في لاهاي - قاسم حول يذل نبوخذ نصر وجدل مع يهودي عراقي

صائب خليل

 

 

لا شك أن الغضب كان باد على وجهي وصوتي رغم محاولتي ضبطه، عندما وجهت اسئلتي إلى المخرج العراقي قاسم حول حول لقطة اليهود ونبوخذ نصر في فلمه "المغني".

بدأ الأمر بدعوة من أحد الأصدقاء لمشاهدة هذا الفلم، ووجدتها فرصة لإعادة التواصل مع المجتمع العراقي في هولندا بعد انفصال دام سنوات فرضته الظروف والكسل. ورغم تحفظي على مشاهدة الأفلام العربية والعراقية في السنوات الأخيرة، فانطباعي أن غالبيتها الساحقة مدعومة من جهات لا تريد الخير لهذه البلدان. وحين قرأت أن الفلم فاز بجوائز عديدة، ازدادت شكوكي، فجوائز الأفلام لا تمنح إلا لأفلام باتجاه يناسب إسرائيل، إلا نادراً.

بدأ الفلم بشكل شديد التواضع، فكان من ناحية الحوار وتصلب الأداء أقرب إلى تمثيلية مدرسية مضحكة، لكن الأمر تحسن مع الوقت وظهر ممثلون جيدون وحوار معقول. وازداد قلقي: على أي شيء منح الفلم جوائزه؟ كانت الشخوص سطحية ومباشرة لا يكاد يوجد فيها أي أثر للظل بين الأسود والأبيض.

الفلم يدور حول إحتفال "الدكتاتور" بعيد ميلاده، وفي إحدى اللقطات تقوم راقصة فلامنكو اسبانية بتقديم عرض لها، بينما يجري حديث بين الحاضرين عن الحضارة الإسبانية وضرورة الهجرة اليها. يتداخل المشهد بشكل نشاز درامي (بين الحضارة والبداوة) مع دخول إعرابي يقود بعيراً يجلس فوقه شخص هزيل الجسم وابله النظرات يرتدي خوذة حربية قديمة ويبدأ بالغناء بينما يلوك البعير بعض الطعام، بينما يقوم الدكتاتور بمهاجمة اليهود في خطبة مطولة (بقياس الفلم)، ولنفهم ان الهزيل الجالس على البعير هو "نبوخذ نصر" الخ. ليستمر الفلم بعد ذلك في طريقه إلى النهاية الدرامية بلقطات متباينة المستوى.

بعد استراحة قصيرة كان لنا ان نناقش المخرج، فطرحت تساؤلي عن طرح مسألة اليهود وكأنها محشورة في غير موضعها. وأشرت إلى اللقطة الغريبة في خلط قضية اليهود واسبانيا مقابل التخلف العربي في لقطة واحدة، كما توحي الحوارات في وقتها، رغم ان الاسبان هم أصحاب التاريخ المخزي أمام اليهود وأن العرب هم من استقبلوهم بكرم. أنكر أنه يقصد ذلك وأن اختلاط اللقطات كان صدفة، فسألته عن خطاب صدام الذي يهاجم فيه اليهود والذي أعطي مساحة كبيرة نسبيا من وقت اللقطة، وقلت أن هذا الموضوع لم يكن من مواضيع صدام المهمة وانني لا أذكر اني رأيته يتكلم عن اليهود يوماً، وأنه كان يرى في العراقيين العدو الأساسي له فكيف حولت عداءه إلى اليهود وظلمه للعراقيين إلى ظلم لليهود؟ وأشرت مستغرباً النسبة المريبة الارتفاع من المسلسلات التي تركز على اليهود العراقيين وكأن الإعلام العراقي المرئي موجه لليهود من جهة ما، منذ 2003.

وأخيراً سألته عن الرمز الذي كان يريده من لقطة إذلال نبوخذ نصر بإظهاره كشخصية هزيلة بلهاء، يجلس بلا حراك او كلام على البعير بينما يلوك البعير طعاما، وكأنها من لقطات تشويه العرب التي انتجتها هوليوود. وسألته إن لم يقلقه ان تفهم هذه اللقطة كرمز لإهانة العرب وكل تاريخ العراق، لحساب اليهود؟

لم احصل من المخرج قاسم حول على أي جواب عن اسئلتي سوى أنه حاول ان يقنعني، ويا للغرابة، بأن ما قاله قد أثار "البعض" هنا (يقصد المنظمات اليهودية) وأنهم زعلوا عليه!!

لم يثر النقاش هذا أي رد فعل أو أسئلة متابعة من بقية "المثقفين" العراقيين الحاضرين، ولم يتساءل أحد عن سبب إهانة تاريخ بلاده بهذا الشكل الذليل. وعدا مشاهد واحد اعترض على إظهار العراقيين كمستسلمين، ركز الباقون على القضايا الفنية مبدين الإعجاب الشديد بكل شيء في الفلم مع بعض الملاحظات عن بطء الإيقاع.

وعلى اليوتيوب وجدت هذا الفلم عن هذا اللقاء، وتجدوني واقفا في اقصى يسار الشاشة، وقد تم تصوير النقاش كاملا، لكنه، وكما هو متوقع، لم يظهر أي جزء منه في هذا الفلم!(1)

 بعد نهاية فترة المناقشة، جاءني رجل وقدم نفسه على انه يهودي عراقي، وقال غاضباً: "أن ما ذكرته قبل قليل غير مناسب أبداً ومرفوض"! قلت له ان له ان يعتبره كذلك، وأنا لا أتفق معه! قال ان معاداة اليهود عمل عنصري مارسته النازية.. الخ. قلت اني لا أشعر بأي شعور مضاد لليهود بالذات، فمعظم كتابي المفضلين من اليهود (وعددت له جومسكي، فنكلشتاين، افنري) وأني لا أكن لأي منهم سوى أجل الاحترام، وأن ما أخشاه على العراق هو من الإسرائيليين غير المعروفة مواقفهم.  قال انه يحب العراق ويريد العودة اليه وان ليس لأحد الحق من منعه، فقلت إن كان يحب العراق فسوف يمتنع عن المطالبة بحق دخوله لأنه يعلم انه مقابل كل انسان طيب يريد ان يدخل العراق من يهوده، سيأتي معه 9 عملاء للموساد، ولا يمكننا ان نميزهم، وأنت تعرف خطر إسرائيل على أي بلد تدخله خاصة إن كان عربيا.

رفض الاعتراف بأي خطر، واتهمني بأني أؤمن بنظرية المؤامرة، فأشرت له إلى الطريقة التي يعامل بها الإسرائيليون الهولنديين هنا وكيف يسيطرون على مقدراتهم ولا يجرؤ هؤلاء ان يفتحوا فمهم بأي نقد لهم. تحداني ان اثبت ذلك فأشرت إلى ما حدث قبل بضعة أعوام من تنكيل وتحطيم إعلامي لزوجة رئيس البنك الأوروبي السابق كريتا دوازنبرغ بعدما رفعت العلم الفلسطيني فوق شقتها. رفض الاعتراف بأن شيئا حدث لها، فأشرت اليه إلى حادثة بيلمر حين سقطت طائرة إسرائيلية محملة بحمولة سامة غير معروفة على منطقة سكنية في أمستردام وأثارت ضجة هائلة عن السلطة الإسرائيلية على هولندا، فأنكر ان الطائرة كانت تحمل أي شيء غريب..

ثم عاد الرجل إلى موضوع المسلسلات العراقية عن الفنانين اليهود وسبب اعتراضي عليهم فقلت بأني لا اعترض إلا على النسبة المريبة، فالمسلسلتان الوحيدتان كانتا تتحدثان عن اليهود وكأنه لم يكن هناك أي مغن او ملحن في العراق إلا اليهود.

وهنا انبرى أحد الأصدقاء الشيوعيين لمساعدة الرجل وحاول أن يبرر ذلك بالنسبة الفعلية للفنانين اليهود في بغداد في النصف الأول من القرن العشرين، بينما كان صديق آخر يتدخل بين الحين والآخر بشكل مؤدب (لصالح اليهودي دائماً).

هكذا انتهت هذه الأمسية، ولست آسف أن أكون قد امضيت ليلتي فيها، فقد كنت المدافع الوحيد عن نبوخذ نصّر. انتبهت إلى أني وبسبب كثرة الزحام على الوقت، لم أعط هذا التاريخ الأهمية التي يستحقها، وأن ما كنت أعرفه عن الرجل، أنه ملك بابلي ذو قدرات عسكرية غير اعتيادية وقسوة شديدة وأنه قام بأخذ اليهود أسرى إلى بابل، وأنهم يكرهون بابل لهذا السبب (وأنا مقتنع أن المحاولة الأخيرة لتغيير اسم بابل لا يمكن إلا ان تكون بدفع منهم)، وان السبي والاسر لم يكن شيئا غريبا في تلك الأيام. لم أكن اعرف أكثر من هذا، لكن تلك الأمسية وذلك السعي لحشر هذا الموضوع بلا مناسبة في فلم ليس له أية علاقة بالأمر، أثار في داخلي الفضول لأعرف أكثر عن الرجل.

وبالفعل وجدت ان للرجل مآثر كبرى بعيدا عن الحرب، وأنه أهم ملوك بابل ونهضتها بلا منازع!

رداً على محاولة تغيير اسم بابل في المرة الماضية، قلت اننا يجب ان نقترب منها أكثر كلما حاولوا ابعادنا عنها، فنشرت مقالا عن حضارتها كان فيه معلومات مدهشة عن طريقة صبغ الفخار الملون فيها، وكنت انوي نشر المزيد. واليوم، ورداً على هذه المؤامرة على نبوخذ نصر، دعونا نتعرف أكثر على هذا الرجل. ولننتبه ان الكثير مما كتب عنه وربما كل الأفلام التي صورت عنه، إنما تم توجيهها بشكل متحيز ضده للأسباب المعروفة، ولذلك سوف انشر مقالاً قصيراً عنه في المرة القادمة، فأتوقع انه سيتعرض الى الكثير من التشويه في السنوات القادمة.

 

(1)  حوار عن فيلم المغني للمخرج العراقي قاسم حول في هولندا- ١ - YouTube

 https://www.youtube.com/watch?v=lwKlTzzsTms