خرافة الكيان المختلق

مقاربة في نشأة وتطور الروايّة العراقية

صباح علي الشاهر

 

 

-1-

تُعد بداية القرن العشرين فترة خصبة، لا بل شديدة الخصوبة من فترات التطور الفكري في تأريخ العراق الحديث، وتكمن أهميتها في كونها كانت فترة التكوّن والتشكل، والتي ستمنح هذا الفكر سماته الأساسية، التي جعلته متصفاً بما يمكن أن نطلق عليه ، بقدر غير قليل من التجاوز، صفة الثوري، حيث إستلهم هذا الفكر، وهو في بداياته ، مجمل الأفكار النهضوية ، التي ستتبلور فيما بعد في شتى مناحي الفكر وحقوله، بما فيها الأدب ، شعراً ونثراً، والفن، مسرحاً وتشكيلاً.

في أعقاب إعلان الدستور العثماني عام 1908، إزداد النشاط الفكري في بلاد الرافدين، الذي لم يكن سوى حصيلة طبيعيّة لتلك البذور والبدايات الثقافيّة والإصلاحية التي غطّت القرن التاسع عشر، كان لإعلان الدستور العثماني تأثيراً بالغاً على الولايات التابعة للدولة العثمانيّة، ومنها ولايات بغداد والبصرة والموصل، والحواضر التي كان تأثيرها الفكري يمتد أبعد من حدودها الإدارية، كسامراء وكربلاء والنجف والحلة، هذه الجغرافية التي ستشكل فيما بعد ما سيُعرف بالمملكة العراقية الهاشميّة، علماً بأن هذا التشكل ما هو إلا إقرار لواقع حال، وليس إبتداعاً،  فمنذ فجر السلالات وبلاد ما بين النهرين تشكل وحدة إدارية - إجتماعية - إقتصادية واحدة . البشر الذين عاشوا على هذه الأرض إرتبطوا بوشائج عديدة، وصهرهم التأريخ المشترك، وتبادل المنافع، وتنظيمهم لرافدي دجلة والفرات ، وإستثمارهما لما يحقق إستقرارهم وعيشهم المشترك، الذي شكل عبر التأريخ قوتهم ومنعتهم، ولعل هذا ما يُفسر لنا بروز الوطنية العراقية بكل هذا الحماس أثناء ثورة العشرين، التي عمّت العراق كله من جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه، وأجبرت الإمبراطوية التي لا تغيب عنها الشمس إلى الإقرار بإستقلال البلد، وهي المرّة الأولى التي تجد الإمبراطوية البريطانية الكولنيالية نفسها ملزمة بالرضوخ لإرادة شعب  ووطن، قيل أنهم هم من رسم وخلق كيانه، وسنحتاج إلى عشرات السنين، وإلى أنهار من الدماء لتقر نفس هذه الإمبراطوية لشعب عظيم كالشعب الهندي بأستقلاله. هل يمكن لوطنية عمرها ثلاث سنوات أن تظهر بهذا الظهور المدهش والإسطوري ؟

ثمة خرافة يرددها البعض عن جهل أو تجاهل، مفادها أن العراق ككيان تشكل من قبل البريطانيين، والعراق كمُسمى وككيان أسبق من وجود بريطانيا لا بمئات بل آلاف السنين،  من المؤكد أن هذه  الوطنية نتاج تأريخ وجغرافية، وصيرورة حتمية للعاملين السالفين ، ومن هنا علينا أن نشير إلى تلك التي يحاول البعض تغيبها ألا وهي الوطنية العراقية. إن سمة الوطنية مرتكز أساسي في الفكر والثقافة العراقية، وبالتالي في الإبداع العراقي، وأي محالة لتجاوز هذا المرتكز لا تعد إلا لغواً، وحذلقة كلامية، وتهويمات بلاغية فارغة متفيقهة .

إذن الوطنية العراقية أولاً، تجدها في القصيدة، في القصة، في الأغنية، تعبر عنها ريشة الرسام، وإزميل النحات، وكل ما وراء هذا وما حوله يصب في هذا المنحى، فالعراقي وطني بطبعه، وهو يبحث عن الأفكار، كائنة من كانت هذه الإفكار، ليوظفها في خدمة قضيته التي هي الوطن، لذا فإنه لأمر مفهوم تماماً أن يقول مسيحي عراقي أسس حزباً شيوعياً: ( لقد كنت وطنياً قبل أن أصبح شيوعياً ، وعندما صرت شيوعياً أصبحت أكثر وطنيّة ). نعم في العراق الشيوعي شيوعي لكنه شيوعي عراقي، والقومي قومي لكنه قومي عراقي، والإسلامي إسلامي، لكنه إسلامي عراقي، والليبرالي ليبرالي، لكنه ليبرالي عراقي، بمعنى ليس روسياً او صينياً أو إيرانياً أو بريطانياً، أو أمريكياً، وإنما عراقياَ، وهذا لا يعني أن ليس ثمة من يحملون الجنسية العراقية لكنهم إيرانيون أكثر من الإيراني، أو صنيون أكثر من الصيني، أو روس أكثر من الروسي، أو بريطانيون أكثر من البريطاني، أو أمريكيون أكثر من الأمريكي، فهؤلاء موجودون، وقد يكونون في مرحلة معينة كُثر، لكنهم متحوّلون، هم كالخثنى، التي لا هي ذكر ولا أنثى .

رغم أهمية إعلان الدستور، إلا أن إعلانه لوحده، لم يكن هو سبب هذه النهضة التي ستظهر فيما بعد في العراق، والتي ستكون من العمق والإتساع بحيث تجعل من المستحيل الركون إلى وجود عامل وحيد في بعثها، ولهذا فإنه يصدق القول إن هذه النهضة هي حصيلة ونتيجة طبيعية لما كان يختمر ويتراكم خلال القرن السابق.

لقد مست إصلاحات والي العراق العثماني (مدحت باشا) في القرن التاسع عشر، وهي إصلاحات واسعة نوعاً ما،  وإن لم تكن جذرية، ولكن بوضعها بسياقها، وترابطاً مع ما كان يحدث في دولة الخلافة، وفي المحيط القريب، إيران، ومصر، وفي أوربا التي بدت مهتمة بتحريك الواقع الراكد في أطراف الخلافة، ومن ثم في قلبها، لإغراض إستعمارية بلا شك، مست هذه الإصلاحات الواقع المعاش من كل جوانبه، و حركت المجتمع الذي كان راكداً لقرون خمس، هي زمن الإستبداد العثماني، وحفزت الواقع الإجتماعي بكليته، الإقتصادي ، والسياسي ، والثقافي ، ففي الجانب الثقافي ، تم فتح المدارس ونشرها في الحواضر الثلاث الكبرى أنذاك، بغداد والموصل والبصرة، ومن ثم تعميم نشر المدارس في بقية المدن، كما تم إرسال البعثات التعليمية إلى خارج العراق، التي لم تقتصر على الإستانة فقط ، كما تم تأسيس المطابع  في بغداد والموصل والبصرة ،  كما تم إصدار الصحف، حيث صدرت ثلاث صحف في المدن الثلاث، وإقيمت بعض المصانع في بغداد وباقي المدن، وحُسّنت منظومة الري، وتم إصلاح نسبي في الإدارة... لا شك أن هذه الإصلاحات أثرت تأثيراً واضحاً، وبالأخص في المجال الثقافي، لكنها، ورغم أهميتها، لم يكن بمقدورها لوحدها أيضاً تغيير واقع التخلف الذي عمّ العراق كله، هذا التخلف الذي كان نتيجة طبيعيّة للحكم الإستبدادي الظلامي الذي دام طيلة خمس قرون من الحكم العثماني، لقد كان التخلف شاملاً، والفقر عاماً، والجهل مستشرياً، ولابد هنا من ملاحظة مسألة هامة لدى تناول هذه الحقبة تأريخياً، ألا وهي مسألة كون الأتراك العثمانين وإن كانوا يحكمون المدن العراقيّة الكبرى، إلا إنهم ما كانوا قادرين فعلياً على مدّ حكمهم الفعلي إلى أنحاء العراق كافة، فالريف كان يحكم فعلياً من قبل رؤساء العشائر ذات التقاليد التي تمتد لمئات السنين أو آلافها. كانت سلطة العثمانيين تتمثل في تنظيم تسلم الضرائب إلى الوالي أو ممثله في المنطقة، وهذا لوحده كاف لإثبات تبعيّة هذه المناطق للعثمانيين، ومثل هذا النظام كان سابقاً للدولة العثمانيّة، إذ كان معمولا به في الدول التي حكمت العراق كافة، بما فيها دولتي الخلافة العباسية والأموية. لقد كان المركز في هذه العصور كلها يفرض ثقله على مراكز الحواضر والمدن الكبرى، لكنه يضعف حتى ليكاد يتلاشى في المدن الصغرى، والأرياف، ولهذا فإن إستبداد الحكام المتعاقبين لم يكن ليبرز غالباً في المدن الصغرى والأرياف إلا من خلال الضرائب التي كانت تُجبى، والشكل القسري في عمليّة جبايتها، أو في التجنيد الإلزامي، لقد كانت صغريات المدن والأرياف تتمتع عملياً باستقلال نسبي عن المركز، وبإدارة ذاتيّة تتم من خلال الوجهاء أو رؤساء القبائل، وهذا ماترك هامشاً حيوياً تم عبره تراكم التطور في جوانب معينة، بعيداً عن موت المركز، وبالأخص في الجوانب الثقافيّة والفكريّة، وفيما يتعلق بالعراق فقد كانت المدن الدينيّة والتي كانت بنفس الوقت مدناً ثقافية كالنجف وكربلاء والكاظميّة وسامراء، ذات خصوصية معترف بها ضمنيّاً، ولم تكن هذه المدن مواليّة للعثمانيين طيلة حكمهم، ومن هنا يمكن القول أنه، وبالأخص في القرن الأخير من سيطرة العثمانيين، كان يوجد هامش يتسع أو يضيق يستطيع العراقيون أن يتحركوا ضمنه، وحتى المدن الكبرى مثل بغداد فقد كانت تنتفض دورياً ضد العثمانيين، وليس من دونما مغزى كون العثمانيين قد أحرقوا بغداد ثلاث مرات طيلة حكمهم...

على الصعيد الأدبي، وإنطلاقاً من المدن الدينيّة، وبالأخص النجف الأشرف بدأ الشعر العربي يُعيد حيويته، وكما يرى عباس العزاوي  في كتابه (تأريخ الأدب العربي في العراق) ، فقد تم خلال هذه الفترة نبذ الأساليب القديمة التي سادت في الفترة المظلمة، وإتجهت الأساليب في نهاية القرن التاسع عشر إلى التخفف من التكلف، والحشو، والإغراق في قيود البلاغة والبديع والسجع، وكان أبرز عمل أدبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، له مساس بفن القصة الذي سينشأ لاحقاً في العراق، هو مقامة أبو الثناء الآلوسي (سجع القمرية)، وقد طبعت هذه المقامة طباعة حجرية في كربلاء عام 1856، وهي عمل طريف، نهج فيه مؤلفه نهج المقامات، وبالأخص مقامات بديع الزمان الهمذاني، وإقترب كثيراً من فن القص بصيغته الحديثه، و( سجع القمرية) يُعد واحداً من أقدم الأعمال الأدبيّة العربية على الإطلاق، إذ لم يسبقه أي عمل آخر في العالم العربي، ويمكن القول أن "أبو الثناء الألوسي" كان رائدا في هذا المجال، كما نجد من الضروري التوقف عند تأريخ طبع الكتاب ( 1856) وفي مطبعة حجرية في كربلاء ، ومن المؤكد أن هذا الكتاب ليس هو الكتاب الأول الذي طبع في هذه المطبعة، أو مثيلاتها من المطابع، مما يشير إلى طبيعة الواقع الثقافي في هذه المدينة .

 لقد وفر إعلان الدستور العثماني لأقاليم وولايات الدولة العثمانيّة، ومنها العراق، الأجواء المناسبة للتحرك، والبحث عن طرائق للتعبير بحرية نسبية للنمو والتطور الفكري، ولعل مقارنة عدد الصحف قبل عام 1908، حيث بلغ ثلاث صحف، وهي الزوراء في بغداد، والموصل في الموصل، والبصرة في البصرة، وكلها صحف مملوكة للدولة، تعتمد أساساً نشر نشاطات وفعاليات الدولة، فإن عدد الصحف بعد إعلان الدستور، وخلال ست سنوات، من عام 1908 إلى 1914 بلغ حوالي 170 صحيفة في العراق، وهو رقم كبير جداً بالقياس إلى بلد صغير كالعراق، نسبة المتعلمين فيه متدنيّة جداً، وعدد نفوسة متواضع، لا بل أنه عدد كبير وكبير جداً حتى بمقاييس الحاضر.

 وأتاح إعلان الدستور أيضاً أمكانيّة تأليف أحزاب سياسيّة في العراق، وكانت المحاولات الأولى بين 1908-1912، عبارة عن إمتدادات وفروع لتنظيمات وأحزاب موجودة في تركيا، مرتبطة بها، وغير  مستقلة عنها، وكانت مطاليب هذه الأحزاب والتنظيمات  لا تتعدى المطالبة بالمساواة، مساواة العرب بالأتراك، ولم يكن من جملة إنشغالاتها المعلنة على الأقل المطالبة بالإستقلال، إذ كانت تتصرف وتتحرك بإعتبار العراق جزءاً من الكيان العثماني، إلا أن الأتراك أمعنوا في التمييز، وحاولو تتريك كل الأقوام المنضوية تحت الدولة العثمانيّة بكل الوسائل، مما دفع إلى ظهور تجمعات عراقيّة غير مرتبطة بتركيا، ودون أن تكون إمتداداً لتنظمات تركيّة، أخذت تجاهر بمحتلف الطرق بالدعوة إلى الإستقلال، يقول أرنولد توينبي (إن هذا النظام التركي الشوفيني ولّد نتيجة خطرة هي الضد المباشر لما كان يهدف إليه، فقد أتجه نحو تتريك جميع سكان الأمبراطوريّة العثمانيّة، وكانت النتيجة أن الرعايا المسلمين الناطقين بالعربية في الإمبراطورية العثمانيّة أصبحوا بمرور الزمن قوميين عرب بالجملة).

* Arnold Jaseph Toynbee (Aspeets of Arab History) The listener. vol. 80. no 2058(5 September 1968) p:294.