حكايتان ذات مغزى

يحيى السماوي

 

 

قال نرجسيٌّ : كل خبز بيوت القرية من أبي ... ( قلت في نفسي : لقد صدق فأبوه هو الخباز الوحيد في القرية ) ..

*

قالت عجوز متصابية : أبي يستطيع أن يوقف رتلاً طويلاً من السيارات بيد واحدة .. ( قلت في نفسي : لقد صدقت ، فأبوها على ما يبدو شرطي مرور ) .

*

قالت دعيّة مجد : الملكُ نفسه يحني رأسه حين يجلس بين بين يَدَيْ أبي .. ( قلت : لم تكذب ، فأبوها يعمل خادماً بوظيفة حلاّق عند الملك ) ..

*

قالت سحلية جربوع ، نظرت الى نفسها بمرآة محدبة فتوهّمت نفسها تمساحاً : لولا أبي لمشى كلّ رجال المدينة حفاة .. ( قلت في نفسي : لقد صدقت ، فأبوها إسكافيٌّ يعمل صانع نعال وأحذية .. ).

*

قال صغير نفس : لولا أبي لغادر كلّ أهل المدينة بيوتهم خوفا من الموت اختناقا .. ( قلت : لم يكذب ، فأبوه هو الوحيد في المدينة الذي يعمل في نزح وتنظيف المرافق الصحية ) .

***

لي قريبٌ يعمل سائق سيارة ، عنده خمس شهادات ...

الشهادة الأولى : شهادة الدراسة الإبتدائية منحتها له مدرسة الرشيد الإبتدائية في السماوة ..

*

الثانية : شهادة المتوسطة منحتها له متوسطة الكرامة للبنين .

*

الثالثة : شهادة التطعيم ضد الجدري منحتها له مستشفى الحي الجمهوري .

*

الرابعة : شهادة التسريح من الجيش منحتها له مديرية تجنيد محافظة المثنى ..

*

والشهادة الخامسة : شهادة "الدبلوم في تصليح مواسير مياه الصرف الصحي " منحها له مكتب " حلبوص أبو الدخن " ..

***

تذكرت هاتين الحكايتين حين وصفتني بالجهل اللغوي والديني إحدى دعيّات المعرفة باللغة العربية ـ مع أنها ترفع المفعول به وترفع خبر كان ـ لأنني ألحقتُ تاء التأنيث بالفعل " كان " في جملة إنشائية هي : في البدء كانت الكلمة ... كتبتها غير محصورة بين أقواس ، لكونها ليست تضمينا ! وأما دليلها على جهلي اللغوي هو أنّ إنجيل يوحنا لم يؤنث الفعل " كان " في الفقرة ( في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله )

دعيّة المعرفة هذه ، تجهل أنّ النحو العربي لا يستقي شواهده من اللغات العبرية واليونانية والآرامية التي كُتِبت بها الأناجيل ، إنما يستقيها من القرآن الكريم وما قالته العرب ، فكتبت حرفيا إنها تحمل : " ثلاث دبلومات في اللاهوت إضافة الى تعليمي الأكاديمي في الأدب والثقافة والفنون " ( طبعا لم تخبرني عن أسماء الجامعات التي منحتها الدبلومات الثلاثة ـ هي كتبت : ثلاث دبلومات وليس ثلاثة ـ إذ يبدو أنها لا تعرف تمييز العدد مع أنه من مفردات الدراسة في الصف الأول المتوسط !!!

***

أتساءل : هل ثمة أخطر على اللغة من أدعيائها ؟

أتساءل أيضا : هل التي لا تعرف إملاء كلمة " بريء " في جملة : " أسمعتَ عن الطفل البريئ؟

و لا تعرف أن خبر " كان " منصوب وجوبا ، فكتبته مرفوعا في قولها " بينما كانت عيناه نائمتان "

وتنصب الفاعل كما في قولها : " لم يبق شيئا "

ولا تعرف كيف تكتب مضارع الفعل " أيقظ " فكتبته " تيقظ كما في قولها : " لعلها تيقظ الضمائر البشرية "

بل ولا تعرف كتابة جمع المذكر السالم لكلمة " إسرائيلي " فكتبته : إسرائلييون " كما في قولها : المحتلون الإسرائلييون ..

أيجوز لها لها الإدلاء برأي لغوي ؟

هذه بعض الأخطاء النحوية والإملائية في نصّ واحد لا يعدو كونه خاطرة ساذجة توهّمتها شعرا بينما هو مجرد سجع ساذج على غرار قولها :

أرأيتَ صورالبشاعة؟

تتصدر المحطات التلفزيونية والإذاعة

وصفحات المواقع الالكترونية

تلهبها نارا جهنمية

تحفرها فى العيون الآدمية ... الرمادية

لعلها تيقظ الضمائر البشرية

***

ترى أليس صحيحا القول إن أدعياء الثقافة واللغة أخطر عليهما من الجهلاء ؟