الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة

 

صباح علي الشاهر

 

 

الإرهاب والفساد أحدهما يكمل الآخر، يتبادلان المواقع فتارة أحدهما سبب، وتارة نتيجة، ولأنهما كذلك فلا أمل في التخلص من أحدهما من دون التخلص من الآخر. لذا فالنضال ضد الفساد هو نضال ضد الإرهاب، والعكس صحيح .

سلاح الدمار الشامل ضد أي أمه، هو إجتماع الإرهاب والفساد فيها، وقد أطلق أعداء العراق هذا السلاح المزدوج ضد شعبنا ووطننا، وعودة إلى التأريخ القريب تحدد لنا الخطوات التي تم إتخاذها وصولاً إلى ما نحن عليه الآن .

أكان ما سُمي "بالصدمة والرعب" مجرد تسمية تطلق على معركة أو حرب ، أم أنها كانت ترجمة لسياسة سيتم إتباعها ، ليس ضد العراق فحسب، وإنما ضد المنطقة برمتها وصولاً لتطويعها وتغييرها بما يتناسب مع مايرسموه لنا ؟

الصدمة إذا ترافقت مع الرعب فعلها عجيب ، فهي لا تشل الإنسان عن العمل فقط، وإنما تشل كامل منظومته الفكرية ، وتجعله يخبط خبط عشواء، ويتصرف غريزياً.

لماذا كانت الطائرات الحربية الأمريكية تستهدف المدن العراقية الآمنه في وقت السلم ، وحيث لا جيش يواجههم، وبإدعاءات ليست كاذبة فقط ، بل صلفة غاية الصلافة ، وفيها إستهزاء بالعقل الإنساني ، وبالوجدان السوي؟

ولماذا كانت المذبحة التي قل مثيلها قبل ذلك فيما سُمي طريق الموت ، بين الكويت وصفوان، رغم أن وقود المذبحة المحرقة كانوا جنوداً منسحبين وعوائل مهزومة بعد أن أعطيت الأمان ؟

ربما سوف لن يُكشف عن طبيعة السلاح الذي إستخدمته أمريكا في معركة مطار بغداد المشهورة ، ولكن يمكن القول أنه  كان  خاتمة مرحلة " الصدمة والرعب" عبر الحرب المُعلنه على بلد عدو، تمهيداً لتدشين نفس السياسة ولكن  على بلد محتل ، تحكمه حكومة مُنصبه من قبل المحتل .

كان المطلوب تجريد هذا الشعب من مظاهر القوة ، فكان أن حل الجيش والقوات المسلحة كافة، ودمرت أسلحته ، وحُولت إلى خردة ، ومنح بعضها لعملاء الداخل ، وهرب بعضها للوكلاء في الخارج، وكانت أول خطوات التدمير الذاتي ، ما سُمي بالأمن الذاتي ، بحيث يتكفل كل شخص بحماية نفسه وعائلته، وتتكفل كل جماعة بحماية جماعتها، وكل عشيرة بحماية عشيرتها ، وهكذا، وكانت الخطوة التالية تفجير النزاعات بين الجماعات ، بحيث توهم بأنها تحمي ذاتها من الآخر الذي يهدد هذه الذات، وهو ليس الأجنبي المحتل وأنما الشريك في الوطن، وصولاً إلى إعتبار المحتل حكما يُرجى حكمه، بحيث يُستدعى لكل خلاف، وهو أساساً مُفجر الخلافات بكل أنواعها . ينبغي أن يصبح العدو هو المواطن الآخر، المختلف دينياً وقومياً ومذهبياً ومرجعية وعشائرياً ومناطقياً، وكتلوياً، وولاءاً لزعيم أو متزعم ، ولمن نُفخ فيه عبر التمويل الذي لا يعرف أحداً مصدره، بحيث أصبح بين ليلة وضحاها ممن له صولة وجولة، ينبغي أن يكون الكل ضد الكل داخلياً ، وهذا ما حدث بالفعل ، وينبغي جعل الأحداث تتوالى بحيث يُنسي بعضها البعص الآخر ، فمن صدمة إلى صدمة بحيث لا يُترك أي مجال للتأمل والتساؤل إلى  اين ؟

هذا على صعيد الداخل أما على صعيد الخارج ، فيبغي تضبيب قضية العدو ، وجعل الجار ، ومن هو من نفس الأمة أو الدين ، مساو في الخطورة للعدو الحقيقي، ثم جعله أخطر منه ، وبالتالي التعاون مع من هو أقل خطراً ضد من هو أكثر خطراً، وهذا يستوجب نسيان وقائع التأريخ القريب، وخلق معطيات أخرى، ينسجها إعلام مأجور، يحتكر الساحة، يحاول بكل جهده إثبات أنه من أجل أن تحمي نفسك فعليك التصدي لجارك، وطلب الدعم من البعيد حتى لو كان عدواً.

ضمن هذا الراهن الذي نقل من عالم الإفتراض إلى واقع مُعاش، يعمل الفساد الذي خطط له أساساً، منذ أن منحت أمريكا والسي أي أي ملايين الدولارات لتأسيس وإنشاء معارضات تابعة، ومنذ أن نجحت في توظيف عناصر سياسية من مختلف الإتجاهات توضيفاً فعلياً، مقابل إجور مغرية ، مستغلة الضعف البشري والعوز ، والرغبة الجامحة للبعض من أجل الكسب.

أمريكا وكذا أتباعها يعرفون سطوة المال، وحيث أنهم يعرفون أن لا رصيد لهم وسط العراق ، لذا بات من الضروري خلق هذا الرصيد عبر المال ، لقد دفع بريمر مئات الملايين من الدولارات إلى أشخص معينين بالإسم ليصبحوا أباطرة يتحكمون بمقدرات قطاعات واسعة من الناس ، وموالين بالمطلق لدولته ، ثم بعد ذلك منح الأتباع حصص من الغاز والبنزين أثناء أزمة الغاز والبنزين ، ثم حصصاً من النفط ، وبعد ذلك دفعهم لسرقة كل ما يستطيعون سرقته ، بحجة تمويل الكتل والأحزاب ، وبات على كل وزير ومسؤول كبير دفع نسبة من ما يحصل عليه لكتلته، ووزعت حصص التعينات في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية ، وكذا الوظائف العامة على الكتل والوزراء والنواب ، ووصل سعر التعيين في سلك الشرطة إلى أكثر من ( دفترين)، وكان جميع المستفيدين يتذرعون بأنهم يخدمون بهذا جماهيرهم ، وأصبحت الدولة نهباً لكل ناهب ، وحتى حملة القلم والرأي فقد تمت رشوتهم عبر صرف رواتب لهم من دونما وجه حق ، بحجة أنهم سياسيون أو سجناء أو معتقلون ، أو أنهم إنخرطوا في كفاح مسلح ضد السلطة الديكتاورية ، أو أن لهم "أقارب حتى الدرجة الرابعة" من ضحايا صدام ، وبهذا أفرغت خزينة الدولة تماماً ، وحتى الميزانية غير التشغيلية إمتد لها الفساد والنهب ، ووصل الأمر إلى أن العديد من المشاريع التي تعطى كمقاولات كانت عبارة عن مشاريع  وهمية ، لا وجود لها على أرض الواقع .

وبعد أن وصل الوطن إلى حافة الإفلاس والإنهيار ، طفق الجميع يطالب بالقضاء على الفساد ، أما ما هو الفساد ، وبأي شكل يتجلى فالكل يصمت ؟..