هل تلتحق تركيا بأوراسيا الموعودة ؟

صباح علي الشاهر

 

 

كان مجرد طرح مثل هذا السؤال قبل أقل من عام ليس سوى مجرد أضغاث أحلام، لا يثيره إلا كاتب مهتم بما فوق الخيال، الآن يمكن الذهاب إلى ما هو أكثر من مضمون هذا السؤال ، ولم يعد من المُستغرب أن تنطلق الطائرات الروسية الحربية غداً من قاعدة أنجيرلك لتقصف  لا داعش والنصرة فقط، بل كل القوى التي تمتنع عن الإنخراط في مخطط الحل السلمي .

يكثر البعض الحديث عن الصراع بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية، متناسياً أن لا روسيا قيصرية اليوم، ولا تركيا عثمانية، ومتناسياً أيضاً أن الدولة العثمانية في الوقت الذي كانت في صراع مع القيصرية فإنها أيضاً كانت في صراع مع أوروبا، حيث وصلت إلى تخوم ألمانيا وإلى قلب اوروبا، في حين إبتلعت أغلب ما يعرف الآن بأوروبا الشرقية ، ومثلما كان العداء شرساً بين تركيا العثمانية وروسيا القيصرية ، فهو أيضاً لا يقل شراسة ضد أوروبا بأجمعها. لذا فأستحضار التأريخ لا يرجح كفة على أخرى.

تركية كانت قرابة ما يناهز القرن من الزمن غريبة في أوروبا، مرفوضة ومدفوعة عن جنة الإتحاد الأوروبي، رغم كل الخدمات التي قدمتها لأوروبا، ولأمريكا، ورغم إبتعادها عن محيطها الطبيعي، الذي لم يكن عبر اليونان أو إيطاليا وإنما عبر تخوم القفقاس، حيث موطن الأمة التركية الحقيقي. يمكن القول دونما مبالغة أن وجدان الترك والأمة التركية يتجه نحو الشرق لا الغرب.

وإذ كان الشرق قبل قرن عنوان الجهل والتخلف، وكانت أوروبا" المانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا" ، عنوان التقدم والتكنولوجيا والإقتصاد، وهذا ما دفع أتاتورك وما بعده رضا شاه إلى التوجه بأنظارهما صوب أوروبا التقدم والرقي آنذاك،  فإن الأمر الآن لم يعد كذلك بشكل مطلق وحصري، فاليابان الرابضة في أقاصي الشرق تتحدى الغرب، وتتفوق عليه بتكنولوجيتها فائقة التطور، منذ دشنت عصر الترانسستور في أواسط  خمسينيات القرن الماضي، ثم السبرنتيكا، والصين اليوم سيدة الاقتصاد العالمي بلا منازع، أما النمور الآسيوية فحدث ولا حرج، أما روسيا الواعدة والدول التركية ما بين الصين وحدود تركيا الشرقية، وإيران، والهند الناهضة، فهم سادة القرن الحالي، إنتاجاً وإستهلاكاً.

لم تعد أوروبا التي أضحت عجوزا حسب تعبير بوش الإبن، وأمريكا التعبة ، حلم الطامحين والمغامرين، ولا أرضاً خصبة للإستثمار والفرص بعد أن بلغت حد التخمة، أضحت الفرص هناك فيما سيعرف بـ" أوراسيا".

لا يدعي كاتب المقال أن دور أوروبا وأمريكا إنتهى ، فما زالت أوروبا بلاد الرخاء قياساً لدول الشرق، وما زالت أمريكا قوية عسكريا وإقتصادياً وعلمياً، وهي في الصدارة حتى الآن، لكنها بلغت الحد الذي سوف لن تتجاوزه، وهذا بحد ذاته إيذاناً بمرحلة النكوص ، في حين بإمكان بلدان أوراسيا أن تحقق نسبة نمو بين 10-15 سنوياً لأنها كالأرض البكر قيد الإستثمار ، أما نسبة النمو في بلدان أوربا وأمريكا فستتراوح بين الصفر والواحد بالمائة . لذا فسباق المارثون محسومة نتيجته منذ الآن . 

وستمرن أمريكا نفسها على التعامل مع شركاء وحلفاء، متخلية عن فكرة التعامل مع أتباع، ووكلاء، وسيشمل هذا دول أوروبا كافة، لقد أنتهى أو شارف على الإنتهاء عصر إحتكار الغرب وأمريكا للقوة، وبات في الساحة شركاء، أقوياء و أغنياء، لا تحركهم تبعيتهم وإنما مصالح شعوبهم وأوطانهم.

لتركيا 600 كم حدود مع الجارة الجنوبية سوريا، وحدود أقل مع العراق ، وفي الشرق لا يفصلها عن دول القفقاس التركمانية  سوى جورجيا وأرمينيا، التي ينبغي عليها إزالة الإشكال معها، أما الشمال حيث البحر الأسود فهو بحيرة داخلية للدول المطلة عليه، ووفق إتفاقية الثلاثينيات من القرن الماضي يحظر وجود قوات أجنبية، غير قوات الدول المطلة على البحر، أما مضيق البسفور فهو تحت سيادة تركيا كلياً، مع التعهد بعدم إعاقة حركة المرور عبره خصوصاً بالنسبة لدول البحر الأسود.

وتركيا بإعتبارها دولة فيها قوميات متعدده، تخشى تأسيس كيان كردي شمال تركيا وشمال العراق، وبهذا تتفق معها إيران التي عندها نفس الهاجس، وهي ترى أن أمريكا والغة في مشروع إنفصالي مُلتبس، وإن كان يزعم حماية الإقليات عبر تأسيس كيانات فيدرالية، لكنه في المحصلة سيهدد وحدتها، وروسيا داعم للقوات الكردية في شمال سوريا بإعتبارها تقاتل ضد داعش ، و تركيا ترى أن بإمكانها وإيران تغيير موقف روسيا بحيث لا تدعم الإنفصال ، ولهذا يجري التأكيد في كل لقاء بين الإيرانيين والأتراك ، وبين الأتراك والروس، على وحدة الأراضي السورية، وحيث أن تشكل الكيان الكردي شمال العراق ، وكذا شمال سوريا قد بات يطبخ الآن على نار حامية ، فإن ردة فعل تركيا ستكون المزيد من التعاون مع إيران، ومع روسيا، وربما ستتخذ موقفاً آخر مغايرا تماماً لموقفها المعروف من سوريا ، هذا إذا لم تحدث أموراً طارئة وغير متوقعة ، من مثل تسليم أمريكا لفتح الله كولن إلى تركيا.

هل ستكون تركيا العضو الأكثر أهمية في أوراسيا، علماً أنها لوحدها التي تشارك روسيا في كون جزء منها يقع في أوروبا، ويتضمن أهم مدنها " إسطنبول" في حين الجزء الأعظم في آسيا، وكذلك روسيا جزء منها في أوروبا، ويتضمن أهم مدنها في حين أن جزءها الأعم في آسيا ، لذا فأكثر ما ينطبق مفهوم ومصطلح " أوراسيا " على روسيا وتركيا.

هل ستدير تركيا الظهر لأوروبا، أم أنها تبتزها لتحقيق بعض المصالح التي لم تستطع تحقيقها؟ وهل ستمضي في علاقاتها مع روسيا إلى الحد الذي تغضب أمريكاً، أم أنها تستغل هذا الأمر لأجل الضغط عليها وإجبارها على تسليمها غريمها " فتح الله غولن"؟

ولكن السؤال المهم هناهو : ماذا تستطيع أوروبا تقديمه لتركيا أكثر من السماح للمواطنين الأتراك للدخول إلى أوروبا بدون سمة دخول؟

وهل هذا أهم من السيل الجنوبي، وطريق الحرير، وإحتمالات عبور غاز قزوين عبرها، ولم شملها مع أخواتها الصغيرات الواعدات في بلاد القفقاس؟