من هو

سلام عادل ؟

 

 

بقلم

آرا خاجادور

 

 

دار الخالدي للطباعة والنشر / بغداد

حزيران 2016

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الشهيد الخالد سلام عادل

بريشة الفنان محمود صبري

المناضل آرا خاجادور

 

من هو سلام عادل؟

 

آرا خاجادور

 

(1)

في أحد اللقاءات مع الأخ العزيز علي أنور الشيباني التي تتكرر مره أو مرتين كل عام تقريباً، وتسود فيها كالعادة حرارة العواطف والسعي الى التعويض عما فاتنا من وقت دون لقاء، هذا الى جانب أننا نعرف أيضاً أن فترة الزيارة لا تتعدى ثلاثة أيام، مما يفرض على اللقاءات كثرة الموضوعات التي يجري تناولها. وكذلك تُطرح قضايا سياسية وتاريخية وغيرها من جوانب الحياة الواسعة، ولا يغيب عن تلك الأيام القليلة الإنسجام والتسلية والنكات، وحتى إستغلال أوقات الأكل في المطعم لمواصلة الحديث والنقاش، وفي كل لقاء يسألني عن معرفتي وعلاقتي بسلام عادل، وفي أوقات لاحقة لاحظت خلال لقاءاتي مع الرفاق، خاصة الشباب منهم، ذات الإهتمام الواسع بهذا الأمر.

إخترت في لحظتها هذا السؤال: من هو سلام عادل؟ عنواناً أردت من خلاله أن أعطي صورة واقعية عن الشهيد سلام عادل بحدود معرفتي به عبر صحبة ورفقة النضال المشترك من أجل عراق حر وسعيد، وبما يستجيب لأسئلة الرفاق حوله أيضاً، وأن أبين من خلال ذلك السؤال أيضاً معرفتي الصميمية بهذا القائد الشاب الذي لم يأتي قبله بعد إعدام الرفيق فهد من يسد أو يشغل الفراغ الذي تركه الرفيق فهد بعد إعدامه، وتحديداً في مركز قيادة الحزب ـ الحزب الشيوعي العراقي.

دخل الرفيق سلام عادل سجن "نقرة السلمان" وهو في مقتبل العمر، وبعد إطلاق سراحه إنخرط في حياة العمل الحزبي السري وما يتطلبه من حذر وإختفاء وغير ذلك من التدابير الضرورية لحماية النضال الحزبي بأبعاده الطبقية والوطنية والخاصة. لقد مر الرفيق سلام عادل خلال حياته النضالية بمراحل وظروف مختلفة واجهت الحركة الوطنية والحزب زادته خبرة وكفاءة ليصبح واحد من أبرز زعماء الحركة الشيوعية.

حققت فترة قيادته للحزب الكثير من الإنجازات والنجاحات، ولكن كما هو الواقع دائماً فقد تعرضت أيضاً إلى بعض الإخفاقات. لقد قضت الأيادي المجرمه عليه وعلى العديد من الكوادر الحزبية والكثير من المواطنين، المدنيين منهم والعسكريين، بعد إنقلاب شباط الفاشي عام 1963. كان سلام عادل ذلك الشاب الذكي والمتحمس الذي أسكت بصموده وبطولته أفواه الإنقلابيين وكبح رغبتهم في إستنطاقه تحت التعذيب المروع.

في هذه المادة عن سلام عادل لا أرغب في أن أمس أو أمارس تقويماً للقياديين الآخرين أو غيرهم، ولا أرغب أن أكون في هذا الموقع أصلاً، ولا حتى عن سلام عادل نفسه، إنني أحاول وأحرص على أن أقدم وأعكس صورة خاصة وقريبه جداً عن شخصية هذا القائد المناضل، الذي عملت وعشت معه بعض سنوات الكفاح كما هي، ومن خلال الصورة التي رسخت في الذاكرة، وتوخيت بأن تكون تلك الأسطر عفوية وبسيطة جهد المستطاع.

تعرفت على سلام عادل في سجن "نقرة السلمان" وتوثقت علاقتى به أكثر فأكثر بعد خروجي من السجن بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958. وبديهي أني لا أقدم رواية أو سجل أحداث يومية، وإنما أذكر بعض اللقطات ذات الدلالة التي تكونت عندي من خلال علاقتي به دون الدخول في الكثير من التفاصيل، وبديهي أنها تشير الى أحداث مهمة بعينها، ولكنها أحداث ليست منفصلة أو منقطعة عن الواقع العام بكل تداخلاته.

قرأت وسمعت الكثير عن إنجازات سلام عادل، وحين أتحدث عنه أحاول قدر المستطاع أن أبتعد عن إستحضار ما سمعت من أحاديث هذا أو أقوال ذاك، وأسعى الى قول ما عشته كما هو دون ضفاف أو رتوش، فالحقيقة دائماً هي الأجمل والأدق، وأكثر تعبيراً عن الأحداث العاصفة، والأسهل وصولاً الى الآخرين.

حين يُذكر أبو إيمان يبرز أول ما يبرز من سيرته الحافلة موقفه من وحدة الحزب كقضية ذات أبعاد متعددة، قضية كانت هامة للغاية، وهي هامة الآن أيضاً، وستبقى كذلك. ولا يوجد حزب يريد أن يكون قوة تغيّر في مجتمع ما دون أن يحقق وحدته الداخلية، وفي أطرافه القريبة والبعيدة، وفي صلاته بالمجتمع ككل. ولم يكن سلام عادل يُقدر وحدة الحزب على الصعيد النظري حسب، وإنما كان له دور حيوي ورئيس على الصعيد العملي.

إن جهود ومساهمات وثمار مواقف سلام عادل من موضوع وحدة الحزب كانت محطة لا يمكن أغفالها أبداً، وتندرج في مقدمة العديد من المحطات الجدير بالتقدير والإحترام والإستثمار كتجارب بناءة مرت في حياة شعبنا وحزبنا وفي حياة الرفيق سلام عادل، وأثرت على دور الحزب في الحياة العامة للمجتمع العراقي، وليس على الطبقة العاملة فقط.

 

(2)

من إنجازات سلام عادل: تسوية موضوع راية الشغيلة

 

إن سلام عادل درس بعناية أخطاء قيادة الرفيق بهاء الدين نوري (باسم) للحزب، خاصة فيما يتعلق بوحدة الحزب، ورسم سياسة تقوم على تأكيد أهمية وحدة الحزب والحفاظ على كوادره والعناية بهم، ومنع أي تفريط بهم.

أنا لا أصف راية الشغيلة بأنها إنشقاق في الحزب الشيوعي العراقي، ولكنها في ذات الوقت تشكل حدثاً كبيراً في حياة الحزب، يؤشر على مستوى وعي القيادة وأنماط التعامل مع الكادر الحزبي وأساليب معالجة التطورات السياسية والتنظيمية. ولكي نفهم دور رفيقنا الشهيد سلام عادل ومساهمته في تسوية أزمة راية الشغيلة علينا أن نجيب أولاً على السؤال التالي :

كيف نشأت راية الشغيلة ؟

ـ كنّا في سجن نقرة السلمان، ثم وصل عدد من الرفاق منقولين من سجن الكوت بعد إعدام الرفيق فهد، وغص سجن نقرة السلمان بالرفاق الجدد القادمين من سجن الكوت، ولابد أن أشير هنا الى حقيقة أن مستويات الرفاق الذين كانوا في سجن الكوت، خاصة القياديين منهم، لم تكن مثل نظرائهم في سجن نقرة السلمان من حيث الوعي والثقافة والإنضباط الحزبي. وبات عدد الرفاق القدامى في سجن نقرة السلمان 41 من 200 سجين تقريباً.

ومن تقاليد سجن نقرة السلمان تنظيم دروس عامة للسجناء، وقد ساهم الرفيق فهد في تشخيص الرفاق الذين يتولون المهمات الأساسية في السجن، حيث تولى الرفيق سالم عبيد النعمان إلقاء محاضرات في القضايا التنظيمية، والرفيق محمد حسين أبو العيس في الإقتصاد السياسي.

نشأت بعض الصراعات بين الرفاق الجدد، خاصة القادمين من سجن الكوت حول بعض القضايا التي تهم حياة السجناء كالمأكل والملبس وغيرهما. ولكن تلك القضايا إرتبطه بسلوك بعض المسؤولين تحديداً. وبدأت العلاقة تتزعزع بين القيادة داخل السجن وقيادة الحزب في خارج السجن نتيجة لتصرفات بعض القياديين، ونشأت عدة تكتلات، قسم منها لم تبقى سرّاً.

إن من أسباب نشوء حالة الضعف القيادي على مستوى الحزب، كان نتيجة للقمع الحكومي والنفوذ الإستعماري على الحكم بصفة عامة، وكانت الضربات الأمنية تتركز على المدن الرئيسية: بغداد؛ البصرة؛ والموصل، وتبقى الكوادر في المناطق البعيدة ككردستان في شمال العراق وفي مناطق الريف البعيدة في الفرات الأوسط التي كانت بعيدة نسبياً عن يد القمع والتصفيات، فحافظت تلك المناطق على كوادرنا وعلى الإتصالات مع السجناء عبر عوائلهم، ومثل تلك الفرص كانت ضعيفة في المدن الكبيرة.

المهم، جاء من أربيل الرفيق البطل المرحوم حميد عثمان (أبو خسرو) الى بغداد ليتولى القيادة، ولم يمضي عليه الكثير من الوقت حتى ألقي القبض عليه، وبعد صموده أمام أجهزة القمع حكم عليه بالسجن المؤبد، وسيق الى سجن نقرة السلمان. فعُيّن خلفاً له رفيقاً آخر لقيادة الحزب، وللحفاظ على إستمرارية عمل الحزب.

وكما قال لي شخصياً الرفيق أبو خسرو: تولى قيادة العمل رفيق طويل وشجاع. وإعتبرت ذلك وصفاً جسدياً وسلوكياً. وأكتفي أبو خسرو بذلك الوصف، ولم يبوح لي بإسمه الرفيق، وقد تبين فيما بعد أنه الرفيق بهاء الدين نوري من السليمانية.

تولى حميد عثمان مسؤولية الهيئة القياديه لتنظيم السجن، ولكن لم تمر فتره طويله حتى أُثيرت المشاكل من جديد، هذا على الرغم من أنه إستطاع بأن يكون رفيقاً محبوباً من قبل السجناء بفضل تواضعه وإهتمامه بالسجناء وتبادله الرأي والهموم معهم. ونال من هيئة السجن دعم إبراهيم شاؤول، وهو مثقف نظري، والعلاقة الودية مع شاؤول إستفاد منها حميد عثمان لمساعدته في تجاوز ضعفه بالمجال الفكري النظري والسياسي وتفاصيل الحياة التنظيمية في بغداد والمدن الأخرى، حيث أكثر الرفاق من غير المدن الرئيسية.

هكذا إشتدت الصراعات وعدم الإنسجام في الحياة اليومية بين الرفاق وظهرت حالة تشبه وجود فريقين، فقد عقدت الأغلبية إجتماعاً تمخض عنه قرار بالإنفصال في مجال المعيشة.

إنتقلنا نحن الأغلبية إلى القلعة الشمالية مع الرفاق القدامى، أما الذين كانوا في سجن الكوت فقد إنتقلوا إلى القلعة الجنوبية. وبحكم إرتباط مركز الحزب مع حميد عثمان، أرسل الرفيق معلومات عما حصل في السجن إلى قيادة الحزب خارج السجن، وجاء الجواب حاسماً: كان عليكم أن تنفصلوا عنهم قبل قراركم الأخير بمده أطول.

كما أرسل الرفيق بهاء الدين نوري، وهو يمثل مركز الحزب في بغداد كتاب تاريخ الحزب الشيوعي البلشفي، ترجمة الرفيق خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعي السوري، ووضع بهاء خطاً أحمر تحت سطر يرد فيه قول ستالين: "الرفاق الذين كانوا في سيبيريا ورجعوا بعد ثورة إكتوبر قد تخلفوا"، في إشارة الى الرفاق في السجون.

كما أُلغى الرفيق بهاء الدين نوري (بإسم) الميثاق الوطني للحزب الذي يُعبر عن مرحلة التحرر الوطني "وطن حر وشعب سعيد"، وإعتبر بهاء أن الرفيق فهد قد أخطأ حين لم يرفع شعار الجمهورية، وأبقى على الملكِيه.

ومن المعلوم أن شعار الجمهوريه قد ساد بعد ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 في مصر بقيادة جمال عبدالناصر، الذي ألغى النظام الإقطاعي الملكي، ورفع شعار الجمهورية. والحق إن شعار الجمهورية دفع جماهير واسعة نحو الحزب.

عدد من كوادر الحزب الذين نُقلوا الى بغداد والكوت دخلوا في مناقشات مع الحزب حول ميثاق الحزب المرحلي، ولكن الحزب تحت قيادة (باسم) قام بفصلهم من عضويته بجرة قلم، وأعتبرهم من مؤيدي الملكيه، فالنضال أصبح بين ملكي و جمهوري، والوضع بمجمله قد تم تحديده وحسمه بين حميد عثمان وهو في السجن وبين بهاء في قيادة الحزب في بغداد، وهذا الأخير قد عينه بهذه المهمة حميد عثمان نفسه.

ماذا يعمل الرفاق في سجن بغداد؟ كيف يحافظون على شيوعيتهم؟ وهم شيوعيون محكومون أحكاماً ثقيله. لم يجد الرفاق خياراً أمامهم غير الهروب من السجن، وقام الرفيق الشهيد البطل جمال الحيدري، بتأسيس جريدة راية الشغيلة دون المس بالحزب، ولا تشكيل حزب شيوعي آخر. أقول اليوم وبكل قناعتي، إن راية الشغيلة لم تكن إنشقاقاً، هذا ما قلته للرفيق عزيز محمد بعد الوحدة، قلت له: لماذا النقد الذاتي.

قال: هكذا صارت.

إن حكمة الرفيق سلام عادل ونوع معرفته برفاق الحزب وفهمه للقرارت الجائرة قد مهدت السبل لإعادة خيرة رفاق الحزب حينذال الى صفوفه دون إبطاء أو تعجل، وإن صيغة عودة الرفاق الى الحزب بصفتهم الفردية، قد جاءت من خلال الدور الذي لعبه الرفيق خالد بكداش، حيث إقترح أن يقدم رفاقنا في راية الشغيلة نقداً ذاتياً والإنضمام إلى الحزب حسب النظام فرداً فرداً. أقول أنها كانت عملية شكليه، فقد إنضم الى المكتب السياسي (م. س.) جمال الحيدري وعزيز محمد وآخرون الى اللجنة المركزية (ل. م.) لحزبنا الشيوعي العراقي.

أقول: إلى جانب إيجابيات الوحدة فهي لا تبرر سلبية الإسلوب، أقول هذا الرأي على الرغم من أني كنت مع الحزب بسبب قناعتي بميثاق الرفيق فهد، ووفق معايير التربية الحزبية السائدة والمتجذرة في صفوفنا، ولكن في الوقت ذاته كان عدد غير قليل من الرفاق في نقرة السلمان، وأنا معهم، كنّا نرى أن شعار الجمهورية أعطى زخماً للحزب، ولم أكن سعيداً بمستوى الكفاح الفكري على أساس ملكي أم جمهوري.

 

الوحدة مع جماعة عزيز شريف

 

تحققت الوحدة مع جماعة عزيز شريف لا على أساس ماركسي ـ لينيني، بل في إطار حزب وطني ماركسي، هذا ما أثر تأثيراً سلبياً على سياسة الحزب العامة، وأضعف الخط الثوري العنفي فيه. حصل ذلك في وقت كانت السجون تعج بمئات السجناء. وحينذاك كنّا في سجن بعقوبة الإنفرادي بعد فشل محاولتنا الهروب من السجن، وإعتقال جميع الهاربين. في تلك الأجواء وصلنا تقرير الكونفرنس الثاني الذي إنعقد في عام 1956، وهو عام شهد إمتلاء السجون بالشيوعيين والديموقراطيين، وصدرت خلاله أحكام ثقيلة ضد بعضهم، وصل تقرير الكونفرنس الثاني الذي يشير الى أن طريق ثورتنا هو الطريق السلمي اللاعنفي، لقد أثار التقرير غضب جميع الرفاق السجناء.

جرت نقاشات تصب بمجملها بإتجاه شجب الطريق السلمي، بل والتأكيد على أن طريقنا هو الطريق العنفي. كنت مع الرفيق زكي خيري في غرفة واحدة في السجن الإنفرادي معزولين، وأحياناً يضمون إلينا رفيق ثالث. كتب زكي خيري رسالة للحزب شجب فيها الطريق السلمي بإسم الرفاق السجناء، وبعدها جاء بيان م. س. يتضمن تصحيحاً صوب الطريق الثوري العنفي.

إن أفضل خلفية علاقات للحزب أيام الرفيق فهد كانت مع حزب الشعب جماعة عزيز شريف. وفي الظروف التي يحصل فيها نوع من التنفيس أو الإنفراج في حياة العراق السياسية صوب بعض الحريات للصحافة الوطنية وغيرها تكون فرصة للأحزاب الوطنية، ومنها حزب الشعب، كونه حزب ماركسي وطني يعتمد طريق النضال السلمي البرلماني، وهذا شيء جيد يخدم الحركة الثورية ككل. حين حصل إتفاق مع فهد كون حزب الشعب يمثل سياسة الحزب الوطنية المرحلية، ولكن بعد ذلك حصلت بعض التأثيرات السلبية من هذا الطرف أو ذلك مما أبعد حزب الشعب عن فهد.

لقد تراجع حزب الشعب عن وعده كون المرحلة التي يمر بها العراق تتطلب وجود حزب وطني الى جانب الحزب الشيوعي. ولكن لاحقاً تكرست القناعة لدى بعض قيادات حزب الشعب بان العراق لا يحتاج الى وجود حزب شيوعي. هذا النقطة شكلت نقطة خلاف رئيسية بين الرفيقين بكداش وفهد تاريخياً، ولكن بعد الوثبات ثمن بكداش دور الشيوعيين في وثبة كانون 1948 في الوقت الذي كان فيه فهد في السجن منذ عام 1947.

أثارت وثبة كانون 1948 إستغراب الصحافة العربية، خاصةً الصحافة السورية منها، ووصفوا الوثبة بكونها إعجوبة فهد. فعلى الرغم من وجوده في السجن، إستطاع الشيوعيون قيادة الوثبة والحركة الإضرابيه للعمال من زاخو الى الفاو.

وفي ربيع الوثبة أثارت الصحافة البريطانية المخاوف من كون الأشهر الأولى من التحركات الجماهيرية شهدت مظاهرات لإسقاط حكومة صالح جبر. ولكنها في وقت لاحق إنتقلت الى النضال الجماهير الواسع والأكثر عمقاً، وتحديداً الى الإضرابات، وإتخاذ تلك الإضرابات الطابع العمالي. وهو ما أثار مخاوفهم، وإعتبروه الأكثر خطورة على هيمنتهم على مصائر البلاد.

علق الرفيق خالد بكداش على الصحافة العربية، التي أشارت الى كون الوثبة إعجوبة، قائلاً: لا إنها ليست أعجوبة، ولو لم تكن لكانت هي الإعجوبه.

لا بد من التأكيد على حقيقة أن ترك السيد عزيز شريف لتعاونه مع فهد، إضطر فهد الى أن يقدم هيئة مؤسسة لحزب التحرر الوطني برئاسة عضو م. س. حسين محمد الشبيبي، الذي لم تكن مسؤوليته الحزبيه معروفة. أضطر الى ذلك على الرغم من أن نظام الحزب يؤكد على عدم زج الشيوعيين في الواجهة، فالحزب السري لابد أن يظل ثلثاه على الأقل سرياً.

في ظل قيادة فهد قدم الرفيق الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم) عضو م. س. طلباً لإجازة حزب التحرر الوطني لضمان نضال الحزب العلني، وكان مع الشبيبي كوادر حزبية متقدمة، مثل: سالم عبيد النعمان، محمد حسين أبو العيس و محمد علي الزرقاء، والأخير تم نفيه فيما بعد الى سوريا.

إن الحريات النسبية لم تدوم طويلاً حيث ألغيت جميع الأحزاب وحددت الصحافة، ولكن نفوذ الحزب إزداد، وجريدة الحزب القاعدة تضاعفت طبعاتها وتوزيعها، يُذكر أن فهد له تعلق مشهور حول إجازة جريدة الحزب ـ القاعدة. علق فهد بأن جريدة الحزب لا تنتظر إجازة من أحد إن أجازتها من الشعب، وهي إجازة لا تلغى.

هكذا هي مسيرة العلاقات بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب الشعب، التي مرت بالكثير من حالات المد والجزر، وإنتهت على يد الرفيق سلام عادل بإنضمامهم أو إندماجهم أو توحدهم مع الحزب.

(3)

 

حول تذبذب سلام عادل وموقف أبو العيس

 

لا غرابة حين تمر الحركات الثورية بظروف معقدة أن يتخذ أكثرية الكوادر القيادية أو عدد منهم أو أحدهم مواقف متذبذبة، ولكن الأهم أن تعالج تلك المواقف بروح مبدئية بعيدة عن النزوات الذاتية، سواء تعلق الأمر بشخص قيادي أم غير قيادي، وكذا الحال بالنسبة للهيئات والأشخاص، ولكن في كل الأحوال ينبغي أن تتسم المراجعة بروح رفاقيه بناءة لصالح المجتمع والحزب.

من بين أهم الأسباب الرئيسية لنشوء التردد والتذبذب لدى القوى السياسية العراقية بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 أن تلك الأحزاب لم تكن بمستوى الحالة التي فتحت أبوابها الثورة، وما طرحته من تحولات، فلا حزبنا الشيوعي ولا الأحزاب القومية؛ سواء الناصرية منها أو حزب البعث كانوا بمستوى متطلبات المرحلة. وهذا ما قلته قبل بضعة أعوام في حلقة ضمت عدداً غير قليل من السياسيين العراقيين.

سادت في حزبنا بعد الثورة حالة من عدم الإنسجام داخل المكتب السياسي، ولم يتصرف أعضاؤه ككتلة واحدة. جرى إتهام سلام عادل بالتشدد تجاه الزعيم عبد الكريم قاسم. ونسيت الكتلة اليمينية أنها هي نفسها التي إصطفت فجأة أمام قادة إتحاد العمال في المظاهرة المليونية بعيد العمال العالمي في الأول من أيار عام 1959، مما دفع قادة الإتحاد الى الإنسحاب التدريجي. وكذلك شجعت أو تغاضت أو لم تعترض الكتلة اليمينية على هتافات: "الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي"، تلك الهتافات التي أثارت عبد الكريم قاسم والقوى الرجعية الدولية والمحلية في وقت لم تكن لدينا فيه خطة واضحة في مسألة السلطة السياسية. أقول هذا، ولكني أستثني الرفيق الشهيد البطل محمد حسين أبو العيس الذي بقى محافظاً على موقفه اليساري الحق، ولكنه كان مع الرفاق: زكي؛ بهاء؛ وعامر وغيرهم من منطلقات أخرى. وهنا حين يتفق ما يسمى باليمين واليسار داخل الحزب فذلك يقدم الدليل على أن التكتل ينطلق من مواقع ذاتية ضد سلام عادل.

 

ومن الأسباب الأخرى لضعف المركز القيادي للحزب، هو أن كوادره الحزبية تجمعت بعد ثورة تموز 1958 من السجون ومن المنافي، وعدد من هؤلاء في مرحلة من المراحل كان في مركز الحزب أو قاد المركز. هذا الى جانب الفرق الموضوعي بين كوادر المدن والريف والمدن الصغيرة، كما لم يتم صقل الكوادر المنحدرة من مراكز سياسية وطبقات إجتماعية وأقوام وأديان مختلفة، وعلى الرغم من كل ذلك ظل هؤلاء قادة للحزب في ظروف مختلفة، هكذا كان الحال بعد ثورة تموز حيث تجمعت ونشأت في م. س. و ل. م. الروح الذاتية والمنافسة ضد المسؤول الأول في قيادة الحرب، وإستمرت الحالة كذلك في مختلف الظروف. إن التكتلات من منطلقات ذاتية تصيب الحزب بالشلل والضرر البالغ.

 

أشير هنا الى موقف أكثر تعقيداً، وهو رفع شعار "عاش زعيمي عبدالكريم حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي"، هذا الشعار الذي أطلق في المظاهرة المليونية بعيد العمال العالمي أدى الى أن يجن جنون عبد الكريم قاسم لأنه إعتبر نفسه مستهدفاً وهو قائد الثورة. في أثر ذلك بدأت العلاقة تتوتر بين عبد الكريم قاسم والحزب دون أن تكون للحزب خطة لاحقة وواضحة. وقامت المخابرات الحكومية بجريمة إغتال خليل ابو الهوب، ترد تفاصيل الموضوع في موقع آخر من هذه المادة.

 

إستمرت التعليقات وإستثمار المواقف من جهات أخرى ضد عبد الكريم قاسم وضد الحزب معاً، ومارس عبد الكريم قاسم من جانبه سياسته في التفرقة بين هذا وذاك وهذه القوة وتلك، وإن بعض الحوادث والنشاطات الحزبية في مراحل معينة تزامنت مع إشتداد الصراع بين قيادة الجمهورية العربية والقيادة العراقية حول الوحدة وضد عبد الكريم قاسم الذي وسمه الإعلام المصري بقاسم العراق، خاصة من جانب إذاعة صوت العرب التي كانت تهاجم بعنف "قاسم العراق" بينما عبد الكريم قاسم لا جواب من جانبه.

 

في هذا الجو المتوتر إنتشرت أخبار في بغداد تفيد بأن عبد الكريم قاسم قرر مهاجمة مقر الحزب الشيوعي العراقي ـ مقر جريدة إتحاد الشعب يوم 6 كانون ـ عيد الجيش العراقي، وسيعتقل كل من فيه، ويعلن الهجوم على الشيوعية. نقل لي شخصياً مسؤول بغداد المرحوم رفيقي وأخي صالح دگله بأن الحزب قد أمر أن نستعد لكل طاريء، ونتغدى بعبد الكريم قاسم قبل أن يتعشى بنا. وأضاف بأن المنظمات والجميع على أهبة الإستعداد عند إطلاق أول رصاصة. أنا كمسؤول للفراكسيون الحزبي لإتحاد العام لإتحاد نقابات العمال لم أبلغ بمثل ذلك القرار.

 

في هذه الأثناء أرسل عليّ سلام عادل للقاء معه، وأنا حينها كنت في المقر، مر عليّ بسيارته وأخذني معه من مقر إتحاد الشعب إلى غرفة محامي في شارع النضال، وفي غرفة مهيئة للقاءات مع سلام عادل، جلسنا فيها وإستدعي رفيقين من مسؤولي الخط العسكري، هما: ثابت حبيب العاني وعطشان ضيول، أخبرهما بموضوع قيام عملية قبل يوم الجيش، عطشان ضيول كان متحمساً، كما أعرفه من السجن. أما ثابت حبيب قال: لا، إن الضباط الكبار خاصة في الدفاع هم معنا لأنهم يعتقدون بأننا نحن مع عبد الكريم قاسم، (وحسب معرفتي فإن عطشان ضيول يرتبط مباشرةً مع ضباط وعرفاء مرتبطين مباشرةً بالقوات والمخازن في معسكر الرشيد، بينما أبو حسان مرتبط مع الضباط الكبار في الدفاع.

طلب سلام عادل من الرفيقين أن يدخلا في غرفة أخرى للتداول بينهما، وبعد نصف ساعة تقريباً خرجا غير متفقين. قرر سلام عادل أن يبقى الرفيقان سوية في بيت واحد وفيه هاتف، وكلفني بأن أخذهما وأدبر لهما بيتاً مناسباً. دبرت لهما بيت خلف الإذاعة بالصالحية، بيت فايرمان إسمه محمد، ثم عدت الى مقر إتحاد الشعب، وقد أوصاني سلام عادل أن أبقى في المقر لحين الإتصال بي، وقال: أنا ذاهب الى اجتماع م. س. ودخل حي الأكراد، وأنا ذهبت الى المقر.

 

بقيت في المقر وحدي مع الحراس الذين يحملون بنادق آلية عند باب المقر على رصيف الشارع مباشرة، وإستمر الحال كذلك إلى صباح اليوم التالي، الى العاشرة صباحاً تقريباً وكنت أتابع تحرك الجيش من معسكر الرشيد، وكانت تصلني معلومات بأن جنوداً يرمون أوراقاً مغلقة الى الرفاق شغيلة إتحاد الشعب، تشير الى أن الجيش سيهاجم المقر، وكان الشباب يلتقطون تلك الوريقات، ويخبرونا الى أين منطقة واصل الجيس؛ وصلوا البتاويين ثم دخلوا بداية شارع الرشيد، وجاءني خبر أنهم عبروا شارع الرشيد، ووصلوا مخزن حسوا أخوان.

في هذه الأثناء، أي حوالي الساعة العاشرة صباحاً دخل المقر الرفيق المرحوم عامر عبد الله، كانت حقيبته بيده، وقال لي: حلّيت القضية.

قلت: ما هي القضية؟

قال: في الصباح الباكر ذهبت إلى وزارة الدفاع، وقابلت عبد الكريم قاسم. قلت له: سيادة الزعيم شتريد من عندنا؟ (ماذا تريد منا؟). قال: أنتم ماذا تريدون؟

قلت: لا شيء. وفتحت الحقيبة وقلت له: تفضل إسجنا هذا خاولي وبيجاما وأدوات الحلاقة.

قال: لا إذا أنتم ما عندكم شي أنا ما عندي شيء ضدكم.

هكذا حلّت الأزمة بدون غداء وبدون عشاء. رأيي الشخصي، أن دور المخابرات والجهات الخارجية كان بارزاً ومؤثراً في توتير العلاقة بين الحزب وعبد الكريم قاسم للإطاحة بالثورة والطرفين معاً (نحن وعبد الكريم قاسم)، وإن عدم وجود جهاز إستطلاع خاص للحزب لكشف المخططات التي تدبر ضده قد سهل مهمة كل الأعداء في الداخل والخارج.

 

موقف أبو العيس

 

أشير هنا الى أن الرفيق الشهيد البطل أبو العيس من أقدم كوادر الحزب، كان يمتلك وضوحاً فكرياً ثورياً على العكس من بقية عناصر الكتلة التي وصفت باليمينية، وضد تذبذب سلام عادل، لهذا السبب كان على خلافً معه.

ومن الناحية التاريخية كان أبو العيس قد إستلم مع المرحوم الرفيق سالم عبيد النعمان قيادة التنظيم بعد إعدام الرفاق فهد؛ حازم؛ وصارم. كان أبو العيس مسؤولاً عن الجانب الثقافي النظري، وكان المرحوم سالم عبيد النعمان مسؤولاً عن الأمور التنظيمية.

وبعد وقوع الإنفصال بين الحزب وراية الشغيله سافر أبو العيس الى إيران، وإتصل بحزب (توده) لينقل وضع الحزب في العراق. عاد أبو العيس بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 الى العراق. أرسل سلام عادل ثلاثة رفاق لمقابلته، وهم: زكي خيري؛ عزيز الحاج؛ وأنا. تم اللقاء معه في الكاظميه، طبعاً رحب بنا وكان سعيداً لرؤيتنا، سألناه عن موقفه من وضع الحزب؟

أكد على أنه مخلص للحزب، وسيعمل في أي مجال يكلّفه الحزب به. وحتى بعد مسيرة الأول من مايو/ أيار 1959 كان ثابتاً على موقفه، وكان حينها يتولى مسؤولية المنظمات الإجتماعية حزبياً ممثلاً لـ م. س. وأنا كنت مسؤول الفراكسيون الحزبي لإتحاد النقابات، وكانت علاقتنا ودٌية، وكان دائماً ضد المساومة مع عبد الكريم قاسم أو مسايرته أو الخنوع له على غرار موقف مَنْ إصطلح على تسميتهم بالكتلة اليمينية.

 

وعندما نقلنا مقر نقابة النفط من خلف الإذاعة، وهو موقع حساس خلف الإذاعة مباشرةً، إلى مقر آخر إنزعج أبو العيس متسائلاً: لماذا إنتقلت انت، لماذا؟

فكان جوابي: إن أم سعد (زوجة صالح الجبر ـ رئيس وزراء في العهد الملكي) التي أجرتنا الڤيلا كانت سعيدة بوجودنا، لإننا كنّا محافظين على البناية ونظافتها، وكنّا نعقد فيها الإجتماعات فقط، ولكنها تعرضت لضغوط وتهديدات من الحكومة لإخراجنا منها.

وفي تلك الفترة المتوترة قامت مخابرات عبد الكريم قاسم بالإنتقام من الحزب عن طريق الإغتيال الشخصي لخليل أبو الهوب. كان المرحوم خليل أبو الهوب نجاراً، ومن أكبر شقاوات بغداد في بداية حياته، وهو شخصية مخيفة بالنسبة للكثيرين في السلطة وأجهزتها قبل أن يتعرف على الحزب والنقابات. إنضم المرحوم خليل الى الحزب في سجن الكوت 1952 بفضل العلاقات التي ربطته داخل السجن مع عمال نقابيين شيوعيين عندما كان يقضي محكومية في ذلك السجن.

 

دعاني الرفيق أبو العيس بصفته مسؤولاً عن المنظمات الإجتماعية مع مجموعة صغيرة من الرفاق والنقابيين لحضور الحفل التأبيني لأبي الهوب. ألقى أبو العيس كلمة بالمناسبة، وكان الغضب الشديد واضحاً على ملامحه. وفي كلمته تساءل أبو العيس، وهو يشير بإتجاه وزارة الدفاع: كيف يجري إغتيال المناضلين؟ لمن هي الثورة إذاً؟ ملوحاً بيده قاصداً عبد الكريم قاسم، هذا هو ثبات أبو العيس في موقفه. طبعاً أرسلنا إحتجاجاً الى الخارج إلى إتحاد النقابات العالمي، الذي أرسل بدوره رسالة إستفسار إلى عبد الكريم قاسم. فكان الجواب: كان أبو الهوب سجيناً عادياً، وقد أغتيل بسبب أحقاد بين السجناء.

 

(4)

 

زيارة أنستاس ميكويان للعراق

 

كانت زيارة أنستاس ميكويان (1895 - 1978) نائب رئيس الوزراء السوفيتي للعراق عام 1959 حدثاً مهماً في تطور العلاقات الثنائية بين العراق والإتحاد السوفيتي، لما تحمله الزيارة في ظل الظروف القائمة حينذاك من أبعاد محلية وإقليمية ودولية حساسة.

ومن المعروف أن ميكويان رجل المهمات الصعبة في الحزب الشيوعي والدولة السوفيتية، وعاصر قادتهما الكبار: لينين؛ ستالين؛ خروشوف؛ وبريجنيف، وخاض غمار أحداث ما قبل الثورة البلشفية 1917 وبعد إنتصارها، وتولى العديد من المهمات والمناصب منها ملف أزمة الصواريخ الروسية في كوبا ورئاسة مجلس السوفيت الأعلى.

جرى للضيف السوفيتي إستقبال رسمي وشعبي، رسمياً كان على رأس المستقبلين الزعيم المرحوم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء وقائد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958، وشعبياً كانت المشاركة ضخمة عكست بمعنى ما عمق الإعتزاز والإرتياح الشعبي تجاه الإتحاد السوفيتي الذي دعم ثورة تموز 1958، وكذلك تعكس المشاركة نفوذ الحزب الجماهيري تحت قيادة الرفيق الشهيد سلام عادل (أبو إيمان)، وعلت هتافات الجماهير الغفيرة في الشارع مرددة: "ميكويان أهلاً بيك شعب العراقي يحييك".

 

أما العلاقات بين عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب ومع إتحاد النقابات أثناء زيارة أنستاس ميكويان كانت تشهد توتراً ملحوظاً، يرجع الى تصاعد الإضرابات في المؤسسات الوطنية، تلك الإضرابات أثارت غضب عبد الكريم قاسم، وألقى مسؤولياتها لحدود كبيرة على الحزب، علماً ان بعض الإضربات كانت تجري دون علم إتحاد النقابات نفسه.

 

أقامت السفارة السوفيتية خلال زيارة ميكويان حفل إستقبال، دعت إليه عبد الكريم قاسم، وكذلك عدداً من السياسيين والديبلوماسيين والرفاق القياديين الحزبيين والنقابيين العراقيين والأجانب، وكان ميكويان يقوم شخصياً باستقبال الوفود والضيوف، وعندما جاء دوري للمصافحة معه قدّمني له أحد موظفي السفارة على كوني أرمني، فتحدث معي بالأرمنية، وسأل عن عدد نفوس الأرمن في العراق وغيرها من الأسئلة العامة.

 

إستقبل ميكويان الوفود التي جاءت للترحيب به في السفارة السوفيتية، وعند بداية الحفل وصل الزعيم عبدالكريم قاسم الى السفارة. ودخل ورُحّب به الحاضرون وقابلته القاعة بالتصفيق الحار. ألقى ميكويان كلمته التي بيّن فيها إنجازات ونجاحات الإتحاد السوفيتي خلال الأربعين سنه المنصرمة. وبعد خطاب ميكويان صعد الزعيم عبدالكريم قاسم على المنصة، وجاء في كلمته: "قمنا بالثورة ونجحنا، ونحن سنحقق كل هذه الإنجازات المذكورة خلال سبع سنوات". وعجت القاعة بالتصفيق حين وعد بتحقيق ما تحقق في الإتحاد السوفيتي بسبع سنوات.

 

هناك ملاحظة مهمة تعكس حالة العلاقات بين قيادة الحزب وبين عبد الكريم قاسم، إذ عند تهيئة بروتوكول الزيارة والإتفاقيات من قبل ميكويان والجهات السوفيتية المختصة، وقدمت لرئيس الوزراء ووزير الدفاع عبد الكريم قاسم. وجرى الإعتراض على فقرة واحدة، حيث كان البروتوكول يضمن عقد لقاءات مع قادة الأحزاب العراقية وبعض المنظمات الوطنية، من ضمنها م. س. للحزب الشيوعي العراقي. وكانت النتيجة أن الحكومة العراقية وافقت على مقابلة جميع الأحزاب، ورفضت لقاء ميكويان مع م. س. للحزب الشيوعي العراقي فقط. وهكذا واصل ميكويان لقاءاته مع عبد الكريم قاسم والأحزاب الوطنية والصناعيين العراقيين، ولكن جميع مَنْ إلتقى بهم ميكويان خلال زيارته الى بغداد هاجموا سياسة الحزب وسياسة النقابات وإضراباتها.

في هذه الأثناء كنّا جالسين جميعاً في مقر إتحادنا دون معرفة ما يجري، وبينما أنا جالس في غرفتي جاءني المرحوم كليبان صالح الذي يتولى مهمة العلاقات الوطنية في الإتحاد، وقال لي: جاء رفيق سوفيتي يريد يزورك. بعد الترحيب بالرفيق بوريس خلوزوف، الذى يتكلم بالعربية (أصبح لاحقاً سفيراً للإتحاد السوفيتي في الاردن).

قال لي: رفيق آرا ما تريد تشوف الرفيق ميكويان؟

جاوبته بالإيجاب، وسألت إذا كان من الممكن أن نحدد موعداً غداً بعد الظهر. (لكي يتسنى لي إخبار الحزب بذلك).

قال: ماذا تقول يا رفيق؟ الطائرة جاهزه تنتظر ميكويان، ويرغب أن يراك قبل مغادرته العراق.

قلت: حسنا بعد نصف ساعة.

وأضفت: أنا سأتي الى السفارة بسيارة أجرة (تكسي)، وليس بسيارة إتحاد النقابات، وأرجو إن تنتظرونا أمام باب السفارة أنت وعدد من الموظفين، وأول ما تتوقف سيارة الأجره تفتحوا الباب لإستقبالنا لضمان عدم منعنا من دخول السفارة. وهذا الأمر كان مفهوماً للسفارة وهم يقدرون طبعا بأن هنالك مراقبه شديده من قبل المخابرات، وهنالك العديد من السيارات والدراجات (البايسيكلات) لا تنقطع حركتها من أمام السفارة على الشارع الرئيسي في صوب الكرخ ـ كرادة مريم.

بعد مشاوره مع الرفيق علي شكر رئيس الإتحاد العام لنقابات العمال، أخذت الرفيق العزيز صادق جعفر الفلاحي معي بإعتبارنا وفد من إتحاد النقابات يزور ميكويان. وإن وفدنا يريد إرسال تحياته الى المجلس المركزي للنقابات السوفيتيه ورئيسه فيكتور غريشين، وهو يشغل الى جانب دوره النقابي عضوية هيئة الرئاسة لمجلس السوفيت الأعلى، وكذلك لتقديم الشكر الى غريشين أيضاً على موافقته لقبول عشرة نقابيين عراقيين في مدرسة النقابات السوفيتية لدراسة قيادة النقابات والتنظيم النقابي والاقتصاد السياسي.

 

أخذت تاكسي مع أبي جعفر أقلّنا الى باب السفارة السوفيتية، وكان عدد من موظفيها يقفون عند الباب، فتحوا الباب لنا بسرعه، ودخلنا الى السفارة. أجلسونا في غرفة وبعد برهة دخل علينا ميكويان. أستطيع أن أقول أنه كان متوتراً قليلاً، طلب منا الجلوس ودون توقف أنطلق في الحديث بسرعة، ونقل شكاوي الأطراف الأخرى منا، متحدثاً طبعاً باللغة الأرمنية. وسأل ما هي هذه الاضرابات؟

أينما ذهبت يشتكون منكم. هل م. س. يعلم بالموضوع؟

جاوبته: نعم يعلمون.

كنت أنتظر أن يلتقط نفساً حتى أقول كلمة. قاطعته وقلت الرفيق ميكويان رفيقي عربي إسمه كذا. وهو قائد نقابي معي لا يعرف أرمني. في الحال التفت ميكويان صوب المترجم السوفيتي، وهو أذري إسمه قوربانوف.

وبدأ ميكويان بتقديم نفسه: أنا طلبت اللقاء بكم، كأحد النقابيين من عمال نفط باكو مع مجموعة شاهوميان صديق لينين، هنالك العديد من الشكاوي ضدكم، من عبد الكريم قاسم وغيره. أنطلق أبو جعفر وهاجم عبد الكريم قاسم وأرباب العمل، الذين يستغلون ويضطهدون النقابات، المهم قدّم ميكويان شكره وصافحه، وعند مصافحته مرة أخرى تحدث معي بالارمني: أنقل تحياتي الى م. س. حزبكم، وقل لهم هذا هو الوضع، وإن الشيوعيين في ظروف كهذه يعرفون كيف يجدوا مخرَجاً، وأكّد على تحياته.

 

خرجنا من باب السفارة عبر شارع منطقة باص الأمانة، وكان موظفون السفاره واقفين في الخارج يشاهدون ما سيحدث، جاءنا أثنان وطلبا هوياتنا، سجلا إسمينا كقاده نقابيين. أوقفنا سيارة تكسي ورجعنا فيها الى الإتحاد.

نقلنا الى الرفاق في الإتحاد العام مضمون اللقاء، وإتفقنا على نشر خبراً عنه في جريدة إتحاد الشعب، ولكن تفادياً للتأخير إتفقنا على تحرير خبر وإرساله الى جريدة الأحرار، وعدم إنتظار مسألة إخبار الحزب بتفاصيل اللقاء مع ميكويان، وكان صاحب جريدة الأحرار قريباً من الحزب وصديقاً لسكرتير النشر في الإتحاد عبد القادر عياش.

نُشر الخبر في صباح اليوم التالي، قبل أن يعلم الحزب بلقائنا مع ميكويان. بعد إنتشار الخبر، أرسل الحزب للقائي بطلب من رفيقنا أبو إيمان، قدمت تفاصيل كل ما دار، وبإبتسامة هز الرفيق سلام عادل رأسه كونه متفهماً ومتفقاً مع ما قاله ميكويان ومع إنطباعاته عن الوضع.

 

تنويه:

يبدو أن خلل ما وقع بصدد نشر تعقيبات وملاحظات وإضافات الرفاق والأصدقاء الأعزاء على هذه الحلقة وما سبقها من حلقات، لأني ضغطت على مربع السماح الخاص بالموافقة على نشر كل ما ورد، ولم أوفق في ذلك.

ولكن برمجة موقع الحوار المتمدن تسمح بوصول جميع التعقيبات والملاحظات والإضافات الى الإيميل الشخصي.

أقول أنا أتعامل بإحترام بالغ مع جميع ما يردني بغض النظر عن القرب أو البعد في وجهات النظر، مادام الهدف خدمة ما نعتقد أنه حقيقي وصادق وأمين، هذا الى جانب أن لا أحد يملك "الحقيقة المطلقة".

أعد كل الأعزاء الذين شاركوني في هذه الحلقة وبقية الحلقات، السابقة منها وحتى اللاحقة، بغض النظر عن إتجاه المشاركة الفكري أو المعلوماتي، بأنني سوف أنشر كل مساهماتهم الكريمة، وأعقب عليها بإخلاص وضمن أجواء المحبة والإحترام والتقصي في حلقة مخصصة لهذا الغرض، خاصة ونحن نتناول أحد الرجال الذين سجلوا مجداً وتجربة وطنية رائعة، وأرجو ملاحظة أني كنت أحاول عرض التجربة الملموسة فقط، وهذا ما أعلنت عنه في الحلقة الأولى من هذه المادة التي بين أيديكم الكريمة، ولست بصدد تقويها الكامل أو سرد مذكرات الشهيد أو مذكراتي.

وأستميح الكل عذراً أني لا أكتب من منطلق التقديس الكامل أو العداء الكامل، كما يجري في الحياة السياسية والحزبية ببلادنا، ولا بلغة الحكومات الإجرامية والفاسدة: (نقصف وندمر ونضرب بيد من حديد). أرت فقط أن أقول بصدد هذه الحادثة أو تلك، هكذا كان موقف سلام عادل، كما شاهدت ورأيت وعشت.

وبديهي أن ما يختزن في ذاكرتي عن هذا البطل العراقي الكثير الكثير، أتمنى أن أوفق في الإشارة الى أبرزها، خاصة إذا كان من الممكن أن نستخلص منها بعض التجارب لليوم وللغد.

 

 

 

 

 

 

 

(5)

مع سلام عادل في موسكو

 

إنعقد المؤتمر الخامس لإتحاد النقابات العالمي سنة 1961 في موسكو، شاركت في المؤتمر رئيساَ لوفد الإتحاد العام للنقابات العمالية في العراق. وألقيت كلمة قصيرة لاقت إستحساناً لدى عدد من رؤساء النقابات، وذلك بفضل وتحت تأثير الحالة الثورية للنقابات العمالية العراقية.

وقبل إنتهاء المؤتمر دعاني السكرتير العام لويس سايان الفرنسي وڤيكتور غريشن رئيس المجلس المركزي للنقابات السوفيتية، وهو عضو في هيئة رئاسية الحزب البلشفي، وحضر الرفيق العزيز المرحوم إبراهيم زكريا أيضاً، وهو نقابي سوداني بارز و مشهور في كل الأوساط النقابية. إلتفت غريشن إليّ قائلاً: نحن نريد تشكيل سكرتارية الإتحاد لشؤون الشرق الأوسط ما تقول. وأردف: يوجد مرشحان أنت أو زكريا؟

فكان جوابي فورياً: زكريا.

وأضفت: أنا عائد الى بغداد بعد إنفضاض المؤتمر، لقد جئت فقط لحضور المؤتمر.

إنتهى الإجتماع وأصبح المرحوم زكريا هو سكرتير شؤون الشرق الأوسط، وبعد الإجتماع جائني الرفيق سلام عادل إلى فندق موسكو، وسألني لماذا رفضت.

قال: أنا اقترحت عليهم إسمك، وأنت قلت لهم أنك عائد إلى بغداد.

وأضاف سلام عادل: أنا عائد الى بغداد، وأريد أن يبقى عشرة رفاق على الدوام في الخارج يتداورون في المدارس الحزبية أو المنظمات العالمية وغيرها، سأرسل رسالة الى م. س. ليوافقوا على أن تدخل المدرسة الحزبية وننتظر. وبعد إنتظار أكثر من الشهر تقريباً جاء جواب م. س. بالموافقة.

دخلنا المدرسة الحزبية، وعاد سلام عادل إلى بغداد لقيادة الحزب. ومن الصعب جداً نقل كل تعليقات الأشقاء التي تعكس مدى الإعجاب بشخصية سلام عادل، وما يحملونه له من حب واحترام. كما إن وجوده لبعض الوقت في الخارج قد وضع الأشقاء في موقع الإطلاع عن قرب على تفاصيل الوضع في م. س. وعن النقد الذاتي الذي فرض على سلام عادل أمام ل. م. وكان الضغط منطلقاً من مواقع ذاتية في المحاسبة على أخطاء تكتيكية تحصل في أي حزب خلال العمل الحزبي دون ضجة أو ضحية أو إساءة لسمعة الحزب أو أعطاء سلاح بيد أعداء الحزب والاشتراكيه لاستغلالها، ولاحقاً وصفت الحالة بالجلد الذاتي وليس النقد الذاتي.

ما قام به سلام عادل بعد عودته الى بغداد، هو إقناع أعضاء ل. م. بضرورة إبعاد أعضاء ما عُرف بالكتلة اليمينية: زكي؛ بهاء؛ عامر؛ وأبو العيس، والأخير درج مع الثلاثة لعلاقاته غير المبدئية ضد تذبذب سلام عادل من منطلق يساري. وفي وقت لاحق وصلت رسالة إلى موسكو لمحاسبة عامر وبهاء، وتشكلت لجنة تحقيق من: عبد السلام الناصري مرشح م. س.، حسين سلطان، ثابت حبيب العاني وآرا الموجودين في موسكو. وجاء طلب محاسبة عامر وبهاء بعد محاسبة زكي وأبو العيس في بغداد.

وبعد كل ما حصل أستطيع القول: أن عودة سلام عادل إلى بغداد وإستلامه قيادة الحزب في ذلك الوقت، كانت كمن يذهب للإستشهاد بحكم الظروف القائمة في حينها، ولكنه كان يفكر فقط بإستمرارية العمل الحزبي بعد كل ضربة لأية جهة تعادي الحزب، وكان شاغله الأول ومركز إهتمامه أن يبقى الحزب قوياً ومتماسكاً.

ذكرت سابقاً وفي مناسبات عديدة دور الرفيق فهد وإجراءاته للحفاظ على إستمرارية الحزب، وذلك من خلال تشخيصه للقيادات البديلة لمختلف المهمات والهيئات الحزبية. وكان سلام عادل أيضاً يُعد البدائل لقيادة الحزب في حالة إستشهاده المتوقع.

 

رسالة عزيز محمد

كان الرفيق عزيز محمد قبل وبعد إستشهاد سلام عادل عضو م. س. في كردستان، ولم يكن في بغداد سنة 1959 أثناء مسيرة الأول من أيار ـ عيد العمال العالمي التي حولها أعضاء م. س. الموجودين في بغداد إلى مظاهرة حزبية سياسية محضة، خاصة بعد أن ردد المتظاهرون: (حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي).

 

كنّا عدد من الرفاق في موسكو سنة 1963 عشية الإنقلاب الفاشي، وبعد الإنقلاب وقف الإتحاد السوفيتي معنا وقفة أممية تستحق كل الثناء والإحترام والتقدير، وقدم الدعم والمشورة لإعادة بناء الحزب على أسس جديدة في ظرف فترة النضال ضد سلطة فاشية النزعة وأساليب. وقد إستقر الرأي على أن الرفاق التشيك لديهم خبرة في مواجهة ذات الظروف التي يمر بها حزبنا بعد إنقلاب شباط الدموي.

 

تم تشخيص ثلاثة رفاق لقيادة العمل، يرسلون إلى براغ أولاً للتدريب، وهم: حسين سلطان، ثابت حبيب وأنا. كان إسمي في المدرسة الحزبية محمد علي قاسم حسب جواز السفر الذي كنت أحمله، وتم تقسيم العمل بيننا من قبل رفاقنا القياديين الموجودين في موسكو.

 

بدأت دورة التدريب في مدينة تشيكية قريبة من العاصمة براغ، وخلالها إستفسر الرفاق التشيك: مَنْ منكم اسمه آرا خاجادور وسكانيان؟ ساد الصمت بعض الوقت، وأنا إستغربت من تعودي على الإسم، كما هو في الجواز، وكأني نسيت إسمي الحقيقي، نعم عودت نفسي على الإسم الجديد. قالوا: وصلنا من رفاقكم بأنك ستكون مسؤول صيانة الحزب.

 

كانت الدراسات النظرية والتطبيقات العملية متنوعة، وشملت حقولاً ومجالات عديدة، بما فيها إستعمال السلاح، ولقاءات مع قدامى المناضلين التشيك والسلوفاكيين، ومحاضرات ودروس خاصة في مجال أمن الحزب، وتحليلات علمية للأديان والقوميات، وتدريبات عملية أخرى تضمنت أكل لحوم الخيول وغيرها.

 

ذات يوم أخذوني الى براغ من المدينة التي كنّا نتدرب فيها، وهي تبعد نحو 60 كيلومتراً، وفي إحد بيوتهم الخاصة أعطوني ما يشبه سجارة اللف التي كنّا ندخنها في سجن نقرة السلمان. لم أستغرب تلك الدعوة حيث كنّا نحن الثلاثة في لقاءات متواصلة ومتكررة مع المدربين التشيك بصورة فردية وجماعية.

قالوا لي: إفتح هذه الورقة!

فتحت سيجارة اللف، وإذا بها رسالة.

قالوا لي: إقرأ أولاً من مَنْ هذه الرسالة؟

قرأت أسم المرسل، وقلت: من الرفيق عزيز محمد.

إستغربت، وسألت: كيف حصلتم على هذه الرسالة؟

إنها من رفيق عضو م. س. مسؤول كردستان إسمه عزيز محمد.

كان مسؤول الدورة ميلان سدلاك، وهو مساعد وزير الداخلية للشؤون الخارجية برتبة جنرال، أما مساعده ياروسلاف سولدان، وهو برتبة عقيد، وهما يتكلمان الروسية، والإنجليزية والجنرال يتكلم الألمانية أيضاً.

قال ميلان سدلاك: أولاً إقرأ الرسالة وترجمها.

سألت: لماذا أنا وحدي وليس نحن الثلاثة؟

قال الجنرال وهو يضحك: نحن لسنا مراسليكم، نحن عندنا مصدرنا الخاصة، كيف نحمل رسالة بدون معرفة ما فيها؟

وأضاف مزاحاً وبود: قد يكون فيها شي كيماوي أو شي ينفجر.

أنقل حالياً محتوى رسالة الرفيق عزيز، وليس لدي نسخه منها. أعتمد على الذاكرة، والرفيق حي يرزق، ويستطيع أن يُعلق عليها كما يريد، وحتماً أن الرسالة موجودة في أرشيف موسكو أو في براغ.

جاء في الرسالة: "فور إستلامي رسالة من الرفيق سلام عادل في أول يوم للإنقلاب الفاشي (يقصد إنقلاب 8 شباط/ فبراير سنة 1963) المعنونة: الى السلاح. إنتقلنا الى الكفاح المسلح، وبدأنا بتكوين فرق الأنصار، وجمع بعض قطع السلاح المتوفرة".

وبعد إعدام الرفيق سلام عادل حسب ما جاء في الرسالة: جرى الإتفاق مع الملا مصطفى البرزاني على مواصلة الثورة حتى نهايتها.

ويشير الرفيق عزيز في رسالته الى قيادة الحزب في الخارج، أو الأدق الرفاق القياديين في الخارج، بأنه قبل إعتقال الرفيق سلام عادل، وإستشهاده تحت التعذيب الوحشي:

"طلبت من الرفاق جمال حيدري ومحمد صالح عبلي بأن ينسحبوا إلى كردستان مؤقتاً، ولم يستجيبوا، يبدو كان عندهم مهمة في بغداد". وقدم الرفيق طلباً محدداً، وجاء في طلبه حسب تلك الرسالة: "نحن محتاجون الآن إلا ربع مليون دولار لا الى السلاح، لأن السلاح متوفر هنا، نحتاج الى الأموال لمساعدات عوائل المقاتلين".

تلك هي الجوانب الجوهرية التي تضمنتها الرسالة. وأنا كلما أسأل كيف وصلتكم تلك الرساله، وهي أول صلة بالداخل. كانوا يقولون: هذا ليس صعب علينا. وأكدوا أنهم سوف يرسلون العقيد إلى موسكو لطلب في نقل قيادتنا إلى أقرب نقطة الى كردستان.

قلت: ليس هناك حدود مشتركة بين القفقازي والعراق، وتبلغ المسافة نحو 200 ميل من نهر آراس الى حدود العراق.

قالوا: نعرف المنطقة. توجد قبائل كردية وقوافل تجارية تروح وتأتي، وعن طريقهم نقوم بنقل كل شيء والوصول اليكم.

عاد العقيد سولدان من موسكو وتحدث بالتفصيل عن موقف بريجينيف الذي كان محبطاً. قال سولدان: الرفاق في موسكو قالوا: الآن علاقتنا جيده مع شاه إيران، إذا إنكشف مثل ذلك العمل سيسيء الى تلك العلاقات. يُذكر أنه في تلك الأيام كانت زوجة الشاه ثريا تعالج في ريغا من أجل الإنجاب. أنا أعرف أن مدينة ريغا كانت مشهورة بعلاج النساء من أجل الإنجاب.

في حينها لم أستوعب الموقف، وتساءلت: هل ثورتنا مرتبطة مع قضية ثريا أم سياسة دولة أم شيء آخر؟

بعد فترة وجيزة جاءنا رفيقنا عبد السلام الناصري (أنور مصطفي) عضو مرشح م. س. مسؤول الخارج، وكان في المدرسة الحزبية أيضاً، وفي أوقات سابقة كان يمر علينا بين الحين والحين لنقل بعض الأخبار والمعلومات الحزبية، ولكن هذه المرة يبدو أنه يحمل غاية أخرى. إجتمع بنا نحن الثلاثة وعلامات التوتر ظاهرة عليه، أخرج الرسالة من جيبة وتوجه نحوي سائلاً: هذه الرسالة أنت ترجمتها؟

قلت: بلى.

قال: لماذا أنت وحدك؟

وأضاف: لماذا لم تُسلم الرسالة إلى أبو علي لكي يرسلها لي إلى موسكو؟

شرحت الموضوع. وقلت له: هم طلبوا ذلك، وهم الذين جلبوا الرسالة.

قال: هذه الرسالة بها رائحة البارود. ووضع الرسالة على أنفه وهو يشمها.

وأضاف: هذه الرسالة مكتوبة من خلف السوبيرات (الخنادق).

هذا الوضع أثارني، وقارنت بين جواب بريجينيف ورسالة السوبيرات، فيما بعد توضحت لي الحالة نسبياً بسبب كثرة نقاشاتي في المجالات السياسية والفكرية مع رفيقنا حسين سلطان، وهو مسؤول الدورة، وكذلك من خلال زيارة رفيقنا انور مصطفى، وكان رفيقنا ثابت حبيب حمامة السلام كالعادة في تلك المعمعة. بعد كل الإجتماع أحث أبا حسان على أن يتكلم مع الرفاق، ولكن ظهر فيما بعد بوضوح أن خطوط ما عُرف بخط آب بدأت تتكامل.

إن موقف عزيز محمد من موضوع سمة العصر عبر عنها بقوله المعروف: "إنها لم تصل إلى كردستان بعد".

على أي حال كانت مساهمة الرفاق التشيك في دعمنا كبيرة، حيث وفر لنا الحزب الشقيق من خلال مسؤول الدورة الجنرال ميلان سدلاك مساعد وزير الداخلية التشيكوسلوفاكي للشؤون الخارجية فرصة أن يعقد الحزب إجتماعاً يضم الرفاق أعضاء ل. م. الموجودين في الخارج ومن إلتحق بهم من الداخل، إذ من غير الممكن أن يكون الحزب بلا قيادة؟

 

(6) والأخيرة

 

لقاء مع علي صالح السعدي

 

كنت مندوباً للحزب الشيوعي العراقي بمجلة "قضايا السلم والإشتراكية" المجلة النظرية للأحزاب الشيوعية خلال الأعوام 1970 - 1974 في العاصمة التشيكوسلوفاكية ـ براغ. إتصل بي أحد موظفي السفارة العراقية، وأخبرني بأنه يريد اللقاء بي، وإلتقيته فعلاً في وقت لاحق. نقل لي طلباً من علي صالح السعدي حول رغبته في اللقاء معي، فوافقت، وعصر أحد الأيام إلتقيت السعدي في وسط العاصمة براغ بالقرب من شاطىء نهر "فلتافا" مقابل المسرح الوطني.

بدأ حديث عام بيننا، أخبرني السعدي في بدايته بأنه مريض بالقلب، وهو يعالج حالياً في أحد المصحات التشيكية المتخصصة. ووفق تقديرات الأطباء التشيك أنه سوف لن يعيش طويلاً، وعليه أن يعلم بأن الفترة المتبقية من حياته قصيرة للغاية.

ثم إنتقل الى الموضوع الذي يقف خلف دعوته للقاء بيننا.

قال: أحتفظ بسر أريد إفشاءه لك.

وأضاف: نحن نعرف بأنك صندوق أسرار، وعليه لديّ الكثير من ألأسرار، أريد أن أدع أحد تلك الأسرار عندك.

وتوقف قليلاً، ثم قال: أتمنى أن تحافظ على ذلك السر حتى النهاية، وأن لا تبوح به لأحد حتى قيادة حزبك إلا بعد موتي.

ثمّ بدأ يسرد عليّ تفاصيل ذلك السرّ، قائلاً: أنا كنت أتردد على قصر النهاية في بداية الإنقلاب. وقد شكلنا لجنة من المسؤولين في حزب البعث، وكانت مهمة تلك اللجنة تعذيب ونزع إعترافات القادة الشيوعيين، وكانت مهمتي إدارة شؤون تلك اللجنة، أي رئيسها. وقد أشرفت على إعتقال وتعذيب سلام عادل.

وأضاف السعدي: حاولت مناقشته أثناء ذلك. وكانت مناقشاتي معه ـ يقول السعدي ـ تدور حول سياسة الحزب الشيوعي ومواقفه من قضية رفع السلاح بوجه الإنقلاب. ولكن سلام عادل كان يصر على أن الإنقلاب رجعي وصناعة إستعمارية موجه أساساً ضدّ المدّ الشيوعي في العراق، خاصة بعد أن شعرت الدول الإستعمارية بذلك المد، وحرّكت الأطراف المعادية مجتمعة، وبدفع من شركات النفط التي رأت بأن مصالحها مهددة.

قال السعدي: كان سلام عادل يقول لي إذا تصرّون على الحوار فليس لدينا ثمة ما يمنع من حواركم، ولكن قبل ذلك يجب عليكم أن تقطعوا علاقتكم وصلتكم بالقوى الإستعمارية، وتطلقوا سراح المعتقلين كافة، بعد ذلك يمكن النظر في الحوار معكم.

أما بخصوص حمل السلاح، فقد أجاز سلام عادل المقاومة المسلحة، وكان يصر على الإبقاء عليها ما دام هناك إنقلاب إستعماري. ولم يتنازل عن موقفه على الرغم من شدّة التعذيب.

قال لي علي صالح السعدي أيضاً: إن المجموعة التي كانت تعذّب سلام عادل لم تتهاون ولو للحظة واحدة عن مواصلة تعذيبه.

وأضاف السعدي: طلبت من رئيس المجموعة أن يوقف التعذيب، ويبقي سلام عادل حياً الى أن أعود من سفري الى القاهرة لمقابلة جمال عبدالناصر.

عندما زرت القاهرة (والحديث مازال للسعدي) إمتدت المقابلة مع الرئيس جمال عبدالناصر طويلاً، وتكررت اللقاءات بيننا خلال الزيارة ثلاثة أيام متتالية. وأدى ذلك الى تأخير موعد العودة الى بغداد.

وفي صدد المحادثات مع الرئيس جمال عبدالناصر في القاهرة، لخص السعدي ما توصل إليه عبد الناصر، وعكسه خلال المحادثات بصراحة، مما ساعد في ذلك أن الزيارة نفسها جاءت تحت ضغط الغضب الدولي على ما قام به الإنقلابيون في بغداد.

قال عبد الناصر حسب ما رواه السعدي: صحيح، لقد تأكد لي أن البعثيين ليسوا حزباً للوحدة، همهم الوحيد أخذ السلطة فقط.

وجاء في حديث السعدي: عندما عُدّت من القاهرة توجهت الى قصر النهاية في الحال، وعلمت أن المجموعة واصلت عمليات التعذيب ضد سلام عادل، وأبلغوني أنه أخذ يهذي من شدة التعذيب الذي تعرض له. وتوجهت لرؤيته، وحينما وصلت إليه، وجدته في وضع يرثى له، وجدت رجلاً مهشماً بالمعنى الحرفي للكلمة من شدة التعذيب الذي طال جسده بالكامل، ولم يعد يدرك ما يدور حوله كلياً. فأخرجت مسدّسي وأطلقت عليه "رصاصة الرحمة" وفارق الحياة في الحال.

رجاني السعدي بأن أحتفظ بذلك السر الى حين موته، وبعد ذلك يمكن نشره على الملأ. حصل أول نشر لتلك المعلومة أثناء زيارتي الى لندن بمهمة حزبية، حين دعاني للعشاء خلالها الرفيق عامر عبدالله الذي كان لاجئاً هناك، ودعا الى ذلك العشاء عدداً من السياسيين العراقيين في صفوف المعارضة، ومن بينهم هاني الفكيكي، الذي كان من بين أعضاء لجنة التعذيب في قصر النهاية، والسفير العراقي السابق في براغ عبد الستّار الدوري. وجري نقاش حاد بين عامر وهاني حول ثورة 14 تموز 1958.

سألني عند الستار الدوري: لماذا أنت ساكت؟

قلت: القيادات السياسية في ذلك الوقت لم تكن في مستوي مجابهة المهمات التي طرحتها ثورة 14 تموز.

قال: صحيح.

وفي تلك الفترة كان علي صالح السعدي قد مات منذ مدة طويلة، فكشفت السرّ الذي رواه السعدي أثناء العشاء المذكور. تفاجأ عبد الستار الدوري.

وسألني: هلّ حقّاً أن علي صالح السعدي هو نفسه الذي قال لك ذلك؟

قلت له: طبعاً.

ويبدو أن عبد الستار الدوري كان يعرف ذلك الموضوع من علي صالح السعدي نفسه، وأكد صحت المعلومة حول إستشهاد سلام عادل السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي.

طبعاً لم يعلق هاني الفكيكي بشيء، لأنه كان أحد المشاركين في عملية تعذيب سلام عادل وتصفيته.

وهكذا كتب إنقلابيو 8 شباط الدموي 1963 نهاية حياة بطل وشهيد ومخلص من أبرز مناضلي الشعب العراقي والطبقة العاملة وكل الكادحين والفقراء.