إستشهاد الإمام علي ، مناسبة لألغاء طبفة " السادة"

صائب خليل

 

 

في كل مرة كنت اكتشف قولا عميقا ومعبراً للإمام علي، كنت أتعجب من روعته، ثم أتساءل فوراً: لم لا يطبقه من يعرفه؟ لم لا يقتربوا منه على الأقل؟ بل إني كنت أحياناً أعجب أن من يعرف تلك المقولات ويدعي بأنه يتبع ويقدس قائلها، يتجاهلها تماما، بل يقف بالضد منها احياناً!

واحدة من اجمل ما وصلنا عن سيرة الإمام واهمها للمجتمع، هي القصة التالية عن الراكب والسائر. ولشدة إعجابي بها اكتب عنها هنا للمرة الثانية. وكانت الأولى عام 2006 في مقالتي: العامة والسادة في حافلة نقل الركاب: خيار بين الإمام علي ومعاوية. ومحورها قصة حقيقية عن شاب يتعرض للتمييز من إحدى فصائل الميليشيات الدينية في وقتها، باعتباره من "العامة" فيطلب منه النزول من السيارة، مقابل "السادة" الذين يسمح لهم بالبقاء فيها، فغضب بشدة لأنه لم يعتد مثل هذا التمييز من قبل.

ربما يقول أحدهم انه لا يجب إثارة مثل هذه الأمور احتراماً لتقاليد الشيعة الذين يمثلون أغلبية في البلد. لكن كما بينت في تلك المقالة:

"الحقيقة أن المبدأ الشيعي يتنافى تماماً ويتناقض مع مفهوم "السادة" و "العامة". فعلى طول الزمن، كان أئمة الشيعة وقادتهم ينادون بالبساطة والتواضع ويفخرون بهما، وأهم من ذلك انهم يوجهون النقد الشديد، وبحق، الى الأمويين الذين انعزلوا عن الناس ولبسوا لباس الملوك والترف ووضعوا الحجاب بينهم وبين بقية المسلمين. اليكم قصة الإمام المقصودة:

"روي عن الأمام علي بن ابي طالب أنه خرج يوما على أصحابه هو راكب، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال: "ألكم حاجة؟" قالوا: لا يا أمير المؤمنين! ولكنا نحب أن نمشي معك. فقال لهم: " انصرفوا فإن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي."! "

ما أجملها وما أرقاها! إنني لا أحتاج إلى ان يكون قائل هذه العبارة منتمياً إلى نسب شريف لكي أرى انني امام رجل عظيم متميز، وفي غاية الإنسانية!

تحت الصورة التالية كتب الاديب سمير الشاعر:

 

 

يسكنون القصور ..

يستقلون جكسارات ..

يحميهم بودي كارد اشداء ..

ليخبرونا ان الأمام علي كان زاهدا ..!!

أنظروا إلى هذا الرجل السائر على البساط ليصل إلى سيارته الفخمة، هل تجدونه أقرب إلى صورة علي ام صورة معاوية؟ من الذي وضع الحجاب (او البدي كارد) في بابه؟ انظروا الى الشباب المنحنين إلى الأرض، هل ترون فيها تلك المذلة التي لم يرض الإمام علي على ما هو اقل منها بكثير حين يسير المرء قرب راكب؟ وهذا الانتفاخ فيمن يسير على البساط، اليس الفساد بعينه؟

بل تعالوا نرى حال العراق في مقولة الإمام علي، ألا نرى الفساد الأعظم بقياداته السياسية التي يشكل عملاء السنة و"سادة" الشيعة حكومتها، ويشكل "العامة" من شيعة وسنة، شعبها الذي أذله هؤلاء القادة بفسادهم؟

لنعد إلى مسألة التراث الشيعي واحترامه. من يمثل هذا التراث؟ عمار الحكيم وأشباهه أم الإمام علي ومن اتبع أخلاقه من العلماء؟ ومن الذي يمثل تراث معاوية؟ إذا كان الإمام علي هو من يمثل تراث الشيعة أكثر من عمار الحكيم، فيجب ان يعتبر الغاء "السادة" احتراماً لتراث الشيعة وليس تجاوزاً عليه! بل ان الإبقاء على هذه الطبقية وفاسديها هو إحترام لتراث معاوية على حساب تراث علي! فمن سيقف ويدافع عن "السادة" لا يمكن ان يكون في قلبه مقلداً للإمام علي، بل عدو مبدئي له! ليكن لكل امرئ مقلده، وليتبع نصائحه وفتاواه، لكن إضفاء الهيبة والعظمة على طبقة كاملة فاسدة لمجرد النسب، أمر بعيد عما ترشدنا إليه سيرة الإمام علي وأقواله.

إذن هل في الغاء "السادة" إهانة للتراث الشيعي أم احترام له؟

ليس هناك أي شك في الأمر، فما الذي يمنع أن نكون، وخاصة من يقدس الإمام علي منا، أكثر إخلاصاً له ولتراثه، مما لمعاوية وتراثه؟

فلماذا نقدس الأئمة دون ان نقتدي بهم؟ بل كيف يصل الأمر إلى الاقتداء بخصومهم بدلا عنهم؟ اليس في ذلك نفاق واضح؟ ما الذي يمنعنا حقاً من تغيير هذا الحال المائل؟ هل هي الهيبة التي للسادة على بسطاء الناس؟ حسناً دعونا نلقي نظرة على هذه الصورة التاريخية. قد يسأل المرء لماذا هي تاريخية؟ لأنها تمثل الناس البسطاء وقد تجاهلوا تماما مرور هذا الفاسد "الأموي" و "موكبه" وبقوا جالسين!

 

 

 لم يفعل الناس ذلك من قبل، وربما تصوروه امراً جللا وصعباً، وفجأة يتبين أنه سهل، يتمكن ثلاثة بسطاء من إنجازه، ببعض شجاعة ولحظة تحرر من تقاليد نعلم أنها لا تمت لا للدين ولا التراث الشيعي بصلة. وحدوث هذا لا يعني أن هؤلاء الثلاثة لوحدهم في الأمر، بل يعني أن تلك الهيبة المزيفة قد ذابت، وتلك الفقاعة قد انفجرت! إن كان "السادة" لا يمنعون أنفسهم عما نهاهم الإمام علي عنه من "مفسدة" الركوب، فقد امتنع هؤلاء الثلاثة عن "المذلة" التي استنكرها الإمام على "السائرين" قرب راكب. ولا شك عندي أن هؤلاء أقرب إلى ما يريده الإمام علي لقومه، من أولئك المحنية رؤوسهم في الصورة الأولى، او الذين يزحفون على ظهورهم في مناسبات أخرى.

فدعونا، بمناسبة يوم استشهاد الإمام، أن نقف معه بدون نفاق، بل بصدق وبجرأة وبحق وأن ندعو ليسود تراثه ومبدأه لا مبدأ معاوية السائد اليوم.