مشروع النائب متعدد المقاعد لخفض عدد النواب وكلفتهم

صائب خليل

 

 

16 آب 2016

تعتبر هذه المقالة إكمالا للمقالة السابقة "ما هو العدد الأنسب لنواب البرلمان؟"(1) والتي بينت أن هناك اشكالا في كل من زيادة عدد مقاعد البرلمان وقلته. ومشكلة قلة عدد مقاعد البرلمان تتمثل في عجزه عن تمثيل مكونات الشعب (السياسية وغيرها)، بينما تكمن مشكلة كثرة العدد في التكلفة العالية لرواتب النواب وحمايتهم وإدارة عملهم.

ونلاحظ هنا أن مشكلة "القلة" ترتبط بعدد المقاعد، بينما مشكلة "الكثرة" ترتبط بعدد النواب أنفسهم! ومن هذه الملاحظة نستوحي الحل الذي يفصل عدد النواب عن عدد المقاعد، فنقلل النواب ونسمح للمقاعد ان تزيد بشكل محدود. كيف؟ المقالة تشرح الجواب الذي قد يبدو غريبا.

 

1- عدد المقاعد - زيادة الجذر التكعيبي

 

إن الدراسات في المقالة السابقة أشارت إلى سلامة فكرة العلاقة بين عدد سكان البلاد وعدد المقاعد البرلمانية فيها لتأمين تمثيل الجميع فيها وعدم إحساسهم بالغربة. لكن الربط المباشر (كما في حالة العراق: مقعد لكل 100 ألف نسمة) يجعل عدد المقاعد يتزايد بشكل سريع وغير مقبول. ومن الأفضل الاستعاضة عنه بالعلاقة مع الجذر التكعيبي لعدد السكان مما يحدد الزيادة في المقاعد مستقبلا.

 

دعونا نأخذ مثالاً: لو فرضنا ان سكان العراق قد تضاعف مرة ونصف (من 35 مليون إلى 52 مليون ونصف) فأن عدد النواب وفق الدستور الحالي سيزداد من 328 إلى 525، أي بزيادة حوالي 200 نائب، بينما يزداد وفق نظام الجذر التكعيبي المقترح إلى 375 فقط، أي بزيادة 47 نائباً فقط..

ولو فرضنا ان عدد سكان العراق تضاعف الى 70 مليون نسمة فسوف يصبح عدد النواب وفق الدستور الحالي 700 نائبا، بينما يكون وفق الجذر التكعيبي 413 نائباً فقط.. وهكذا

 

 

 

2- فكرة "فصل النواب عن المقاعد"، أو :"النائب متعدد المقاعد".

لنبدأ فكرتنا بالتساؤل عن مهمات النائب في البرلمان. أهمها بلا شك هو "التصويت". ولكن قبل التصويت هناك التحضير له بدراسة الملفات المتعلقة بالموضوع. ويفترض في الحالة المثالية ان يسلم نواب الكتلة الواحدة ملفات مختلفة ليشير بها على كتلته النيابية. فهذا متخصص بالشؤون المالية وذاك بالدفاع وآخر بحقوق الإنسان الخ.. وقد يأخذ نائب واحد اكثر من ملف من الملفات الأصغر.

كذلك فإن الاستجوابات من مهمات النواب الأساسية. وهناك مهمة الاتصال بجمهور الناخبين لمعرفة مشاكلهم والدفاع عنهم. وهذه المهمات الأخيرة تتطلب حداً أدنى من عدد النواب ليتمكن من أدائها. فمن العسير على كتلة لها نائبين او ثلاثة ان تدير كل هذه المهمات بنجاح. ولنقل أن الكتلة بحاجة إلى ما بين سبعة إلى عشرة نواب لتوزيع الجهود عليهم بشكل مريح، ولأداء مهمتها بأفضل وجه، وأن زيادة عدد النواب عن هذا الرقم لن يزيد من كفاءة عمل الكتلة، ولا حاجة لهم إلا في لحظة التصويت على القرارات.

 

الفكرة هي أن نبقي نواب ومقاعد الكتل الصغيرة كما هي بلا تغيير، ونقلل عدد نواب الكتل الكبيرة (لنقل كل الكتل التي لديها اكثر من عشرة مقاعد) مع الاحتفاظ بعدد المقاعد ليمثل نسبة أصوات تلك الكتلة. ويتم ذلك بفصل عدد النواب كأشخاص عن عدد المقاعد، وذلك بأن نسمح لبعض النواب بشغل أكثر من مقعد، (أي ان يكون له أكثر من صوت) وعند التصويت يقوم النائب برفع لافتة صغيرة كتب عليها عدد المقاعد التي يمثلها (أو ربما لافتة بلون يمثل ذلك العدد للسهولة).

هذا النظام ممكن التطبيق في الكتل الكبيرة. فعندما يكون لدينا كتلة من 90 مقعداً مثلا، فأن عمل معظم هؤلاء الـ 90 هو ان يرفعوا أيديهم بالتصويت، لأننا نفترض ان أعضاء الكتلة الواحدة متفقين على الأسس السياسية، وانهم اجتمعوا على هذا الأساس.

 

كم يمكننا أن نختصر بهذه الطريقة دون التأثير السلبي على عمل الكتل الكبيرة؟ ما الذي يفعله التسعون أو الأربعون نائباً من الكتل الكبيرة اليوم في البرلمان العراقي مثلاً؟ إنك لا تسمع غالبيتهم يشارك في نقاش، (وحتى لو أرادوا فذلك مستحيل عملياً بسبب حجم البرلمان ومحدودية الوقت)، وهم لا يجدون ما يعملونه معظم الوقت سوى التسكع والغياب واستلام الراتب وتحميل الدولة تكاليفاً باهظة في كل شيء، وقد بينت النائب حنان الفتلاوي، عندما كانت مسؤولة لجنة شؤون الاعضــــاء و التطوير البرلماني قبل بضعة سنوات أن هناك الكثير من النواب لم ترهم ابداً، وبعد سنين من تواجدها في البرلمان! أما بالنسبة للمواطنين فربما لا يعرف اكثرهم متابعةً، 10 أو 15 نائباً، أي 5% من النواب في احسن الأحوال! 

 

إشكالات وحلول في النظام

 

في البدء لا بد من الإشارة إلى ان الفكرة الشائعة من أن "الكتلة" هي سبب الفساد، وأنها تضغط على النواب "الوطنيين" ليصوتوا بشكل غير وطني، ليست سوى خرافة. فالكتلة تأتي بنواب من نوعها، وليس هناك كتلة فاسدة تتكون من نواب "وطنيين"! وبالتالي فإن اختصار عدد النواب هنا لن يؤثر على طريقة تصويت الكتلة بشكل مؤثر.

لكن هناك بعض الإشكالات الواقعية. فرغم أن العدد المقترح يكفي كما يفترض للقيام بالواجبات البرلمانية فإن إعطاء شخص واحد عدد كبير من المقاعد يركز فيه سلطة كبيرة نسبياً، وهذا بحد ذاته يشجع على إفساد الشخص، من منطلق أن السلطة تنحو إلى الفساد دائماً. ويمكن لشركة ما أن ترشو نائباً ذو خمسة مقاعد بمبلغ أقل مما يتطلب منها رشوة خمسة نواب مثلاً، او لدولة أجنبية ان تبتز نائباً بأسهل مما تفعل مع خمسة نواب.

 

كحل لهذه الإشكالات، وتأمين عدم إساءة استخدام السلطة الإضافية للنائب متعدد المقاعد أقترح الإجراءات التالية، على الأقل في المرحلة التجريبية في البداية:

 

1- ألا يعطى للنائب أكثر من مقعدين (صوتين) كحد أقصى.

2- أن ينتخب الأشخاص الفعليون للنيابة حسب تسلسل عدد الأصوات التي حصلوا عليها

3- أن يشغل مقعداً فعلياً أي نائب حصل بنفسه على أصوات كافية للحصول على مقعد (أو نسبة كافية من تلك الأصوات يحددها قانون)، بغض النظر عن بقية القواعد.

4- أن تعفى الكتل التي لها أقل من10 أو 15 مقعداً من النظام

 

وبالطبع ليست هذه قواعداً وأرقاماً ثابتة، بل هي اقتراحات يمكن أن تتغير ويضاف إليها من خلال التجربة، لكن الفكرة هي أن التحديد بصوتين فقط يحدد من زيادة السلطة واحتمال الفساد، لكنه يمكن الدولة من اختصار عدد كبير مؤثر اقتصاديا وعملياً من النواب. وقد حسبت (عام 2013) أننا لو طبقنا هذا النظام على كتل مجلس النواب في ذلك الوقت لأمكن اختصار حوالي 143 نائباً دون التأثير على عدد الأصوات والعمل. وتأتي الاختصارات من الكتل الثلاثة الكبيرة فقط، الائتلاف الوطني والعراقية والتحالف الكردستاني، حيث يتبقى لكل منهم على التوالي 78، 46، و22 نائباً (مع الاحتفاظ بعدد المقاعد والاصوات كما هي) وهي أرقام تضمن لكل كتلة أن تتمكن من أداء عملها بشكل كامل دون أن تعاني من نقص "الأيدي النيابية العاملة".

 

النقطتين 2 و3 تضمنان أن من سيتم استبعادهم فعلياً هم من لم ينتخبهم الناس (بعدد كاف من الاصوات)، وهم في الغالب الزيادة غير الفعالة والمترهلة في الكتلة، وهم النواب الأكثر غياباً والأقل تفاعلاً، والأسهل رشوة ايضاً، وهم من لا يراهم الناخب ولا يسمع صوتهم ولا يدري بأي اتجاه قاموا بالتصويت، ويكونون عادة الأكثر خضوعاً لرئاسة الكتلة التي جاءت بهم بالأصوات الزائدة، ويتوقف بقاؤهم في مناصبهم على رضاها. (حيدر العبادي مثال ممتاز على مثل هذا النائب الزائد).

 

إن اختصار 143 عضواً من المجلس، بالتطبيق المحدود للنظام، يمكننا من اختصار الكثير من الكلفة التي يرهق بها البرلمان الخزينة، فيما يتعلق بالرواتب والتقاعد والمكافآت والمنح والمخصصات والحماية بكل مصاريفها، كما أن ذلك سينعكس على وضوح الرؤية وسهولة العمل والاتصال داخل مجلس النواب، ويساعد على التخلص من النواب الذين جيء بهم من قبل رؤساء كتلهم كتكملة للعدد ليس إلا، وكثير منهم ضرره أكثر من نفعه. كل هذا بدون التأثير على عدد المقاعد (الأصوات) للبرلمان، وعدم التأثير على الكتل الصغيرة، بل ربما تحصل تلك الكتل على فرص أفضل للكلام والتفاعل مع انخفاض عدد الأشخاص الذين يزحمون المكان والوقت في الاجتماعات.

 

خاتمة:

 

اننا نعتقد أن تطبيق هذا النظام سيعود بفوائد هامة. فالجزء الأول الخاص بربط الزيادة في عدد المقاعد بالجذر التكعيبي للسكان وليس بعدد السكان المباشر، اجراء ضروري لتجنب زيادة منفلتة في عدد المقاعد مستقبلاً. أما نظام النائب متعدد المقاعد فيسمح بخفض الكلفة بشكل كبير، وزيادة في الفعالية البرلمانية وتقليل ترهلها وزيادة شفافيتها.

 

(1) "ما هو العدد الأنسب لنواب البرلمان؟"

https://www.facebook.com/saiebkhalil/photos/a.350693164987759.83177.320945874629155/1156303024426765/?type=3&theater