من دفتر الذكريات

باقر إبراهيم

 

تقديم

هذه الصفحات من ( دفتر الذكريات ) تتحدث عن أحداث ووقائع، رايت التوقف عندها، أو عن شخصيات، توفرت المناسبة التي أستطعت تخصيصها لأستذكارها وتدوين مآثرتها.

قد يبدو أن لاصلة تربط بين أجزاء هذا الملف لكني أرى، أن مايجمع بينها هو إنها تتحدث عن مآثر أو مواقف رموز معروفة في سجل النضال الشعبي العراقي، أو النضال القومي، وان في جمعها، فائدة إطلاع القارئ عليها، وكذلك فائدة توفرها للباحث في تاريخ اليسار العراقي والعربي. كل ذلك، حفزني لضمها في هذا الملف من ( دفتر الذكريات ).

 

                       باقر إبراهيم - حزيران / 2016 .

 

 

الفهرســــت

1-      الذكر الطيب لفقيدنا د. عبد الكريم الغبان

2-      شاكر السماوي... وداعاً

3-      وداعاً فقيدنا الغالي...وليد جمعة

4-      وصفي طاهر...رجل من العراق

5-      شمران الياسري...الغائب الحاضر

6-      درس من قبرص...الثوار ورجاحة العقل السياسي

7-      بعض من ذكرياتي...مع الجواهري

8-      يوم عاد سلام عادل إلى العراق عام 1962

9-      شهاب التميمي من رموز العراق

10-  دور التعصب والعقلانية في خلافات الشيوعيين العراقيين

11-  محمد صالح العبلي في ذكراه الخالدة

12-  اللقاء الأول مع الحكيم جورج حبش

13-  الشهيد الدكتور محمد بشيشي ( ابو ظفر )

14-  تحية لروح الشهيد د. سعد مهدي شلاش

15-  حسين سلطان... وآخر الذكريات

 

 

الذكر الطيب لفقيدنا الدكتور عبد الكريم الغبان

 

باقر إبراهيم 13 / 11 / 2013

في الخامس من تشرين الثاني / 2013 فقدنا في مدينة هلسنبوري في السويد، شخصية وطنية عزيزة علينا، هو: د.عبد الكريم الغبان،عن عمر ناهز الخامسة والسبعين عاماً.

والفقيد من مواليد الكرادة الشرقية في بغداد، وهو خريج كلية الأقتصاد فيها، ثم أكمل دراسته ونال شهادة الدكتوراه في إقتصاد النفط، في بولونيا، وتزوج هناك.

ألتقيته في السويد قيل سبعة عشر عاماً، وتوطدت بيننا، روابط الصداقة والمودة، خصوصاً بعد أن جمعنا الهم الوطني المشترك، وكذلك المواقف المشتركة للتعبير، قدر الأمكان، عن ذلك الهم الوطني والذي شاركت فيه أيضاً، نخبة طيبة من المناضلين العراقيين والأصدقاء العرب في مدينتنا، وفي المدن القريبة

ما يجدر ذكره عن صفات الفقيد، إنه كان جدياً، محباً للحياة، صادقاً في مشاعره، بشوشاً وأنيقاً، ورغم السنين الطوال، التي عاشها الفقيد بعيداً عن العراق، إلا إنه ظل ملتصقاً بوطنه، يتألم لما يصيبه.

كان قارئاً جيداً ومتابعاً لما يحدث في العراق، يوّثق أبرز الأحداث... وماكان يميّز نقاشاتنا معه، إنها كانت تنطلق دائماً من الحرص على الوطن، حاضراً ومستقبلاً.

سبق وأن زودني د. عبد الكريم الغبان ( أبو ياسر ) بسيرته الذاتية مدوّنة بخط يده، لكني للأسف، لم أعثر عليها، مكتفياً بالأشارة إليها.

ان نخبة من أصدقاء الفقيد، عبروا لي عن رغبتهم أن أكتب ما يخلّد ذكراه، وتعبر هذه السطور القليلة، عن مشاعرهم أيضاً

كان الفقيد، محباً لأبنائه وفخوراً بهم...تعازينا القلبية لأبنه ياسر وأبنته شهرزاد ولوالدتهما ولأخوان الفقيد وجميع أفراد إسرته الكريمة.

 وستظل ذكراه خالدة دائماً.

 

 

 

شاكر السماوي...وداعاً

 

باقر إبراهيم

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/ 2014، فارق الحياة في مدينة ( غوتنبرغ) السويدية، المناضل اليساري، الشاعر، الناقد، شاكر السماوي ( أبو طلعت ) .كانت بداية تعرفي على شاكر السماوي، في الديوانية، عقب ثورة 14 / تموز 1958، حينما كلفتني قيادة الحزب، بتولي مسؤولية منظمة الحزب في لواء الديوانية.

وقد دوّنت في مذكراتي، الصادرة عام 2002، أسماء من أحتفظ بالذكرى الطيبة للعلاقة معهم، من مناضلي الديوانية، ومنهم فقيدنا الغالي شاكر السماوي، والمرحوم أخاه عزيز السماوي.

 تواصلت علاقاتي بشاكر، في بلاد المهاجر، في سورية أولا، ثم في السويد. وأهداني أغلب كتبه التي أصدرها وكان يوّشي أهداءاته بعبارات جميلة صادقة المشاعر، أدرجت مع مقالتي هذه ، نموذجاً عنها.

في مذكراتي، ذكرت مايلي:...أهداني مشكوراً صديقي الشاعر المبدع، شاكر السماوي، قصيدته المؤثرة في رثاء حسن عوينة بعنوان ( مرثية ليست أخيرة ) أدون فيما يلي مطلعها وخاتمتها:

في الساعــــــــــــــــــة الواحد ليلا

قالت لك الخناجر الذئبيــــــــــــة

قامتنا في الهامة المحنيــــــــــــة

            ***

في الساعة السادسة صبــــــــــحاً

تنفس الموتُ على اجفانك المرخية

في الساعة المجهولـــــــة الترقيم

في ثنايا حفر منســـــــية الترقيم   

تستيقظ الجنائز المنســــــــــــية

تطوف في الشوارع الخلفـــــية

توقظ فينا التوبـــــــة الكوفيــة

            ***

يوم وفاته، أخبرني صديقه المقرب إليه، حارث النقيب. إن الفقيد أودع لديه ولدى ابنائه وصية، رجا عدم فتحها إلا بعد وفاته، وفيها يذكر إنه يرغب أن يدفن في مدينته ( غوتنبرغ ) في السويد، وأن لاتقام مراسم العزاء المعتادة عليه، بل الأقتضار على مجلس فاتحة.

عاش شاكر السماوي، معاناة الوطن، معاناة شعبه، وكرس أبداعه للتعبير عنهما وعن آمالهما، عرفناك يا شاكر عصياً دائم العطاء والأبداع، مكافحاً ثابتاً من أجل عراق أفضل، والشعب يسعى للأفضل.

أحر العزاء لأبنائك وأهلك وكل محبيك.

 

 

 

وداعاً فقيدنا الغالي...وليد جمعة

 

باقر إبراهيم

 

كنت أبحث عمن يوصلني إلى كوبنهاكن في الدنمارك، لزيارة الصديق العزيز الراقد في المستشفى هناك، وليد جمعة. لهذا الغرض كنت على صلة بالأخ محمد حمزة البدري، الذي وعدني بأن نزور وليد في مستشفاه، وكذلك إتصلت بالأخ قيس الصراف لنفس الغرض، حتى قرأت الخبر المؤسف عن وفاته يوم 18 / أيلول الجاري.

أحببت في وليد وطنيته العراقية الراسخة وجرأته في مقارعة الظالمين والطغاة بلا هوادة، وحتى داخل أحزاب النضال...وأتذكر بعض الأبيات من قصيدة له يصف فيها الصراع الداخلي المؤذي في قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وفي هذه القصيدة باللغة الشعبية، يتحدث وليد عن مصرع باقروجندل ( زكي خيري )...وللأسف لم أستطع العثور على تلك القصيدة.

أحتفظت بقصيدته المهداة إلى سعدي يوسف، في أواخر عام 2002 أذكر مطلعها وخاتمتها:

قسماً بمهد للحضارة

صار مقبرة وطوفانا من الدم

إني لأجزم لو مضى" صدام " سوف يجيىء أصدم

قبل نحو خمسة عشر عاماً، زارني وليد في بيتي في مدينة هلسنبوري، صحبه عبد الأمير الركابي وتولى سعد رحيم، ايصالهما الى داري، وكانت لنا أحاديث متنوعة وممتعة. ومما اتذكره عن تلك الزيارة، أن وليد أعجب بحفيدتي (ديانا حارث ) التي كانت آنذاك في نحو العاشرة من عمرها، طلب إليّ وليد ورقة وقلماً وكتب البيتين التالين في وصفها:

فقدت العقل آنــــه              لأن الحب ديانة

نسيت الناس كلهم              والباقي! ديانا!

كنت أود تذكير وليد بهذه اللقطة الجميلة، حين ألتقيه...لكنها تبقى للذكرى الطيبة.

في اليوم التالي لوفاة وليد رثته الروائية عالية ممدوح، وقالت: " ..صورته هي العراق. لاأحد يشبه العراق، كما هو وليد جمعة، ربما لا أحد يموت ويقوم ثانية وتتساوى لديه الدنيا والآخرة، كما هو هذا الشاعر ".

نم قرير العين يا وليد ، فالعراق الذي أحببت وناس العراق وكل الناس الطيبين الذين نذرت حياتك لهم يظلون يتذكرونك بأعتزاز

تعقيب: شكرا للعزيز عبد الأمير الركابي لتحياته ولملاحظاته المفيدة، وقد صححت بعض معلوماتي في مقالتي اعلاه.

 

 25 / 9 / 2015

 

 

 

وصفي طاهر...رجل من العراق

باقر إبراهيم

 

 

الكتاب هو ( كتابة وتوثيق رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر )، ويقع في (160 ) صفحة. والكتاب غني بالصور التاريخية الواضحة التي أعطت الأحداث التاريخية، ميزة معبّرة.

يجري الحديث كثيراً في الكتاب، عن مذكرات / ذكريات بلقيس عبد الرحمن زوجة وصفي طاهر، وهي غنية ودقيقة في تدوين الأحداث. وقد تكوّن عندي تساؤل عن هذه المذكرات / الذكريات، هل نشرت، أو سينصرف الفكر لنشرها!؟

تصف السيدة بلقيس عبد الرحمن، زوجة الشهيد وصفي، حالة الكفاف التي كانت تعيشها العائلة حين تقول  ص 115 : " لم يكن لدى وصفي طاهر، أي رصيد في البنك. وقد كان راتبه يكفي بالكاد لتغطية أحتياجات العائلة".

إن حالة الكفاف هذه ، التي عاشها وصفي وعائلته، هي مأثرة إضافية تغني سجل العائلة الحافل بالعطاء والتضحية من أجل الشعب.

يستعرض الكتاب، تشكيلات الضباط الأحرار، الذين مهدوا، ثم قادوا التحول الثوري في 14 / تموز/ 1958 وتظهر هذه التشكيلات، إنها جمعت ووحدت، منذ بداياتها الأولى، الأتجاهات الوطنية، في المشارب القومية والأسلامية واليسارية وغيرها، لتحقيق الهدف السامي، للتحول في الوضع العراقي.

وكانت المأثرة، وستكون، اليوم وغداً، وهي القدرة على الحفاظ على التجمع الموحد، رغم الخلافات، التي تبقى ثانوية، أمام تحقيق ما يمكن أن يجمع الكل.

فالأبتعاد عن هذا التجميع الضروري، كان قاسياً وغالياً على الجميع وعلى العراق وشعبه، لكنه سيبقى عبرة ثمينة للمستقبل.

حين يطلع القارىء على موقف الشهيد وصفي طاهر في يومه الأخير، يرى أنه تجاوز قناعاته الخاصة، وتحلى بالصبر الجميل والتصميم على مقاومة الأنقلاب الغادر، حتى ساعة أستشهاده.

شكراً لمؤلفي الكتاب، والشكر الجزيل للعزيزة، نضال وصفي طاهر،  لأهدائها الجميل لهذا الكتاب. وشكرا للأخ قيس الصراف لجهده في إيصال الكتاب إلي.

 قرأت هذا الكتاب بشغف،، وآمل أن يحتل مكانته في المكتبة العراقية. 20 / 10 / 2015

 

 

 

 

 

 

شمران الياسري( أبو كاطع ) الغائب الحاضر

 

باقر إبراهيم

 

 

أول معرفتي بشمران الياسري، بدأت قبل أن ألتقيه، وذلك عبر الجريدة التي كان محررها، وتصدرها منظمة الحزب الشيوعي في محافظة الكوت ( واسط اليوم) بإسم (الحقيقة).

 

وكانت في واقعها، نشرة شهرية تكتب بخط اليد في البداية، ثم على الآلة الكاتبة لاحقاً.

بفضل أبداعات ( أبو كاطع ) ودعم رفاقه في قيادة منظمة الكوت وعلى راسهم المرحوم محسن عليوي، سكرتير لجنتها المحلية، تطورت تلك النشرة في معالجة الشأن المحلي، ثم توقفت مع عودة صحافة الحزب المركزية العلنية، بدءً بمجلة ( الثقافة الجديدة ) الشهرية، ثم ( الفكر الجديد ) الأسبوعية، وأخيراً ( طريق الشعب ) اليومية، وكان ( أبو كاطع) أحد كتاب تلك الصحف وأشتهر بركنه الثابت في الجريدة بعنوان ( بصراحة أبو كاطع ).

كنت أزوره في بيته في حي المهندسين- بغداد، وأتذكر أن غرفة الأستقبال، ضمت في رفوفها، نماذج من مختلف المصنوعات اليدوية، خاصة ما يستعمله الفلاح العراقي، وكأني به يريد أن تظل صورة ذلك الريف، وصورة فلاحه، غير غائبة عنه وعن زواره، بعد أن أنتقل ليعيش في بغداد، قريباً من قمة الحضارة العراقية، وليس بعيدا أيضاً عن البؤس الواضح في أحيائها الشعبية!

كتب شمران، رباعيته التي تعبّر عن المسيرة التاريخية التي عاصرها، وأعطاني مخطوطاتها، طالباً إليّ أعطاء ملاحظاتي عنها، وما أقترحه من تعديلات فيها.

سررت لذلك الطلب، فقد كانت طلباته عزيزة عندي وكرست لها الوقت والجهد المطلوبين، وكان ضمن مقترحاتي له، أن يحذف فقرة تتناول بوصف مباشر أمور الجنس، عند حديثه عن واحدة من شخصيات روايته.

كتبت في ملاحظاتي، إذا كان ذلك الوصف المكشوف لأمور الجنس، مستحباً في المجتمع الغربي، فهو غير مستساغ في مجتمعنا الشرقي، كما أقترحت عليه، أن يتجنب نشر الجزء الأخير، من الرباعية، الذي تناول أنقلاب شباط 1963 / الدامي وما أعقبه، لأرتباط الحدث عن تلك الفترة بحزب البعث الحاكم آنذاك، وقلت له أحتفظ بهذا الجزء لظرف آخر.

قبل شمران أقتراحاتي وملاحظاتي وصار الكتاب بين أيدي القراء. ومن المفيد الأشارة إلى أن ( ابو كاطع ) قد ذكر بملاحق الرباعية التي طبعت بالخارج، فيما بعد، إلى أن الخبير الذي قدمت إليه مخطوطة الرباعية رفضها، وكان من أسباب الرفض، هو شيوع اللغة العامية والذي كان يتعارض وتوجهات الوزارة لأعتمادها اللغة الفصحى كأداة رئيسية للكتابة.

لكن من المعروف إن الحكاية الشعبية، تفقد الكثير من معناها وجماليتها، وبالتالي تأثيرها، إن هي تحولت إلى الفصحى.

كنت من بين الأصدقاء الذين بادروا بدفع ثمن الكتاب مقدماً قبل طبعه، وكان الثمن ديناراً عراقياً واحداً.

أرسل إليّ كتابه وعليه أهداء يقول فيه: إلى العزيز باقر إبراهيم مع الشكر والمودة ولاتنسى الدينار!! وفي أول مقابلة معه قلت له: " شنو...فرهود؟ الم تستلم الدينار مقدماً؟ " فإعتذر!

بعد أن هجرت داري ببغداد، فقدت مكتبتي وصوري وكل أشيائي العزيزات، ومنها أهداء أبو كاطع ذاك!

كان ابو كاطع، يسألني حين التقيه، ماذا تقترح لموضوع الغد، وفي ركن ( بصراحة أبو كاطع )؟ وغالبا ماكان يوافق على أقتراحاتي لكنه حين سالني ذات يوم نفس السؤال، قلت له إكتب عن الوضع الذي يشغل بال الناس الآن، فقال وماهو هذا الوضع؟ قلت أبو طبر، والمعروف أن الظاهرة التي سميت بهذا الأسم، ذاع صيتها في بداية حكم البعث عام 1968 1969 وتمثل بسرقة بعض البيوت يومياً، من قبل عصابة محددة، يرافق السرقة، إثارة الرعب بالمغدورين تصل حد القتل والتمثيل والأغتصاب، ما أوقع سكان بغداد برعب شامل.

سألني أبو كاطع، ماذا أكتب عن ظاهرة أبو طبر؟ قلت حاول أن تعالج الرعب عند الناس، قال: وإذا كنت أنا مرعوب أيضاً!؟ وكان يتحدث بنبرة تشير إلى حالة الرعب. قلت في هذه الحالة، ليس أمامك إلا أن تلجأ إلى خلف الدواح يعالج رعبك! والمعروف أن خلف الدواح هو الشخصية الرمزية التي يأنس شمران لمحاورتها، في كتاباته خاصة عند الأزمات، والبحث عن مخرج.

لم يكتب شمران عن ( ابو طبر ) وأدركت بأن له شكوك في كل الحكاية!

أعرف أن شمران بكتاباته الناقدة بصراحة، وبشدة لمساوىء الأوضاع، مغضوب عليه بسبب ذلك، من سلطة زمانه، وخاصة أجهزتها القمعية. وأستشعارا منه بالخطر المرتقب، سافر إلى الخارج عام 1978، ليبقى هناك. لكن القرارات الحزبية بالموافقة على الهجرة لم تشمله، فإضطر، غير راغب، الأستجابة للامر الحزبي بالعودة إلى الوطن.

راجعني في مقر اللجنة المركزية، في آخر الأيام التي بقيت فيها، قبل إنتقالي إلى الوضع السري، وعرض علي الأمر الحزبي بعودته من الخارج، سائلا موقفي، أي موقف قيادة الحزب، فأعطيته الجواب عن سؤاله، بإشارة فقط من أصبعي، وفهم معناها، بأن يعود من حيث أتى، كما فهم أيضاً لماذا كان جوابي له بالأشارة!

لم اكن أقل شعوراً بالرضى، منه ومن الآخرين، حين يكون ذخرنا من الرجال الموثوقين بعيدين، ولو مؤقتاً،عن خطر التصفية.

ثم حدث شمران بعض الأصدقاء عن ذلك الجواب الفوري الموجز الذي سمعه مني!.

 آخر لقاء لي مع شمران، كان في براغ، في تموز 1981 / حين كنا في وفد حزبي تكوّن من عزيز محمد ومني، وحين أنتهت مهمة وفدنا، كان لنا لقاء مع مجموعة من كوادر الحزب المشاركين في الدورة الحزبية هناك، بينهم شمران.

بعد نهاية عزيز محمد من القاء كلمته في تلك الدورة، كان لي آخر لقاء حار ومؤثر مع شمران، سمعت بعده بأسابيع قليلة، النبأ المفجع بوفاته بحادث سيارة.

نعته صحافة الحزب وصحافة المقاومة الفلسطينية، التي كان يكتب فيها، فالخسارة بفقدان شمران، تمثل فقدان واحد من ألمع الثوار الناقدين للمساوىء والمبشرين بالمستقبل الأفضل لشعب العراق، وخاصة لأكثر العراقيين فقراً، فلاحيه الذين عاش في كنفهم وتخلّق بأخلاقهم. 

 

الثوار ورجاحة العقل السياسي...درس من قبرص

 

باقر إبراهيم

 

كنت قد زرت قبرص عام 1970 كمندوب للحزب الشيوعي العراقي لمؤتمر الحزب التقدمي القبرصي ( أكيل ) ورافقني طيلة الزيارة، وحتى إنتهاء أعمال المؤتمر أحد قادة الحزب هو الرفيق ديمتريوس خريستو فياس الذي كان حريصاً على تعريفي بالوضع في قبرص خارج قاعات مؤتمر الحزب، ومعه زرت في سيارته بعض مدنها والمشاريع الأقتصادية التابعة للحزب آنذاك. وأتذكر إننا تعرضنا لحادث سير بسيط في تلك الرحلة ومر بسلام مع شرطة المرور.

لقد تطورت تلك الفعاليات الأقتصادية والأجتماعية أخيراً، لتكون شبكة أقتصادية تضم المجمعات التجارية والفنادق والمشاركة في شركات صناعية وسياحية وعقارية ونواد رياضية وغيرها.

لابد من التوقف هنا، عند حالة ممارسة حزب سياسي معين، في المعارضة أم في السلطة لهذا النوع من التملك والأسهام في الأنتاج الصناعي والزراعي وغيرها، فإن ذلك يحتاج إلى ثقة عالية بالنفس وإلى الحصانة المناسبة لدى كادره يقيه من التلاعب والفساد، كما جرى لاحزاب شيوعية وثورية أخرى، مارست تلك الفعاليات.

من مآثر حزب أكيل، إنه كان ولايزال في طليعة القوى المناضلة من أجل انجاز الأستقلال الوطني ووحدة قبرص والتغلب على حالة الأنقسام التي تهددها، وكان هذا الحزب وما يزال، ركناً مهماً للحفاظ على وحدة الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وحركة التحرر الوطني لشعوب المنطقة، ووقف إلى جانب قضايانا العربية وفي مقدمتها التضامن مع الشعب الفلسطيني، من أجل إقامة دولته المستقلة، وإلى جانب شعبنا العراقي ضد الحصار والحروب ومن أجل تحرره من ربقة الأحتلال الأمريكي.

أتذكر أن قادة حزب أكيل حدثوني آنذاك عام 1970، بأن الحزب يستطيع، أستناداً إلى شعبيته الواسعة، أن يستلم زمام السلطة، لكنه لايجد في ذلك مصلحة له أو لشعب قبرص، بسبب حساسية الوضع الدولي، وبسبب موقع قبرص وعلاقتها.

ورغم أن هذه الفكرة سمعتها عام 1970، حين كان الأتحاد السوفيتي والمعسكر الأشتراكي، في أوج عظمته، فإن النظرة البعيدة والموقف السياسي العقلاني، لقيادة حزب أكيل، لم يكن ليفهم من قبل بعض الرفاق والأصدقاء الذين حدثتهم عنها، حين قالوا: إننا نستغرب أن يستطيع حزب سياسي أخذ السلطة ولايفعل!

في 24 / شباط ( فبراير ) / 2008 أعلن فوز الشيوعيين القبارصة برئاسة الدولة في هذه الجزيرة الصغيرة الوادعة التي تجاور عالمنا العربي في البحر الأبيض المتوسط.

لم يكن هذا الفوز غريباً عن المكانة التاريخية للشيوعيين القبارصة، التي حققوها بفضل نضالهم البطولي الطويل لتحرير قبرص من الهيمنة البريطانية وإنجاز أستقلالها.

فهم لعبوا دوراً مشهوداً في ذلك النضال بتعاونهم مع الجبهة الوطنية للتحريرالتي يقودها الوطني الراحل الاسقف مكاريوس، الذي صار أول رئيس لقبرص بعد أستقلالها.

وقد أشغل من تحدثت عنه أي الرفيق ديمتريوس خرستوفياس السكرتير العام للحزب، منصب وزير خارجية قبرص، ثم رئاسة البرلمان عام 2001 ثم تجدد انتخابه عام 2006، كما اشغل شيوعيون آخرون وزارة الداخلية ووزارة العمل، وإن أكثر من 60% من إدارات البرلمان والمجالس المحلية هي برئاسة الشيوعيين وتحالفاتهم الديمقراطية.

إن تلك النظرة البعيدة، ورجاحة العقل السياسي، لدى الثوريين هي التي جعلت حزب، أكيل يحافظ على مكانته الشعبية، بل يوسعها، بعد الردة على النطاق العالمي، وهي التي أهلت رئيس الحزب لأن يصبح رئيس الدولة اليوم، بنسبة 53،36%، رغم بقاء قبرص بذات الصفة الأجتماعية والسياسية السابقة، أي دون أن تصبح دولة أشتراكية!

   رسالتي بتاريخ: 26 / 8 / 2001 إلى الرفيق العزيز ديمتريوس خريستوفياس

 آمل إنك تتذكر علاقات الصداقة التي تربطنا، حينما شاركت في مؤتمر حزب أكيل عام 1970، ممثلا للحزب الشيوعي العراقي.

لقد كنت في نيقوسيا في 21 / آب ( أغسطس ) 2001، ولفترة وجيزة حاولت خلالها مقابلتكم، ولم يسعدني الحظ بذلك، حيث كنتم خارج البلاد آتذاك.

أني بحاجة إلى بعض المعلومات الموجزة عن ذلك المؤتمر، بخاصة وعن حزبكم عموماً، بما يغني مذكراتي عن تلك الفترة.

تحياتي للرفيق اندرياس كبريانو، عضو قيادة حزب أكيل الذي التقيته، في ندوة فكرية للحزب الشيوعي السوري، في 27 / تشرين الأول ( إكتوبر ) / 1994.

ولكي أحيطكم علماً، بموقفي السياسي الراهن، أرجو الأطلاع على الموجز المرفق عن سيرتي الذاتية

           يهمني ويسرني أن أظل على صلة بكم / مع تحياتي.

 18 / 11 / 2015

 

 

 

 

بعض من ذكرياتي مع الجواهري

باقر إبراهيم

 

 

محمد مهدي الجواهري، يعتز به الذين يتعرفون عليه شخصياً، فمأثرته التي تبعث على الاعتزاز، بلغت أبناء الشعب، دون أن يلتقيه أكثرهم.

من جانبي، فقد زادتني المعرفة الشخصية بالجواهري، فهماَ أكثر له وأعتزازاً أكبر به. فقد كان أول تعرفي المباشر عليه، بمكالمة تلفونية ودّية في براغ، في كانون الأول / 1971 من دار عادل حبه الذي كان آنذاك المسؤول عن تنظيم الحزب في الخارج، وممثله في مجلة ( قضايا السلم والأشتراكية ).

أما اللقاء الثاني، فكان في دار فخري كريم، حين دعى الجواهيري إلى جانب نخبة من قادة الحزب الشيوعي، بينهم زكي خيري، وعبد الرزاق الصافي ومهدي الحافظ وماجد عبد الرضا وكاظم حبيب، وأغلب كادر الحزب الأعلامي والثقافي.

لم تكن قد مضت حقبة طويلة آنذاك، على أعلان ( الجبهة الوطنيةوالقومية التقدمية ) بين حزبي البعث والشيوعي، في تموز / 1973، وقد أستلطف الحاضرون تعليقات الجواهري، عن تلك الجبهة، حين عبّر عن شكوكه بجديتها وجدواها، والتي لم تستطع أن تبددها، الرعاية المبالغ فيها، التي أحاطته بها السلطة الجديدة.

قال الجواهري، أن جبهتكم هذه شبيهة بجبهة الحلّي، فألح عليه الحاضرون أن يحدثنا عن جبهة الحلّي، فذكر أن أحد الشعراء، أرّخ، كالعادة، لميلاد أبنة صاحبه، الشاعر الحلًي والتي سماها" جبهة " فقال:

وما جبهة الحلّي وهي رفيعة...بأرفع- أرّخ من محك خناثها!

بذلك النموذج، من الأدب المكشوف وعذراً للقارئ عبر الجواهري عن ( الجبهة الوطنية ) التي أعتبرها ( أضيق من جبهة الحلّي )!

أرتاح الجواهري للأجواء الودية في ذلك الحفل وطالبه البعض أن ينهي هجرته ليطيل أقامته في الوطن، فقال وهو يحيط بيديه شابتين من المدعوين، ولماذا أعود وأنا محاط بمثل هذه الرعاية الحلوة!

ثم راح يستذكر بعض قصائده القديمة، وفقاً لرغبة الحاضرين، وربما جرى تسجيلها، وحين كان يتوقف أو ينسى بيتاً من شعره يذكّره بعض الحاضرين بما نسيه. لكن واحداً من شغيلة مقر الحزب علّق على نسيانه قائلا: " كبر " وكررها ثانية، فأجابه الجواهري بأمتعاظ : " كبر بعقلك " ! وقد عاتبني مهدي الحافظ، على أشراك من لايحسنون التصرف ، بمثل هذه المناسبات.

من لايعرف الجواهري، فأياه أن يمسه. فذكرتني تلك الحادثة، بما كنت قد سمعته عن رد الجواهري الجريىء على عبد الكريم قاسم حينما دخل معه بمشادة في واحدة من لقاءاته الأخيرة معه.

آخر لقاءاتي مع الجواهري، كانت في داره في دمشق أعوام 1986- 1987، وفي أحدى زياراتي له، كان الحاضرون، أنا وزوجتي أم خولة والمرحوم عامر عبد الله وماجد عبد الرضا، وصادق الجواهري ( أبو إبراهيم ) إضافة إلى عائلة الجواهري.

من ذكرياته التي حدثنا عنها، وصفه لحالة الفقر المدقع التي كان يمّر بها في شبابه في النجف، وقال أن بعض الأقرباء، كانوا يساعدوننا ومنهم والد هذا الطيب وأشار إلى صادق الجواهري.

قال صدقوني، أني أنتهزت ذات مرّة غفلة بائع الرقي، فدحرجت رقية بعيداً عن أنظاره وسرقتها!

طالبه المرحوم عامر عبد الله، أن يحدثنا عن واحدة من مغامراته العاطفية، فلم يتردد، وقال حين عمل في الملحقية الثقافية في السفارة العراقية في باريس أقام في دار لوحده. ذات يوم مطير طرقت باب الدار ففتحتها، وإذا بشابة غاية في الجمال وسبحان الخالق! قالت: داهمني المطر وأنا أنتظر موعداً هنا، فهل تسمح لي بالدخول؟ تملكته فرحة بالغة وأجاب: بكل سرور. قال جلست، فسألتها عن فنجان قهوة، فأجابت بذات السرور، تشجعت وسالتها بعد حين وهل لك في كأس شراب قالت بكل سرور!

ومرّ وقت لطيف لتنظر في ساعتها اليدوية وترجوني الخروج للشارع للتأكد من قدوم صاحبها إلى الموعد وأعطتني أوصافه. خرجت وقد تملكتني أمنية جامحة في أن لايحضر! لكنني وجدته في الموعد، فعدت لأخبرها، أنا الغبي، بقدومه! أما كان بمقدوري أن أخبرها العكس!

كنا نسمع الجواهري، وهو يتحدث بمصداقية عن مشاعره الطبيعية، ومعنا كانت المرحومة زوجته أم نجاح، تشاركنا السماع والأستماع بحديثه!

تلك لقطات فقط، من أحاديث كثيرة، ممتعة ومعبرة! وكان يشاركنا الموقف الناقد لأخطاء الحزب الشيوعي آنذاك، ولم يبخل على بعض أفراد عائلته من المناضلين الحزبيين، بتوجيه الأسئلة الأستنكارية عما يراه من خطأ.

الجواهري، كان ينتبه إلى سلوك ضيوفه، ويكوّن فكرة عنهم، وعرفت فيما بعد، من المقربين إليه أن أنطباعه عني كان أيجابياً. وبعد وفاة أم نجاح بعثت له برسالة تعزية، كما نعيته برسالة لأفراد إسرته حين وفاته يوم 27 / 7 / 1997، فقدناه لكنه ظل معطاءً وسيظل!

واليوم، بعد عقود مرّت على العراق وشعبه، من الخراب والهزائم والأنتكاسات، من التقدم والنهوض والثورات، اليوم بعد سنوات من أنظمة الأستبداد الداخلي، وكوارث الأحتلال الأجنبي، نتذكر أن الجواهري، ظل متفائلا ويبعث الأمل بمستقبل النضال الشعبي، حتى في الأيام حالكة السواد، ومنها أيام تموز / 1949 حين قال في خاتمة قصيدته إلى عميد كلية الطب في العراق ( هاشم الوتري ) :

لابد عائدة إلى عشاقها ... تلك العهود وإن حسبن ذواهبا.

 

يومَ عاد سلام عادل إلى العراق عام 1962

 

باقر إبراهيم

 

كنت قد كتبت في مذكراتي مايلي"...كنا في إنتظار عودة السكرتير الأول للجنة المركزية سلام عادل من الخارج...كلفت إلى جانب محمد صالح العبلي عضو المكتب السياسي ومسؤول المنطقة الجنوبية آنذاك، سلطان ملا علي، لتهيئة مستلزمات ما يلزم لتأمين وصوله في حزيران / 1962 عن طريق البصرة. وبعد شهر من البحث في المتطلبات الفنية والتوقعات العديدة، تم وصول سلام عادل الوطن، بطريقة مضمونة ويسيرة".

عند صدور مذكراتي، في آب/ 2002، تجنبت أن أذكر التفاصيل والأيضاحات عن تلك المتطلبات الفنية والتوقعات المختلفة لكيفية وصول سلام عادل بطريقة مضمونة ويسيرة، كما أشرت. وحول هذه الجوانب أكتب بعض ما تخزنه ذاكرتي.

كنت كمسؤول عن لجنة التنظيم المركزي في الحزب، وأشرف على تسفيرات كادر الحزب القيادي سراً، إلى الأتحاد السوفياتي وبلدان أخرى، عن طريق البصرة إيران. وكان من بين من سافروا عن هذا الطريق سلام عادل وعائلته صيف عام 1961 وقد ودعتهم في ساحة الفتح ببغداد فيما كانت سيارتهم تمرق بسرعة نحو الجنوب.

لم يطل بقاء سلام عادل في الأتحاد السوفيتي كثيراً حيث عاد إلينا صيف عام 1962، وكان علينا أن نستقبله من البصرة، دون أن أفهم أو أتصور في البداية الطريقة التي سيعود فيها. كل مافهمته، إنه سيعود عن طريق البحر وشط العرب، لذلك أعددنا زورقاً بخارياً صغيراً، يقوده ربان ماهر أختير بمعرفة الرفيق سلطان ملا علي.

خلال شهر تقريباً، كان علينا أن نتعرف على واقع رسو البواخر القادمة من الخارج وكيفية الوصول إليها، ولم تكن جولات الأستطلاع والتقصي، التي أمضيناها نحن الثلاث مع رباننا وبعض مرافقينا، تقتصر على البحث والتعرف على مواقع شط العرب لمسافات طويلة. فقد كانت السباحة ملاذا لطيفا لمواجهة القيض البصري الذي لايطاق صيفا.

في أحدى الأمسيات أرتدنا، أنا والعبلي كازينو على كورنيش البصرة. فطلب العبلي كأساً من العرق بينما طلبت أنا البيرة، وكان قبالتي بصري دخل معنا في حديث منفتح ولطيف. ورغم إنه إقترب من حالة الثمالة، لكنه إستطاع أن يعبّر عن شكواه المرة من غدر الأصدقاء وطمعهم فيه! وأنتهت الشكوى بأن أخرجَ حافظة نقوده، ليرميها أمامي قائلا: خذ كل ما أملكه أقدمه لصديق طيب مثلك! شكرت ذلك البصري الطيب وأعدت إليه حافظة نقوده وودعناه بذات المودة وتمنيت لو ألتقيه ثانية!

كان محمد صالح العبلي هو مصدر معلوماتنا السرية. وعصر اليوم الأخير من مهمتنا توجهت وأياه، في السيارة التي كنت أتولى سوقها، لموعد في أحد شوارع البصرة نستلم فيه سلام عادل ومعه شخص روسي لايتكلم العربية.

لاول مرة سمعت كلمات: إلى اليسار، إلى اليمين، ثم إلى الأمام باللغة الروسية ترجمت لي حتى أوصلنا الروسي إلى حيث يريد.

وبعد أن ودع سلام عادل تلك الشخصية الروسية، طلب إليه أبلاغ أحر تحياته وشكره لقطبان السفينة وجميع معاونيه، كما طلب إليّ شراء بضعة ساعات يدوية مناسبة، كهدية تذكارية، أرسلناها لهم في اليوم التالي.

كان عملنا السري، في أواخر عهد قاسم، يحتمل فرصاً معينة لحرية الحركة، أما تلك المجازفة، في إيصال السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب، المطارد من قبل السلطة العراقية، بباخرة سوفيتية، فقد فهمناها بأنها أحد أشكال التضامن الأممي الثمينة مع حزبنا.

كانت هذه السفرة، المناسبة الأولى التي جمعتني  بالشهيد محمد صالح العبلي لفترة طويلة والتعرف على آرائه الصريحة، حين كان يتحدث بأسلوبه الشعبي المعهود والمحبب، حول شؤون العمل الحزبي أو صفات بعض قادة الحزب، أو في المرأة وقضايا أخرى.

كتبت في مذكراتي، الخاتمة التالية:" تذكرت يوم أستقبلنا سلام عادل عائداً إلى الوطن في حزيران من عام 1962، وإلى الشعب والحركة الوطنية، كي يقود الحزب وهو يحمل تطلعات وطموحات ضخمة، ولكن في ظروف غامضة وخطرة...ومن ثم ليموت باسلا هادئاً واثقاً، وفي آذار 1963، أي بعد ثمانية أشهر من ذلك العود الأحمد".

 11/ 1 / 2016

 

 

شهاب التميمي واحد من رموز العراق المكافح

 

باقر إبراهيم

 

4 / 2 / 2016

فقدنا في 27 / شباط / 2008 نقيب الصحفيين ( شهاب التميمي ) وهو يخرّ صريح غدر المحتلين وعملائهم، بعد أربعة أيام صارع الموت، في أكثر من مستشفى في بغداد.

تعرّفت على شهاب التميمي لأول مرة عام 1953، حين ضمنا سجن الكوت السياسي للشيوعيين، فكانت البداية لمسيرة طويلة من علاقات الرفقة والمودة، أستمرت حتى آخر أيامه.

لقد وجدت في شهاب، المناضل والصديق والصحفي والقائد لنقابة الصحفيين، أجتماع كثير من الصفات الحميدة في شخصه: المصداقية في النضال، التشبث بحب الخير لزملائه ولأبناء شعبه، روح الأصرار الممتزجة بعقلانية الفكر والسلوك.

أعتزازا بشهاب التميمي، كنت حريصاً على التواصل معه، فأهديته مذكراتي وجميع كتبي، ومن جانبه، فقد أوصل أليّ المادة الأولية لكتابه عن تاريخ مدينته الحبيبة ( الشطرة ) وأني لآمل أن تجد هذه المادة القيمة طريقها للنشر، إن لم تكن قد نشرت حتى الآن، وسوف أسعى لاحقاً لنشر سيرة حياته معبراً عن شكري للأصدقاء الذين سهلوا لنا التواصل والمراسلة بيننا.

حين أكتب هذه السطور في تأبين الصديق الغالي، شهاب التميمي، أعبر عن مشاعر الحزن والمواساة مع عائلته وأصدقائه من صحفيي وأعلاميي العراق الذين يواصلون رفع رايته الكفاحية.

في مقالة سابقة لي، عنوانها ( اليسار عند أحتلال الوطن: يقاوم أم يساوم؟) كتبت التالي: " بعض حملة الثقافة والأدب والأعلام الحر، إستقل وسعى لتكوين نفسه، رغم الحصار والتجويع والحروب النفسية والأذى...آخرون تسربوا إلى عقر دار الخصوم، ينشدون البحث عن النزر اليسير الممكن من كلمة الصواب المفيدة، ولم تنفع أية فاشية أو مكارثية في إقتلاعهم منها.

من يقاومون في مواجهة قلاع أعداء العراق، ومن يقاومون داخلها، هم جميعاً يقبضون على الأسلحة التي سوف تسهم في دك تلك القلاع".

آخيراً أقول، ان شهاب التميمي، وإعلاميون مناضلون كثيرون معه قاتلوا بمواجهة قلاع أعداء العراق وكذلك من داخلها. وتلك أحدى مآثر النضال المتنوع الأشكال في العراق اليوم.

                             ***             ***

            رسالة شهاب التميمي ( ابو ربيع ) إلى باقر إبراهيم

( لم يفلح دوران السنين أن يزحزح أو ينال من جوهر أعتقاداتنا وإيماننا الراسخ بالقضية الأنسانية النبيلة المتميزة )

أخي الحبيب أبا خولة المحترم

تحية طيبة وبعد: لعلها من الممارسات المثيرة حقاً أن أمسك القلم لأكتب لك رسالة شخصية بعد دورات السنين التي ظلت تدور وتدور لتأكل وتسحق الكثير من معالمنا الشخصية ( شكلا ) ولكنها -صدقني أيها العزيز  لم تفلح أن تزحزح أو تنال من جوهر أعتقادنا وأيماننا الراسخ بالقضية الإنسانية النبيلة المتميزة التي كان ( ابو خولة ) ومازال يقاتل من أجل إنتصارها... ولاتعتقد إننا جميعاً، ابناء القضية الواحدة، على خلاف مع دواخلنا...إنني أيعا العزيز أحمل لك التقدير الخاص الذي لايتقاطع مع تقييمك أنت لنفسك، فأن ( باقر إبراهيم) كان بالنسبة لي النموذج الذي يقتدى به كل مخلص وصادق في قراره بأن تكون المبادئ  التي آمنا بها مترجمة على أرض العراق لتنقل الأنسان إلى المصاف الذي نريده له، أو ماتريد  المبادئ أن تكون..

بودي أن أستمر في الحديث معك، ولكن الحالة التي أخترتها لكتابة هذه الرسالة قطعتها عثرات كثيرة، ولكني أختم رسالتي هذه بتقديم الشكر الجزيل لمبادرتك في مكاتبتي وستجد الجواب على طلبك بخصوص المذكرات في رسالة الأخ ( ... ) وأنا سأكون طرفاً رئيسياً في المتابعة والأتفاق وفي كل ما يخصك من شوؤن، فلا تتردد في أن تطلب معاونتي لك في ( الداخل ) حسب تعبيراتكم، وهذا أقل ما يمكن أن أقدمه للعزيز البعيد.. ودمت لنا

 

                                                            أبو ربيع

2004/1/7                                                                                                                                                                                                                     

 

 

دورالتعصب والعقلانية في خلافات الشيوعيين العراقيين!

 

باقر إبراهيم

 

26 / 2 / 2016

الصراعات والأنشقاقات في الحزب، كانت متعددة وأسبابها مختلفة، ودارت حول بعض منها حكايات عن الوشايات إلى السلطة، أو للطرف الآخر، للأستعانة بهم في ذلك الصراع.

ما أتناوله هنا، من دفتر ذكرياتي، مايخص الصراع والأنشقاق في الحزب الشيوعي بين ما سمي جناحي اللجنة المركزية والقيادة المركزية في أيلول / 1967.

وإذا صرفنا النظر عن الأقلام المغرضة، فإن كلامي الآن موجه لبعض المناضلين، وبينهم ناس طيبون، لكنهم، عند حديثهم عن" اليمين واليسار" في الحزب، يغلب عندهم الحماس للرأي وقلة المعلومة الموثقة.

 وللحديث عن أثر عوامل التعصب والعقلانية ودور الوشاية آنذاك، فقد رأيت أن أدون فيما يلي: ماورد في مذكراتي ص 147 " أود أن أستعين ببعض احداث التاريخ القريب.

التقيت عام 1969، بصديقي في النضال وفي السجون، سامي أحمد، عضو القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي آنذاك، وبمبادرة من صديقنا خضير عباس ( ابو سهيل ) وربما يعرف الكثيرون أني كنت واحداً من خمسة طلبت القيادة المركزية رؤوسهم وأن أخف حكم كان، الأزاحة من المسؤولية في الحزب.

قلت لسامي عندما ألتقينا على إنفراد في درابين شارع الكفاح ببغداد...هاقد أصبحنا حزبين منفصلين، وبيننا ماصنعه الحداد من كيد وإتهامات ونشر متبادل...فهلا يوجد طريق آخر لأعادة الوحدة !؟.

قال وهل ترى ذلك ؟ قلت: نعم ويمكن أن نبدأ بالحوار ووقف النشر المضاد المتبادل، ويمكن أن نبدأ بإعادة الوحدة للمنظمات اللاحزبية: رابطة المرأة وإتحاد الشبيبة وإتحاد الطلبة وغيرها.

سألني: أهذا رأيك أو رأي قيادة الحزب؟ قلت رأيي الشخصي ولكني أعرف أتجاه القيادة وأستطيع أن أجلب لك موافقتهم . قال: وقد تعاطف بوضوح مع الفكرة أنا سألتقي قريباً مع الرفيق عزيز الحاج وأحدثه بالمقترح.

وحالما التقيت الرفيق عزيز محمد، وحدثته عن الأقتراح المذكور أعلاه، قال دون تردد: أخبرهم بأن ذلك هو رأي الحزب.

وألتقيت ثانية بسامي أحمد...فأتاني بنتائج مخيبة. وقال: نحن الآن لسنا بصدد التوحيد. بل تقرر تنظيم مقاومة مسلحة في الريف...هذا القرار أخبرك به بتأثير الثقة بيننا. وأن الأجراءات العملية جارية لتنفيذ الوجهة الجديدة.

أسفت لهذه الحصيلة، وقلت ياصديقي العزيز، بلغ الرفيق عزيز الحاج وقيادتكم بأملي أن لايسيروا في هذه الوجهة الخطيرة، إن كان ثمة أمل في ذلك، ومما قلته له: إننا أقوى منكم بشئ إضافي مهم، وهو إننا مدعومون أممياً، كما يعبر عنه. إذا مع حزبنا الحركة الشيوعية العالمية وضمنها الأتحاد السوفيتي ودول المنظومة الأشتراكية. وهذه من الأمور التي تأخذها قيادة حزب البعث بنظر الأعتبار.

لكننا لو لجأنا إلى اسلوبكم الذي تنوون سلوكه الآن، لما توانت قيادة حزب البعث وسلطته في تصفيتنا ( في ساعة ظلمة وليس في أيام ). وحينذاك لن يكون بمقدور أية جهة أن تتضامن مع موقفنا.

إنقطعت لقاءاتنا. وبعد أسابيع سمعت آسفاً بالذي حصل وهو معروف. كما سمعت في فترة متأخرة عن وجود تيار داخل القيادة المركزية كان يؤيد الحوار حول وحدة الحزب والحوار مع السلطة أيضاً.

حين أتناول بالأشارة، المواقف السابقة للقيادة المركزية واخطاءها، فمن الأنصاف أن نرى أن كثرة من رموزها السابقة والحالية اتخذت موقفاً وطنياً سليماً، خلال المنعطف الخطير الذي مرّ به العراق عند حرب الخليج الأخيرة في كانون الثاني/ 1991، وضد الحصار.      

            ***             ***             ***

ولكي لايظل الأستشهاد محصوراً بذاكرتي، أردت أن أستشهد أيضاً، بمن كانوا خصومنا بالأمس وعلى رأسهم الأخ عزيز الحاج، ورغم ماكان بيننا بالأمس ورغم ما عاد يفرقنا اليوم، وهو الأصعب من الأمس، فإن حقائق التاريخ تظل مفيدة للأستذكار.

كتب الأخ عزيز الحاج، في العدد ( 2234 ) من جريدة ( القدس العربي ) الصادرة في 15 / تموز يوليو 1996 مقالة بعنوان ( نظرة إلى تجربة الستينات: الشيوعيون العراقيون ومشكلة وحدتهم ) جاء في المقالة مايلي:

" أما المقالة الثانية فقد نشرها الأستاذ باقر إبراهيم، وهو شخصية شيوعية مرموقة، أكن لها أحتراماً وتقديراً خاصين برغم إننا قد نكون ( في القيادة المركزية ) قد قسونا معه كثيراً. والرائع إنه من بين من يتعالون على العقد الصغيرة، ويناقشون الأمور، بكل هدوء، ودقة. فقد روى المناضل باقر إبراهيم إنه إلتقى في بداية 1969 بزميلنا السابق في القيادة المركزية ( سامي احمد ) وعرض عليه بإسم اللجنة المركزية مشروعاً لأعادة الوحدة الشيوعية تبدأ بالحوار، ووقف النشر المضاد المتبادل، ويمكن البدء بأعادة الوحدة للمنظمات اللاحزبية، كرابطة المرأة وإتحاد الشبيبة، وإتحاد الطلبة، وغيرها. ويقول الأستاذ باقر إنه التقى فيما بعد بالصديق سامي فاخبره الأخير بأن القيادة المركزية لم تكن في تلك الأيام بصدد الوحدة بل بصدد تنشيط الكفاح المسلح.

وللحقيقة أن تكون ذاكرتي معطوبة تماماً حين أقول إنني أسمع هذه الحكاية لأول مرة، وإن من المحتمل أن يكون سامي قد تردد عن عرض الموضوع على إجتماعات القيادة المركزية التي كانت بالفعل تجتمع ليل نهار لاعادة تنظيم الحزب وتسخير كل شئ لتنظيم الكفاحات المسلحة في الريف والأهوار، فضلا عن المشاركة الانشط في الحركة الكردية المسلحة شمال العراق...

وبأستعادة أحداث تلك الفترة وأجوائها السياسية والسيكولوجية، وبأستذكار المعطيات الملموسة، عن ذلك، فان بأمكاني قول مايلي:

إنني أصدق كل كلمة كتبها الأستاذ باقر إبراهيم في هذا الشان، ولكنني أسمح لنفسي بالقول بأن مشروع الوحدة الذي قد فكر فيه لم يكن الخط الذي كانت تسير عليه اللجنة المركزية، وإذا كان السكرتير العام قد أبدى أمامه تأييدا لفظيا فيما بعد وكعادته التوفيقية، فان كل خط تنظيمهم ومما رساته  كانت بأتجاه تشديد الهوة وتسعير الصراع. وإنه مما سيحسب للأخ باقر تفكيره ذاك ومبادرته التي كانت تنم عن حرص معروف عنه على وحدة وتجمع الشوعيين، ولكن مبادرته تلك تظل، في رأيي مبادرة شخصية منه.

أما من جهة القيادة المركزية فان المبادرة حتى لو طرحت عليها في تلك الايام لرفضت وهذه هي الأسباب...الخ"

ويورد عزيز الحاج شروحات أخرى، يمكن للباحث العودة إليها في نص المقال المنوه عنه أعلاه.

 نحن ندرك بأن خلافات وصراعات المجتمعات البشرية والأمم والأحزاب أساسها إجتماعي وطبقي، باحث عن الأفضل، ولكن تظل للسياسات والمواقف العقلانية دورها الرائد والكبير في حل تلك الصراعات وإيصالها إلى نتائجها المرجوة بوقت أقصر وبتضحيات وخسائر أقل وضمانات أكبر.

                                              ***

الذكر الطيب للمرحوم سامي أحمد والتحية لزوجته عفيفة ثابت ( أم دريد ) ولابد بهذا المناسبة، من أستذكار المواقف الرائعة لأخيها الراحل ثابت، الذي كانت له وقفات مشهودة معنا، في ايام الملاحقات والشدائد، وكان آخرها حينما ودّع زوجتي (أم خولة) وأولادها، حتى سفرهم خارج العراق عام 1979.

 

 

 

 

محمد صالح العبلي في ذكراه الخالدة

 

باقر إبراهيم

 

30 / 3 / 2016

أهداني مشكوراً، العزيز سلام العبلي، الكتاب القيم والغني بمضمونه وشكله : " محمد صالح العبلي- الأنقلاب البعثي في شباط 1963 " من أعداد وتقديم  د.حمدي التكمجي، صادر في عمان عام 2015.

 

ولد العبلي عام 1929 في محلة ( قمبر علي) الشعبية في بغداد، وأستشهد تحت التعذيب في 20 / تموز / 1963.

عن بدايات النضال الوطني لمحمد العبلي، يذكر الكتاب ص 24 إنه: "بدأ حياته السياسية بالأنضمام إلى (الحزب الوطني الديمقراطي ) عام 1946، لكنه لم يجد ضالته، ولم يكن هذا الحزب يلبي طموحاته الثورية، فأنتمنى مع رفاق آخرين إلى ( الحزب الشيوعي العراقي ) وأصبح شيوعياً وبدأت مسيرة النضال الصعب الذي لايعرف الهوادة ".

وقد تدرج محمد العبلي في المسؤوليات الحزبية، حيث اختير عضواً في اللجنة المركزية للحزب، وفي تشرين الثاني 1961 أصبح عضوا في المكتب السياسي. وكانت آخر مآثره، إنه أسهم مع الشهيد جمال الحيدري في قيادة الحزب بعد أستشهاد قائده سلام عادل.

عند قراءة هذا الكتاب القيّم، عادت بي الذكريات إلى مادونته سابقاً في كتاباتي، وفيها أذكر إنه" في حزيران / 1962 كنا في إنتظار عودة السكرتير الأول للجنة المركزية سلام عادل من الخارج..كلفت إلى جانب محمد صالح العبلي عضو المكتب السياسي ومسؤول المنطقة الجنوبية آنذاك سلطان ملا علي، لتهيئة مستلزمات تأمين وصوله عن طريق البصرة. وبعد شهر من البحث في المتطلبات الفنية والتوقعات العديدة، تم وصول سلام عادل إلى الوطن بطريقة مضمونة ويسيرة.".

" كانت هذه السفرة، المناسبة الأولى التي جمعتني بالشهيد محمد صالح العبلي، لفترة طويلة والتعرف على آرائه الصريحة، حين كان يتحدث بأسلوبه الشعبي المعهود والمحبب، حول شؤون العمل الحزبي، أو صفات بعض قادة الحزب، أو في المرأة وقضايا أخرى.".

في الأيام السوداء بعد إنقلاب 8 / شباط / 1963 وربما في حزيران / 1963 أفلحنا في منطقة الفرات الأوسط، بإعادة الأتصال بمركز الحزب، حيث تبين لنا، فيما بعد أن الرفيق الشهيد جمال الحيدري والشهيد محمد صالح العبلي على رأسه.

حينذاك أبلغنا بأن محمد العبلي سيتوجه إلينا في منطقة الفرات الأوسط وإتخذنا التدابير اللازمة لأستقباله، حتى فوجئنا بخبر أعدام الثلاثة: جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي ( أبو سعيد) الذي أذيع يوم 20 / تموز / 1963

ستظل ذكرى الشهيد محمد العبلي ومآثره النضالية خالدة وملهمة للأجيال الحالية والمقبلة من المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية، ومجتمع العدالة. 

 

 

 

 

اللقاء الأول مع الحكيم جورج حبش

 

باقر إبراهيم

 

22 /4 / 2016

في السنوات الأولى من سبعينات القرن الماضي، وبالتحديد عام 1973، كنا في قيادة الحزب الشيوعي العراقي، قد أفتتحنا مقر اللجنة المركزية للحزب، في الكرادة الشرقية ببغداد. في احد الأيام من ربيع ذلك العام، كما أتذكر زار مقر الحزب الفقيد الحكيم جورج حبش، صحبه وفد من قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وشاركت الرفيق عزيز محمد السكرتير الأول للحزب في تلك المقابلة الأولى، التي أعقبتها مقابلات أخرى في بغداد ثم خارج العراق.

ماتزال طرية في الذهن، بعض الذكريات عن ذلك اللقاء لي مع الحكيم والمفارقات التي رافقته دون تذكر المحتوى السياسي للقاء وهي معروفة بالطبع في خطوطها العامة.

كنت أعيش في منطقة شعبية ببغداد، وكان علي أن أحتذي حذاء مطرياً وأغلفه بكيس من النايلون ليقي بنطالي من أوحال الأمطار التي أخوض فيها في طريقي من البيت حتى السيارة التي تقلني إلى مقر الحزب يقودها سائقنا المرحوم ( أبو منير ).

حين دخلت باب الأستعلامات في مقر الحزب كانت بأدارة طيب الذكر المرحوم نوزاد نوري، وقبل خلع حذائي، وأستعادة هندامي الطبيعي كالعادة بادرني نوزاد بالقول: أبو سعود ( الرفيق عزيز محمد ) يريدك في غرفته فوراً...ولم يخبرني بشئ آخر!

أستغربت ذلك الطلب الفوري، وتوجهت مباشرة إلى غرفة عزيز محمد لأفاجأ بوفد الجبهة الشعبية وأنا بتلك الحالة.

سلمت على الجميع، بادرني عزيز محمد متساءلا: ماذا ...هل كنت في معركة؟ ضحك الجالسون وقلت نعم في معركة مع الأوحال! وأعتذرت لأعود إليهم بعد أستعادة هندامي الطبيعي.

تحدث المرحوم ماجد عبد الرضا عضو اللجنة المركزية للحزب، فيما بعد عن لقائهم في لجنة العلاقات الدولية للحزب، بوفد الجبهة الشعبية بعد لقائنا المشار إليه أعلاه.

قال ماجد، إن من التقينا معهم من قادة الجبهة الشعبية، كانوا يسمعون بأن باقر إبراهيم هو من عناصر اليمين في قيادة الحزب الشيوعي العراقي. لكن أحدهم علق على منظرك في تلك الحالة الموصوفة أعلاه ما معناه: إذا هذا يمينكم فنحن نتمناه ليسارنا!

لست من طبقة فقراء العراق، لكني قضيت أغلب حياتي في أوساطهم ولم أكن بعيداً عن معاناتهم. ليس كل المنحدرين من طبقة فقراء العراق محصنين من داء( اليمين ) وحتى الارتداد أحياناً، رغم إنها حالة الأستثناء عموماً. لكني أذكر ذلك التعليق على لسان أحد قادة الجبهة الشعبية والذي بعث فيّ الأعتزاز بحقيقتي التي يمكن أن يفهمها غير المغرضين.

           ***          ***           ***

إن أهمية لقاء الشيوعيين العراقيين مع الجبهة الشعبية، احد أبرز ورثة حركة القوميين العرب، كان في وضع اللبنات الأولى للتعاون بين هذين التيارين المناضلين، الذي يؤمل بالأمس واليوم، أن يشمل كل تيارات وقوى التغيير والتحرير والتقدم، في كتلة تاريخية متجانسة وفعالة.

وقع العراق، كفلسطين، تحت أحتلال الامبريالية وصنائعها وقاعدتها الصهيونية. وحين جرى تشريد عشرات الألوف من الفلسطينيين من وطنهم الثاني. بعد أحتلال العراق، فقد جاء ذلك التشرد بالترابط الوثيق مع إبادة أكثر من مليون عراقي وتشريد ملايين أخرى، وبسبب هذه النتائج المأساوية، يصطف شعبانا اليوم، في جبهة موحدة ضد عدو واحد ويجمعهما أمل مشرق واحد.

إن رسالة جورج حبش، تواصلت بتضحيات ومآثر ورثته، الشهيد أبو علي مصطفى ورفاقه الذين يقودون الجبهة الشعبية اليوم.

 

 

في ذكرى الشهيد الدكتور محمد بشيشي (أبو ظفر)

 

باقر إبراهيم

 

6/5/2016

 

محمد بشيشي (ابوظفر) من مواليد السماوة عام 1946. تخرج من كلية الطب في بغداد عام 1970. وعمل طبيباً في اليمن الديمقراطية، ثم في فصائل الأنصار في كردستان منذ تموز/1981. كان مسؤولا عن الشؤون الطبية في بشت ئاشان. وقد أنتخب من قبل زملائه لهذه المسؤولية.

 كما ذكرت في مذكراتي، أن المجزرة الدموية التي نظمها (الأتحاد الوطني الكردستاني) بقيادة جلال الطالباني في الأول من أيار/1983 أستهدفت تدمير موقع الحزب الشيوعي العراقي في منطقة بشت ئاشان. وكنت في غاية القلق من نتائج المعركة ضد الأتحاد الوطني الكردستاني (أوك) في نهاية آب/1983 والتي سميت (بشت ئأشان الثانية).

فقد هدفنا من تلك المعركة الثأر لخسائرنا في الأولى، وإستعادة مواقعنا المفقودة..فكانت النتائج إنكسارا وخسائر جديدة في المعركة الثانية...كنت أتطلع إلى أول العائدين من تلك المعركة فكان الدكتور(أبو ظفر) وحين سألناه عن النتائج أختصرها بقوله "راد كرون كصوا إذانه"!.

 قبل أن يغادر مواقع الأنصار حتى صيف 1984، سأل رأيي في السفر لزيارة عائلته وطفليه ظفر ويسار، فشجعته على السفر. وعند العودة من الخارج، عبر الحدود. أستشهد في كمين بتاريخ 27/أيلول/1984.

 ربطتني بهذا المكافح الباسل علاقات المودة. ولاحظت فيه حساسية الوعي للمسؤوليات السياسية وقوة الملاحظة...كان لايبخل على زملائه وخاصة على مرضاه، بالمعاملة الطيبة، ورؤية الأمل بالمستقبل. ولازلت أحتفظ بالذكريات الطيبة عن لقاءاتنا وأحاديثنا. ولي معه بعض الصور المشتركة. هاقد مرت السنين على فقدان محمد. كبر أبناه ظفر ويسار وخلفت ظفر حفيدته الأولى.

 أنتهت الزوجة الوفية بلقيس الربيعي من متاعب البحث عن أثر لمحمد، في هذه الزاوية أو تلك من زوايا العراق الواسعة...لها منا الشكر وهي تحفز فينا وفي كل محبي محمد، واجب أستذكاره وتخليده.

 زوجتي أم خولة، مازالت تحتفظ بذكريات جميلة عنه، عن الروعة الأنسانية للطبيب المناضل، فكم كان يجهد نفسه، حتى فوق طاقة التحمل البشري، كي يتفقد الآخرين ويوفر العلاج والرعاية لمن إحتاجهما.

اليوم، حين يغوص العراق كله في الالآم والمأساة، نشعر بالحاجة إلى من يركن لحميتهم الوطنية للدفاع عن العراق المستباح والشعب المذل.

 محمد، هو سليل عشيرة الظوالم، التي أشتهرت ببلائها في ثورة حزيران/1920 ضد الأستعمار البريطاني. ويرتبط والده بشيشي بصلة القربى بـ (شعلان أبو الجون) رئيس عشيرة الظوالم وأحد قادة الثورة البارزين.

 ونظرا لمعرفتي لسمات محمد المبدئية والأخلاقية، أستطيع القول، إنه لو كان بيننا اليوم، لكان نجماً بين الظالميين الجدد.

تحية للذكرى الطيبة لمحمد ولجميع رفاقه الذين أستشهدوا على دربه.

 

 

تحية لروح الشهيد د. سعد مهدي شلاش

 

باقر إبراهيم

 

18 / 5 / 2016              

يوم الخميس 26 / تشرين الأول 2006، قتل د. سعد مهدي شلاش مع زوجنه في داره في العامرية، في الدار التي تحمل رقم ( عامرية م 628 28 35 ) كما هو مسجل في وثائق المؤتمر القومي العربي.

فجعني الخبر، فالقتيل لم يكن مجرد إسم واحد من مئات الألوف من العراقيين الذين يغدرون برصاص وبقنابل أعداء العراق وسراقه. فمن نعرفه من الشهداء، يترتب علينا واجب التذكير بمزاياه ومأثرته.

إلتقيت سعد خلال إنعقاد المؤتمر القومي العربي الخامس عشر الذي عقد في بيروت في نيسان / أبريل 2004، ثم في المؤتمر السادس عشر الذي عقد في الجزائر في نيسان / أبريل 2005، وفي مناسبات أخرى.

عام 2004 صدر له كتاب بعنوان ( الجمهورية العربية المتحدة في منظور الصحافة العراقية 1958 1961 ) . والكتاب هو رسالة الماجستير التي أجيزت عام 1998 تحت أشراف الأستاذ د. جعفر عباس حميدي. وقال عنه أستاذه المشرف، إنه كتبها، " وفق المنهج العلمي لدراسة التأريخ، بعيداً عن الانفعال والأنحياز وبروح علمية تهدف إلى خدمة الحقيقة والأقتراب منها.. ".

وأهدى سعد كتابه هذا " إلى كل قلم شريف نزف صدقه على صفحات سفر الحقيقة..".

بدأ الشهيد ( سعد ) دراسته في شبابه في مدارس الكاظمية، لينتهي بعد نضوج تأهيله العلمي، أستاذاً للتاريخ في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية في بغداد.

ولم ينقطع ( سعد ) عن كتابة المقالات في جريدة ( راية العرب )، التي تكشف مخازي غزاة الوطن وأعوانهم، وتعزز أمل الشعب بالخلاص الوطني.

كانت جريدة ( راية العرب ) لسان حال التيار القومي العربي، ومنبر المعارضة الوطنية الديمقراطية، وماتزال في طليعة الأعلام الوطني العلني في عراق الأحتلال، عراق الظلام والخراب.

وشكراً لهذه الجريدة الحرة المقدامة حين حرصت على نشر أكثر كتاباتي وأيصال صوتي وصوت الوطنيين الآخرين في بلاد المهجر إلى أهلنا داخل الوطن.

كما لايفوتني أن أذكر إنها، بسبب ثباتها الوطني ونزاهتها ونظافة كتابها ومسؤوليها ومحرريها، وأحدهم د. سعد مهدي شلاش، لم تكن تستطيع الصدور إلا مرة واحدة كل أسبوع، أو كل أسبوعين، وأخيراً فهي تعجز حتى عن مواصلة الصدور بهذه الوتيرة البطيئة، بسبب الحصار الأقتصادي والسياسي المفروض عليها وعلى كتابها.

لكن أكبر الضرائب التي دفعها ويدفعها كتاب ( راية العرب ) هو الجود بالنفس الذي هو أقصى غاية الجود.

لم يكن ( سعد ) أول شهيد منهم، بل آخرهم، فتحية أجلال وأكبار لروح الشهيد ( سعد ) وأحر تعازينا لأهله المفجوعين بفقدانه.

تعازينا الحارة وتحية أجلال وأكبار لرفاقه في ( راية العرب ) وفي التيار القومي العربي، وفي كل أجنحة النضال الوطني العراقي.

ملاحظة: كتب المقال بتاريخ 2 0 / 11 / 2006

 

 

حسين سلطان ...وآخر الذكريات

 

باقر إبراهيم

3 / 6 / 2016

صدرعام 2007 في دمشق عن دار كنعان ومؤسسة نيبال للدراسات والنشر كتاب ( أوراق من حياة شيوعي حسين سلطان صبي ) ، اعداد خالد حسين سلطان. وسبق أن نشرنا في موقع ثوابت وغيرها من المواقع الأخرى، طبعة الكتاب الذي صدر في بغداد بعدد قليل من النسخ. وقد أظيف له فصل جديد يتناول حديث المرحوم حسين سلطان عن المعتقلات والسجون أعوام 1949 1950 الذي قمت مؤخراً بافراغه وتنقيحه عن الأشرطة المحفوظة لدي بصوت حسين سلطان.

وحينما زارني حسين في منفاي في براغ، قادما من بغداد، في حزيران عام 1990، كنت أشعر، وهو يشعر معي بأنه يعيش مدته الأخيرة. لذلك أستجاب بترحيب لمحاولتي تدوين مسيرة حياته النضالية التي وضعت في مقدمة فصول الكتاب بعنوان ( حسين سلطان نصف قرن من النضال لايكل ) ، منقولة عن مذكراتي.

أتذكر نكته معبرة للمرحوم زكي خيري، إذ بعد أغتيال أثنين من قادة الحزب هما الشهيدين ستار خضير وشاكر محمود، بذلنا الجهد لجمع المعلومات عن سيرتهما النضالية لنشرها في صحافة الحزب. عندها علق المرحوم زكي خيري قائلا: الأحسن إن يكتب كل واحد منكم تاريخ حياته منذ الآن وتحفظ لدى الحزب لتكون جاهزة للنشر بدون عناء!.

في بداية لقائنا، قال لي حسين سلطان معاتباً، حينما عدنا إلى العراق كنا نتوقع أن تعودوا، أنت والآخرون بعدنا، ولم يتم ذلك. وقال: صدقت أم علي ( المرحومة زوجته )، حينما قالت أنهم لن يعودوا !!

قلت: حسنا فعلت حين عدت يا ابو علي، ولكن ماذا حققتم من نتائج؟. لم توافق السلطة حتى على منحكم صحيفة، وأنتم كونتم نخبة ممتازة من المناضلين، ومن جميع الأتجاهات الوطنية.

ومما يجدر ذكره أن تلك النخبة ضمت علائم مضيئة في نضال الأمس ونضال اليوم أمثال وميض عمر نظمي و سعد ناجي جواد وغيرهما. عند ذلك هدأ روع أبو علي وواصلنا صفاء العلاقة المعهودة.

سيجد القارئ لأوراق حسين سلطان، كم كانت معاناته وتضحياته وتضحيات عائلته كبيرة، بسبب جور أنظمة الأستبداد، ومنها النظام السابق: أقرأوا مصير ولديه الشهيدين عماد وظافر! ومع ذلك، فهذه الوثيقة الهامة ( الكتاب ) تحدث جيلنا والأجيال القادمة كيف تجاوز حسين سلطان معاناته الشخصية. إنها تحدثنا عن كبر نفسه، عن مصداقية وطنيته، ورفضه سياسة الخنوع تحت راية أعداء العراق وغزاته، بحجة الذريعة المتهافته: الخلاص من الدكتاتورية!

رفض حسين سلطان، ورفض الألوف من الشيوعيين الصادقين، وغيرهم من الوطنيين، أن يقولوا ما قاله آخرون: فلتأت أمريكا ولتأت إسرائيل لتنقذنا من جور الأستبداد! وها قد جاءتا أمريكا وأسرائيل، ورأوا، هم " الإنقاذ ".!

إن المصداقية المبدئية لحسين سلطان ماهي إلا تجسيداً للمصداقية وللثبات المبدئي للالوف من خيرة المناضلين الشيوعيين، داخل الوطن وفي بلاد المهاجر. هؤلاء كانوا بالأمس، وهم أنفسهم اليوم، وغدا حملة الأرث النضالي المجيد للشيوعية العراقية.

من المفيد الأشارة على إن هذه الوثيقة، قد أعطت مناضل باسل حقه حين تناوله النسيان، أن حسين سلطان حاول أن يسجل بصوته أيضاً ذكريات كثيرة عن فترات أنشقاق الحزب أعوام ( 1952- 1956 ) وعن أنتفاضة تشرين الثاني 1956، وعن الإحداث ما بعد ثورة 14 / تموز 1958، لكن كانت أحاديث مبتورة وبأشرطة رديئة، وأن مانشر في هذا الكتاب الصغير، هو كل ما أمكن جمعه وتدوينه.

لابد من الأعتذار للكثيرين ممن كتبوا عن حسين، أو الآخرين الذين كانت لهم الإمكانية لإغناء الكتابة عنه بفضل صلتهم الوثيقة به. ويسرني أن أذكر أن الصديق الراحل شاكر السماوي كان قد أهدى كتابيه ( اللاديمقراطية عربيا ) بجزئه الأول 1993 والثاني 1996، بالكلمة التالية: " أيها الواهب الحي في ذاكرة كل شريف، رفيقي الراحل حسين سلطان لذكراك الرافلة بالصدق والعطاء أهدي هذه الباقة من الصبوات المطرزة بالجراح " وتلاوين الحلم الذي غادرنا ورفضنا أن نغادره. إنها شارة عرفان ووفاء في زمن ياتف على الروح كالأنشوطة إذ أستشري فيه العقوق وصدأت الذمم"

كما يسرني أن أذكر أن فقيدنا الغالي شاكر السماوي وعد بالمزيد من الكتابة عن الراحل حسين سلطان.

تحية للدور المشهود لخالد حسين سلطان، الذي أعد الكتاب وقدم له، والشكر للصديق العزيز الذي أحتفظ بأمانة بالأشرطة المسجلة بصوت حسين سلطان. الشكر لكل من ساعد في أصدار الكتاب بطبعته الجديدة في دمشق وفي المقدمة العزيز د محمد جواد فارس، ولتبرع الأخ ( جبار ديبس - ابو ستار ) بالقسم الأكبر من تكاليف الطبع، إضافة إلى مساهمة المناضلين والعوائل في مدن السويد وبلدان أخرى.

الدنيا بخير ما دامت العواطف الطيبة تتلاقى، وما دامت القلوب تظل تتصافح على دروب الخير.