هل الرأسمالية مهددة فعلاً.. بالانهيار؟!

د. منير الحمش

 

 

 ارتبط تاريخ الرأسمالية بالأزمات الاقتصادية، وكانت بعض الأزمات تحمل طابعاً دورياً، في حين كان بعضها الآخر ذا أبعاد عميقة تتعلق بطبيعة النظام الرأسمالي نفسه وبنيته.. مما يطرح على أرباب النظام ومفكريه مسالة مستقبل الرأسمالية وما إذا كان هذا النظام مهدداً بالانهيار!

والمتتبع لتاريخ الرأسمالية يجد أن هناك علاقة جدلية بين تطور النظام الرأسمالي وأزماته وتاريخ الفكر الاقتصادي.. فقد ارتبطت نشأة النظام الرأسمالي بقيام النهضة والتنوير في أوربا، حيث انطلقت عملية التحديث الكبرى وانتقال المجتمع الأوربي من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي في ظل الثورة الصناعية في أكبر تحول في تاريخ البشرية، ذلك التحول الذي أدى إلى قيام حضارة القرن التاسع عشر على أساس أربعة نظم، كما يقرر بولايني في كتابه الهام (التحول العظيم) (1):

النظام الأول: ضمان التوازن في القوة، وهذا ما منع لمدة قرن كامل وقوع أية حرب طويلة ومدمرة بين القوى الكبرى.

النظام الثاني: هو قاعدة الذهب الدولية كأساس للتعامل.

النظام الثالث: هو السوق الذاتي التنظيم.

النظام الرابع: هو الدولة الليبرالية.

وإذا كان التوازن في القوة قد حال دون وقوع حرب مدمرة بين القوى الكبرى، فإن طبيعة النظام الرأسمالي التي تعتبر الحروب أحد مقوماتها، قد استعاضت عن الحروب العالمية الكبرى، بحروب إقليمية لا ينفك هذا النظام عن إشعالها لضمان استمرار عجلة الإنتاج العسكري واستمرار تدفق قيمة الأسلحة لخزائن أرباب النظام بما يضمن أيضاً استمرار الأعمال المالية والمصرفية واستمرار دورة الرأسمال لصالح أرباب النظام الرأسمالي.

وإذا كانت قاعدة الذهب الدولية كأساس للتعامل قد انتهت بالقرار التاريخي الذي أصدره الرئيس الأمريكي في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، فإن قواعد ترسيخ (دولرة) الاقتصاد العالمي جعلت من الدولار يقف على رأس نظام نقدي عالمي في خدمة الاقتصاد الاميركي ومصالح المؤسسات المالية الدولية التي أصبح لها (ولأمثالها من منظمات وشركات متعدية الجنسية)، الكلمة الفصل في مسيرة الاقتصاد العالمي.

يبقى إذاً، السوق ذاتي التنظيم، والدولة الليبرالية كعاملين محركين لمسيرة قاطرة الحداثة والحضارة المعاصرة، ويقف خلف السوق والدولة الليبرالية، نظرية اقتصادية- اجتماعية- ثقافية، تتمحور حول اقتصاد السوق والديمقراطية وحقوق الإنسان.

واقتصاد السوق لا يعدو أن يكون تنظيماً اجتماعياً لضبط سلوك الأفراد في مجال الإنتاج وإشباع الحاجات، حيث تتكامل المصالح الخاصة والدوافع الشخصية بتحقيق (الصالح العام). ويعتقد أنصار اقتصاد السوق أن الفرد بسعيه إلى تحقيق أقصى إشباع ممكن تقوم (اليد الخفية) بتوفيق مصلحته الخاصة مع المصلحة العامة.

ومع نضوج النظام الرأسمالي، تبدّى على نحو واضح مدى الظلم والاستغلال الذي ولد البطالة والفقر في أرجاء أوربا، ثم تمثّل ذلك كله في نهب ثروات البلدان التي خضعت لاستعمار جيوش أوربا، فقد بدت عيوب النظام الرأسمالي تتوضح داخلياً في المجتمعات التي نشأ فيها، كما توضحت الآثار الكارثية لاستعمار بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. فكان أن جاءت (الماركسية) لتظهر تناقضات هذا النظام التي تنذر بانهياره. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتزيد من جشع النظام الرأسمالي وتوحش الرأسماليين، فوقعت أزمة الكساد العظيم (1929) في الولايات المتحدة، ثم انتقلت إلى جميع أنحاء العالم، فكانت إنذاراً قوياً للنظام الذي تكاتفت جهود المسؤولين الحكوميين والمنظرين الاقتصاديين من أجل إيجاد مخرج من الأزمة العاصفة، فكان الرد من حكومة الولايات المتحدة ببرنامج (النيو ديل) (2) ومن (كينز) الذي جاء بنظريته العامة ليفسر التوازن والاختلال في الاقتصاد، فبين أن التوازن يمكن أن يستقر عند مستويات متعددة من التشغيل، وأنه قد يستقر دون العمالة الكاملة، وأعطى كينز وصفاً للسياسة الاقتصادية لمواجهة البطالة عن طريق تدخل الدولة، معارضاً بذلك أنصار النظرية التقليدية الذين يدافعون عن الحرية الاقتصادية وعدم تدخل الدولة.

وهكذا يمكن النظر إلى كينز كمعارض للنظام الرأسمالي ونظريات عدم التدخل، لكنه من ناحية أخرى كان يمثل المدافع الحقيقي عن هذا النظام بإعطائه وسائل مقاومة الأزمة وتجاوزها، مما يعطي الرأسمالية دفعة جديدة مكنتها من تجاوز الأزمة.

وقد وجدت نظرية كينز تطبيقاً واسعاً لها بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة في دول أوربا الغربية، بإقامة ما يدعى بالدولة التدخلية (دولة الرفاه والازدهار) لمواجهة مسألة إعادة إعمار ما خلفته الحرب من دمار، والوقوف في وجه النموذج السوفييتي، ولمراعاة ضغط نقابات العمال والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية.

وأسهمت الولايات المتحدة في نجاح هذا المشروع (عن طريق مشروع مارشال)، كما ساعد في نجاحه الاعتماد على الطاقة الرخيصة (وأهم مصادرها النفط العربي)، فأمكن بذلك للنظام الرأسمالي تحقيق ما يدعى بالتسوية التاريخية بين الرأسمال والعمل والدولة، وأنجز النظام الجديد الازدهار لشعوب أوربا الغربية على مدى سنوات امتدت حتى نشوب الأزمة من جديد في مطلع سبعينيات القرن الماضي، تحت عنوان (الركود التضخمي) ومؤداه تراجع النمو الاقتصادي مع تزايد معدلات التضخم.

وأمام عجز الكينزية عن تقديم الحلول للأزمة، انبرى الاقتصاديون الليبراليون الجدد إلى تقديم حلولهم من خلال تحميل الدولة وتدخلها في الشأن الاقتصادي مسؤولية الأزمة، وقالوا إن الحل هو في تراجع الدولة إلى حدود وظائفها التقليدية، وترك الأفراد والمؤسسات الخاصة تعمل بحرية (تكاد تكون كاملة) ونادوا بحكومة الحد الأدنى، أو بالحكومة الصغيرة، والتخلي عن القطاع العام وحرية التجارة الخارجية وحرية السوق الداخلي وعدم التدخل في الأسعار.

وإذ تبنّت (تاتشر) وحزب المحافظين في بريطانيا هذه الدعوة، واستطاعت الوصول إلى رئاسة الحكومة البريطانية (1979) فإن ريغان بالمقابل وصل إلى الرئاسة الأمريكية (1980) تحت ظل شعارات المحافظين الجدد ورفع شعار اقتصاد السوق المنفلت من أية ضوابط، ووضعت بعد ذلك سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة كنهج اقتصادي يقدم إلى جانب الديمقراطية وحقوق الإنسان ضمن مشروعات يُراد منها تعزيز هيمنة الولايات المتحدة على مقدرات العالم، وصدّرت هذه المشروعات إلى بلداننا باسم (الشرق الأوسط الجديد) الذي أصبح كبيراً بعد ذلك، والشراكة الأوربية، واتفاقات الشراكة وحرية التجارة كوسيلة عملية لإلحاق بلداننا بالاقتصاد العالمي وإدراجها ضمن مقتضيات العولمة، مستخدمة في ذلك المؤسسات والمنظمات الدولية (3) والمصارف الكبرى والشركات متعدية الجنسية.

هذه المشروعات لكي تنجح كان عليها إضعاف الدول والشعوب، وبالتالي جعلها أسهل في قيادتها نحو القبول بمشروع الليبرالية الاقتصادية الجديدة، وأكثر قابلية للانضواء تحت هيمنة الولايات المتحدة، وهكذا كان عليها أولاً إزالة النظام الاشتراكي السوفييتي الذي كان نموذجاً يقتدى به للشعوب المغلوبة على أمرها، فولدت في المجتمعات السوفييتية نزعة معاداة النظام، مستغلة في ذلك انتشار الفساد وحالة الارتخاء والجمود العقائدي التي سادت الاقتصاد والمجتمع السوفييتي، وما نجم عن ذلك كله من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية تحت وطأة سباق التسلح وتزايد الأعباء والنفقات الناجمة عنه، فكان انهيار الاتحاد السوفييتي وتفتته إلى جانب مجموعة من الأحداث الدراماتيكية كـ(يوغسلافيا وانهيار جدار برلين وتوحيد الألمانيتين وغزو العراق للكويت) إيذاناً بمرحلة جديدة من العولمة، وإعلاء شأن الرأسمالية والاقتصاد الليبرالي الجديد.

 

وبعد أن وصلت الولايات المتحدة (وهي زعيمة النظام الرأسمالي) إلى ما أرادته، واعتلت قمة الهرم في النظام العالمي كقطب وحيد، أصيبت بعمى الألوان، وغابت عنها الحقائق، فتمادت في سياساتها الليبرالية الجديدة، داخل مجتمعاتها وتمادت أيضاً في سياسات إلحاق دول العالم وشعوبه بدورة الرأسمال العالمي، مع ما رافق ذلك من سياسات متوحشة أوصلت 1% من سكان الولايات المتحدة إلى السيطرة على مقدرات السياسة والاقتصاد وفرض جدول أعمال مغاير على شعوب العالم ودوله.

أمكن للرأسمالية في عقد التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة أن تحقق ازدهاراً وتقدماً ترافق مع التطور العلمي والتقاني، مما دعا بعض الاقتصاديين إلى الإعلان عن ولادة عصر جديد (عصر الاقتصاد الجديد) اقتصاد التكنولوجيا الجديدة والاتصالات الحديثة، وقد زعموا أن هذا الاقتصاد سيحقق الازدهار المستدام. وظهرت أنواعاً جديدة من الشركات التي تعنى بشؤون المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، وحققت نجاحات هامة أدت إلى ارتفاع أسهمها في البورصة على نحو غير مسبوق، كما أدت إلى خلق فئة جديدة من رجال الأعمال الشباب الذين أصبحوا يملكون مئات المليارات من الدولارات بفضل الارتفاع الجنوني لقيمة أسهم شركاتهم في الأسواق المالية.

ولم تعد شركات الإنتاج هي التي تحدد مسيرة الحياة الاقتصادية، بل أصبحت الشركات الفتية، شركات ما يدعى (الاقتصاد الجديد) هي التي تتولى قيادة الاقتصاد، وتحدد مساراته، ليس في الولايات المتحدة فحسب، وإنما في أوربا وآسيا لاحقاً، وأصبح الجميع على قناعة أنه بالإمكان تكاثر المال بلا حدود، وابتكر أصحاب الاقتصاد الجديد نظرية بعنوان (تعظيم الأسهم) معياراً لقيادة الشركات، وانتشر الاعتقاد بأن النجاح في البورصة هو المطلوب أولاً وأخيراً، وأصبح ما يحرك قادة الشركات في نهاية المطاف هو التهافت على كسب الأرباح ودمج الشركات، حيث تلعب المصالح الشخصية الدور الأكبر في عمليات الدمج.

هذا إلى جانب هيمنة المصارف الاستثمارية التي تعمل برساميل مقترضة في المقام الأول، فتحقق عن طريق الاستدانة أعظم الأرباح، لكنها في المقابل تتحمل مخاطر عظيمة في حال تدهور أوضاع الأسواق المالية، وهي تعمل دون مراعاة لمصالح صغار المدخرين ولا يردعها أي رادع أمام رغبتها المحمومة في المضاربة.

وأمام (الازدهار) الذي تحقق للرأسمالية في ظل الاقتصاد الجديد والتطور التكنولوجي والمعلوماتي، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل تجربته الاشتراكية، فقد اعتبر أنصار حرية السوق والليبرالية الاقتصادية الجديدة، أن ذلك يعني نهاية التاريخ، الأمر الذي نظر له الكاتب والسياسي الاميركي فوكوياما في كتابه الشهير، الذي أكد فيه أن الديمقراطية الليبرالية انتصرت انتصاراً لا رجعة فيه، وأنها كانت النهاية المنطقية لعملية طويلة حددت معالم نهاية التاريخ.

لكن هذه النهاية لم تأتِ، وهي لن تأتي في المستقبل أيضاً، ذلك أن التاريخ مسيرة دائمة ولن ينتهي بنهاية نظام ما، ولا أدل على ذلك من أن الازدهار الذي تحقق للرأسمالية في ظل الانفتاح والاقتصاد الحر والأسواق المنفلتة، لم يستمر طويلاً، فها هي أزمة الرهون العقارية تطل برأسها لتقتلع الأسس التي بُنبت عليها سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة. ففي خريف 2008 عصفت بالاقتصاد الرأسمالي العالمي الأزمة المالية والاقتصادية التي لاتزال تداعياتها تضرب اقتصادات العالم الرأسمالي والاقتصادات التابعة له، وقد تناول الاقتصاديون والسياسيون هذه الأزمة بالتحليل (4)، كما تداعت حكومات العالم للنظر في معالجة الأزمة وأسبابها، وكان هناك بالطبع اختلاف في وجهات النظر في تشخيص الأزمة وسبل معالجتها، وفقاً للتفاوت في قراءتها حسب الانتماءات الفكرية والأيديولوجية، فضلاً عن الولاءات وما تمليه من مصالح. لقد شهد العالم النتائج الكارثية للأزمة داخل الولايات المتحدة وفي العالم أجمع: إفلاسات وانهيارات لمصارف كبرى ولشركات عملاقة ولمؤسسات مالية عريقة، وبطالة أصابت مختلف القطاعات، وعُجوزاً في الموازنات العامة وفي الموازين التجارية.

إن هذه الأزمة تعود بجذورها إلى طبيعة النظام الرأسمالي في تطوره التاريخي، وفي تحول المجتمع الصناعي إلى مجتمع معلومات، وظهور نمط جديد من الرأسمالية هو (الرأسمالية المعلوماتية)، فضلاً عن التطور الحاصل في الرأسمالية ذاتها، من رأسمالية المنافسة إلى الرأسمالية الاحتكارية والانتقال إلى الرأسمالية المعلوماتية، يعني الانتقال من التركيز على الإنتاج المادي إلى التركيز على إنتاج العلامات والصور والأوراق، مستفيدة من التطور الحاصل في الاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، وأدى ذلك إلى تخلي الدول الصناعية المتقدمة عن صناعات عديدة، إما بسبب أثرها الملوث للبيئة، وإما بسبب حاجتها إلى يد عاملة كثيفة. وفي المقابل توسع القطاع المالي والخدمات المالية، كما برزت نزعة السيطرة على مصادر الطاقة، خصوصاً النفط والغاز، وازدادت حمى المضاربات بالعقود الآجلة وبأسعار المواد الغذائية خصوصاً بعد ظهور إمكانية استخدام المواد الغذائية في توليد الطاقة.

وكان من أهم تداعيات الأزمة، العنصر الإعلامي، الذي لعب دوراً بارزاً في نشرها واتساع نطاقها والترويج لحلولها. وقد لعب المديرون والتكنوقراط في المصارف والشركات عابرة القوميات الدور الأهم في استفحال الأزمة، في سعيهم المحموم لاكتساب الأرباح والمضاربة في أصول المودعين، وانسحب هذا العامل إلى إدارة البنك الفيدرالي الأمريكي التي سمحت بالمزيد من الممارسات المصرفية، وخاصة في مجال استخدام المشتقات من السندات، وغض النظر عن مفاعيل فتح أبواب الاقتراض العقاري دون قيود، إلى جانب مسؤولية الإدارة الأمريكية في تبنيها غير المسؤول للسياسات الاقتصادية الانفتاحية وترك الأمور (لليد الخفية) في قيادة الاقتصاد وترك الأسواق المنفلتة دون قيود.

وقد تساءل العديد من الباحثين الماليين والاقتصاديين والساسة عن السر الذي غيب النتائج الكارثية لهذه السياسات عن أذهان المسؤولين الماليين والاقتصاديين في الإدارة الأمريكية وفي البنك الفيدرالي على وجه التحديد أو عقولهم.

وفي هذا الإطار ومن باب الاهتمام أو الفضول، حضرت الملكة إليزابيت إلى مدرسة الاقتصاد اللندنية، والتقت مع أساتذة الاقتصاد، وطرحت عليهم التساؤل حول السبب في عدم توقع الأزمة نتيجة للسياسات المالية والاقتصادية التي اتبعت، وقد استمهل أساتذة الاقتصاد الإجابة ريثما يتمكنوا من الدراسة والبحث، وبعد ستة أشهر تقدم أساتذة الاقتصاد بتقرير خلاصته أن عدم توقع الأزمة يعود إلى غياب (الفكر والخيال).

لكن هذا لم يمنع رجال السياسة وقادة الاقتصاد من محاولة امتصاص آثار الأزمة، ببرامج المساعدات التي قُدمت إلى المصارف والمؤسسات المالية الكبرى، وببعض الإجراءات السطحية داخلياً، وبالدعوة إلى إدارة الاقتصاد العالمي من قبل مجموعة العشرين التي شملت إلى جانب الدول الصناعية المتقدمة، الدول الصاعدة، وبعض الدول النامية الغنية كالسعودية، بهدف تحميل هذه المجموعة (بدلاً من الانفراد الأمريكي) مسؤولية ما سيصيب الاقتصاد العالمي من كوارث نتيجة الممارسات الأميركية  وبسبب عنادها بعدم التخلي عن هيمنتها، وبالتالي فقد اتبعت إلى جانب إجراء مجموعة العشرين، أساليب وإجراءات من شأنها إعاقة التحول من قيادة القطب الواحد إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، وذلك بانتقال المشكلات ومنع صعود الصين وروسيا، وإفشال عمليات التحول في أمريكا اللاتينية.

لكن الأخطر من ذلك هو ما تفعله حالياً في منطقتنا، فقد كانت داعمة أساسية للأنظمة الاستبدادية التي كانت شعوبها تعاني ما تعانيه من ظلم وطغيان، إلى جانب الضغوط المعيشية والبطالة، بسبب السياسات الاقتصادية الموصى بها من قبل المؤسسات والمنظمات الدولية والشركات متعدية الجنسية، تحت ضغط وإيحاء السلطات النقدية والمالية والسياسية في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، وقد غاب عن أذهان هؤلاء جميعاً وبضمنهم السلطات في دول المنطقة العربية، ما قد ينجم عن انتهاج هذه السياسات الاقتصادية المدعمة بالممارسات الأمنية من نتائج اجتماعية قادت إلى حركات الاحتجاج التي كان من تفاعلاتها وأساليب التعامل معها أن صعد الإسلام السياسي وركب الموجة التي سارعت الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى تبني التحول نحو الإسلام السياسي مستخدمة في ذلك ما لديها من مخزون معلوماتي عن الحركات الإسلامية، ومستغلة علاقات قديمة مع بعض أجنحتها، ومولدة لحركات جديدة وفصائل قتالية أفرزتها الأحداث..

لقد كانت هذه فرصة جديدة للولايات المتحدة في إشعال نار الحروب الإقليمية للاستفادة من كل ذلك من أجل تنفيذ جدول أعمال جديد من شأنه خدمة مصانع الأسلحة وتحريك عجلة الاقتصاد لديها وتشغيل آليات وأدوات نظامها الدولاري لخدمة أغراض الخروج من الأزمة المالية والاقتصادية لديها، ولتأكيد دورها الريادي في قيادة النظام العالمي، مع السعي الحثيث لتقليص فرص ظهور اقتصاد عالمي متعدد الأقطاب، والحد من فرص صعود الدول الصاعدة، والقضاء نهائياً على آمال الشعوب في البلدان النامية بتحقيق تنمية عادلة ومستدامة.

هل تحقق النجاح للولايات المتحدة في فرض جدول أعمالها؟! هل استطاعت إعاقة التطور باتجاه النظام العالمي متعدد الأقطاب؟ وهل استطاعت استيعاب الآثار الكارثية للأزمة المالية والاقتصادية على نحو نهائي؟ هل أصبح بالإمكان القول إن الرأسمالية قد انتصرت، بكل ما تعنيه كلمة انتصارات من معنى؟

لقد كانت الأزمة الراهنة للرأسمالية، معبرة تماماً عن الخلل في هيكلية النظام وطبيعته، ويدرك (سدَنة) النظام هذه الحقيقة، لهذا نجد أن الولايات المتحدة في الوقت الذي تبتعد فيه عن المعالجة الجذرية للأزمة، تتجه إلى تحميل الآخرين وزر أعمالها، فتلقي بعبء الأزمة على الآخرين، ومن هنا جاءت الدعوة إلى اجتماع ما يسمى بـ(مجموعة العشرين) في واشنطن، وانتهت القمة إلى رفض فكرة سلطة عليا تضبط النظام المالي الدولي، معتبرة أن ضبط السوق مسألة وطنية، وقد حذر الرئيس الأمريكي وقت ذاك (بوش الابن) المجتمعين ودعاهم إلى عدم المساس بنظام اقتصاد السوق، وانتهاك (السيادة) الاقتصادية للدول، وعدم العودة إلى نظام الحمائية، مما يعني إبقاء الأزمة مفتوحة، دون أفق علمي يُخرج الاقتصاد العالمي من مرحلة لا تزال في بدايتها.

وإن كان الشعور بالأخطار بدأ يتصاعد على وقع الأزمة، وأخذت المناداة بضرورة التصدي للأزمة تتصاعد، وكان من أهم الاهتمامات ما شهدته باريس من خلال المؤتمر الاقتصادي الذي عقد فيها أوائل عام ،2009 فقد حضر هذا المؤتمر الرئيس الفرنسي حين ذاك (ساركوزي) والمستشارة الألمانية (ميركل) ورئيس الوزراء البريطاني (بلير) إضافة إلى رؤساء الجمهوريات الإفريقية وبعض الخبراء والمستشارين والمفكرين الاقتصاديين الاستراتيجيين، وعقد المؤتمر تحت شعار (عالم جديد- رأسمالية جديدة).

وتعود أهمية هذا المؤتمر إلى أنه عقد بعد أشهر قليلة من الأزمة، التي هيمنت على أعماله، وفي هذا المؤتمر أعلن ساركوزي أن أحد أهداف (الرأسمالية الجديدة) هو إقامة (عالم جديد) أي اقتصاد سوق اجتماعي جديد ذي أبعاد عالمية، وإن مهمة الرأسمالية الجديدة تخطّي الأزمة الراهنة وإدراك مخاطر العولمة، لكن أهم ما أسفر عنه هذا المؤتمر هو العودة إلى الدولة، بحيث تؤدي دورها في حماية المؤسسات الاقتصادية والمالية وتقويتها، بمعنى حماية مصالح قطاع الأعمال في مواجهة متطلبات باقي الشعب، ومعالجة الاختلالات الهيكلية في النظام الرأسمالي. ورغم أن المؤتمر كان يهدف إلى حماية الرأسمالية، إلا أنه وجّه انتقادات شديدة للولايات المتحدة وإن لم يقدّم صورة واضحة ومتميزة عن الرأسمالية الجديدة والملامح المميزة لها، ولم يحاول هذا المؤتمر (شأنه شأن باقي الدول الصناعية المتقدمة وقادتها ومفكريها) الاقتراب من كشف أزمة الرأسمالية في صورتها الراهنة، لكن أهميته في أنه كشف ما وصلت إليه الرأسمالية الراهنة من توحّش واختلالات، حتى أن بعض الحضور طرح بديلاً عن ذلك تمثل في إعادة (الرأسمالية الاجتماعية) بهدف تجاوز مرحلة الرأسمالية الصناعية، ولكن هل يكفي هذا؟

ثم ما الذي يُنتظر أن يقدّمه اجتماع كهذا، يضم رؤساء دول ومفكرين واقتصاديين يدينون بالولاء للرأسمالية نفسها، وإن حاولوا كشف توحشها في محاولة لتجميلها؟ لقد كانت الولايات المتحدة بروحها وفلسفتها وألاعيبها تحوم فوق الرؤوس وتحدّد مسارات ما يمكن أن يخرج من مقررات وتوصيات. لقد كان السؤال يلح على الساسة والمفكرين السياسيين والاقتصاديين دائماً وبإلحاح بعد كل أزمة: ماذا عن مستقبل الرأسمالية؟

وبعد..

كما قلت فإن أزمات النظام الرأسمالي والرأسمالية ذاتها مستمرة، منذ نشأة هذا النظام، وقد سبق للاقتصادي البارز (شومبيز) إن تساءل في كتابه الشهير (الرأسمالية- الاشتراكية والديمقراطية) عام 1942: هل يمكن للرأسمالية البقاء؟

وقد أجاب على نحو قاطع: لا.. لا أعتقد أنه يمكن ذلك، إلا أنه لا يجد زوال الرأسمالية لأسباب اقتصادية، لكنه يرى أن أسباب زوال الرأسمالية يكمن في ثقافتها التي يراها عامل هدم.

ولعل ما نشهده في هذه الأيام من تداعيات للثقافة الإمبريالية التي بدأت تثير أخطر النزعات الإنسانية، وتمعن في تجاهل الآثار الاجتماعية الكارثية التي تنتج عن ممارستها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية في جميع أنحاء العالم، وتتمظهر هذه النتائج على نحو صارخ في العمل الحثيث لـ(تسليع) الإنسان والعمل، وتعظيم السعي نحو تحقيق الربح، والترويج لمجتمع الاستهلاك وتشويه الإنتاج والعمل المنتج، وفي حالات النزوح والتشرد والجوع والمرض وغض النظر عن الآثار البيئية التي تسببها سياساتها الصناعية وعمليات تلوث البيئة والجفاف وعمليات المتاجرة بالإنسان وأعضائه وإهانة إنسانيته المعبر عنها في جحافل المجاعات في مناطق عديدة من العالم، وغرق الآلاف من الهاربين من ويلات الحرب والجوع،

ولعل المشاهد التي بدأت تفرض نفسها على الساحة الثقافية تعبيراً عن نتائج الثقافة العنصرية والأحادية الجانب للإمبريالية هي ما عناه (شومبيتر) عندما قال بأن زوال الرأسمالية سيكون لأسباب ثقافية، تلك الثقافة التي تبث روح الكراهية ومعاداة الآخر، وتعظّم من شأن المنافسة القاتلة، وتحطّ من شأن الوفاق والعيش المشترك، تلك الثقافة التي احتضنت وشجعت ثقافة التكفير والإرهاب، على أمل استخدامها لتحقيق أهداف وظيفية لخدمة أغراضها وسياساتها، دون أن تتوقع أنها بذلك قد أطلقت المارد الذي يسعى لتحطيم كل من يعترض سبيله مستخدماً في ذلك أفتك الوسائل وأشنع الأساليب اللاإنسانية، وإلى جانب ذلك استخدام الفكر الإرهابي التكفيري بمراجعه ومرجعياته.

وكان المفكر الأمريكي اليساري (هيلبرونو) قد تعرض لفشل النظام الرأسمالي، وبحث فيما يتوقعه لرأسمالية القرن الحادي والعشرين في كتاب صدر بذلك العنوان عام ،1995 وصدرت ترجمته عن الأهرام في القاهرة مسلّطاً الضوء على أبرز أوجه الفشل في النظام الرأسمالي على النحو التالي:

1- تشبّع الطلب وتدهور القوة العاملة، اللذان يشكلان أكبر صعوبتين من مفهوم (آدم سميث).

2- تناقضات الرأسمالية، التي أبرزها (كارل ماركس).

3- العجز في الوصول إلى العمالة الكاملة الذي أبرزه (كينز).

4- التآكل الثقافي في السيناريو الذي قدمه (شومبيتر).

وقد تعددت قراءات المفكرين الاقتصاديين من داخل الصندوق الليبرالي، وانصبت آراء العديد من المفكرين على بيان فشل النظام الرأسمالي، ولكن أغلبها كان يركز على المساوئ والآثار الكارثية للنظام، وعلى الحالة الاجتماعية، دون أن يصل إلى حد ضرورة اقتلاع النظام ذاته، بل كانت النصائح تنصبّ في غالبيتها على تغيير السياسات مع المحافظة على هيكل النظام الرأسمالي.

ومن الدراسات والآراء القيمة التي جاءت من داخل النظام، دراسات وأفكار (جوزيف سيتجلز) الاقتصادي الأميركي المعروف الذي حاز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001 والذي كان كبير المستشارين في البيت الأبيض في عهد كلينتون، ونائباً لرئيس البنك الدولي قبل ذلك.

.. فمن خلال رصده لمسيرة الاقتصاد الرأسمالي والتطورات والتغيرات على الساحة العالمية، قدم حلولاً للاقتصاد المأزوم، متطلعاً إلى مستقبل أفضل للشعوب، وكان له العديد من الكتب في تسعينات القرن الماضي مثل (خيبات العولمة) و(التسعينيات الهادرة) و(كيف تجعل العولمة مثمرة) الخ.. وفي هذا الكتاب الأخير توصّل إلى نتائج هامة استخلصت ثمان منها!

النتيجة الأولى: تخص العلاقة بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية عبر المؤسسات الدولية، فالدول الصناعية المتقدمة لم تقدم مساعدة جدّية إلى الدول النامية، وإنما جعلت حياة هذه الدول أصعب، كما أن المؤسسات الدولية زادت من سوء أزمة 1997 في جنوب شرق آسيا على سبيل المثال.

النتيجة الثانية: أظهر (ستيجلز) أوجه الخلل الأساسية في اقتصادات صندوق النقد الدولي، ومنها الاعتقاد بأن الأسواق تؤدي إلى الكفاءة الاقتصادية.

النتيجة الثالثة: كان للعلاج بالصدمة (الذي فرض على دول الاتحاد السوفياتي السابق) دوراً في فشل التحول نحو اقتصاد السوق.

النتيجة الرابعة: إن سعي التكنوقراط (فئة المديرين التنفيذيين والمحاسبين والمسؤولين الإداريين وبنوك الاستثمار) وراء مصالحهم الشخصية أدى إلى فقاعة مالية واقتصادية صاحبها أوجه هائلة من سوء التخصيص والاستثمار، وعندما انفجرت الفقاعة أدت إلى انكماش اقتصادي.

النتيجة الخامسة: لا يوجد شكل واحد للرأسمالية، ولا يوجد سبيل واحد صحيح لإدارة الاقتصاد، فهناك أشكال أخرى لاقتصاد السوق، مثل ذلك الموجود في السوق التي واصلت نمواً قوياً مزدهراً، أدى إلى مجتمعات مختلفة تماماً، تميزت بتعليم ورعاية صحية أفضل، وصولاً إلى قدر أقلّ من عدم المساواة، (مشيراً إلى اقتصاد السويد) ويقول رغم أن النسخة السويدية قد لا تنجح في بلد آخر إلا أن نجاحها برهن على أن هناك أشكالاً بديلة من اقتصادات السوق الفعالة، وعندما تكون هناك بدائل وخيارات، فإن العمليات السياسية والديمقراطية ينبغي أن تحتل المركز في اتخاذ القرار وليس التكنوقراط.

النتيجة السادسة: وهي متصلة بما سبق ومفادها أن اقتصادات (ستيجلز) تجعل الناس جميعاً أفضل حالاً، في حين أن جوهر علم الاقتصاد هو الاختيار، أي أنه توجد بدائل، بعضها يتم على حساب آخرين، وبعضها يفرض مخاطر على البعض لصالح آخرين.

النتيجة السابعة: النجاح الاقتصادي، يتطلب التوصل إلى توازن صحيح بين الحكومة والسوق، والتوازن يتغير مع الزمن، ويختلف من دولة إلى أخرى، لكنه يلاحظ أن العولمة بالشكل الذي يروج لها، جعلت التوازن المطلوب أمراً صعباً (علماً أن جوهر العولمة هو الاقتصاد الليبرالي الجديد- اقتصاد السوق المنفلت من أية قيود).

النتيجة الثامنة: لا توجد حلول سحرية للأزمة، إلا أنه يقول بأن هناك عدداً من التغيرات يجب إجراؤها في السياسات والمؤسسات وفي قواعد اللعبة، وفي عقليات الناس وفي التفكير، مؤكداً دور الديمقراطية في التغيير المطلوب، وبذلك يمكن أن (تصبح العولمة مثمرة).

هذا التغيير الذي يطلبه (ستيجلز) في قواعد اللعبة، هل يمكن تحقيقه في ظل هيمنة الولايات المتحدة ودهاقنة الليبرالية الاقتصادية الجديدة؟ تلك الهيمنة والأفكار التي قادت إلى تعاظم حجم اللا مساواة في الدخل والثروة، ذلك الحجم الذي كشف عن تزايده (توماس بيكيتي) الاقتصادي الفرنسي في كتابه (رأس المال في القرن الحادي والعشرين) الذي صدرت ترجمته العربية في الشهر الماضي ( نيسان 2016) في بيروت وقبلها في القاهرة، وقد حضر بيكيتي إلى كل من القاهرة وبيروت، ولقي فيهما اهتماماً بالغاً من قبل المفكرين والاقتصاديين نظراً للنتائج الباهرة التي توصل إليها في كتابه الذي وصل عدد صفحاته إلى ألف، وقد وجدت ترجمته الإنكليزية رواجاً كبيراً في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان، فقد جمع (بيكيتي) أدلة واحصاءات تاريخية تثبت تزايد اللا مساواة الاقتصادية والثروة الموروثة التي أدت بالتالي إلى ادعاء (حكم الأثرياء).

وقد أشار (ستيجلز) إلى الاهتمام الذي أبداه الأمريكيون بهذا المؤلف الجديد، إلا أنه اختلف مع (بيكيتي) في تشخيص أسباب الداء المتمثلة في تفشي اللا مساواة في المجتمع المعاصر وطرق علاجها.

لكن كلاهما لم يصل إلى درجة نهاية الرأسمالية، ففي حين يحاول (ستيجلز) تبرئة ساحة الرأسمالية عندما يقول إن ما هو مطبق في الولايات المتحدة هو رأسمالية مزيفة تم تصميمها لخلق اللا مساواة. يرى (بيكيتي) أن اللا مساواة ليست من قبيل المصادفة، إنها (طابع أساسي للرأسمالية) ولكنه لم يصل إلى حد المطالبة باجتثاثها.

وقد حمل البعض النتائج التي توصل إليها (بيكيتي) بأكثر مما هي في الواقع، فقد اتجه هذا البعض إلى وضعه في الصف الماركسي، إلا أن التحليل العلمي لما أورده لا يوحي بذلك، فالماركسية تقول بأن الرأسمالية سوف تدمر نفسها في سعيها المستمر إلى الربح (والأخذ عملياً في التناقص) مما يخلق التناقض الأساسي للرأسمالية، إذ إن الإنتاج ينتهي دائماً لمصلحة الفرد، في حين أن العملية الإنتاجية تحدث على نحو جماعي، وتقول الماركسية إن نتيجة هذا التناقض ستكون انهيار النظام الرأسمالي، إلا أن (بيكيتي) يرى أن الرأسمالية ستصبح منفلتة، وبالتالي يجب عمل شيء ما لإنقاذها، وكأن تناقضات الرأسمالية تحدث خارجها، في حين أن الماركسية ترى هذه التناقضات داخل الرأسمالية نفسها.

جوهر ما توصّل إليه (بيكيتي) هو أن العوائد على الرساميل ستتجاوز معدل النمو في الاقتصاد، وبسبب تركّز الرساميل فإنها ستحصل على أرباح وفوائد لن يستطيع الاقتصاد توفيرها، فتصل بذلك الرأسمالية إلى أزمة.

وفي حين ترى الليبرالية الاقتصادية الجديدة (وجوهرها اقتصاد السوق وحريته وانفلاته) ان الفجوة في الدخول سوف تنكمش مع النمو الاقتصادي، فإن بحث (بيكيتي) يثبت أن فجوة الدخول تتسع مما يخلق حالة من اللا مساواة تتفاقم مع تمركز الثروة والدخول، ففي الولايات المتحدة يمتلك 10% من الأسر، 70% من ثروة البلاد (عام 2010) ويمتلك 1% من الأسر 35% من الثروة، وفي الوقت نفسه يمتلك النصف الأدنى من الأسر 5% فقط، وعندما ينمو الدخل الناتج عن الرأسمال بمعدل أسرع تستفيد الأسر الأغنى على نحو غير متناسب، مما يزيد من عمق الفجوة واللا مساواة، وهذا ما جعل (بيكيتي) يصل إلى أحدى نتائجه الهامة وهي أن اتجاه الرأسمالية إلى تراكم الثروة أكثر فأكثر في أيدي عدد أقل فأقل من الأفراد سوف يؤدي إلى آثار سياسية، أغلبية الناس سيصيرون أفقر في المستقبل والأزمة تتفاقم.

وللخروج من الأزمة يرى (بيكيتي) أن تدخل الدولة هو الوسيلة الوحيدة لخفض مستوى اللا مساواة في الدخل والثروة، وذلك بفرض ضريبة سنوية عالمية (انطلاقاً من كون اللا مساواة توجد في العالم أجمع) يضاف إليها نسب أعلى من الضريبة التصاعدية على الدخول تصل إلى 80% مما يؤدي إلى خفض اللا مساواة ومنع تركز الجزء الأكبر من الثروة في أيدي القلة.

وهكذا يجد منظرو الاقتصاد دائماً المخرج المناسب للرأسمالية نظاماً تحكمه مصالح معينة، فأمام أزمة الكساد العظيم (1929) وجد (كينز) المخرج باللجوء إلى تدخل الدولة من أجل تفعيل الطلب وزيادة الحاجة إلى العمالة والقضاء على البطالة، ومع تصاعد أزمة (الركود التضخمي) وجدت الليبرالية الاقتصادية الجديدة طريقها نحو الاستيلاء على مراكز القرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بفرض جدول أعمال التحول نحو اقتصاد السوق، وتحميل تدخل الدولة المسؤولية كاملة عن الأزمة، ومع استفحال الأزمة في الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي- وجد كل من الرئيس الأمريكي كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني بلير الحلّ بمشورة بعض الاقتصاديين من أمثال (جيدنز) أن الحل هو في الطريق الثالث الذي يسمح ببعض التدخل من الدولة، إلى أن وصل الأمر (مع تفاقم الأزمة) باقتصاديين من أمثال (ستيجلز) إلى الدعوة إلى إيجاد (تزاوج) ما بين اقتصاد السوق وتدخل الدولة، ودفع هذا البعض من الاقتصاديين إلى إحياء فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي تيمناً بما حصل في بعض دول أوربا الغربية كالسويد.

أريد أن أخلص من ذلك إلى أن بإمكان النظام الرأسمالي بما يملكه من إمكانات وكفاءات وأدوات وأساليب أن يجد دائماً الحلول (الاقتصادية والمالية والنقدية) لأزماته، على أن تأتي هذه الحلول في مستوى ما يناسبه أي البقاء على جوهر النظام الرأسمالي وقوانينه الأساسية. وأذكر هنا بما أوردته في هذا البحث من أقوال الرئيس الأمريكي السابق بوش لمجموعة العشرين التي شُكّلت ودُعِيت على عجل للبحث في أزمة خريف 2008، إذ قال: ابحثوا عن كل ما ترون، وضعوا الحلول التي ترونها دون المساس باقتصاد السوق.

وبعد التطورات التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، وبعد أن لمسنا تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية الأخيرة، وبعد وقوفنا على التطور الحاصل في الاقتصاد والنظام الرأسمالي تحت وطأة فشل النظام الاشتراكي السوفياتي، وتحول الصين الشيوعية نحو ما يدعى (اقتصاد السوق الاشتراكي أو الاجتماعي).

بعد ذلك كله، نجد أن المشكلة ليست اقتصادية بحت وإلا لوجد العلم حلولاً لها، المشكلة أيضاً اجتماعية- ثقافية- أخلاقية، وهذا يعيدنا إلى ما قاله (شومينر) بأن انتهاء الرأسمالية سيكون لأسباب ثقافية، كما أنه يعيدنا إلى ما أشار إليه (سميث) أبو الليبرالية والاقتصاد الحر، عندما اشترط أن لا تقود حرية السوق إلى الاحتكار، وقال على نحو صريح: (لا يمكن بالتأكيد لأي مجتمع أن يكون مزدهراً أو سعيداً، إذا كان القسم الأكبر من أفراده فقيراً وبائساً).

هذا ما خرج به سميث في بدء بلورة النظام الرأسمالي، فماذا نقول الآن، ونحن نشهد جموع الجوعى من البشر، وجموع النازحين واللاجئين والعاطلين عن العمل وقسوة الأساليب الاحتكارية ووحشية السوق وعمليات التهميش والإقصاء، واتساع دائرة العمل الإرهابي، والحروب الإقليمية المعيشية، وانهيار دول وتفكك مجتمعات؟!

ألا يوحي ذلك كله بانهيار الأساس الثقافي والأخلاقي للرأسمالية (فضلاً عن الأساس الاقتصادي) في سعيها الحثيث للبقاء؟ ومهما حاول اقتصاديو الرأسمالية ومنظرو الليبرالية، فقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأزمات تلاحق النظام الرأسمالي، وأنه إذا كان صامداً حتى الآن إلا أن من الثابت أنه سقط ثقافياً واجتماعياً وأخلاقياً!!

وبالفعل فقد سقطت الثقافة التي بنيت على أساسها الرأسمالية الليبرالية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سقطت ثقافة العولمة وما يروج حول التحول فإذا بالجدران والأسلاك المكهربة تتعالى بين الدول، سقطت الثقافة الأمريكية القائمة على الفردية والتفرد ونفي الآخر وتهميش الشعوب وإفقار الملايين، سقطت أمام جحافل الجوعى، سقطت عندما تبنّت إيديولوجيا التكفير واستخدمت المعوقين عقلياً في حربها الظالمة ضد الشعوب، سقط ذلك كله ثقافياً وأخلاقياً، بانتظار السقوط الاقتصادي والسياسي.

وأنا أختم كتابة هذا البحث، صباح يوم الجمعة 24/6/2016 تواردت أنباء الإعلان عن نتائج الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا حول خروجها من الاتحاد الأوربي، وأحدثت هذه الأنباء ردود فعل مختلفة، فالبعض دعاها زلزالاً هز أركان العالم، والبعض قال عن الحدث إنه كارثة أو ضربة موجعة، وآخرون قالوا عنه صدمة ويوم أسود.. ومهما كان توصيف ما حدث فهو بلا شك حدث يستحق التوقف عنده طويلاً، والتدقيق في تداعياته على النظام العالمي، وعلى منطقتنا العربية، وعلى مستقبل أوربا، ومستقبل الاقتصاد العالمي، فهل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي هو بداية تفكك النظام الرأسمالي؟ وما أثر ذلك على فكرة التكامل الاقتصادي؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في دراسة مستقبلية، ليس بعيداً عمّا توصلنا إليه في هذا البحث.

الهوامش :

1-كارل بولاني، أستاذ التاريخ الاقتصادي في إنكلترا والولايات المتحدة، كتابه (التحول العظيم) صدر عام ،1942 ترجمته المنظمة العربية للترجمة في بيروت، ونشر عام ،2009 وكان قد بدأ تأليفه في ثلاثينيات القرن الماضي وأنهاه في الأربعينيات.

2-إجراءات حكومية تؤدي إلى تشغيل ملايين العمال، إلى جانب سياسات مالية تركز على تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي.

3-البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ثم انضمت منظمة التجارة العالمية.

(4)- كتبنا عن هذه الأزمة في جريدة (السفير) بالعددين الصادرين في 29 و31/12/،2008 وفي العدد 63 من مجلة المعلومات.