بالتشهير،إلا أن بعضنا اعتصم وعصم. فقد ترفّع الآخرون على المساومة واختاروا النضال الى جانب أو/وفي صفوف العمال والفلاحين ودفعوا ثمن خيارهم. وكانت بعض النخب ذات الاصول الريفية أو النيلية قد تنكرت لطبقة الفلاحين والعشائر فيما تنكرت بعض نخب الطبقات الوسيطة المتوسطة للطبقات الوسيطة والمتوسطة.

ولا غرابة. فقد سأل نيكيتا خرتشوف (Nikita Sergeyevich Khrushchev 1894-1971)هوشي منه Ho Chi) Minh1890-1969 )فى اجتماع ضمهما "كيف تنكرت لطبقتك وأنت من الطبقة العليا؟"  فرد هوتشي منه "دعنا نقول ان كلينا تنكر لطبقته"[xxiii].  ولعل مصيبة معظم النخب تعود الى أنهم بلا أصل ثقافي. ففيما يتبرأ بعض النخب من أصله الديمغرافي الاجتماعي، تتعيّن تلك النخب على الإشاحة بوجهها ثقافياً(Cultural Aversion) عن أصلها الثقافي والفكري والتنظيمي جميعا. وإن تذري بعض النخب العربية بثقافة مجتمعاتها وتصمها بالتخلف الأبدي مثلما يستهزئ، بل وينكر، الليبراليون الجدد والماركسيولوجيين على شعوب الشرق القدرة على "التطور" من ناحية،وتقصر النخب من ناحية أخرى عن بلوغ كنه الثقافة الغربية التى ينتحلونها مصدقين لما تقول تلك الثقافة الغربية المتخاتلة وليس ما تقصد حقاًوتاريخياً. فلا غرابة أن يعوز معظم تلك النخب الإلهام،  فيفارق معظمهم الابداع فى التفكير والتنظيم الى الأبد من أجل تطوير مجتمعاتهم. 

فإن ينقاد النخبوي الى الاحابيل الفكرية والثقافية الغربية لا يبقى له من اصالة تذكر أو تنسى، فيغدوغراباً يحجل لا اكثر. ذلك أنه لا أصل لتلك النخب فى ثقافة وفكر وتنظيم الغرب بأى حال، بل هم عالة ثقافية وفكرية وتنظيمية على ثقافة وفكر وتنظيم الغرب. حيث لا يبدع أى منهم إلا بوصفه مغرّب أو ملحق بالمؤسسة الاكاديمية والعلمية الغربية ولحساب الاخيرة،وسيدتها المؤسسة السياسية والعسكرية، وصولاً الى سادة الكون الأوليجاركيين الماليين، فإن معظم تلك النخب يستهدف للانخراط فى التواطؤ على شعوبهم وشعوب الغرب معا حتى لوكان ذلك في المقياس المدرج.

وقياساً، فإن النخب إذ يغوينها أن تشارك فتات فائض عمل الاغلبيات الشعبية المنتجة للفائض والكفاف والحياة، فإن تلك النخب حرية بهذا الوصف أن تتشارك التستر على الكذبة الكبرى، تاريخ الغرب،تاريخ الرأسمالية،ميثلوجيا الصهيونية العالمية، التى اختلقتها الأخيرات،وما تنفك تختلقها وتمفصلها وتعيد مفصلتها كل صباح. وتصدر الأخيرة عن معمار لغة متكاذبة وخارطة ذهنية متخاتلة تزوق الحقيقة فى سقط القول، الذى غالباً ما يعلوبأجنحة من الترديد والالحاح على الخاطر فى غياب وتغييب البديل بمعرفة النخب تلك.

وقياساً، تجد النخب العربية/الاسلامية كسلمان رشدي وعيان هيرست علي (Ayaan Hirst Ali)وتاسمينا نسيرنومن يسمون أنفسهم الانسانويين الجدد (Neo-Humanists)وما الى ذلك،أكثر غواية لمسايرة والاذعان لانتحال أخر ما اصطنع الغرب من ممارسات. بل لا يملكون سوى المسارعة الى تبنى والدفاع عن قيم أخلاقية ترفضها مجتمعانهم الأم وراء القبول والمباركة. وأزعم أن أمثال هؤلاء، تنويعاً على بعض نساء غريم الغرب، اللواتى يتساررهن الغرب أو حتى يتزوجهن. وتغدوالواحدة منهن، وهى لا تصدق حظها، في سعيها اللاهث فى أن تغدوجديرة بشرف الانتساب الى رجل غربي أبيض، أو حتى الى افكار الغرب هكذا بالجملة،تغدوتلك المخلوقة بدورها مسخاًمشوهاً لكل ما كان يدل عليها ويخصها، ناهيك عن تماهيها مع النساء الحقيقيات من الطبقات الشعبية[xxiv]. بالنتيجة يعشق الغرب هاتيك المخلوقات ولا تستنكف معظم أدوات التعبير وقنوات الاتصال العربية والاسلامية بالنتيجة منها شيئاً،  بل تنخرط الأخيرة بدورها فى أيقنة-من ايقونة-تلك المخلوقات. ذلك أن الغرب، الرأسمالية المالية على الخصوص،والصهيونية العالمية تتطّير من ذكر الكتل الشعبية من المفقرين وتفزع من سيرة الفقر. 

- النخب وطبقة الشعب (The people’s Class)

 على الرغم من،وربما بسبب، كون معظم شعوب الشرق من الفلاحين، فإن كل من أعراب الشتات والليبراليين،وبخاصة الجدد والماركسيولوجيون، يذري بالفلاحين ويستعرر منهم علنا. فمنذ أن كافأ الرب الابن الضال، ما أن عاد بما استثمر من مال أبيه وعوقب الابن المستقيم ، رغم أنه بقى يقدم لأبيه جعلاً مما تنتج أرضه، على كونه أقعى يفلح الارض وحسب، بات الذي يفلح الارض جدير بالعقاب. فرب المسيحي واليهودي راعٍوليس فلاح. ولعل هزيمة المانشفيك إزاء البلشفيك خصماً على الفلاحين الروس لحساب البالشفيك والبروليتاريا الصناعية، فى مجتمع لم يكن مصنعاً بعد بهذا الوصف وقتها،تنويعاًآخر. وقياساً، يتعيّن أعراب الشتات على المثابرة على إحلال المحاصيل المعدلة جينياً بالخصم على حكمة الفلاحين الشعبية التى راكموها على مرّ الاف السنين.

ويلاحظ الناس فى كل مكان كيف دمرت ممارسات خصوم الفلاحين ثقافة الفلاحين واسلوب حياتهم في كل مكان. وقد ألّف ذلك شرط الهجرة العنيفة من الريف الى المدينة وخلق  جيوشاً من البروليتارياالمجهضة (Lumpen proletariat) مهمشة على تخوم المدن. وكأن التوراة والبلشفية، الماركسية، والليبرالية الجديدة وصناعة تعديل المحاصيل جينباً، تتفق فى المحصلة النهائية على الفلاحين بغاية إبادتهم. ذلك أن الفلاحين أكثر الفئات الشعبية عدم قابلية للرشوة، والأهم يستحيل رشوتها. فرشوة  الفلاحين بمثابة التجديف بحق الرأسمالية والكفر بمفهوم طبقة الشعب (The Peoples Class) الكارهة للشعوب. وازعم بأن ذهنية الذراية بالشعوب تنويعاً على كراهية الشعوب،وأن معمار لغة تلك الكراهية يعود الى ما أسميه طبقة الشعب،وهوتزويق أعيان وأسباط وقضاة وتجار أعراب الشتات لأنفسهم، بحيث يتحايلون على مفهوم الشعب الموضوعى التاريخي فيما تسقط شعوب أعراب الشتات من المعادلة. وتتعيّن تلك المعادلة على مفصلة مفهوم الشعب بحيث توفر لأسباطهم وقضاتهم وتجارهم شرط مفاوضة الخصوم على مر التاريخ باسم الشعب. ومع ذلك،وبسبب ذلك، فإن مفهوم طبقة الشعب لا يشمل عامة شعوب،أحبار،أسباط وقضاة وتجار أعراب الشتات، الذين كانوا قد ضاقوا بالشعوب منذ أن طلع موسى الجبل يناشد ربه أن يمنحه شعبا أقل محاججة وأكثر طواعية.

وقياساً، فإن عامة شعوب "طبقة الشعب" بقيت، وما تبرح تؤلف  كغيرها من الشعوب، تراكمات عددية لأوجه لها من العامة/الدهماء/الغوغاء ينظر اليها بوصفها "آخر".  وعليه، فتلك التراكمات العددية هى كغيرها قابلة للاستغناء عنها، كونها زائدة عن الحاجة،إلا بقدر ما يتم التقايض بها أو/وعليها مقابل مساومات لحساب أمراء وتجار واحبار واسباط وقضاة "طبقة الشعب" تلك. وعليه، تغدوشعوب خصوم "طبقة الشعب"، بل شعوب حلفائهم أقل من عديمة الفائدة، بل خصوماً حرية بأن توصم بالدهمائية بل بالشر. وقياساً، يتعين النخب على تنويعة من كراهية الشعوب تتمأسس فوق مفهوم طبقة الشعب وتصدر عنها بعلم أو بدون علم بوعى أو بلا وعى. ويلاحظ الناس فى كل مكان أن معظم شعوب الأرض باتوا أضاحٍ مقابل احتفاظ الحكام  بسلطتهم وثروتهم والنخب بأدوارهم ومراكزهم. ويفعل ذلك حكامنا فى كل مكان بصورة غير مسبوقة بتواطؤ أعراب الشتات وأثرياء العالم من الأولجاركيات العولمية. ذلك أن الأخيرة تحورت تباعاً من طبقة الشعب اليهودي الى طبقة شعوب العالم أجمع بالوصف أعلاه. فالأوليجاركيات ليست سوى تنويع على طبقة الشعب، فالأوليجاركيات لم تعد بحاجة الى مجتمع،الى شعب،تلك التراكمات العددية الزائدة عن الحاجة.

ذلك أن الأوليجاركيات المالية تراكم ببيع المال كسلعة، فما حاجة المراكمة المالية بهذا الوصف لأعداد زائدة عن حاجة المراكمة؟. ذلك أن بيع المال كسلعة،لغاية المراكمة،يتجاوز إعادة التوزيع، فيقضي تباعاً على التراكمات العددية الزائدة عن الحاجة لمن لا وجوه لهم. على إنه من المفيد تذكر أن ذلك لم يكن يعنى، غالباً، سوى نهاية الرأسمالية لحساب نظام اقتصادي جديد، سمه ما شئت،إلا أنه لن يعبر عن نفسه مجدداً فيما عبّر ارهاب الرأسمالية المالية (Finance Capital Terrorism) عن نفسه.

قصور العامة عن الابداع:

يلاحظ الناس على مر التاريخ إن الأوليجاركية كانت، مثلها مثل المستبدين والنخب، قد وصمت العامة والدهماء بالقصور عن الابداع، بل أزعم إن الأوليجاركية من شأنها أن تصادر امكانات وشرط ابداع غير اعضاءها أو/وتدعي ابداعات من عداها، ما أن تظهر هذه مواهب ابداعية بين أفراد أو مجاميع الناس العاديين. وأجادل،إن توفير شرط ابداعات الناس العاديين كان حرياً، من وجهة نظر الصفوات الأوليجاركية،أن يكشف المستور والمسكوت عنه دائما. وبالمقابل تقيض مصادرة ابداعات كل من عدا الصفوات الأوليجاريكية تكريس قصور تلكالتراكماتالعددية، فهى قاصرة بل معوّقة ذهنياً فزائدة عن الحاجة. وكان أوليجاريكيوالبندقية مثلاً، قد بقوا يكرِّسون أحبولة أن "الرب يختار من يخلع عليه رحمته ورضاه عشوائياًومن ثم فإن من لا يستحق فجزاءهنقمة وسخط الرب وعدم رضاه" ذلك ان الرب يخسف بغير المبدع أسفل سافلين". وقد أخذت البروتستانتية-التى هى نتاج البندقية-وتنويعاتها المعاصرة، بتلك الاحابيل وكرّستها بدورها حتى اليوم، وصولاً الى الأوليجاركيات المالية التى باتت تصرِّح علنا بعدم حاجتها لمنتجي الفائض والكفاف والحياة جميعاًوفى كل مكان. 

ولا ينفق النخب فىمواجهة الحكام المستبدين قدر، ما ينفقون من وقتهم وأعصابهم في محاربة الشعب والمثقفين الشرفاء. وقياساً،يترك النخب مواجهة الحكام لكل من العامة الدهماء والمثقفين الشرفاء بغاية استنزافهموجرِّهم الى خندق العصيان وإنهاك الشعوب  أو/وهزيمة الاثنين معا. كما قد يلاحظ بعضنا تباعاً مما يصار اليه من تداعيات تخثر شرط فوز الثوار العرب من ناحية، ومن ناحية أخرى فالنخب لا تتورع عن انتحال  انتصارات المثقفين والشعوب ما أن يقيّض شرط ثورة شعبية ناجحة، بثمن رهيب غالباً،إذ يروح مئات الاف،وربما ملايين، القتلى والجرحى ثمناً للنضال الشعبي عبر التاريخ. فبعض النخب تبرع فى الانقضاض على الفوز الشعبي ما أن يلوح فى الأفق ذلك. وتسارع تلك النخب الى إدعاء الانتصار الشعبى، كما فى كل مرة، وصولاًالى السلطة بالخصم على الشعوب والمثقفين الشرفاء ونكاية فيهم. ذلك أنه فيما ترى معظم النخب أن العامة على الأقل زائدين عن الحاجة، فإن قتل المئات بل الالاف والملايين، ليس من الثوار وإنما من الأطفال والنساء والشيوخ وغيرهم من المفقرين، خسائر موازية بمعنى "ثمنا يستحق دفعه" مقابل تغيير النظام أو/ودمقرطة المجمتع أو حماية المدنيين. فتلك القيم "النبيلة" يلزم خصمها لحساب النخب وأسيادهم وعلى حساب من عداهم من العامة الدهماء والمثقفين الشرفاء.

وفى لعبة الكراسي الموسيقية أو الأبواب الدوارة (Revolving doors)، لا يزيد المستبد والنخبوي على التنويع على بعضهما، مما ييسر لسادة الكون من الأوليجاركيات المالية أن تلعب بأحدهما بالآخرTo play)(one by the otherواللعب بهما مع،ولعل الأولجاركيات تنويعاً على النخب،إلا بقدر ما يملك الأول من قدرات مالية وسياسية وعسكرية فائقة لا تضاهى. وقد يعبِّر ذلك التنويع بينهموعلى بعضهم عن نفسه فى كيف يتضامنون ويتواطأون جراء معرفتهم الوثيقة ببعض،وبما هم عليه فلا يجرؤ أحدهم الاشارة  للاخر بأصبع اتهام. فكلهم والغ فى الخيانة والتخاتل والاجرام بحق الشعوب وبالتزلم والعمالة. ولقد أسلمت ثقافة التواطؤ والخديعة والتزلم العالم لهوانٍ غير مسبوق. ولا يعبر عن هوان العالم شئ قدر ما تعبر معاقبة الشرف وإثابة الجريمة. على أن قدرات الأوليجاكيات المالية والسياسية والتنظيمة والعسكرية، تقيّض لهم استبدال جماعات المستبدين بجماعات النخب، كون كلاهما يأتي عبر التاريخ ويروح بالمجان لحساب سادة الكون وخصماً على الشعوب جميعا. ولا يتعلم المستبد والنخبوى أبدا من التاريخ الماثل،إذ تصور لكل منهما صلافته واعتداده الباطل بنفسه،إنه هوبالذات آتٍ بما لم يأته الأوائل. وحيث غالباً ما يأت معظم حكام هذا الزمان والنخبويين من لا مكان وبلا جذور أو اصل، فإن الحاكم والنخبوي يأت غالباً من العامة، الا ان الحاكم والنخبوي يجهد فى إعادة كتابة تاريخه دون أن يذكر أصله حقا. ويغيب كل من الاستبداد بالسلطة والغرور عن الحاكم والنخبوي التاريخ الموضوعي ومغبة الدوران عند الأبواب الدوارة لا محالة.

لصوص الاختراع الفكري المسفسطون: (Intellectual Property Sophisticate Robber)

قياسات على المثقف الفاعل فى الحياة والفكر[xxv]:

1-    المفكر الانسان الجيد والمترفع:

كان ابن حنبل مفكراً وسياسياً، حتى إن لم يفصح أو يعرف عنه ذلك علنا،ًوكان مكافحاً مناضلاً، فى تواضع غير مسبوق، مقارنة مع معظم معاصريه من المعتزلة أحفاد الجهميين ...الخ. فإن كان احمد بن حنبل أحد أئمة السنة الأربعة، فقد كان كاتباًوفقيهاًومحدثاً رائعاً،وأوسع من جمع الاحاديث (فى المسند)،وكان إنساناًجيدا بالطبع والتطبع مترفعاً عازفاً عن المجد يستحي، بل يغضب،إن أشار أحدهم الى علمه وهو الذي قيل فيه "من المحبرة الى المقبرة". فالكاتب أو الشاعر أو الراوى أو الناثر الجيد إنسان جيد،ولا يبدع بل لا يكتب أدبا أو شعرا أو رواية أو نثرا جيداً انسان ردئ، ناهيك عن مجرم مثل بعض معتزلة زمان المأمون وتنويعاتهم الأشد هوانا. فقد قاتل بعض معتزلة المأمون من لم يجارهم وكتموا أنفاس وغيّبوا أى موهبة وابداع لمن عداهم، ممن لم يكن أياً منهم ليطاله ومن لم  يملكوا الى منافسته سبيلا،وكان صمود وكبرياء أمثال ابن حنبل يفاقمان ضغينتهم وغيظهم[xxvi]. 

وكان ابن حنبل يعتبر تكريم من لا يرى فيهم ما يجمعه معهم محنة عليه أن يواجهها بمغبة ما قد يكون، وقد كان،ودفع ابن حنبل ثمناً باهظاً،إلا أنه كان يهون أمام الهوان للسلطة والجاه، فما كان ابن حنبل أن يبدل مكانه بثروات الارض.وكان المتوكل قد بقي يحاول تولية ابن حنبل،وهويعلم أنهلن يقبل الولاية،وبقى الخليفة يسترضيه فيرسل له العطايا والمال. إلا أن الإمام ابن حنبل إن لم يردها الى المتوكل إلا أنه حرصعلى الا تدخل عطية الخليفة داره، فراح يستقبلها عند عتبة داره ويتصدق بها فيوزعها من فورها[xxvii]. فلم يترفع ابن حنبل عن طلب العطايا وحسب،وإنما كان يفزع منها لأنه ما كان ليرضى لنفسه أن ترغمه العطية على  التبعية أو/ويغدوبالتكريم مأجورا بين المأجورين. فقد كان يدرك أنه إن قبل عطية فقد رهن روحه للعاطى،وهوالذى لم يقبل على نفسه شيئاً من أحد ليبقى حراً في قول ما يريد أن يقول بصدق الوفاء للمبادئ دون سواها. وقياساً، لم يتزلف ابن حنبل أو تنازل لأحد أو ساوم مما دفع كثيرين الى الضغينة عليه، كما ألهم آخرين الكبر وعزة النفس والصمود في وجه غواية الكثرة والشهرة بالتشهير.

وقد ظل ابن حنبل تقياً زاهداً فى الكثرة وفى الشهرة يخفي علمه ومقدار توفره عليه.وحين بلغ الخليفة المتوكل عزوف ابن حنبل عن كل ما عرض عليه، احترمه وقدّره ولم يناصبه العداء. وحيث دفعت الخشية كثيرون من بطش خصوم ابن حنبل وقدرة بعضهم الهائلة على انتقامية (Vindictiveness)ابليسية،دفع ذلك كثيرون الى طلب السلامة. كما دفع الجبن والارتزاق بدورهما البعض الى الصمت، فبقي ذلك الصمت يحيط بما حاق بالامام ابن حنبلخاصة وأمثاله عامة. ولعل مثل ذلك الصمت أشد شراً من التواطؤ والخيانة، بل هوالتواطؤ والخيانة بعينهما جبناًوطلباً للسلامة،ولا سلامة.

2-المثقف المبدع  المناضل : 

كان محمود درويش، مثله مثل بابلونايرودا، فريدريكوغارسيا لوركا، ناظم حكمت، قاسم أمين، محمد عبده والافغانيبغض النظر عما أثاره الاخير من جدل على أواخر ايامه بشأن علاقته بالباب العالي، وكذا مبدعين أُخر كبدر شاكر السياب،عبد الوهاب البياتى، غسان كنفاني،راشد حسين، مظفر النواب وشعراء الثورة الفلسطينيةوالمناضلين فيها بلا هوادة،واميلكار كابرال،أوغسطينوا نيتوودوس سانتوس، كانوا جميعاً مفكرين وكتاباً كباراًوناشطين وثوار وكونيين تجاوزوا المحلية بفكرهم وأمانة انتمائم الى الشعب. وقد اشتهر معظمهم سواء فى الثورة الاسبانية والفلسطينية وحركات التحرر في افريقيا البرتغالية والثورة الاريترية وغيرها.

ويقول المستعرب الاسباني بدرومارتينث مونتابث،إن اكثر المبدعين في البانوراما العربية المعاصرة ليسوا وحسب كتاب أو رواة أو شعراء بل مثقفون كبار وكتاب نثر بارع أيضاً، وكان عظماء المبدعين على حد رأي الشاعر الاسبانيخورخي غيين:(Jorge Guillén- 1893 -1984)"إذا أردت أن ترى عظمة شاعر ما، فاقرأ نثره". وهوأمر نراه في بعض ما كتب نزار قباني من نثر، والكثير مما كتبه محمود درويش. ويقول بدرومارتينث مونتابثإن أول كتاب ظهر في لغة غربية حول ما كان يعرف بـ"شعراء المقاومة" أو "شعر المقاومة"، كان ذلك الذى صدر فى مدريد بالاسبانية فى 1978-1979 لمحمود درويش. وشتّان بين شهرة محمود دويش بهذا الوصف وشهرة مدمنى الشهرة بالتشهير أو/والأحرى بتسول الشهرة بالتنازلات والتزلم،وفي افضل الشروط باستكتاب شباب غرير بثمن بطاقة أو دعوة لمؤتمر،وبالمقابل مناصبةكل من لا يكتب عن تلك الكائنات الدّعية في كل شئ، من النضال الى الابداع، عداءاً مريراً ساهرا مسهداً بحقد يقطر سُماً بلا هوادة معبِّراً عن روحٍ كأنها روح جوداس الاشخاريوطي.

 فكيف تتوافق مثل تلك الروح وأي شبه لتجاوز الضغينة الخاصة على ما لا يقعي عند عتبات ابواب أو مواقع الخصوم الاليكترونية ناهيك عن الابداع والعالمية؟ مثل تلك الروح خاسرة بنزوعها المنبت وبأصلٍ لا تملك معه انعتاق.  ويكاد بدرومارتينث مونتابث يضع يده على داء بعض تلك الكائنات الدعية بقوله، أن شعر درويش يحضر ما هوأندلسي واسباني ويصادف الحنين إلى قرطبة. وأقول أنه طالما لا يحاول العرب شعراء وكتاب نثر ورواة وحماة الاندلس استدعاء الاندلس من خلف المكاتب فى غرف مغلقة، كما يقول فرانس فانون، فلعل الحنين الى الماضى وحده، كما يقول مونتابث، قد لا يقيّض الاحتفاظ بالاندلس. ويستدعى مونتابث محمود درويش الذى عرف الفقد اليومي الماثل فى فلسطين، فلم ينفك أن قرر ألا يبحث عن الاندلس. ذلك أن الأندلس التي يبحث عنها العرب فلا يتنازلون عن "مناداة الماضي والحنين إليه" تغدو كما قال محمود دوريش حالة يستحيل معها على العرب، المصريين والسوريين والعراقيين، أن "يداوموا على العيش في حنينٍ أبدي"، فإن يهجس الماضى للمثقف المتماهي مع الناس العاديين ينزع، ذلك المثقف الى الفعل في مستقبل يتشاركه والشعوب فى كل مكان بوصفه واحد منهم وليس فائقاً عليهم. فمادة ابداع ذلك المثقف هى همٌ ماثلٌ دوماً فى الحياة التى تهبها الشعوب للمثقف الشريف،وبالمقابل يستدعى النخبوي حالة من التفرد والتنائى بوصفه فوق وأهم من الشعوب،لأنه معنيُ بقيادتها بعد ارشادها وهدايتها إن أمكن الى العقلانية والصواب دون الاقتراب منها يوما.

الغيتوهات النخبوية:

لا يُعرف عن معظم تلك الكائئات النخبوية الانتظام عادة فى حركة شعبية أو حتى فى حزبٍ وطني. فإن يذري معظمهم بالشعوب، لا يتوانى عن استعدائها لمواجهة خصومهم فيما يعولون في المحل الأول،وبالضرورة، على ما يسمى المجتمع الدولي،الذى لا يزد على الرأسمالية المالية والصهيونية العالمية ممثلة فى أمريكا وبريطانيا والمانيا وفرنسا، كما فى حالة ليبيا،بوهم أن يقدم لهم السلطة على طبق من فضة مما يجأرون بأنه تداول للسلطة. وقياساً، فإن معظمهم يقتصر على تنظيم أو/والانتماء الى منتديات مقفولة ومراكز بحوث أنيقة متأنقة فكرياًوباهظة، مما قد تنفق عليه جهات متساررة غير معلنة وأحيانا مشبوهة. ولا يُعرف عن معظمهم أكثر من الحرص، في عواصم منافٍ مفتعله اكثر منها حقيقية، على التظاهر أمام الكاميرات، كلما لزم، بالاهتمام بهموم تداول السلطة، بالوصف أعلاه غالباً أكثر من أي شئٍ اخر. فأولئك يبرعون في اقامة جزرٍإثنية وأيديولوجية قصرية (Exclusive) فيما يشارف المعنى الضروراوى (Essentialist) للتجربة الامريكية. ذلك أن مفهوم الغيتوالذى تعيّن قضاة وأحبار وأسباط وأعيان وتجار يهود المانيا وبولندا على إجبار عماة اليهود على التمترس خلف جدرانه، يستهوي بعض النخب العربية إذ يدّعون أنه كان آلية ناجعة في تحرير يهود المانيا فى القرن التاسع عشر.

والواقع ان نسبة تحرر اليهود الى الغيتومصادرة على مطلوب المفهوم أصلا وما ترتب على خروج اليهود منه بالضرورة. هذا فقد كان موسى مانديلسون، الفيلسوف والمفكر اليهودي الالمانى الذى ولد في 1749 بمدينة نيسا، على مقربه من برلين،وبدأ حركته الاصلاحية لليهودية فيها التى كانت رغم صغرها قد تميزت بثقافة يهودية معتبرة، كان هوالذى ترجم التوراة الى الالمانية عن العبرية وأدخل الموسيقى على الصلاة وقام بحركة تحريريةواسعة لحياة يهود المانيا. وحيث كان موسى الميموننى هوالذى ترجم الميشناه عن العربية القديمة أو/والارامية الى العبرية لأول مرة منذ حوالى الف عام وحسب، فقد كانت ترجمة موسى ميندليس لها الى الالمانية عملاً ثورياً بنفس القدر. ويقول اليهود إنه من موسى بن آسيا بنت مزاحم الى موسى ميمونيدس أو ابن ميمون الاندلسى فى القرن الحادى عشر الى موسى مينديليس الالمانى فى القرن الثامن عشر، لم يطِّور أحد من فلاسفة اليهودية، اليهود ولا اليهودية بهذا القدر. فموسى مانديليس هوالذى حوّل اليهودية الى ديانة عصرية وقال بأن ليس على اليهود أن يعيشوا فى عزلة عن المجتمع[xxviii]. 

 فإن بقي مفهوم الغيتو الذي تعيّن عليه موسى مانديلسون (Moses Mendelssohn) غير قابل بهذا الوصف  للاستنساخ بالضرورة، فإن معظم النخب العربية تبقي بالنتيجة غير مدركة لمعناه التاريخى الموضوعي. سوى أن ذلك الميل غير المدروس كالعادة لتفسير الغيتوبين النخب،إلا بقدر ما يختطف معظم النخب مفهوماً فيدّعونه، يشغف الرأسمالية المالية/الصهيونية العالمية بالنخب فتستحبهم بل تعشقهم،إذ ييسرون لها ذرائعاً لتكريس تنويعات تذريب الكتل الجماهيرية وارتهانها، مثلها كمثل ما فعل قضاة وأسباط وأحباروتجار اليهود بعامة اليهودية. وتستحبهم أكثر كلما صوّغوا لها اجتياح الأوطان العربية وإذلالها، فيما تغويهم وهى تقودهم بعرّابيها،أمثال برنارد لويس وريتشارد بيرل وبرنارد هنري ليفي، بتحريضهم على حكام مجتمعاتهم، ما أن تقضى وطرها من هؤلاء.

ذلك أن الرأسمالية المالية/الصهيونية العالمية تغيّر حكامنا، كما تقوم بتغيير أحذيتها القديمةفى مناويل-جمع منوال- يعاد انتاجها فى كل مرة. فهي ما أن تسأم حكامنا، تعصف بهم دورياًإمعانا فى إزلالنا وإهانة كرامتنا. وليس ذلك وحسب،وإنما توظفنا نحن فى ذلك العصف بفبركة انتفاضات أو حتى ثورات غامضة أو ومشبوهة، فتضرب عصفورين بحجر. فتلك المناويل غالباً ما لا تحقق سوى خسارة الأوطان العربية وخزلان شعوبها كما فى كل مرة.

أزعم أن اسباط  وأعيان وتجار أعراب الشتات، يفهمون كيمياء المنفى أكثر من غيرهم،وما يفرزه المنفى-سواءاً كان منفىً داخلياًأو خارجياً-بين المخضعين له من قصور أو ابداع حسبما يتفق أو/وما يُفعِّلمن آليات بعينها. فهم الذين تعينوا على خلق غيتو فى المانيا وبولندا وغيرهما مثلاً، بغاية تحجيم حراك عامة اليهود لحساب أعيانهم وأسباطهم وتجارهم.

أعراب الشتات والغيتو:

في كل السيناريوالمنوالي الدامى الرهيبأعلاه، فإن الكائنات النخبوية غالباً ما ترى،كما فى كل مرة مثلها مثل تنويعاتها الخائبة على مر الزمان، أنها دون سواها جديرة بأن تأتي بما لم يأتِ به الأوائل. ولا يقيس النخب انفسهم بالعامة إلا بقدر ما يهجس لهم التطير من السقوط مجدداً الى صفوفهم، وقد أتى معظمهم من تلك الصفوف، فهم فى فزع دائم من "الانحطاط" الى مصاف العامة نكوصاً الى العامة، فيما لا يجرؤ النخب على اعلان توقهم الى السلطة فلا يصرِّحون باعتقادهم بأنهم انداداً للحكام. وقياساً، ففيما يتعفف المثقف الشريف حتى عن تصور أي علاقة بينه وبين الحكامويرفض أى "تكريم" أو ولاية،نجد تلك النخبتيسر فى كل مكان سياسات الاستعمار والدكتاتوريات،وبخاصة الأوليجاركيات، حتى تنتهى مهمة تلك النخب أو يحل موعد إلقائها من فوق الرف مثلها مثل السلع الغذائية التى تنتهى مدة صلاحية استخدامها. فتلك الكائنات معدلة جينياً مما ييسر إعادة إنتاج تنويعات عليها فى كل مرة.  وبالمقابل قد يعاقب المترفعين عن الخدامة من المثقفين بالحرمان من الحياة فوق رف مخازن السلع الثقافية والتعبيرية القابلة للبوار تلك ما أن يحل أجلها ومدة صلاحيتها للاستعمال.

ويقع الفرق بين المثقفين البريطانيين والفرنسيين مثلاً، فى أن الفرنسيين يصدرون عن فلسفة مفهوم الحاكم الفيلسوف حتى منتصف سبيعنات القرن العشرين على الاقل. وقد عبّر ذلك عن نفسه آخر ما عبر فى نموذج جورج بومبيدو (Georges Jean Raymond Pompidou 1911-1974)الذى ولد فى كوميون(Commune) فى مونتباونديف (Montboudif)بوسط فرنسا، مما يشارف ما يسمى المدن الداخلية (Inner cities) في بريطانيا،وتعرف فى فرنسا بالضواحى (Suburbs)أو اطراف المدن، وهى عكس معناها فى بريطانيا مثلاً. فالطبقات المتوسطة البريطانية تفضل وتحتكر الضواحي وأطراف المدن البريطانية، فيما يتكدّس المفقرون والعاطلون وحثالة المجتمع فى مجمعات وسط المدن الاقليمية[xxix]. ويعود ذلك الى تاريخ لندن منذأن كانت قرية فى القرن السابع عشر الى عشية حريق لندن فى سنة 1666م.

المثقفون الثوريون:

تحضرني على التو أسماء رفاق وصداقات من المناضلين والثوار والمثقفيين الثوريين والشعراء والكتاب الشرفاء من حركات التحرر التىعاصرتها[xxx]. وكنت قد عاصرت نهاية ثورة موزمبيق وزيمبابوي والجزائر وفلسطين إبان عملي بهم، كما عاصرت بداية استقلال الثلاث الأول. كما تحضرني حصيلة تلك التجربة وما تلاها. وقد بقى من الرفاق من بقى على قيد الحياة أصدقاء ونتواصل أحياناً،ومنهم مارسيلنوا دوسسانتوس وكان الامين العام لحزب فراليموا (FRALIMO) ومعناها جبهة تحرير الموزمبيق (FrenteRevolutionria Da Libracao Mozambicana )، ورفاق من جنوب افريقيا منهم البى ساكس (Albie Sack)، وكانت قوات الأمن الجنوب افريقية قد استهدفته بحادث حركة كاد أن يقضِ عليه ولم يلبث أن تركه مشوه الوجه وعلى درجة من العجز البدنى،ويحتل البي ساكس منصب النائب العام القائم فى جنوب افريقيا،وكان، معرفيقه اندريس نياندو (Indris Niandoo)، قد سجلا تجربتهما فى سجون جمهورية العزل العنصري في كتاب بعنوان "جزيرة فى الاغلال" (An Island in Chains) بوصفهما السجين رقم 885\63 والسجين رقم 63\،885  وكأنهما حملا نفس الرقم وربما كان رقم الزنزانة[xxxi].

ومن الرفاق والاصدقاء أيضا الفريد مانجيزى، النقابى الكبير وارشى مافيدجى الاكاديمي البارز، جوسلوفو(Jo Slovo )عضواللجنة المركزية للحزب الشيوعى الجنوب افريقى السابقوزوج الرفيقة الصديقة الشهيدة روث فيرست عضواللجنة المركزية أيضا ومؤلفة كتاب من فوهة البندقية(The Barrel of the Gun:Power in Africa and the Coup D’Etate) حول الانقلابات العسكرية فى افريقيا (1972). وقد بقي معظمهم على العهد حتى النهاية ولم يخذلوا الشعب ولا أخلى أياً منهم بالقضية. فقد كان ذلك جيل التفانى في المبادي والموت على المبدأ.  

هذا وفيما تنشر اسرائيل أسطورة أن ليس ثمة كتاب عرب مكافئين لنظائرهم الاسرائيليين،[xxxii]مثلما تجأر الحكومة الاسرائيلية، بغض النظر عن الحزب الحاكم فى اسرائيل،بأن ليس ثمة مفاوض كفؤ لإدارة مباحثات السلام، الافتراضية الخرافية تلك،فقياساً يمكن أن يعقد بين الاخيرة وحكومة الفصل العنصري الجنوب افريقية. فقد كانت حكومة الفصل العنصرى تزعم بأن المثقفين الجنوب أفريقيين لم يؤثروا فى سقوط الحكومة العنصرية، بل أنها هى التى اختارت أن تحل نفسها بنفسها. والواقع أنه ربما سقطت الاخيرة جرّاء عدم قدرتها على المواصلة وقد باتت غير عملية وغير قابلة للاستمرار. ذلك أنه إن واجهت الهزيمة الأفريكانر وحدّقت بهم، لم يكن ذلك إلا لأن الرأسمالية المالية كانت قد باتت في غنى عنهم. فقد تعيّنت بريتوريا بتواطؤ الرأسمالية المالية على خلق طبقة وسيطة سوداء تولت من بعد وراثة الثوار والمثقفين الثوريين فى عملية تيسير حلول اقتصاد السوق مكان مرحلة تطور أو تخلف جنوب افريقيا بهذا الوصف. فقد نشات طبقة وسيطة انتهازية واعية تعرف من أين يؤكل كتف جنوب أفريقيا ما بعد تصفية الثورة،وخلق شرط الانقسامات واشاعة الفضائح واشانة سمعة الثوار فوق المراودة على قادة الثورة المجيدين.

وإن  طال ببعض الأخيرين عهد السجنون والمعتقلات والمنافي،أذعن بعضهم لمواضعات العولمة فكان أنوقعواعقودا قاسمة لظهر الاقتصاد الوطنى لحساب المكدنلة (Macdonalisation)والكوكلة(Cocalisation) ...الخ.فالوقت يومئذٍ لم يكن بحاجة لأثرياء ورجال اعمال وكبار المستوطنين الزراعيين الافريكانر. فقد كانوا قد بقوا،جراء نمط انتاج واعادة انتاج اقتصاد الاستطيان، يتمأسسون فوق مرحلة تطور أو نكوص لم تزد،جراء الاستيطان الابيض،على أن تتردد بين الإقطاع والعبودية ورأسمالية التعدين فى الماس والذهب وغيرها من المعادن النفيسة. ومن المفيد تذكر أن تعدين وتجارة المعادن النفيسة كانت قد بقيت احتكارا باكراًلأعراب الشتات منذ القرن التاسع عشر على الاقل.

على أن بريتوريا تعّنت على تصفية المثقفين الجنوب أفريقيين أمثال روث فيرست،وحاولت اغتيال البي ساكس،واعتقلت وسجنت معظم المثقفين والثوريين السود والبيض المتعاطفين معهم، كما ودفعت أمثال الفريد منجيزي وأوليفر تيمبي وغيرهما الى المنافي مما خلق شرط غيتوهات المنافى بالنتيجة. كما اغتالت حكومة الفصل العنصرى ثوارًوكُتّاب وشعراء حركة تحرير افريقيا البرتغالية أمثال اميلكار كابرال واغسطينونيتو.

هذا،ولا يعنى ذلك أن كافة المثقفين الثوريين أو الذين يدّعون ذلك منزهين عن كل عيب، فقد قابلت ثوريين لا يقلون جنوناًأو عصاباً عن نظائرهم من النخب ما بعد الليبرالية. قال لي ثوري عربي قابلته فى بولندا، ايام حركات التحرر،وكانت بلاده تمر بإنقلابات صبيحة التخلص من النظام الملكى، وكان يمشي مزهواً بنفسه معتقداًأنه خرج لتوه من بين دفتى كتاب لجوركا أو لعله بات من أبطال رواية والفولاذ سقيناه، قال لي أنه اشترك فى انقلاب على نظام برجوازي اقطاعى،وكنا وقتها نتعاطى تلك المفردات بشراهة اطفال يتقاذفون بجمر ملتهب دون أن يخطر لهم كم يمكن أن تضرهم تلك الجمرات التى يتراشقون بها مغتبطين لقدراتهم الثقافية التى لا تضاهى،وأنه طلب منه وآخرون أن يقتل كل منهم اقطاعياً، وكان عليه هو أن يقتل أحدهم وكان والده. فذعرت وكدت أسقط، رغم إدعاء تلك الرفيقة الآتية من أدغال افريقيا للقاء الرفاق الرائعين الصلابة،ولم أملك أن أقل شيئاً،وبقىهوصامتاً صمتاً متلذذاً بحرجي طويلاً ينتظر فى مازوكية يجيدها الآتون من تلك البلادرد فعلى وانا لا املك الحركة، ثم قال : "إلا أن الحزب ألغى قرار قتل الاقطاعيين قبل الفجر"،ولم أملك سوى أن اسأله إن كان سيقتل أباه إن لم يلغَ الحزب القرار؟ قال: طبعاًفهوعدوي الطبقى. وكرهت نفسى وكرهته وكدت أكره النضال. وتذكرك هذ الحادثة برواية ميتافيزيقية كتبت عشية الثورة البلشفية بعنوان بيترزبيرج (Petersburg) لاندريه فليييه فيما اذكر. وأبطال الرواية متطرفين وكان على ناشط منهم أن يقتل خائناً وكان الأخير والده.

وكان ت.إس. اليوت قد قال فى العدوالطبقى، واصفاًإياه بالبرجوازية،"كم تبدوالبرجوازية فارغة ومفرغة بخاصة الرجل البرجوازي، تراه فارغاً ينتصب على نفسه كالفطر خارجه أملس وداخله ليس أكثر من قلب الطحلب يرغي بالديدان ولا شئ حقا"[xxxiii]. فلماذا لا ننفضه بمحض ركلة واحدة فنعيده الى الطين الذى جاء منه؟ ولكننا اليوم،لكنى اليوم، أجدنى أتحسر على البرجوازية الصناعية /الراسمالية /المالية،فإن لم تكن أكثر من طحلب،إلا أنها كانت، منا على الأقل، طبقات قومية وكنا نعرفها ونعرف أسمائها وأين تسكن وما تكسب وماذا تفعل بأرباحها. فمن كان يتصور أن يأتِ اليوم الذى اتحسر فيه على البرجوازية النغلة أمام الرأسمالية المالية الشيطانية.

تواطؤ النخب فى كل مكان على التاريخ الموضوعي للانسانية:

أجادل أنه حيث للحضارة-المتكاذبة بالذات- جلد رهيف جداً، فما أن تخدش سطحه حتى يظهر ما هونقيض الحضارة تماماً،أى البربرية الطافحة، فإن معظم النخب وبعض المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين لا يجرؤون على خدش جلد الحضارة الأوربية أو الأمريكية. بل يتعيّن بعض المثقفين أو المتثاقفين ومعظم النخب على الاصدار عن سطح الأشياء الحضارية الأوربية الأمريكية المدّعاة.ويتوقف التاريخ الرسمى، أى تاريخ الحضارة الغربية المتخاتلة، الانجلوساكسونبة بخاصة، عند محطتي الفراعنة وهتلر. فتدريس الأول يعفى الغرب من تهمة التحزّب للغرب، فيما يقيض له التماهى مع  ملوك وملكات وادى النيل المبيّض لحساب ما يسمى الهكسوس، تصويغا لنظرية الملوك الرعاة التى تتوارى خلفها نظرية أشد تكاذبا،ولحساب البطالمة خصماً على شعوب وادى النيل الاسراتي،وعلى حقيقة أن الحضارة الوادى نيلية افريقية. وتقيّض المحطة الثانية إشفاء ضغينة الرأسمالية المالية، التى لا تشفى، على البرجوازية الصناعية،تكريساً لسردية جديدة أو مجددة كما فى كل مرة،  لا أكثر ولا أقل تحت راية محاربة الفاشية أو/والنازية والدفاع عن الديمقراطية، وقد بقي الحلفاء يتعاملون معهما حتى النهاية، مثلما تعاموا مع الطغاة اللذين صنعوهم أو/واغمضوا العين عنهم طويلاً، ثم لم ينفكوا أن أشعلوا حروباً تحريرية للتخلص منهم تحت راية دمقرطة وتحرير الشعوب العربية أو تدمقرطتها أو حماية المدنيين أو خلق ممر للعون الانسانى المشبوه ... الخ.

وفيما تفبرك أوربا الغربية وامريكا الشمالية التاريخ، فإنهما تصدران عن نرجسية تمحور الكون حول الرجل الابيض، والمرأة البيضاء مؤخراً، وحسبوصولاًإلى تخنيث أغلبيات الرجال غير الاثرياء غير الحكام ممن يقع خارج شرائح السلطة،وإلحاق نساء مسترجلات يحظين برضى الرأسمالية ويخدمن السوق بحواف الدائرة الخارجية لشرائح السلطة. ومع ذلك، ما يبرح معظم النخب وبعض المفكرين والمثقفين والكتاب العرب والمسلمين ينطلقون من مقولات متخاتلة تقول بأن أوربا الغربية، على الأقل، ديمقراطية ليبرالية تقف فى مواجهة غيرها من الأنظمة غير الديمقراطية. والواقع لم تكن أوربا ديمقراطية ولا ليبيرالية أو غير ليبرالية،ولا كانت المجتمعات التى إدّعت إنها تمتعت بالديمقراطية اليبرالية قد تمتعت بتلك الديمقراطية إلا وجيزا. فقد بقيت المانيا وايطاليا حتى نهاية الحرب الثانية،واسبانيا حتى موت فرانكوفى 1976،والبرتغال واليونان حتى منتصف السبعينات ديكتاتوريات،وقد بقيت فرنسا تحت الاحتلال حتى هزيمة المحور، فلا يبقى سوى بريطانيا التى لم تتمتع بالديمقراطية الليبرالية إلا لبضعسنوات بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك أنه سرعان ما تحوّرت الاخيرة الى ديمقراطية ما بعد ليبرالية جراء استقطاب اقتصاد بريطانيا بصورة أوسع من غيرها فى السوق المعولم. وبالمقابل بقيت أوربا العجوز المانيا وفرنسا وهولندا وبقية اعضاء المجموعة الأوربية السابقة على سقوط المنظومة الاشتراكية، تقاوم الاستقطاب فى الديمقراطية الليبرالية الجديدة.

ويجأر بعض المؤرخين الرسميين والنخب، بأن أوربا الشمال غربية تعيّنت على بناء ديمقرطيات حولها،إلا أنها لم تنفك أن كرّست تنويعة من ديكتاتوريات عنيدة. ذلك أن انقلابا وقع فى اسبانيا عام 1975، وأحبط آخر فى ايطاليا فى 1976،وفى 23 فبراير 1981 اقتحم 200 من جنود الحرس المدني (Guardia civil) قبة البرلمان الاسباني واعتقلوا عدداً من النواب. وكانت الرأسمالية تحالفت مع فرانكوضد الثورة الاسبانية ومع  حكومة الجبهه الوطنية الفرنسية ضد الحراك الشعبى الفرنسى فى الثلاثنيات. ومع ذلك كله بقيت امريكا مرتاحة على تحالفاتها مع السلطات اليمينية والانظمة العسكرية فى امريكا اللاتنينة لا تحرك ساكنا.إلا أن أوربا نفسها باتت،وقد حجّمها مشروع مارشال مثلما يفعل صندوق النقد الدولى مع غيرها،تغلق منافذ الديمقراطية لتقف حائلاً دون تحققها، وذلك لحساب نموذج معين من الديمقراطية حيال ديكتاتوريات اسبانيا والبرتغال  اليونان.

ساقية الاكاديميا التى بلا ماء:

 كنت قد عاصرت باكراً فى ستينيات القرن العشرن،وما برحت أعاصر تباعاً فى العقد الثانى للقرن الواحد والعشرين، بعض الأكاديميين والمثقفين والنخب العرب والمسلمين وكانوا قد تدحرجوا على بعضهم فبات مثقفون نخباً،وادّعى نخب أنهم مثقفين. ولست فخورة بمعاصرة بعضهم، فلا تهمنى تلك المعاصرة فى شئ،إلا بقدر ما توفر مادة لدراسة شريحة اجتماعية غامضة ومشبوهة ومفضوحة فى وقت واحد، كما توفر ما قد يقيّض قياسات وتنويعات عليهم فيما سبق من بعض النخب والصفوات الكلاسيكية والعربية الاسلامية والأوربية الغربية. وتلاحظ(ين)،أنه ماأن يهبط بعض النخب العرب والافارقة والمسلمون الغرب حتى يمتلئ الواحد منهم بنفسه، فتسوِّل له أن يطرح نفسه "لاجئاً سياسياً"، مما يقيّض لبعضهم أن ينتحل صفة أو يغدونجماً بلا مبرر يذكر أو ينسى. وتلتقط منظمات مشبوهة-كبيت الحرية Freedom Houseوغيرها- أمثال هؤلاء فتكرِّس لديهم الاحساس بالاهمية وحتى باللزوم بخاصة حينما يتخرّج بعضهم فى جامعات شهيرة ومشبوهة بنفس القدر، مما يخرِّج سماسمرة السياسات المشبوهة بدورهم. ولا يعنى ذلك أن كلهم خريج جامعة. فهناك من لم يكمل الثانوي ويتواقح على حملة الدكتوراه الحقيقية، وهؤلاء أخطر منمُنيت،ولا تزال، بهم الحركة الوطنية والفكرية. ذلك انهم يبرعون فى تعاطى الأكاديميا العقيمة المعقمة من كل شبهة للواقع المعاش، ناهيك عن التاريخ الموضوعى لأغلبيات منتجي الفائض والكفاف والحياة.

 فكيفيتواطأ الأكاديميون الغربيون، مثلهم مثل الساسة والصحفيين والكتاب الغربيين، على اخفاء الحقيقة؟ يتعيّن هؤلاء الأكاديميون على اللف حول الواقع الموضوعي بغاية الوصول الى حقيقة موازية أو بديلة بل حتى افتراضية،وأزعم أنه من شأن تلك الحقيقية البديلةأو الافتراضية،إن صح التعبير،أن تكرَّس مجدداً، كما فى كل مرة، بالخصم على الحقيقة الموضوعية، مثلما فعلت منذ ما يسمى الاكتشافات الجغرافية الكبرى أو حتى منذ الصليبيات الشرقية. وطالما تبقى الأكاديميا معقمة من الواقع الموضوعي، من حقيقة وتداعيات الصراع حول الموارد والتوسع الامبريالي تحت ألوية نبيلة طلبا للتوسع والموارد، فإن الاكاديميا الغربية،وما يلف لفها من تنويعاتها المحلية، تخدم المراكمة الرأسمالية الصناعية والمالية والصهيونية العالمية.ذلك أن كل من وما لا يخدمها محكوم عليه بالموت جراء الاعدام المدنى الذى توقعه بكل من يحيد عن الصف ولوقيد أنملة. وقياساً، تستدعى الأكاديميا بهذا  الوصف السردية الرسمية في  تنويعاتها الاعلامية العالمية أو والسياسية المتساررة،أو بخطاب المحافظين الجدد وأنغالهم الليبراليين الجدد. عليه  يبقى كل من لا يلتزم خط سير السردية الرسمية بهذا الوصف، يبقى خارج السردية المذكورة،إلا أن العالم اليوم بات يمفصل له سردية بديلة وإعلام بديل فى بعض المناشط الرقمية لمجاميع الشباب. وتعبر الاحداث المعاصرة، كما يلاحظ الناس فى كل مكان، عن نفسها في بؤر التعبير الساخنة، الحروب، كما في سوريا وليبيا واليمن والبحرين في المقياس المدرّج. ويستدعي السودان وغيره سيناريوهات مشابهة.  

وقياساً، فالنخب فاقدة الثقة بنفسها وبقدراتها، ترضع من ثدي الأكاديميا الغربية بلا انتقاء. وإلى ذلك، فإن أول ما تفعل بعض النخب هواستدعاء الغرب، حلف الناتو، لإنقاذنا من مشاكلنا، مشاكل الرأسمالية المالية بالطبع.وأجادل كما جادلت كثيراً،إن بعض النخب المحلية تقف وراء سيناريوالاحباط العربي والاسلامي الجمعي،وهى التى يسّرت الكارثة الراهنة المحققة التى تحدق بالشعوب العربية،ووراء ما تتصوره تلك النخب غنيمة لا تزيد فى الواقع على فتاة سلطة لا طائل ورائها. فالرأسمالية المالية تفرغ كل قوة من قوانا وكل سلطة نتعيّن على اقامتها من محتواها،إلا ما خلا سلطة المال والقوة المعسكرةوسلطة السمسرة فى المراكمة الرأسمالية المالية.

محلية أو اقليمية المثقف واصطفاء الغرباء:

تعلَّم الانجليز من اليهود كره المثقفين والناجحين غير اليهود،ويحتفل الانجليز واليهود بسقوط المثقف الناجح أو/ويقفون متفرجين عليه وهويصعد، بل قد يساهمون في ترفيعه، ثم يستمتعون بسقوطه الذي يكون مدوياً بالنتيجة، على عكس الفرنسيين اللذين  يحتفلون بالنجاح.ومن أهم وأخطر ما أفسد المثقفين الأوربيين منهم،أن معظمهم لا يقرأ لغاتاًأوربية غير لغته، ومن ثم يكرسون نوعا من الاقليمية(Provincialism).ويترتب من ثم ألايعرف المواطن الانجليزى، حتى المثقف الانجليزي وربما العالم منهم كثيراً،وربما شيئاً على  الاطلاق ،عما عدا عالمه هو. إلا أن المثقف أو العالم قد يجزم بصورة غير علمية تماماً، بأن ما يقوله هومنتهى الحكمة أو/وافضل أو اصدق أو اجمل ما هوموجود على الارض قاطبة. وتستحب الطبقات الوسطى أو الوسيطة الانجليزية، وخاصة المثقف منها، كل من هو/هى مغرق/ مغرقة فى عادية التفكير (Intellectual mediocrity)أو عدمه.

ويبدع الاخيرون فى التعاطى مع الليبراليين الجدد كيما يرّوقوا لسادتهم وهم "يريلون" هكذا فكريا to) intellectually Salivate)،ويصطفي اليسار الانجليزي الخائب، (وأعرف بعضاًممن ينتمون اليهواعمل معهم، وساكتب في النخب البريطانية التى عرفتها في مرة  قادمة) كل من هوعديم الموهبة. ذلك أن أولئك الذين يتسمون بمثل تلك الخواص المثيرة للشفقة تستدعي لدى الطبقات المتوسطة وعامة الانجليز الدافع لمساعدتهم،وتعود تلك الحالة الى ذهنية الامبراطورية، التى خرجت على العالم تحت شعار عبء الرجل الابيض وحملات المبشرين من اجل انقاذ ارواح المتوحشينوالبرابرة بتنصيرهم ثواباً فى الرب، بإدخالهم فى حظيرة الإيمان مما يضمن لهم الجنة. ويتعيّن أعضاء الطبقات المتوسطة والوسيطة على مساعدة تنويعات الذين واللواتي يسعين الى الشهرة، بالتشهير بأهلهم وثفافاتهم على اللحاق بالأقوام المعتبرة.

 وقياسا، تنتقى النسووقراطية و/أو ما بعد الحداثة، إمرأة من العالم الثالث،أو الافضل من العالم الرابع كالصومال أو الجابون، فيصنع منها بيجماليون تمثالاًوتوضع فوق عرش امرأة ذات قضية وحيدة هى التشهير بأمتها،وبالإسلام إن أمكن، فتشتهر تلك الكائنة وتثرى ويُجعل منها ممثلة لكافة نساء مجتمعها،وربما قارتها، مثلما حدث مع الصومالية عيان هيرست علي (Ayaan Hirst Ali)، والباكستانية تسمينا نسرين وغيرهما.إن نماذج من النساء بمواصفات معينة ونساء الاقليات المشبوهة تُفضّل على من عداها.

وتستبدل كل واحدة من هاتيك النساء، بصورة منوالية مثلها، مثل المودة والبراديجمات الفصلية،كأضاحٍ بشرية على مذبح المراكمة فى سوق العمل وسوق المال. والمخيف أن معظم تلك الكائنات، رجالا ونساءا، لا تنى تتوهم أنها مبدعة فتتطاول على مبدعى العرب الأصيلين كمظفر النواب ومحمود درويش وغيرهما من القمم العربية. ذلك أن طول تصديق الكذبة الذاتية، يدفع أقزاماً، تصنعها الصحافة الغربية أو/وتلك التى تنخرط فى اختراع نفسها صباح مساء، مثلما تصنع الفقاعات المنوالية والبراديجمات الفصلية ليستغنى عنها تباعا، دفعاًإلى أن تتوهم أنها تطال من لا تساوي قلامة ظفره من القمم الشامخة، ترفعاًأو إبداعاًوأصالة.

الابداع والنضال اليومي بين وبجانب الشعب

لعل الابداع نصف النبوة، مثلما يغدوالمبدع الحق نصف نبى،وإلا ما معنى بأن يتساوى مبدع حقيقي أصيل بمن يكتب وينسخ، كماكارماكاروفيتس عبيط ديتويفسكى الذى قال عنه جاره وقد ارهقته نقنقة ماكارافيتس فى الطابق السفي للعمارة "انه فأر ينسخ". ويقول المستعرب الاسباني بدرومارتينث[xxxiv] مونتابث،أحد كبار نقاد محمود درويش،" ويبقى محمود درويش مثال الشاعر الذى تتداخل عنده أبعاد الابداع والنضال اليومي مع الناس والتوجه الكوني جميعاً في سياق جدلي باستمرار"، بمعنى أن شعر درويش تسيطر عليه حالة الصراع والجدل بين أبعاد شعريته الثلاثة، خصماً على الاندماج والاتفاق فيما بينها مما يمكن فهمه. فمحمود دريش، كما يقول المستعرب الاسباني مارتينث مونتابث،"فلسطيني تسود في شعريته ديمومة الصراع على حساب مفتاح الحل". فكيف لمتثاقف، فهوغالباً كذلك إذ لا يرقى الى مصاف النخب، فحتى هذه تحتاج الى حيثيات كإجادة لغةاجنبية مثلاً حتى يمر على بطاقة تلك اللغة من ابواب الارتزاق، كيف لمتثاقف بهذا الوصف لا ينخرط فى النضال اليومي لشعبه أن يتنافس مع، ناهيك عن أن يتطاول على،أمثال محمود درويش؟.

هذا وإن كانت الابعاد الثلاثة المذكورة تؤكد البعد الكوني للشاعر المثقف الناثر المفكر محمود  درويش، فمن أين لذلك المتثاقف سبيل الى أى كونية وهولا يملك ناصية لغة توصله الى الكون أبعد من لغته؟ ولا يعنى ذلك استهتاراً بأي لغة إطلاقا،إلا أن العالم بات أكثر تركيباً،وقد تحدّث الشعراء العرب الكبار وكتبوا، ويكتبون، بلغات عدة منها الاسبانية، الفرنسية،الانجليزية والعبرية. وقياساً، ينخرط المنبتون فى سرقة أعمال من عداهم وينفقون حياتهم فى التعيّن على إصدار حكم بالاعدام المدني بحق المجني عليهم إن كانواأحياءًإخفاءاُ للجريمة[xxxv]. أما ان كانوا أمواتا، فإن أولئك الأدعياء ينتحلون أشهر مقولات الأموات وكأني بهم ينتحلون القرآن، مثلما يسرق عاطلون عن الموهبة مقولات محمود درويش أو/وإدعاء معرفتهبالتلصق به، فيجأر احدهم بلا خجل "إن الشاعر يولد ويموت مع كل قصيدة وإن لم يفعل فقد ما يكتب قيمته". وحيث يجزم بدرومارتينث مونتابث المستعرب الاسباني،إن الشاعر العظيم مفكر وناشط،والأهم ناثر عظيم يؤكد أنه يتميز كمثل ما يتميز محمود دوريش مثلاً بتلك الابعاد  الثلاثة.

وأجادل،إن العجز فى موازنة الفكر والتنظيم بهذا الوصف، حريُّ بأن يعبِّر عن مغبة تعيّن بعض النخب و(المتثاقفين) على تفريغ الفكر والتنظيم معاً من كل طاقة أو رمق. ذلك أنهم فى التحليل الأول والنهائى جزء من الثورة المضادة،وكانوا كذلك على مرِّ التاريخ الحديث وما سبقه. وما ينفك الأخيرون يلحقون أنفسهم اليوم علناً بالصهيونية العالمية، مما بات معه أشر صهاينة زمان العرب الماثل هم الصهاينة العرب. ويلاحظ الناس فى كل مكان كيف بات الصهانية العرب، وقد راحوا يرددون خصائص الاستبداد، يقترفون ما هو أشد استبدادا من الحكام. وإن تخلصوا من خصومهم المثقفين الشرفاء احتكروا المنابر والهواء بلا منازع ينشرون آرائهم المغشوشة ومعرفة بعضهم المنتقصة.

ويطرح النخب والمتثاقفون أنفسهم بوصفهم معارضة لحكام بلادهم، يناهضون الاستبداد وينادون بالدمقرطة. ويتجاسر بعض اصحاب البقالات الصغيرة فيزعمون إنهم أشد الناس ديمقراطية، فيما يصادرون حرية ويكتمون، نيابة عن تجار جملة بيع الكلام الذى لا يقول شيئا، أنفاس صبيتهم و"موظفيهم"،الذين هم، أو معظمهم، فى الواقع مجبور، من  ضعف الحيلة،أمام صاحب البقالة على التبرع أو/ومؤمناً فى غفلته بأهمية المشروع[xxxvi]. 

وأجادل،إن تلك النماذج تنويع على نظائر فى تاريخ الاسلامي منذ فتنة عثمان وربما منذ حياة النبى (صلعم). ويذِّكرك صاحب البقالة بالقاضى ابن أبي داؤد. وكان ابن أبي داؤد المعتزليفي نفسه متناقضاً، فقد اشتهر بالجود والكرم،إلا أن كثيرين كانوا يرون فى ذلك مداهنة منه وتحايلا على مآربه الحقيقية فى الناس والحياة، فقد كان ينفق ببزخ آخر الليل ثم ما ينفك يستدين أول الصباح. وعندما لا تملك سوى أن تستهجن أمثال ابن ابي داؤد فتكاد تكرهه، يثير ذلك فى نفسك الحزن مرة اخرى. فكون كلاكما آدمياً معناه أن الانسان قمين باقتراف مثل ذلك الخزي. سوى أن ما يحزن حقاً هو إن من يحيطون بابن أبي داؤد،أولئك الذين قد لا يكونون بذلك القدر من وضاعة ذلك الكائن الهابط، يقفون ولومظهريا معه، وهم الذبن يعرفون عنه أكثر مما يحب أن يتصور أو حتى يذكر هو؟ فإن عرفه معظمهم جيداً، فقد يحاول أحدهم تبرير أفعاله على إنه نوع من الجنون الذى يقال أن بعض أفراداً عائلته مصاب به؟ ويذكرك ابن أبي داؤد بتوني بيلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق من 1997 الى 2007 [xxxvii]، الذي كان لقيطاً تبنته أسرة اسلكتلندية وأحسنت تعليمه،إلا إن أصله لم يفارقه، فهوكمثل الجائع الذي شبع لا يمكن الوثوق به أبداً، فيما لا ينسى هونفسه أصله ابدا. فقد كان ابن ابي داؤد،مثله مثل توني بلير،فاسد العقيدة خبيث الطوية،فكانت خصاله تلك مصطنعة ليروِّج ويمدح عند الناس فيسهل عليه بذلك نشر بدعته الضالة. ويذكرني إبن أبي داؤد بشخص زيَّن نفسه على إنه سخي صاحب مبادئ وابداع،إلا إنه كان دائم الشكوى من ضيق ذات اليد،ويكاد يتسول المال.وكدت يوماً،وكنت قد قمت ببيعمنزلي-لاحظ(ي) بعت، فى الوقت الذى كان المتثاقفون يشترون الشقق والفيلات في لندن وفى العواصم العربية-وكدت أن أتبرع لـ توني بلير بعشرة الافاسترليني،لو لم ينصحنى صديق، سألته رأيه وقتها،ألا أفعلأبدا.

ومن بعدها تنبهت قليلاً، ثم لم يلبث ذلك الشخص أن بات يذكرني بابن أبى داؤد الذي زمّه كل من عرفه واغتابه من وراء ظهره وتبرع بالحديث عنه وأتى على سيرته المخزية بدون تحرج من ذكر تفاصيل يندي لها الجبين، فى الوقت الذى واصل فيه معظمهم علاقتهم بذلك الشخص السام من خشية لسانه وقلة ادبه وفقدانه الكانل لكل وازع.

وكما ذمَّ الشعراء ابن أبي داؤد،فقد تحاشى الشعراء تلك الشخصية الا ماخلا المتتدئين منهم والمنبتين. فلم يكن له من حوله سوى من تورّط ولم يجد له سبيلاً للنجاة من لسان ذلك الوقح. وقياسا فقد ذم الشعراء المعاصرين لابن ابي دؤاد الاخير. فقد كان معظمهم قد ادرك حقيقة مذهبه فقال بعضهم فيه :نكست الدين يا ابن أبي دؤاد ... فأصبح من أطاعك في ارتداد زعمت كلام ربك كان خلقـاً ... أمـا لك عند ربك من معـاد[xxxviii]

يكتب ابن أبي داؤد شعراً ضعيفاً برؤىً ملفقة، كأنه يلتقط جملاً من صندوق قمامة غيره من الشعراء. ذلك أنه مرتاح لا يعرف كيف يحب إلا نفسه ولا حتى أبنائه من شدة تعلقه بنفسه، فهوممتلئ وسعيد بها، فكيف لمثل هذلك المخلوق أن يكتب شعرا.وكان يسرق شعر وعمل غيره ويحنق على كل مترفع وصاحب شرف وكبر وعلى كل من لم يكتب عنه ويصب عليه جام غضب مجنون. وقياساً، تجد(ين) إن قلائل، فيما خلا الخوارج والمعتزلة مثلاً، لم يكتب لهم صيت يذكر.

فقد تعيّن ابن أبي دؤاد والمعتزلة السياسيون على ألا يُذكر من عداهم،إلا من شهّروا بهم، فاشتهروا جراء إتهامهم بالتطرف والأصولية. ولقد اشتهر أنبل رجال زمانهم وأجلهم وأشدهم كبراً، كالامام احمد بن حنبل جرّاء وصمهبالتطرف، فباتت الحنبلية، بالمفهوم المعتزلي المشبوه، مرادفاً للأصولية أو حتى السلفية. إلا أن رجالاًأفذاذاً بقوا من أشهر من صمد أمام التعذيب والمهانة في سجون الخلافة العباسية الأسراتية الرشيدية،ومنهم وعلى رأسهم الى جانب الامام احمد بن حنبل نظرائه كأحمد بن نصر الى الحلاج والغفاري وابويعقوب البويطى وغيرهم من الرجال الصالحين، ممن أُلصقت بهم صفة الغلاة والمتطرفين.

فإن استدعى المعتزلة والمتكلمون ما شارف اختراق وتشويه الاسلام، فقد وقف الأمام أحمد بن حنبلفي وجه غلواء المعتزلة مما بات محنة للمسلمين،وخرج ابن حنبل متنصراُ، فقد كان عليه أن يتحمل منفرداً مواجهة ابن أبي دواد بإسم الخلافة والمعتزلة، وقد اجتمعوا عليه معظم الخلافات الرشيدية حتى بداية عهد المتوكل.

ولمذهب الإمام أحمد الفضل فى حماية الإسلام من التطرف والبدع المعتزلية،إذ تميّز بين المذاهب السنية الأخرى بالتوفيقية، فكان الدعامة التى قيّضت لقيام حركة اصلاحية في العالم الاسلامي، كما هيّأ لظهور وانتشار توفيقية مبدعة. حيث أصدرت توفيقية ابن حنبل عن أبي الحسن الاشعري، الذى كان قد "انسلخ" عن المعتزلة، فد قيّض ابن حنبل بمذهبه السمح نهاية الاعتزال.

ذلك أنه إن استخدم الاشعري أدلة خصومه المعتزلة في نقض آرائهم،وكأنه بادر باكراً بإيقاف الجدل على قدميه، فقد كان لابن حنبل الفضل فى نشوء مذهب "سني كلامي جديد", فكأن المفكر والثائر والشاعر والناثر المجيد  ابن حنبل، الرجل الصالح الكريم البار الأب الخلوقو الزوج الوفي والصديق، الذى قال فى الشافعى.ولم يكن ابن حنبل يوافق الشافعي فى كل ما ذهب اليه "هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي" يعنى أن معظم فقهى وعلمى جعله الله سببا فيهما " وهوالعالم صاحب الشعر والنثر الجميل الذى قال فيه الشافعى: "خرجت من بغداد فما خلّفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقَهَ من ابنحنبل".

كأن ابن حنبل ذلك النموذج الجدير بأن يخلق شرط أو/ويساهم فى صناعة التاريخ الحقيقي، فلا يحل أنصاف الحقائق والاكاذيب مكان التاريخ. فأين امثال ابن جنبل من أمثال ابن ابي دؤاد؟ وقياساً فقد ألهم ابن حنبل ما شهد العالم الاسلامي من بعد من "صحوة فكرية" بزعامة ابن تيمية ( 661–728 هـ /1263 – 1328 م) وتلميذه ابن قيم الجوزية ( 691- 751 هـ/ 1292- 1350 م)،وقد شهد القرن التاسع عشر وبداية العشرين حركة تصحيحية عظمى بزعامة علماء التجديد كالشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد رشيد رضا، وابن باديس[xxxix].

قفز النخب العامودى الى الطبقة الوسيطة أو/والقوى الحديثة:

إكتفى معظم المثقفين، كما وصفهم فرانز فانون، بالجلوس وراء مكاتب في الأحياء الأكثر حضرية من العواصم والمدن الكبرى. وكان (الحزب) يوفر لبعض من جاء من "الضهارى"،ولم ير معظمهم ماسورة ماء جارٍ فى حياته، ليس عيشاً في المدنوحسب، بل ومنفذاً الى الحضر لأول مرة،بالإضافة الى الخروج فى "بعثات" علاجية وترويحية ودراسية، مما كان يقيِّض لهم "النشوء" العامودى الى الطبقة الوسيطة أو القوى الحديثة بليل.

وحيث كانت الدول الاشتراكية تستقبل تلك العناصر الوافدة من افريقيا استقبال الابطال الذين لم يتجاوزوا مرحلة تطورهم وحسب،وإنما صمدوا فى مواجه ديكتاتوريات عسكرية.فكان مرأىأولئك الرفاق العرب والافارقة يعيد الى قلوب الرفاق الأوربيين الشرقيين ذكرى الاستلاب التعقب الموصوف فى أدب العهود القيصرية. وكان الرفاق الاشتراكيين يتعيّنون على إكرام الوافدين من العوالم الثالثة والعصرحجرية، فيستقبلون بعضهم عند سلم الطائرة فلا يمرون بجمارك أو قسم جوازات ليجدوا أنفسهم فى أفخم الفنادق.

وإن كان أحدهم من قادة الحركات السرية أو الثورية، فإنه يُستضاف فى رقم (32)، وهوفندق يكاد أن يكون مكاناً قائماً بذاته داخل موسكومثلا،يسع الكون وما عليه من المناضلين من كل مكان. وقد استضاف رقم (32) كل ثائر منذ وصول البلاشفة الى السلطة، من هوشى منهإلى جيفارا،وكافة الأبطال الاسطوريين للثورات الشعبيةوتنويعات خائبة من كل مكان. ويسع رقم (32) كل شئ وكل ما يلزم المرء والمرأة، من ماسح الاحذية والسوق الخاص الذى قد يفيض بما لا يملك أهل البلد الحصول عليه، الا بالعملة الصعبةاو بالتوزوك (وهي بطاقة تعوض عن الاخيرة ) الى السينما والمسرح، بحيث لا يحتاج الواحد منهم الى الخروج من ذلك المكان. وسرعان ما كانت تلك المعاملة تصعد الى رأس الرفيق أو الرفيقة فيحسب فعلاًوحقاًإنه إلها.وأزعم أن تلك الحالة أسلمت تلك الجماعات الى الاعتقاد في نفسها، حتى باتت تري أنها فوق الشعوب وتستعلي عليها علنا. 

وأجادل قياساً،إنه يبدوحتى اليوم،وكان معظمنا لم يُعنَ بتحليل بعض تلك الفئات التى حفل بها اليسار فى كل مكان، ذلك أننا فى الجنوب الكوني لم نبدع كلمة واحدة فى وصف ولا في تحليل واقعنا، بما في ذلك واقع تلك الجماعات من المثقفين والثوار والمناضلين العالم ثالثيين، هذا فيما بقينا نأخذ فى ترديد كلام زوجة أبيناالمؤسسة السياسية الغربية وأبنائها أعضاء المؤسسة الاكاديمية الغربية فى الوطن (الام) والصفوات النغلة. بل إننا نصف حالنا بمفردات خصومنا منذ سقوط الخلافة العثمانية،والتي ناصبناهاالعداء وأهلنا عليها النعوت وكلنا لها الذراية، وكلها فائض انتاج أو مخلفات عداوة الغرب لها.

هذا رغم أن العربي والمسلم، امثال سلمان رشدي، لم يزد سوى أن انتعل أحذية الولاة والبكوات والباشوات العثمانية فى الامتدادات السابقة للخلافة دون أن يغير شيئا. وكأن الغرب فعل بالخلافة العثمانية ما فعله بالعراق من حيث نشوء دولة داخل الدولة العثمانية،وما يفعله بليبيا،ويهم بأن يفعله بسوريا. ففى حالات بعينها قام الغرب بتكريس شرط نشوء ما استعمره من تلك الامتدادات. وقد بقى معظم المؤرخين والدارسين يرددون ما تعلنه السياسات الاستعمارية،ويعيدون انتاج ما يكتبه الانثروبولوجيون والسوسيولوجيون وغيرهم من المغامرين، من أعمدة الامبراطوريات الغربية من أمثال رادكليف براون وايفانز بريتسارد (Evans Prichard)والزوجين ريفرز(Rivers) سليجمان وسليجمان Seligman and Seligman. وقد انتحل الأكاديميين والعلماء، سواء ماركسيولوجيين أو ليبراليين من بعد، مقولاتهم بلا انتقاء.  فإن قال الأخيرون إن التقدم ملحاح، اعتقد معظمنا إنه يتم بمرور الزمن وإن كل ما هولاحق على ما سبقه تقدم على الاخير. ويوصف معظمنا التحولات الحالية فى العالم العربى، بلغة خطاب الليبراليين الجدد ونظائرهم من النخب المحلية،وقد انتحل  الأخيرون بوصفهم سماسرة خطاب المحافظين الجدد لغة التقدم المذعوم.   

ولعل بعضنا من كثرة ما ردد ما يقوله أسياده بلا تفكير، بات ببغاءاً يردد ما يقوله الاخيرون دون أن يعي ما يقول، وكأنه منوماً مغناطيسياً، بل مخمور أو مسطول والعياذ بالله. فقد شاهدت بعينى وسمعت بأذنيّ من يتغنَ بمشروع الشرق الأوسط الكبير،ويصف ما يحدث فى العراق بآلآم مخاض أو ضريبة التقدم. ولم أصدق أُذني،إلا أننى صدّقت وفجعت. وكانت مقولةأن التطور ملحاح يتم بمرور الزمان، قد أسلمت بعض المثقفين وقادة الحركات اليسارية الى ذهنية الخدمة المدنية والترقى بالاقدمية. وكلما طالت مدة خدمة أحدهم، كلما اعتقد فى نفسه، مثل أعضاء حزب تطول سلطته فيعتقد أعضاؤه فى أنفسهم وكأنهم مبعوثي العناية الالهية. فكلما احتكر حزب السلطة، كلما خسف بما ومن عداه الارض، سواءاً معارضة حضرية أو حركات شعبية، بحيث يغدوكل من عداه بنظره جدير بما يحيق به، مثلما يغدوذلك الحزب وأعضائه جديرون بالسلطة. وبالمقابل، يحق للمثقفين التابعين لذلك الحزب ومواليه اطلاق الكلام بلا مسئولية،وربما بقدر ما يحكم السجع،ثم ما ينفكوا أن يغدون لا مبالين، لا يكترثون لما يفعلون ويُتركون،وقد أجادوا لغة كلام لا يقول شيئاً فى أفضل أحوالهم،وفى أسوأها يتعاطون الكلام كما يأخذون السلع من فوق أرفف السوبرماركت، بل إن بعضهم لا يرى غضاضة فى أن "يلقى سلته" من فوق البلكونة للبقال فى أسفل العمارة للحصول على بقالته من الكلمات البائتة أو تلك التى فات وقت استهلاكها (sell by date). وقياساً، فإن بعض المثقفين الثوريين،أمثال بعض قادةالحركات الشعبية وزعماء بعض المجتمعات الأفريقية والأسيوية والمجتمعات العربية، يحيطون بكل من ويتشاركون والجماهير المعارضة وممارسة السلطة فى وقت واحد ويتبادلون مواقع كل منهما.

هل نشهد نهاية أو الاوليجاريكات و الديكتاتوريات الكييرة والصغيرة؟

أفكر،وأحاول أن أبحث تباعا،ً فى ظاهرة (المتثاقفون) وهم لصوص أعمال غيرهم،ويبرعون فى التواطؤ على إخفاء الجريمة بإصدار حكم بالاعدام المدنى على المجنى عليهم. وهم فى المحصلة التطورية أو النكوصية، توليفة من بعض النخب والمثقفين المسطحين المنبتين ذهنيا،ومنهم رؤساء مجالس ثقافية ومتعهدي حفلات وتظاهرات "تثقفاتية" مهمتهم تلميع الانظمة. وأعرِّفهم أيضا بـ (البقالين الصغار)، وهم تنويع على سوبرماركيتات بضاعة التضليل،أمثال نيوز كورب (News Corp)وفوكس (Fox) لصاحبها روبرت ميردوخ وما الى ذلك. ولعل ذلك قد يفِّسر القصور الفلسفى والفكري الماثل لبعض الثورات العربية، مما يعبِّر عن وظيفة تسطح الفكر العربي والعجز الفكرى والتنظيمي وغياب الفكر والتنظيم الفاعل الى النهاية بصورة ماضية فى مواجهة الثورة المضادة.

ويؤلف متعهدو الحفلات والتظاهرات الثقافيه وتسويق بضاعة التضليل، طابور الثورة المضادة الخامس بامتياز وتتبناهم القنوات والمنابر المشبوهة أو/ويستغلونها لنشر سمومهم،وذلك مألوف دائماً فى زمان الانحطاط.وحيث تتعامل سوبرماكيتات التضليل بالجملة فى النظريات والبراديجمات، التى قد لا يهضمها أو يفهمها،وإنما تتباهى باستعراض أسمائهما وأسماء مؤلفيها وعناوين كتب بعض النخب والمتثاقفون، يتاجر البقالون الصغار فى الفكر أو اللا فكر وفي التضليل فى جمل اعتراضية وبالقطاعى. وقد لا يجيد معظم البقالين لغة غير لغته الاصلية، وليس فى ذلك مسبّة، طالما أن البقال لا يدّعى معرفة لغات الدنيا،ويقتني كتباً باللغات المختلفة يملأ بها أرففاً فى مكتبته العامرة. والإرتزاق فنون تشارف الجنون. نحن نشهد نهاية ديكتاتوريات كبيرة وصغيرة بقيت تتلفع بعباءة الديمقراطية وحتى الثورية، بغاية إستباق الديمقراطية الشعبية وكسر خط بيان الثورة. إلا أن الحركات الشعبية لا تنئ تطيح تباعاً بأسطورة النخب والمتثاقفين العرب، فتكشف علاقتهم بالديكتاتوريات الكبرى بوصف معظم النخب والمثقفين فى كل مكان تنويع نانوي (Nano variation)مصغر للديكتاتوريات الكبرى ورديف لها. فالديكتاتوريات الكبرى تتكئ على وتموِّل وتكرِّس مئات، وربما آلاف، من  ديكتاتوريات الفرد الصغير المفرَّد، بوصفها تنويعاً على وتكريس لطاقم قيم الديكتاتوريات الكبرى،وقد ازدهر وشاع طاقم قيم الأخيرة بآليات المراكمة المادية واللامادية لحساب مراكمة كل من السلطة والثروة فى أيدٍأقل فأقل، خصماً على الأغلبيات المنتجة للثروة  والكفاف والحياة.

ذلك أن أولئك البقالين يلوكون كلاماً لا علاقة له بواقع الحركات الشعبية، فيوزعون فرية تزعم تنحي رئيس الجمهورية وسقوط النظام، فيما لم يكن ذلك الرئيس قد تنحي وإنما تخلّى عن منصبه ورحل وليس اثنين واحد. ويردد الاعلام والمفكرون إن النظام قد سقط،ولكنه لم يسقط النظام فيما يستقر طاقمه الابليسى فى مسام مجتمع الانتفاضات الشعبية تباعاً بمعرفة الديكتاتوريات الكبرى. ويلاحظ الناس فى كل مكان كيف تتخاتل الاخيرة فتدّعى مثول ديمقراطية برلمانية فى المجتمعات الغنية، فيما تخترق الديمقراطية البرلمانية بالديمقراطية ما بعد الليبرالية تباعاًومنذ أكثر من ثلاثين عام في تلك المجتمعات مجددا. ويخترق مشروع الحركات الشعبية الديمقراطي فى المجتمعات المفقرة، بعناد، النظام السابق على إعادة انتاح نفسه بمعطف جديدوحسب، فيما يغير البقالون الصغار ألوان المعاطف، فيجأرون بشعارات الانتقاضات الشعبية وهم الذين يتحفون وراء الثورات المضادة كما فى بعض المعارضات العربية الماثلة غب ربيع العرب.

وتسمع بعضهم يجأر صارخاً فى هيستريا من يطرح نفسه بديلاً لحكام العرب، عبر القنوات الفضائية المشبوهة التى تروّج للثورات المضادة، "أن لن يتحاور "الثوار" مع النظام القائم مهما قدّم النظام القائم"، حتى لوخلق شرط تقسيم المجتمع بفتح الباب على مصراعيه للعدوان الامريكى الاسرائيلى. بل إن بعضهم لم يعد يرى فى اسرائيل عدواًوبعضهم بات يرى أن فلسطين عقبة فى طريق استقرار المنطقة،وفى أحد اجتماعات معارضة عربية فى باريس، نظّم له وحضره بيرنارد هنري ليفي، صدر ما يشبه المرسوم بأن "الصهيونية ليست تهمة". وحيث يطرح نخبويُّ قبيح نفسه بديلاً لحاكمٍ قائمويثابر،وقد بات تزّعم أمثاله لما يسمى الحرك الشعبى، استكثارا له على أن يكون انتفاضة، بليل على إدعاء أنه من أنصار الشعوب والحركات الشعبية، وهوالذي أنكر على الشعوب طويلاً صفة الشعب. فإن أنكر تلك الصفة علي الشعوب، يشير اليها، إن اشار إليها يوما،بوصفها حركات شوارع(وانتفاضات خبز وحرامية).

فقد وجد ذلك النخبوي الدّعى الزمن الكافي فى فراغ الساحة من البديل وتفريغ فضاء الفكر والتنظيم من الفكر والتنظيم البديل، فراح يستبيح  لنفسه فجأة الحديث باسم الكتل الجماهيرية، وهوومعظم جماعاته الانتهازية الواعية تلك، لم تكن لتجد فى قلبها يوماً فلم تجرؤ على الإقرار بوجود الشعوب. ذلك أن تلك النخب المشبوهة، التى يستأجرهاأعداء والكارهون للشعوب، لم تتورع عن أن تحل نفسها مكان الشعوب أيضا. وقد بقى نشاط تلك الكائنات متسارراً،  فيما لم يزد على الحركات المشبوهة، حتى انفضحت قيادات تلك النخب المتخفية بظهور لورانس العرب الفرنسي برينادر هنرى ليفي،  فى اجتماعات اسطنبول وانطاليا-التركية وباريس وبروكسيل ومقارات المعارضين الليبيين، فقد استقوى ظهر تلك النخب بأعداء العرب والمسلمين التاريخيين.

وقياساً، يندفع بعض تلك النخب يهستريا مبشرين بإنتصار الجماعات المسلحة التى تسلِّحها قوىً لا علاقة لها بالديمقراطية ولا تحترم الشعوب. وفي تواطؤ تلك القوى مجتمعة، قد لا تجد بعض تلك النخب غضاضة فى تسليم السلطة لجماعات متطرفة. وما الذى يهم، فقد تضامنت القوى الخارجية مع القاعدة،وربما مع الطالبان، فهل يضير تسليم السلطة للسلفيين؟ ولعل تلك النخب لا تدرك تماماً مآل ثورتها. ولعلها تدرك بوصفها صنيعة بيت الحرية والاستخبارات الاجنبية، بالمال الحرام وتماس ومال أسرائيل وبعض الدويلات العربية الصغيرة التي ترصد مليار الدولار،إن اهميتها لا تزيد عن إسقاط نظام أقدم المدن الدول فى العالم. ولعل إنه ليس ثمة غاية وراء كل ذلك الزخم من الثورات المضادة، سوى إعادة استعمار الدول العربية والافريقية، ومعها باقى القارة،وإشاعة تفتيت الأوطان العربية، تقصداً حتى تتساوى كتوف الدول العربية الكبيرة والصغيرة واسرائيل بالصراعات الطائفية، فلا يبقى أحداً أحسن من أحد. فليست اسرائيل وحدها التى تتعيّن على نفى شرط قيام ديمقراطيات عربية ،حتى تبقى هى الديمقراطية الوحيدة، فتبتز العرب بتلك الميثولوجيا الفاضحة الملفقة تلفيقا. فحتى بعض العرب ممن كان يطرح نفسه بوصفه جمهوريات علمانية ديمقراطية، حتى هؤلاء كان يقض مضجعهم أي شبه لديمقراطية حقيقية فعلا. فقد بقيت مصر الدولة تناصب كل محاولة لنشوء ديمقراطية شعبية فى فنائها الخلفي بالسودان على مرِّ سنين الاستقلال.

وقياساً، بقي يناسب العرب الصهاينة طويلاً أن تتحور المجتمعات العربية العريقة،إلى مجتمعات قبلية أسراتية لحساب بعض أبعاديات النفط النانوية تلك. عليه بقيت مراكز الثقافة التاريخية تبلى، فتضعضع بمال أثرياء العرب وقنواتهم المشبوهة ومرتزقتهم النخبوية،لحساب مراكز ثقافة ثانوية قيّضت منذ أقل من ثلاثة عقود من الزمن الضائع، خصماً على الحضارات الثقافات العربية الكبرى والمثقفين والفنانين والمفكرين العرب الشرفاء، فبعد أن غُيِّبوا في زمان ومراكز الفكر والفن والادب والحضارات القديمة العريقة ، راحت بعض جماعات فى تلك الكيانات النانوية تصطنع لها أدواراً كبرى عشية ربيع العرب خاصة مع انتشار الفوضى الكئيبة تلك.

قيام وسقوط امبراطوريات  تدوير الكلام والنخب المشبوهة: 

حيث لا يُتوقع أن تستسلم أمبراطوريات تدوير الكلام وسقط القول هكذا بدون معركة كبرى، يتدافع البقالون بدورهم للظهور على شاشات القنواتالشريفة والمشبوهة معاً، كيما يؤكدوا اصطفافهم الى جانب الثوار، بل ينتحل بعضهم الثورة،وهوالذي لم يسهم بشئ ابعد من تكريس مصالحه الصغيرة التى يتبادلها مع مصالح آخرين مثله. ذلك إن أمثال ذلك الفرد يخلقون حولهم عالماً يقولون إنه يقوم على المصالح لا المبادئ، في حين أن عالم الأسوياء الشرفاء تجتمع فيه المبادئ والمصالح معاً، فمثل ذلك الفرد لا يؤمن بشئء خارج المصالح، ويعلن ذلك صراحة مبتسماً منشرح الصدر بل فخوراً،وكأنه أكتشف كنه الطبيعة الانسانية ودخيلة البشرية. فتجده يجأر بأن أحداً لا ينشر لك مقال الا بمقابل، حتى وإن كان ذلك المقابل وعداً بشئ فى المستقبل. ومع ذلك فهوالذي قد يدّعى من آنٍلآخر نضالاً مشبوها. ومن المحيِّر أن ذلك الفرد قد يدّعى إنه اشتراكياً، بل حتى ماركسياً، تكاذباً فيما يعلن مراراًإنكاره لقدرة الشعوب على عمل شئ، فالشعوب منبتة خائرة العزيمة لا يرجى منها أمل، وكأن ذلك الكائن تخرّج، دون وعي أو بوعي، فى أكاديمية ما أشير اليه بطبقة الشعب الكارهة للشعوب.

وقياساَ، فإن حاصل جمع كل ذلك حريُّ بأن يبعث على القرف، فأولئك البهلوانات النخبوية اللافكرية أكثر من يجيد اللعب على الحبال. فاللعب على الحبال من طبعه خلق وتكريس شرط تحور سياسة ونضال أمثالهم المشبوه الى سيرك متجول يعرض بضاعته على من يدفع ثمن بطاقة الدخول. إلا أن أخطر ما تتعيّن عليه تلك البهلوانات اللافكرية، هو أنها تصادر كل فكر بديل،إذ غالبا ما يزحم هزال فكرها، فى خضم ما يسمى الفوضى الخلاقةمن وجهة نظر البهلوانات العولمية الكبرى، سماء الفكر والتنظيم بكل ما هومخرِّب ومدّمر من وجهة نظر المخضعين لتلك الفوضى.

ومن أعراض إفلاسهم أن راحت تلك النخب المشبوهة، بهذا الوصف، تعبِّر عن نفسها بوصفها أوعية فارغة تملأ صباح مساء بفصول السردية الأعرابية فتاتاًوغثاثة. فقد كانت تلك النخب قد كلفت بخطاب البهروات الكبار وتمرير أجندتهم. وإن قيض لبعض تلك النخب محاولة ابداع تذكر، فإنها لا تملك الجرم على النطق بشئ، قبل استئذان سادتها الذين يطيِّبون خاطرها بالقول بأنهم هم أنفسهم لم يكونوا ليدركوا تلك الدرر التى نطقت بها بعض تلك النخب، الأكثر إبداعا فى الإرتزاق من غيرها. وتصدِّق تلك النخب المسكينة هذا، فتنطلق تلعلع مفتخرة بما قاله سادة الكون لها، على سبيل تشجيع طفل لم ينفطم بعد من مرولة ريالة التسنين.

وقياساً، فكثيراً ما يدفع الافلاس ببعض أولئك البقالين الصغار البهلوانات المرتزقة، الى سرقة فكر من عداهم ليشوهوهوينكروه على اصحابه و/أو يعمِّشون على فكر من عداهم بعيون مفتوحة. وحتى إن كان لبعضهم بقيةً من ضمير، فهم يدركون أن عليهم أن يفعلوا ما يؤمرون به، مرضاة لمستخدميهم، فلا يأتون على ذكر كل من تعيّنوا همأو/وجماعاتهم على التعميش على وجوده وإقصائه وتشويه سمعته، بتشجيع وتواطؤ بعض القنوات الفضائية وبعض مقدمي البرامج، وقد بات بعضهم يطرح نفسه بدوره مفكراً ومثقفاً، بل وزعيما ثوريا، فى منافسة مع غيره فى الساحة التى تكاد تفرغ من كل رصين لحساب الأدعياء والمرتزقة. ويحتكر بعضهم برامج وصفحات تتخصص فى أهم القضايا، فيصدرون معرفة انتقائية أو/ويحبطون الحقيقية لحساب المؤسسة الأكاديمية الرسمية خادمة المؤسسة السياسية الرسمية. وتتعيّن تلك البرامجوالصفحات على مصادرة أهم المثقفين والمفكرين لحساب أقل المثقفين والمفكرين قدراً،أولئك الذين هم من أنصاف الموهبين، في أفضل الشروط، أو/ومن عديمي الموهبة.  وتجدهم، عندما يغلب بعضهم، تفادي التصريح برأي حول قضية موسمية أو مناسبة، تجدهم يستدعون أفكار خصومهم وقد نسبوها الى أسماء لا علاقة لها بأصحابها، فقط لتمرير القول بالمناسبة المعينة مرة بعد الأخرى، حتى يطرحوا أنفسهم كمطّلعين وعالمين بالفكر الرصين بعد أن يفسدوا محتواه الحقيقي، ويجأرون متهمين من عداهم بالنظرية التآمرية،التي يعنون بها كل ما لا يتفق ومقولات الرأسمالية المالية/الصهيونية العالمية،أى أسيادهم  المحليين والإقليميين والعالميين أحيانا. فإن لا هؤلاء الأسياد من التاريخ صفحةً سوى صفحات الأكاذيب وأنصاف الحقائق، فإن كل ما عدا ذلك يوصم بالنظرية التآمرية أو بالعداء للسامية. فلم يعد شئ يجوز فى ساحة الصراع الضارى على مكان تحت سماء العولمة، الغائم المدلهم  فى جميع الفصول، سوى أنصاف الحقائق والاكاذيب. فقد بات الصراع من أجل الوجود المشبوه ذلك، صراعاً كصراع الوحوش فى الغابة بل أدني،إذ لا يفترس وحش طريدة إلا إذا كان جائعا.

إلا أن تلك الكائنات مصابة بما يشارف ذهان مجاعة (Famine Psychosis)أزلية، فهى جائعة ومتعطشة لدماء ضحاياها جراء ذهان ذعرها من فزّاعة بيداء المعارضة الرصينة والمثقفين الشرفاء. فقد ضّيقت الدول الغربية الغنية ودول النفط والعولمة والرأسمالية المالية الساحة فلم تعد تسع الكل،وما كانت لتسع الكل أبدا، على غرار توازن العمالة وأعداد العاطلين فى سوق العمل. فثمة جانٍوضحية وقاتل أو مقتول،حسب منطق معظم تلك الكواسر التى بلا مخالب أو أسنان تخصها حقا. ذلك أن الدول المذكورة،العولمة الرأسمالية المالية الصهيونية العالمية، توظِّف فى كل مكان نظرية كلب بافلوف،والإرغام والترهيب والتجويع،حتى يغدوالفرد متضوراً فقابلا لإلتقاط أى فتات كان، سواءاً فكرية أو خبزاًأو حرية. ويتعيّن ذلك الترويع والتجويع على استقطاب المعارضة بالجملة والمعارضين "فكة أو فراطة"، كما يقول اللبنانيون. وبالمقابل تبدع الدول المذكورة التظاهرات الثقافية ومجالس الأدب والفنون وجوائز الدولة التقديرية والتكريم وتعيين الناس فى البرلمان، نواباً عمّن لم ينتخبهم،ومستشارين بالكوم.   

ولا يمنع ذلك معظم النخب من، بل يدفعهم، الى احتكار المنابر والقنوات الفضائية والمناسبات والاحتفالات والتظاهرات الثقافية وغيرها من بضاعة بقالات متعهدي تلك المناشط، بمال أثرياء العرب ورصفائهم الصهاينة العرب، مدّعين زعامة الفكر والتنظيم  في بلادهم أو/ونيابة عن حكام بلاد غيرهم. فتجد معظمهم يقوم بالسمسرة فى تسويغ عزلة بعض الأنظمة من أى حليف بين معارضاتها الوطنييةوخصما ًعليهم. فيناصر بعض النخب والصفوات العربية أولئك الحكام المعزولين، خصماً على معارضي أولئك الحكام، مثلما فعل بعض المأجورين، الذين أغوتهم جوازات السفر الديبلوماسية والسفر والنزول فى ضيافة الحكام فى فنادق الخمس نجوم وربما بالزواج المجانى، دفاعاً عن سياسات وممارسات أولئك الحكام وفى مواجهة معارضيهم. ومعظم هؤلاء معروف، لسوء حظه، بالاسم للشعوب وأنصارها من الشرفاء، فذاكرتهم قويةإن علم أولئك المرتزقة.

تمارين الاذعان (Obedience training exercise)

يُدرّب الكلاب على الطاعة،وتسمى الحركات التى يقومون بها، في معارضهمأو مسابقاتهم، بتمارين الطاعة،وفيها يدور الكلب حول كاحل صاحبه أو صاحبته،ويقوم بحركات إيقاعية على ما يفترض أنها محصلة النغمات الموسيقية المصاحبة، فى حين أن الكلب يتبع تعليمات سيده أو سيدته التى تهمس بها طوال الوقت. فالكلب قد لا يسمع الموسيقى بنفس التنغيم،ونحن لا نعرف إلا بقدر ما قال العالم السيكلوجي الروسي ايفان بافلوف (Ivan n Petrovich Pavlov 1849 -1936 )بشأن التكيف العاطفى أو العصبي(Temperament Conditioning)أو الفعل الانعكاسى غير الطوعى (Involuntary reflex actionفالكلب يطيع سيده أو سيدته وحسب. ويقوم بعض المتثاقفين وبعض النخب فى العالم الثالث والأول أيضاً بما يشارف حركات الكلب،إذ يدور حول كاحل أسياده فى طاعة مطلقة، مع إنإيقاع الموسيفى المصاحبة قد تختلف منوالياً، بغاية التعميش على الشعوب التى يدرك الأسياد إنها حرية بأن تكشف الأكذوبة كما فى كل مرة وكلما طفح الكيل.

التعلق بخيط العنكبوت:

لا يكتب بعضهم، وإنما ينتظر أن يكتب غيره، فيسارع الى محاسبته على كل همزة أو هفوة. فكل همّ هؤلاء تتفيه ما هوشديد الأ همية (Makes nonsense of  a serious matter)، ليس وحسب  بغاية أن يظهر إسم الواحد منهم وكأنه أعلم من الكاتب،وإنما،وأيضاً، ضغينة على من يكتبون بخاصة أولئك الذين يتمنى الخائبون لوانتحلوا عملهم،وغالباً ما يحاولون، بأمل أن يغفل الزمان. فهم يدركون أن هناك قانوناً فى البلاد التى تحترم الفكر،ولو إدعاءاً، يحاكم على كل من السرقات الادبية وعلى مثل ذلك اللغوالخطير. هذا وقد تكون لبعض هؤلاء الأدعياء، بوصفهم العرب الصهاينة، غالباً جرائم أخطر، هى النيل من المتجردين والرصناء لحساب الصهاينة. وحتى إن لم يدرِ صاحبنا مغبة فعله، فإن ذلك الشخص العاجز عن الموضوعية بهذا الوصف، حريُّ بأن  يندرج بالنتيجة،بلا وعى، عن الموضوعية فى خانة الخونة بإمتياز. فأمثاله غالباً ما يعوزه الوعى جراء انخراطه في مشروع شخصي ذاتى لا يرى سواه،وقد أعمته ذاتيته الطافحة حتى الجنون عمّا هو موضوعى أو وطني تماماً، حتى بات يعتقد فى نفسه إنه فارس الوطنية وإن كل ما يقوم به من تلميع لنفسه نضالا.

وقياساً، تجد بعض تلك الكائنات تعتقد فى نفسها حتى يُهيأ لها أنها "ضمير الامة"،أمثال هؤلاء ليسوا سوى أبطال ما أسميه بـ"الكوميديا الفاجعة". لقد جاء زمان محاسبة تلك الكائنات بإسم الحركات الشعبية، ذلك أن وجودهم يزحم فضاء الفكر الثوري، بل يتهدده ويصادره،ويؤخر نضوج شرط نجاح الحركات الشعبية،ويصوِّغ فكر الحركات المضادة ويكسر الأخيرة خصماً على الحركات الشعبية التاريخية فى كل مكان. ذلك أنهم جزء من الثورات المضادة، بل وقوامها سواءاً بوعى أو بدونه، وهم  نخب عضوية فى تكوينها وإنجازها، فتلك النخب جزء منها، سواءأ ادرك بعضهم أم لم يدرك،إما سذاجة تشارف الخديعة أو تواطؤاً مبينا.

 



[i]. انظر(ي) يوسف حسن يوسف 2011:: حسن الترابى بين عباءة الدين والسياسة  : الدار العالمية للكتب والنشر:ص:94.

[ii]ليس فى كلامي هذا دفاع عن اي حاكم  مستبد أو حاكم يتلفع بعباءة ديمقراطية متخاتلة أو عن اي متثاقف أو نخبوي أو  صحفي مرقد Embedied يتواطأ على الشعوب بذريعة حماية المدنيين أو ايقاع الشر كل الشر بالشعوت تحت الوية نبيلة لحساب الأو ليجاركيات المالية.

[iii]نظر(ي)الانتيدبيندانت(الافريقي) The African Independent الثثاء 23 اغسطس 2011

[iv]اذاعت البي بي سي BBC World Service فى ساعة لا مباركة ان عبد الفتاح يونس كان فى طريقه عائدا الى الحكومة الليبية و المجلس الانتقالي الا ان تلك الرواية لم تتكرر مرة اخرى . وبعدها راجت حكية مفاندها ان جماعة غير معروفة اغتالته. ولن نعرف حقيقة ما يحدق فى ليبيا بغير عبد الفتاح ولا بالشعب الليبي كما لا نعرف حقيقة مايحدث فى سوريا وغيرها جراء الحرب الاعلامية الشرسة.

[v]من بحث طويل استغرق سينن حول الخوارج والمعتزلة الجدد وقد اشركت دكتور مازن مصطفى ومحمد سي فضيل ونوري الجراح فى نسخ منه تباعا وارسلت نسحة الى الدكتور ماهر الكيالي. ونسخة منه منشورة بموقعى على الشبكة.

[vi]فاذا كان لديك اكثر من ماتروشكا يمكنك فى هذه الحال ان تضع اي دمية رابعة أو خامسة  فى طافم الماتيورشكا مكان دمية رابعة أو خامسة فى ماتريوشكا اخرى

[vii]شرة اخبار الخامسة مساء الاثنين 22 اغسطس على بي بي سي راديو4.

[viii]انظر (ى) Armstrong Karen: 2007: The Great Transformation: The World in the Time of Buddha, Socrates, Confucius and Jeremiah>Atlantic Books: London: PP: 251-2.

[ix](11)- انظر(ى) Armstrong : شرحه P:253

(12)[x] Manifest Destiny followed the war of independence on which was based the right of expansion thus the (American west was conquered. There is analogy here with an earlier European notion which expressed itself in the so called right of conquest. These concepts also resonate with the German counterpart, Lebensraum meaning the Arian habitat and the living space. These concepts are further reproduced in the ally’s defence of democracy against the axis fascism, and the vilification of nationalism, the New World Order, the New American century and it’s off shoot the Greater Middle

[xi]حيث تصدر الذهنية الغربية عما يشار اليه القدر الجلي Devine Destiny الذى يسوغ استلاب العامة فى كل مكان لا يبرر القدر الجلي استلاب العامة وحدهم بل من هم فوق العامة من الطبقات الحاكمة فى الامتدادات الكلونيابية

[xii]ظر (ى) فالح الربيعى: 2001: تاريخ المعتزلة: فكرهم وعقائدهم: القاهرة: ص: 65-66.

[xiii]Armstrong Karen: 2007: The Great Transformation: The World in the Time of Buddha, Socrates, Confucius nd (14) Jeremiah: Atlantic Books: London: PP: 251-2.

[xiv]انظر(ي)NileOnLine: http://www.NilesOnline.net

[xv]اصدر فى هذا الزعم عن تجربة فى تدريس مناهج البحث سنين بلغاة وفي واقع متنباين تباين كندا وموزانبيق.

[xvi]

[xvii]انظر(ى) Karen Armstrong: The Great Transformation: chapter 7:PP:244-261

[xviii]لم يجرؤ افلاطون على التصريح بكل ما قاله سقراط وكان الاخير اكثر جسارة وصفاقة واستفزازا واستماتة في تطلب شهرة يعوض بها عن اصله المتواضع الذى لم يغفره له الاثينيون فقتلوه سما. وكان سقراط صنوارسطو-المقدوني وكانت مقدونيا فى حرب مع اثينا مما خلق شرط استلاب سقراط وصولا الى فراره فى وجه احتمال محاكمته على غرار سقراط. وكان معظم الصوفيين الكلاسيكيين امثال أناكساجوران Anaxagoran.وبروتاجوراس Protagorasواناكساجوراس Anaxagoras كما ذكرنا مترحل سواح مابين شبه الجزيرة الهندية وفارس ووادي النيل الاسراتي-بامارة ان معظمهم طرد من اثينا فى القرن الخامس قبل الميلاد.

[xix]انظر(ى) Karen Armstrong: The Great Transformation: chapter 7:PP:244-261

[xx]كان الاخير على صلة قوية بالنازى وبموسيلينى وكانت هدفه غواية العلماء الالمان للهجرة الى الارجنتين. وكانت ايفا بيرون قد قابلت اهم زعماء النازي فى 1947

[xxi]ذلك ان فردا يحل مكان زعيم القبيلة أو شيخ الطريقة بملابس عصرية وقلب تقليدى بلا عقل يخصه فهوبدوره تابع فى عملية الاستحواذ على الفائض أو الريع أو الفائدة وانتاج. بضاعة الضلال المبين تعنيا على تكريس قصور الفكر التنبؤى لحساب المراكمة المالية. ذلك ان تلك النخب التقليدية وما بعد التقليدية تتعاطى مع وتروج اسطورة احبولة فرية السلام الدمقرطة الديمقراطية الغربية. ويصادر الغرب شرط نشوء غيره ويطالب غيره باخترال مراحل التطور التى اخذت من الغرب قرونا.وتدرك النخب الغربية وربما العربية انه لوكانت الديمقراطية تخلق شرط تطور أو نشوء الاغلبيات المفقرة المحكومة لما تحمست لها ولا دعت لها الرأسمالية المالية ولا اشعلت دفاعا عنها حروبا مدمرة باهظة.

[xxii]مما يلاحظ تباعا مع اندلاع تعبير بعض الشباب فى انجلترا-فقد اقتصر احتجاج الاخيرين كما تلاحظون على انجلترا-دون ما عداها من الجزر البريطانية-عن بؤسهم وقد اتسعت الشقة بين الاثرياء والمفقرين في كل مكان بما فى ذلك فى المجتمعات الغنية. وكان بعض تلك الجماعات يسرق طعاما من السوبرماركيتات وفي مجتمع يعانى من تفاقم التغذية Over nutritionوالبدانة. ولا اسوغ بالطبع عنف وتردي بعض الشباب فى النهب والقتل. 

·         [xxiii]ولد نيكيتا خرتشوف في قرية صغيرة  وعمل فى مطلع حياته صنايعي فى ورشة للحديد Metal worker. الا انه صعد سياسيا ابان الحرب الاهلية الروسية بمعأو نة لازار كاجانوفيتش Lazar Kaganovichمترقيا تباعا جراء انخراطه فى سياسة التطهير الستالينة حتى عشية الحرب العالمية الثانية ثم لم ينفك ان بات السكرتير الأو ل للحزب الشيوعي السوفيتى من 1953 الى 1964 فرئيس مجلس الوزراء من 1958 الى 1964 الا أن بات يعتبر بعد وفاة ستالين مسئولا عما يسمى تحرير الاتحاد السوفيتي من  الستالينية   de-Stalinizationحتى ازاحه رفقاه فى الحزب من السلطة واحلوا مكانه ليونيد برجنيف كسرتير الأو ل للحرب واليكسي كوسيجين رئيسا ملزيد من التفاصيل انظر(ي) Khrushchev, Nikita (2004), Khrushchev, Sergei, ed., Memoirs of Nikita Khrushchev, Volume 1: Commissar, The Pennsylvania State University Press, ISBN 0-271-02332-5 كذلك الوكيبيديا الحرة بحذر. ما هوتشي منة فقد كان قائدا فيتناميا ماركسي ثوري مشهود له حتى وفاته بالفضل قي كل من بناء فيتنام(الشمالية) الديمقراطية في 1945 وفي تنظيم الجيش الشعبى الفيتنامى-الفيتكونج  الذى واجه فرنسا فى 1945 وهزمها وحقق استقلال فيتنام. وقاد هوتشي منة حركة استقلال فيت منة Minho من 1941 وتباعا ليؤسس الجهورية الفتنامية اليديقمراطية بقيادة الحزب اشيوعي. وقد صار هوتشي منه رئيس وزراء ما بين 1945 -1955 ثمة رئيس جمهورية فيتنام الديمقراطية(الشمالية) ما بين 1945  -1969. لمزيد من التفاصيل انظر(ي) Bernard B. Fall, ed., 1967. Ho Chi Minh on Revolution and War Selected Writings 1920-1966. New American Library. كذلك انظر(ي)  الوكيبيديا الحرة بحذر

[xxiv]شاهدت وعاصرت وتعرفت على نساء في الموزابيق والبرازيل وحتى فى مجتمعات تعد اكثر تقدما وقدم حضارة كالمجتمعات العربية وشبه القارة الهندية وايران وقد غدون مسخا مشوها لما كان يدل عليهن ويشببههن فى ثقافتهن الاصلية لا تتحدث الواحدة منهم حتى لغتها ولا تعلمها لأو لادها استعرارا.  وثمة بعض المهاجرين الى الغرب ممن يزأو د على الغربيين فى تنشئة ابنائه على الكريسبس Crispsوهامبيرجر ولا يستحبون الفول والطعمية والملوخية ناهيك عن الملاح والكسرة الخ ولا يخاطبهم بلغتهم ويمتلئ غبطة وزهوا وهم يتحدثون الانجليزية وبلهجة الانجليز دون سواها. ومعظم هؤلاء المهاجرين غالبا كانوا قبل حلولهم فى المهاجر من طبقات فقيرة هالهم ما وجدوا انفسهم فيه من نعيم الغرب (النسبى) وما حققوا تباعا في الغرب فكفروا بما جاؤوا منه جميعا.       

[xxv]معظم التحليل الوارد حول محود درويش وشعر المقأو مة من حديث للناقد الاسبانى بدرومارتينث مونتابثز مع أثير محمد على بالكلمة الشهرية العدد  بتاريخ  يولنيو2011 فلهما جزيل امتناني

[xxvi]لم يجد بعضهم محأو لة قتل بن حنبل دبيا. ولولا قيمة وشهرة احمد بن حنبل لقتوله فيزيقيا .ذلك ان تلك الكائنات تحأو ل مماثلة قتل ضحاياها ادبيا  بقتلهم فيزيقيا. فالواحد أو الواحدة منهم يعيش على الجثث والفضلات السامة.

[xxvii]كان بعض الخيرين قد نصحوا بن حنبل بالا يرفض عطايا الخليفة

[xxviii]كان اليهود قد انغلقوا على انفسهم اوعزلوا بالاحرى داخل غيتوهات فى المانا وبولندا لعشرات السنين. ومن المفيد تذكر ان ذلك الانغلاق كان بارادة وتخطيط اعيان يهود المانيا وبولن