هل ستتجه بوصلة العنف إلى إيران؟

صباح علي الشاهر

 

لا تختلف التركيبة السكانية في إيران عن مثيلاتها في المنطقة، سواء من ناحية العنصر أو الدين أو المذهب، ولم تكن إيران في يوم من الأيام ساكنة، ولا كان مفكروها صامتون، وحتى رجال الدين فقد كانوا سباقين في إستلهام الواقع والتعبير عنه بحدود ما يسمح به المنطق الديني، وليس المجتهد محمد حسن الشيرازي مفجر إنتفاضة التنباك عام 1891 بإستثناء بالنسبة للمراجع الذين عبروا في منعطفات تأريخية عن حسهم الوطني، كانت ثورة التنباك مفخرة، فبعد أن منح ناصر الدين شاه حق بيع وشراء التبغ في إيران لصالح الشركات البريطانية، أصدر محمد حسن الشيرازي فتواه المشهورة " إستعمال التنباك والتوتن بأي نحو كان بحكم محاربة إمام الزمان عجل الله فرجه"، يومها كان ربع سكان إيران يعملون في قطاع التبوغ زراعة وتصنيعاً وبيعاً، وإحتكار بريطانيا لهذا القطاع يعني إرتهان مقدرات البلد للبريطانيين.

ولا يحسبن أحد أن كل رجال الدين كانوا كالشيرازي إرتباطاً بقضايا شعبه. فإن البعض الآخر وهم نسبة كبيرة إرتبط بالسلطان، ولم يختلف الإمام الشيعي في حضرة الشاه، عن مثيله الإمام السني في حضرة الخليفة العثماني، أو الداي في شمال أفريقيا، أو الخديوي في مصر.

موقف ما يسمى برجال الدين في إيران لم يختلف عن موقف نظرائهم في بقية أرجاء العالم الإسلامي، فمنهم المنفصل عن عصره، والغارق في أحشاء الماضي، ومنهم المتنور، والمجدد.

والمؤمنون ( المتدينون) لا يختلفون عن نظرائهم في العالم العربي، فهم يراوحون بين المذهبية والوطنية، ولمن لا يدقق تبدو له المذهبية غالبة، في حين أن الوطنية هي الحاسمة في نهاية المطاف.

وإيران المنقسمة بين الأعراق، والمذاهب، والأديان، منقسمة أيضاً فكرياً، بين من يشخص بنظره صوب الغرب، ومن يستلهم الماضي التليد، ومن يرى أن الدين أعاق تطور البلد، ومن لا يعنيه أمر الدين، ولكن يهمه البعد الاجتماعي الاقتصادي.

من أي مدخل سيدخل الإرهاب إلى إيران؟

من مدخل الفرس والآذريين ( الترك) مثلاً؟ أم من مدخل السنة والشيعة؟

المدخلان غير مناسبين، فالتعصب المذهبي لدى الآذريين لا يقل عنه لدى الفرس، وربما يتجاوزه، وكل منهما أسهم في بناء إيران، والسنة والشيعة في إيران في نهاية المطاف فرس، ولن يقدموا على تحطيم دولتهم، حتى لو كانوا مستعدين لتغيير نظام الحكم.

لذا من الصعب تحريض السنة الفرس على إيران الفارسية، ومن الصعب تحريض الآذريين الشيعة على إيران الشيعية. 

إذن من الطبيعي الإعتماد على خليط ( طائفي عنصري)، وهو متوفر بشكل نموذجي في إيران.

لماذا نموذجي؟ لأنه يتصف بصفتين ( العرقي، والمذهبي) ، وكونه يوجد في أطراف البلد ، ( كردستان إيران ) في الشمال الغربي من إيران، و( بلوشستان ) في الجنوب والجنوب الشرقي، ونستثني هنا عرب عربستان.

لماذ نستثني ( عربستان) رغم أن العرب هناك من أكثر الأقوام عرضة لمحاولات طمس الهوية القومية، فهم مثلاً لا يحق لهم التعلم بلغتهم القومية، وتفريس مناطقهم جار على قدم وساق منذ عهد الشاه، وإلى ما بعد الثورة، وقد إشتدت محاولات التفريس ضراوة بعد الحرب العراقية الإيرانية، لقد كانت هذه الحرب وبالاً على الشعب الأحوازي العربي، ويضاف إلى هذا أن الغالبية العظمى من عرب الأحواز شيعة، ولذا فإن الخطاب الطائفي سيكون له مردود معاكس، والحملة المشنة الآن (تحت راية مكافحة الصفويين والرافضة)!

سنركز على ما نعتقد أنه سيكون المدخل لإيجاد موقع قدم لمن ينشد تغيير النظام في إيران، علماً بأن أعمال العنف في هاتين المنطقتين ( بلوشستان وكردستان) لم تتوقف في أي مرحلة ، وإن كانت ليست بالقوة التي يمكن أن تؤثر على بلد يمتاز سياسيوه بالحنكة والقدرة على لعب كل الأوراق، أضافة إلى ما يتمتع به النظام من قوة .

في كرستان إيران تحمل منظمة ( بيجاك)- حزب الحياة الحرة الكردستاني-  الراية، وهذه المنظمة التي أعلن ( عبد الرحمن حاجي أحمدي) عن تأسيسها في نيسان عام 2004 تعد إمتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتعد فرعاً له، وهنا مصدر ضعفها لا قوتها، فإن تكون جزءاً من هذا الحزب، أو حتى قريبة منه فإنها ستكون في مواجهة تركيا، ولن تحضي برعاية الحزب الديمقراطي الكردستاني الحليف لتركيا، ولا جماعة الطالباني والتغيير الحليفين لإيران، إضافة إلى أن قيادة هذه المنظمة موجودة في الخارج، وأن جل ما تقوم به عمليات إستعراضية بين وقت وآخر، غالباً لا تتجاوز المناطق الحدودية، وطالما الأمر مرهون بهذه المعطيات فلا مستقبل لهذه المنظمة، وسوف يدفع عملها إيران وتركيا لتنسيق عملهما معاً، خصوصاً وأن أكراد تركيا إحتكموا للسلاح كوسيلة لا يوجد غيرها لإحقاق حقوقهم، وعلى إيران أن تخشى الأغراب المتواجدين في المنطقة، حتى أكثر من خشيتها من ( بيجاك) ويأتي في صدارة القائمة التي على إيران أن تخشاها الموساد الإسرائلي، الذي بات يسرح ويمرح في كردستان، لقد بين الصحفي " سيمون هرش" أن هذا الحزب البيجاك- بات يحظى بالدعم من قبل أمريكا وإسرائيل، على الأقل منذ عام 2006 " 

أما في بلوشستان، فرأس الحربة هو " جيش العدل البلوشي" الذي تشكل على أثر إعدام السلطات الإيرانية لزعيم حركة ( جند الله البلوشية ) عبد الملك ريغي، وقد قام هذا الجيش بتوجيه ضربات قاسية إلى القوات الإيرانية في سيستان وبلوشستان، لكن عمله سيظل في الأطراف التي يكون تأثيرها قليلاً، ويبدو أن إيران تواصل تعزيز علاقتها مع باكستان التي يشكل طموح البلوش للإستقلال أحد هواجسها، ويقال أن ثمة تعاون أمني وإستخباراتي بين إيران وباكستان ضد هذا الجيش.

طبيعي أن لا أحد يفكر في فتح جبهة على طول الساحل الفارسي من الخليج العربي، فمثل هكذا فعل أخرق، غير مسموح به ، ولا يفكر به أشد المتعصبين حماقة ..

سنسمع في قابل الأيام فراقع في أطراف إيران، وربما في العمق إذا تدخلت مخابرات القوى العالمية، لكن إيران لن تصبح سوريا، ولا العراق، فالعرب وحدهم الذين تمتعوا بأذية بعضهم البعض، وقتل وتدمير بعضهم البعض، وعبثا البحث عن سادية تشبه سادية القادة العرب .