هل سينتهي دور مسعود بارزاني؟:  الوطنية والجزئية بظل "العملية السياسية الطائفية"

عبدالأميرالركابي

 

 

الذين تصدروا "العملية السياسية الطائفية" منذ عام 2003 داخلهم اعتقاد راسخ بان صيغة الحكم، او "النظام" الذين جاءوا ليطبقونه برعاية الاحتلال الأمريكي، ستسير على وفق إيقاع كان كل منهم يضمره منذ ان قرروا بالاصل التعاون مع الأمريكيين قبل الغزو الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين وانهيار الدولة المسماة "حديثة" لصالح قوى "ماقبل الدولة". فالقوى التي انخرطت في العملية المذكورة اجمالا، هي اشكال من تمثيل متباين درجات الدقة مع واقع ينتمي مفوميا وعمليا لاليات وطموحات عالم " ماقبل الدولة" ومحفزاته التي اثارها وراكمها صعود الدولة " الحديثة"، وممارساتها القسرية خلال قرابة 82 سنة.

لم يكن هذا العالم من "المعارضة" التي جاءت مع الاحتلال، متعدية او متجاوزة مشروعا وبنية، للشكل الذي وصلته الدولة "الحديثة" بصعود البعث عام 1968 ، واي تحر في النشاط السياسي والفكري للقوى المذكورة خلال اكثر من ثلاثين عاما من عملها المعارض ضد نظام البعث الصدامي، يظهر انها ظلت تفتقر كل الافتقار لاية رؤية "وطنية" مستقبلية لعراق مابعد "الدكتاتورية"، بما يجعل من المنطقي القول بان هذه القوى كانت ادنى وعيا وتمثيلا من مقتضيات " الوطنية" مابعد الدكتاتورية، ومابعد الدولة الحديثة القسرية، والأكثر انطباقا على نوايا هذا الصنف من المعارضة المنتقلة للحكم تحت ظل الاحتلال الأمريكي، هو اعتماد الجزئية، سواء الطائفية او العرقية او العشائرية، فلا احد من هؤلاء كان معنيا اومدركا لشعار الديمقراطية بماهي نتاج اكتمال التشكل الوطني، على العكس، فكر جميع هؤلاء وتصرفوا بناء لمقتضيات تكوينهم وامكاناتهم التمثيلية، فالاكراد او تيار هام منهم، كانوا يضمرون الانفصال، وهؤلاء على راسهم مسعود البارزاني زعيم الحزب الوطني الكردستاني، وقادة العرب السنة او ممثليهم الذين من هذا الصنف، كانوا ومايزالون يجدون انفسهم بين وجهتين تتراوحان بين العودة للامساك بالسلطة، او البحث عن شكل من اشكال الانفصال، ومن تصدروا المشهد مرتكزين للتمثيل الشيعي، اضمروا القفز على فرصة تاريخية غير مسبوقة للامساك بالسلطة منفردين.

وبالاجمال فان تلك الدوافع كانت وماتزال تتحكم بالوضع العراقي وتطبعه بطابعها، علما بان مثل هذه التوجهات قد لاقت أصداء وحظيت بتاييد اولي بدائي من قبل المجموعات العراقية ماقبل الدولوية، من جهة بفعل الفراغ واضطراب المفاهيم الذي اعقب سقوط نظام شمولي دكتاتوري ريعي بطريقة قيصرية، ومن جهة أخرى بسبب عدم تبلور مفهوم وطني شامل يتطابق مع شروط مابعد الدكتاتورية والاحتلال، وهو مالم تكن قد توفرت أسبابه بعد، وفي حين ظلت الأفكار المتوفرة محصورة ضمن نطاق ماقد تجاوزه الزمن والحقائق المستجدة، فقد تغلبت الميول "العملية" لقوى ماقبل الدولة، والاطر السياسية التي ركبت عليها بالاستعانة ب " الريع النفطي"، ماقد منحها ولفترة، قدرا من الإستمرارية، لابل والانتعاش أحيانا، استمر حتى عام 2010، لتبدا بعدها سلسلة من الازمات والتوترات السياسية بالتفاقم.

ولن نذهب هنا للغوص في التحليل بحثا عن مظاهر تجل لاليات عابرة للجزئية، تبين انها لم تكن معدومة، وبقيت تنمو في العمق خارج، وبما يتفوق على الممارسات السلطوية الجزئية الطائفية والعرقية، فهذا مجال يخص جانب البحث عن الصراع المتنامي بين" الوطنية الجديدة" مابعد الطائفية /العرقية، وبين هذه الأخيرة، ملاحظا عبر تحري مجريات الاحداث ومساراتها من 2003 الى الوقت الحاضر، وقد يرى البعض ان اشكال تمظهر الوطنية الصاعدة، تأخذ بالحتم نفس الصيغ والممارسات الايديلوجية او التقليدية المندحرة، او يذهبون للبحث عنها معتمدين تلك المنهجية، الامر الذي لن يوصلهم لاي مسرب يجعلهم يلتقون مع المجريات الحية الراهنة.

وفي هذا المنحى، ومادمنا بصدد تحاشي البحث في تفاصيل الاليات المستجدة، فلنختر كمثال حالة معاشة الان، عبر الوضع الجاري في كردستان العراق وعلاقته بعمل مروحة معطيات الوطنية الجديدة وكيفيات حضور مكوناتها، وسنركز هنا على حدث مهم، هو "تحرير الفلوجة" الذي كتبنا عنه مقالنا المنشور في "العالم الجديد" وقتها، متسائلين "هل سيغلق تحرير الفلوجة ملف تقسيم العراق نهائيا؟"، هذا التقدير وقد اصبح اليوم واقعا ينعكس على مواقف البارزاني رئيس إقليم كردستان المنتهية ولايته نذرا تصل لحد احتمال انتهاء دوره كشخصية مقررة، فتحرير الموصل على يد القوات العراقية والحشد الشعبي، سيدق ناقوس الخطر في كردستان، ذلك لان حكومة المركز سيكون لها بعد تحرير الموصل قوة عسكرية ضاربة ومجربة ومشحونه بخبرات قتالية وتنسيقيةعالية، والبيشمركة ستضطر للانسحاب من المناطق التي احتلتها تحت غطاء محاربة "داعش" واهمها كركوك، فاذا اختارت البيشمركة القتال ولم تنسحب، فان افقا مظلما سيظهر مرسوما فوق سماء كردستان، سيتحمل البارزاني وسياساته الدكتاتورية الخرقاء قصيرة النظرمسؤوليته بين الكرد، ماسيجري استغلاله من قبل منافسية على زعامة كردستان واعداءه، بينما ستزداد اللحمة الداخلية الكردية اختلالا، ومع دفع إيراني متوقع لمنطقة السليمانية وحركة "التغيير" التي تتسلح بدعم إيراني، فان تحميل البارزاني مسؤولية الاضرار بالمصالح الكردية العليا سيكون امرا طبيعيا، هذا وتقول المعلومات منذ الان بان السيد مسعود لم يعد يستطيع زيارة السليمانية، هذا علما بان"تجربة كردستان " في الاعمار لن تتحمل قتالا قد تهبط معه الصواريخ على أربيل، ليهرب راس المال الأجنبي منها في اليوم الثاني، وليسقط اكثر من مليون عاطل عن العمل في حضن مسعود الذي يعاني من ازمة مالية أصلا.

كل هذا سبق لي شخصيا ان ابلغته للسيد مسعود عام 2012 الا انه فضل النصائح الإسرائيلية والأمريكية، وظن ان الاليات الوطنية العراقية الشاملة، اضعف بمواجهة النزعات الجزئية ومن يحركونها ويغذونها، كنت قلت له ان زمن الأحادية الامريكية انتهى 1991/ 2012 ،وان عليه لمصلحة الكرد ومستقبلهم، ناهيك عن مصلحة العراق ان يغير سياسته، ومع مامر من يومها من تعرجات، الا ان الحصيلة التي كنت اشر ت اليها في حينه، أصبحت على ماتشير الدلائل وشيكة.

هل القاعدة التي تحكم واقع العراق ومساره المستقبلي، الجزئية ومايكرسها، ام التعددية مع الوحدة، هنا الرهان الذي جانبه الجزئيون خلال الفترة التي تسنى لهم خلالها تصدر المشهد، وسعوا لتابيدها وصولا لتمزيق العراق، لولا ان الوقائع المضمرة الوطنية دفعت بهم جميعا للخسارة وتقليص هامش عمل الجزئية المطرد، بانتظار النقلة الأكبر، حين تتبلور رؤية وطنية ينتظر ان تفرزها تجربة العقد ونصف الماضيين، على امل اكتمال ملامح العراق التعددي الموحد تصورا ومشروعا.

للمرة الأخيرة أتمنى ان يتوقف السيد البارزاني امام هذا الراي، وان يزنه بروية وبميزان مصلحة ومستقبل شعبا الكردي الابي، ومصلحته هو شخصيا، ومصلحة عائلته، وقبل هذا وذاك مصلحة العراق الكبير والرحب المتعدد الواحد، وان لايفعل مافعله حليفه ضد اخوته الكرد في " الاتحاد الوطني الكردستاني" صدام حسين، حين اختار طريق تدمير العراق وتدمير نفسه وحزبه بدل طرق التغيير الطوعي نحو التعددية والديمقراطية.