ساحة واحدة لمعركة واحدة

صباح علي الشاهر

 

 

 

المتغيرات تفرض نفسها، عبثاً تجاهلها، ومضيعة للجهد والوقت الحكم عليها بمعطيات خارجها. يقول فيلسوف قديم " أنت لا تضع قدمك في النهر مرتين "، النهر الجاري كالحياة التي لا تتوقف، وكالزمن السيّال، ومثلما قطرات النهر متجددة بإستمرار فكذلك المعطيات حولنا، إدراك المتغيرات والمعطيات الجديدة يجعلنا أكثر قدرة لا على التفاعل معها، وإنما على تغييرها إن كنا ننشد التغيير، أو دعمها بإعتبارها تجديداً ننشده.

غزوا العراق وإستباحوه دونما إعتبار لما يُسمى الشرعية الدولية، ودونما إعتبار لحدود مصانة، إستباحوا أرضه وشعبه، وتناهبوا ما على أرضه، برضا ودعم وإسناد من دول المحيط، وقتها لم يتحدثوا عن الجنود الأمريكيين الآتين من آخر الدنيا، والذين إنشغل بعضهم بالتسلي بالتهديف على الأجساد الحية بالرصاص الحي لمجرد المتعة، وتحدثوا دونما كلل وملل عن تغير العالم وتغير مفاهيمه، خصوصاُ بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، وتقسيم يوغسلافيا، وبعض دول ما يُسمى بالمعسكر الشرقي، وبشرونا بسقوط مفهوم السيادة في زمن العولمة وصيرورة العالم قرية صغيرة، ورقصوا لسقوط حدود الأوطان، وسقوط مفهوم الوطنية التي كانت سبباً في توالد الديكتاتوريات!

نفس الهرطقات نادوا بها عندما إستباحوا ليبيا، ونفسها رددوها عندما إستفردوا بسوريا، وجعلوا من جبالها، ووديانها، ومدنها، وقراها، وسهولها، مرتعاً للقطعان الهمجية المتخلفة، الآتية من كل أصقاع المعمورة. 

كان مفهومهم للتغيير ينصب فقط على تلك الدول التي حافظت على بعض الكرامة، والتي لم تلبي كل رغبات السيد الأمريكي، أو من يمثله في المنطقة، أما الدول الصنيعة والسلطات الوضيعة، تلك التي تعيش في زمن ما قبل تأسيس الدول، والتي يتمتع حكامها بما لا يتمتع به أباطرة العصور الغابرة، والتي ترى في الديمقراطية والإنتخابات، والأحزاب، والتداول السلمي للسلطة، وحقوق المرأة، رجساً من عمل الشيطان ، فقد كانت حدودها مصانة، وكانت سيادة حكامها على شعوبها كاملة مطلقة.

لم يكن العالم المتحضر يشعر بالعار، فالحكام الذين ألبوا الدنيا عليهم يقتلون شعوبهم، ومنذ ردد الأبلة بوش الأبن عبارة " صدام يقتل شعبه" والكل يردد كما الببغاء، القذافي يقتل شعبه، بشار يقتل شعبه، المالكي يقتل شعبه، علي عبد الله صالح يقتل شعبه، في حين كان الشعب العراقي والليبي والسوري واليمني يقتل من قبل القتلة الأجانب، جيوشاً كانت أم مرتزقة، أم خونه من نفس البلد.

هل ندلكم على شعب يقتل في كل يوم وفي كل لحظة، أمام أنظاركم جميعاً، دون أن تحركوا ساكناً، ودون أن تهتز ضمائركم، ذلكم هو الشعب الذبيح المنسي، شعب فلسطين الذي ماهزت مأساته ضمائركم، وإسرائيل التي تضربكم وقتما تشاء، أنسيتم أم تناسيتم؟!

يجيشون الجيوش، ويفتتحون معسرات التدريب، ويوزعون الأسلحة، وينفقون المليارات، ويجيشون جيوش الإعلام، ثم يستبيحون دم الشعوب وأراضيها، عبر تنظيمات مسلحة يعدونها على عجل، أو يطبخونها على نار هادئة، ثم يزيلوا الحدود، يربطوا الساحة العراقية بالساحة السورية، ومن المدن السورية والعراقية التي يعلنوها مدناً ومناطق خارجة عن السلطات الشرعية، يهددون دولاً وحكومات وأحزاب وتنظيمات وطوائف، بأنهم قادمون لإبادتهم، وتطهير الأرض منهم، ثم يستكثرون دفاع الحكومات والتنظيمات والأحزاب المهددة بالإفناء عن أنفسهم. نعم حزب الله في سوريا، يقاتل إلى جانب السلطة، وليس أمامه خيار غير هذا، إلا إذا كان ينتظر الإنتحار الذاتي، نعم يوجد مسلحون عراقيون،  وكذا خبراء وربما عسكريون إيرانيون، وقوات جوية روسية، مثلما يوجد مرتزقة من كل مكان، ومثلما يوجد خبراء عسكريون وقوات تركية وأمريكية، ومثلما تفتح حدود إسرائيل لمساعدة ودعم من يسمون بالثوار، وتفتح حنفيات البترودولار للدعم الذي  ليس له حدود.  

لقد وحدت داعش، وقبلها القاعدة، الساحتين العراقية والسورية، وبدأ اللعب على المكشوف .. هي ليست حرب العراق ضد داعش، ولا حرب سوريا ضد داعش والمعارضة، إنها حرب أكبر من هذا وأوسع نطاقاً، ساحتها الآن بلاد الرافدين والشام.. ربما تتمدد شمالاً وجنوباً وشرقاً، وربما تضيق، ثم تنتهي بإنتصار لأحد الطرفين، إنتصار يؤدي إلى موازين قوى جديدة، وواقع جديد. إنها حرب أكبر من إقليمية وأقل من كونية، وهي منفتحة على كل الإحتمالات.

لا تبحثوا عن جنرال إيراني في جبهات القتال العراقية ضد داعش، ولا كادر من كوادر حزب الله على تخوم حلب أو الرقة، ليس لأنكم سوف لن تجدوا أحداً منهم، وإنما لأنه سيتعذر عليكم عدهم وإحصاءهم .

ليس بمقدور العراق لوحدة مواجهة المخطط، ولا أقول داعش فقط، وليس بمقدور سوريا لوحدها الوقوف بوجه داعش والمعارضة، ومن يساعد العراق وسوريا، فإنه في المقام الأول يساعد نفسه، تماماً مثلما الذي يساعد داعش والمعارضة السورية، لا يساعدهما لسواد عيونهما، وإنما يساعدهما دفاعاً عن نفسه، وتنفيذا لمخططات يجد أنها تحميه وتحمي وجوده .

لقد أرادت أمريكا شرق أوسط كبير، ثم تواضعت فقلصت الأمر إلى شرق أوسط جديد، ثم تواضعت أكثر فقبلت مشاركة الغير، والغير هنا روسيا في تحديد مسنتقبل المنطقة، ثم إعترفت فيما بعد بدور إيران، بالأخص بعد الأتفاق النووي، وليس بمقدور أحد تحديد إلى أي مدى سيصل تواضع أمريكا، الذي ستحدده نتيجة الصراع على الأرض.

ومع إشتداد الوطيس، سينسحب من ينسحب، تعباً، أو إستشعاراً بالهزيمة، أو بسبب تبدل المعطيات التي لا تني تتغير بين لحظة وأخرى.

شدما أستغرب من البعض، عندما يتساءل لماذا ينشر الجنرال سليماني صوره وهو بين المقاتلين العراقيين، ولماذا يعلن نصر الله  عن دور حزب الله في الساحة العراقية والسورية، وكأنه يكشف سراً؟

النشر والإعلان هنا مقصود لذاته، وهي رسالة ليس لمن يريد أن يفهم، وإنما لذاك الذي لا يريد أن يفهم .