إدامة المذلة - تحليل تكنولوجيا ابتزاز الحكومات العراقية المتعاقبة

 

صائب خليل

 

 

القلق العربي الشديد على الحاق الموصل بالأراضي العربية التي احتلها كردستان منذ الغزو الأمريكي، خاصة بعد الاتفاق العسكري الغريب بينها وبين اميركا، دفع بالعبادي إلى التصريح بأن هناك "تفاهم" مع إقليم كردستان بعدم تحرك البيشمركة من أماكنها أثناء عملية استعادة الموصل... فأجابه الناطق باسم الإقليم بأن "البيشمركة لن تنسحب من المناطق التي حررتها أو التي ستحررها في المستقبل!". وكانت البيشمركة قد تقدمت في الأسابيع الأخيرة مسافة تزيد عن 20 كلم في محاور الخازر والكوير ومخمور، و "استعادة" 12 قرية، مؤكدة بأن "البيشمركة ستستمر في تقدمها حتى تحرير كل المناطق الكردستانية في محافظة نينوى"!

وسخر نجاة علي، قائد «البيشمركة» في محور مخمور من تصريحات العبادي، القائد العام للقوات المسلحة التي يفترض ان تكون البيشمركة تحت جناحها، وقال انها "تبدو متناقضة وطابعها سياسي".(1)

 

وكما هو منتظر منه، فقد ابتلع العبادي والملقب "دامبي" شعبيا في احتقار واضح، الإهانة الكردية، ولم يرد بأكثر من أنه لا يقبل بانتهاز الظروف الحالية والفرص "لفرض أمر واقع في نينوى" مضيفاً بأن الانصراف الى صراعات جانبية لا يصب بمصلحة أحد الا داعش".(2)

وهو الكلام الذي تترجمه جميع الأطراف بـ : "إنني لن افعل شيئا.. يمكنكم المضي في فرض الأمر الواقع"! ولا تتردد كردستان في استغلال الفرصة حتى أقصاها، حيث تتبع سياستها منذ البداية، وصايا السفير الأمريكي كالبريث الذي كتب متفاخراً انه أرشد القادة الكرد إلى ضرورة إثارة كل المشاكل الممكنة مع بغداد وأنها ستنتهي جميعا بمكاسب لهم. (كما شرحت في مقالتين) (3) (4)

وكانت نتيجة تلك السياسة، سلسلة لا نهاية لها من الإحراج والخضوع المهين لرؤساء الحكومات العراقية للإقليم ونزف مستمر لثروات البلاد وأراضيها وسيادتها إلى كردستان. وبدأت السلسلة بابتزاز الـ 17% وهي نسبة تزيد 50% عن نسبة سكان الإقليم، ولم تنته بالتوسع المستمر باحتلال الأراضي من جميع المحافظات العربية المجاورة وطرد أهلها، واحتلال كركوك بالتنسيق مع داعش، ومازال التوسع مستمراً.

"حلفاء" العبادي السنة في ائتلاف «متحدون» يعقدون اليوم مع بارزاني مؤتمرا حول «الانتصارات التي حققتها قوات البيشمركة في المعارك الأخيرة»، رغم انها لا تعني إلا خسارة شعبهم، وربما إلى الأبد، الأراضي التي تحققت عليها هذه الانتصارات. ويتحدث الجانبان عن «ضرورة وجود اتفاق سياسي مسبق بين الأطراف والمكونات حول إدارة المحافظة قبل تحريرها لضمان تحقيق الاستقرار». وهو ما يترجم بأنه: تنفيذ الخطة الأمريكية بضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الموصل إلى كردستان. وعلى مرأى ومسمع من بغداد.

ويذكرنا هذا الضعف والإذلال امام كردستان برئيس الحكومة السابق نوري المالكي، رغم ان العبادي قد فاقه اضعافاً مضاعفة. فالمالكي كان أيضا يقدم التنازلات المتتالية، ثم يثور بين الحين والآخر كما يثور العبد الذي يبلغ الضغط عليه فوق طاقته (وهو ما يسمى بـ "صنة العبد") فيرعد ويزبد ويصرخ أنه "ولي الدم".... ثم يهدأ ويستمر بـ "خدمة سيده". ولم يقتصر ابتزاز المالكي على كردستان، بل تطلب ثمن كرسيه تذللاً لحكومة الأردن ايضاً، فقدم لها التنازلات النفطية المتزايدة، رغم انهم كانوا يحتضنون المؤتمرات المعادية لبلده وحكومته بلا احترام لا له ولا لسيادة بلده بل كانوا يمارسون التمييز ضد طائفته علنا وهم مطمئنون أنه لن يجرؤ حتى على التهديد بوقف دعمهم!

قبلهما كان الجعفري، والذي ربما كان اقل تذللا للأمريكان والكرد من زميليه، لكن حكمه القصير لم يخل من مواقف عديدة ضعيفة ومخجلة، فيما يتعلق بالاتفاقيات مع اميركا. ولعل أشد تلك المواقف إذلالا حينما امسكت الشرطة العراقية بإرهابيين بريطانيين (تؤكد بعض الروايات انهم من الموساد) وهما يرتديان ملابس رجال الدين العراقيين، ويشرفان على القيام بعملية إرهابية ضد حسينية في البصرة، حيث لم يكن الاحتلال قد درب ما يكفي من المجندين العراقيين على الإرهاب فكان عليهم ان يقوموا بذلك بأنفسهم. قتل الارهابيان شرطيين قبل القاء القبض عليهما، ثم اقتحمت الدبابات البريطانية سجن البصرة وحطمته لإطلاق سراحهما. وبدلا من ان يقلب رئيس الحكومة الدنيا ويفضح البريطانيين والأمريكان ويشرح لشعبه وللعالم اهدافهما، قال "ليس لدينا مشكلة مع بريطانيا"!! ولو كان لدى العراق رجل على رأس السلطة في لحظتها، لربما وفر على العراق كل الدماء التي مازالت حتى اليوم تسيل وتتزايد.

أما أياد علاوي، فهو الذي أطلق سلسلة "المذلة"، مع زميله عادل عبد المهدي بزيادة حصة كردستان إلى 17% دون أية حجة على الإطلاق! ونذكر لعلاوي بزيارة الأمم المتحدة مع كولن باول لمنع مشروع الماني فرنسي لإخراج العراق من الفصل السابع وإعطاء الحكومة العراقية صلاحيات انهاء التواجد العسكري الدولي (الأمريكي) متى ما ارتأت ذلك. فمنح الولايات المتحدة فرص تهديدنا بالفصل السابع لتوقيع اتفاقية "الصداقة" وغيرها، والتي لم ير العراق منها، وحتى اليوم غير المذلة والخسائر.

وهكذا نرى مناصب رؤساء حكوماتنا سلسلة متزايدة الخنوع لأميركا ولذيول اميركا وإسرائيل من حكام كردستان والأردن.

ونلاحظ ان هذين لا يبذلان أي جهد لتخفيف الحرج عن رؤساء حكومات العراق اثناء قيام هؤلاء بتقديم ثروات الشعب العراقي وأراضيه وسيادته لهما، ولا حتى بحركة او كلمة لطف مزيفة. فبقي الأردن يوقف البرلمانيين العراقيين على الحدود ويميز بينهم مذهبيا وبشكل علني. وكانا يحتضنان كل المتآمرين على الحكومة العراقية او المطلوبين لها، بلا تردد، وكذلك كل العملاء الإسرائيليين الخطرين، مثل القاتل المدان سمير جعجع ومدير حروب الربيع العربي برنارد ليفي. وامتنع الاثنان عن إبداء الاحترامات الدبلوماسية واللفظية المجانية التي تجامل فيها الدول عملائها عادة لتعوضهم ماء وجههم، مقابل الأفعال الشائنة التي تفرضها عليهم. فعندما وقع المالكي عقد الدعم النفطي للأردن، رفض رئيس وزراءها ان يشكره، بل قال بصلافة وكأنه يوجهه لنيل رضاه، بأنها "خطوة على الطريق الصحيح"! وهو ما يشبه تماما ردود أفعال قادة كردستان بعد كل تنازل لهم.

وقد تبدو هذه الطريقة غريبة وغير ضرورية في معاملة رؤساء الحكومة العراقية، مهما كانوا أذلاء. لكننا نفهم الأمر عندما نتذكر أن هؤلاء يسيرون بخطة ابتزاز مستمرة ومتزايدة. وأن تقديم الشكر أو الاحترام لرئيس حكومة العراق سوف يعرقل الابتزاز التالي. فيجب ان يظهر الكردي والأردني في حالة غضب وعدم رضا دائم، لتبرير الخطوة التالية في السلسة.

كذلك فأن الرؤساء لا يدافعون عن أنفسهم امام مبتزيهم حتى بعد تقديم التنازلات، وحتى عندما يكون الدفاع سهلا. فلن تجد مثلا تصريحا للمالكي، رغم كل المسرحيات الدرامية مع كردستان، يقول بالحقيقة التي هي ان نسبة كردستان لا تزيد عن 11%. ولا استعمل حتى حقيقة ان برلمان كردستان أعلن ان نسبتهم 12,6%! ويمكن للعبادي ان يلجأ على اقل تقدير إلى الضغط دستورياً لوقف توسع كردستان، برفع المادة 53 من قانون إدارة الدولة الذي حدد حدود كردستان بتلك التي كانت في 19 آذار 2003. لكنه يكتفي بدلا من ذلك بالتوسل والرجاء الذي يفهم انه ضوء أخضر للتوسع.

لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يعامل الأردن وكردستان رؤساؤنا المذلين بهذه القسوة؟ ولماذا لا يدافع هؤلاء عن أنفسهم ابدا ولا يثبتون ان لهم حقاً؟ لأنهم يعلمون أنهم سوف يؤمرون بتقديم تنازل جديد في السلسلة، وأن ظهورهم بمظهر صاحب الحق الذي تنازل، سوف يجعل تقديمهم للتنازل القادم أصعب قبولا لدى الشعب. فما يحدث يشبه مسرحية يلعب فيها الطرفان ادوارهما لإقناع الشعب بأن الحق مازال لدى الطرف الآخر وأنه لا بأس أن يقدم رئيسه لذلك الطرف المزيد من التنازلات، وهكذا لتستمر السلسلة بلا نهاية. بهذه الطريقة تمكنوا من "إدامة المذلة" وحمايتها من الإنكشاف ليستمر الجرح نازفا حتى يأتي على آخر قطرة دم في جسم الضحية!

هكذا صحونا اليوم وقد تبخرت ثروة من مئات المليارات، وفرصة لن تتكرر وقد لا نجد غيرها لبناء العراق. ووجدنا انفسنا وقد تضاعفت خارطة كردستان على حساب بلادنا وأهلنا، والقوات الأمريكية عادت إلى الأرض العراقية ومعها قوات تركية، وكركوك قد ذهبت وإسرائيل تجهز ثلاث ارباع نفطها من نفط المواطن العراقي المنهوب، وبسعر رخيص جداً، والموصل على بعد خطوات من مؤامرة الفصل، والقلق والحيرة تسيطران على الشعب الذي انهكه احساس طويل بالضياع التام واليأس، وقد ضاع دربه لهول الإرهاب الذي يدميه والفساد الذي يستنزفه والصدمات التي وجهها من انتخبهم، إلى راسه، فهل من أمل؟

أين الخطأ؟ كيف نصلح هذا الحال؟ ما هو الحل؟

من الوهم ان نتخيل ان هناك حلاً يمكن ان يعيد كل ما نزفناه أو حتى جزء منه، بل حتى ان يوقف بشكل كامل سلسلة الإنهيارات الجارية، لكني اعتقد ان هناك ما نستطيع ان نفعله لنخطو خطوة في تصحيح هذا الوضع الخطير ووقف أو إبطاء هذا التدهور المخيف، لعلنا نزيد فرصة شعبنا للإفلات من المصير المرعب الذي يخططونه له. سنتحدث عن هذا في المقالة القادمة.

 (1) الحياة - إقليم كردستان يرفض دعوة العبادي إلى وقف تقدم «البيشمركة» في اتجاه الموصل

http://www.alhayat.com/Articles/16915422/

 (2) مكتب العبادي يرد على الاقليم: لن نسمح بانتهاز الفرص لفرض أمر واقع في نينوى

http://www.iraqicp.com/…/sec…/news/46987-2016-08-18-07-36-29

(3) صائب خليل - دورات “كالبريث” لابتزاز كردستان لبغداد – 1- كيف تعمل وكيف وصلنا إلى هنا؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/photos/a.350693164987759.83177.320945874629155/916611978395872/

 (4) صائب خليل دورات الإصطدام والإبتزاز بين كردستان وبغداد 2 – المالكي والعبادي!

http://www.sahat-altahreer.com/?p=6449