لا ينفع التعميم في مثل هذه الحالات

صباح علي الشاهر

 

طريقان لا ثالث لهما لمحاربة الفساد المستشري في البلد، أحدهما جذري وقطعي وبات وثوري، وهذا الطريق يتمثل بثورة عارمة، أو إنقلاب ينهج نهجاً ثوريا، وهو ما لا تسمح به ظروف العراق الآن، ولأسباب معروفة، والثاني يتجسد بحراك شعبي مطلبي، عام وشامل، يتجاوز الأطر العنصرية والطائفية، ويبدأ بخطوات جريئة للفكاك من أسر ما سُمي بالعملية السياسية، يضع الأهداف ويسلسلها حسب أهميتها، لكنه يبدأ، لا بأهمها، وإنما بأكثرها نضوجاً، وأوسعها قبولاً، وأكثرها إجماعاً، ثم يتدرج صعوداً، وإرتقاءاً وصولاً إلى الأهداف التي تتجاوز الأطر المطلبية، إلى الأطر السياسية، وأعتقد إن تحقيق الأهداف المطلبية سيقود حتماً إلى تأطيرات سياسية وقانونية، ستحدث التغيير المنشود ، وتضع البلد على سكة النمو والتطور، بعد تخليصه من أدران ما لحق به .

حراك الشارع ليس ترفاً، ولا تسلية، وإنما هو ضرورة موضوعية من أجل بقاء العراق، لكن شعارات مثل " جمعة وره جمعة والفاسد نشلعة" شعارات مضحكة، لا تنم عن حصافة سياسية، ولا تؤدي لأي شيء ملموس، لأنها ببساطة لم تحدد من هو الفاسد، الذي سوف لن يرتعب من رفع شعار كهذا طالما أنه لايشير إليه صراحة، ولا تلميحاً، وربما ستجد الفاسد يرفع نفس الشعار، ويردس في الساحات مع ضحايا الفساد ، الذين هم ضحاياه هو ذاته .

شر البلية أن يتصور البعض أن الفساد أشخاص، إن أزاحهم أزاحه، مع أن إزاحة الفاسد ستأتي بفاسد، أو نزيه سيصار إلى إفساده، طالما البيئة فاسدة، والقوانين فاسدة، والإجراءات المتبعة فاسدة . إن إدخال كيس من السكر في بحيرة مالحة، أو فتح نهير على بحر أجاج لا يجعل مياهها أو مياهه حلوة المذاق.

معالجة العلة قبل النتيجة، والمُسَبِب قبل المُسَبَب، هي الطريق الصائب في الحالة العراقية الراهنة، لذا فالإبتعاد عن العموميات والركون إلى الشعارات الملموسة هو المبتدأ .

لنبدأ بقضايا ملموسة ومعروفة للجميع، ولا يمكن إنكارها أو تجاهلها، متجاوزين  كما أسلفنا لزوم التقيد بالأهم ثم المهم، فلو أجبنا على سؤال : لماذا يصبح سعر كرسي الوزارة العراقية في أسواق المضاربات عشرات ملايين الدولارات، لأمكننا وضع اليد على علة العلل، لا في فساد الوزارات العراقية ، وإنما في فساد السلطة برمتها ، التي بنيت على أسس مولدة للفساد ، وعلة العلل تكمن في الإمتيازات والصلاحيات التي لا مثيل لها في الدنيا، وربما في التأريخ التي يحصل عليها جناب السيد الوزير، فهو يعين من يشاء، وكيفما وأنى يشاء، وبالدرجة التي يريدها، ولا توجد حدود لصلاحياته في هذا المجال، وهو يعين مايقارب الخمسمائة من الحمايات الخاصة بشخصة، ورحم الله الزمن الذي كان فيه للوزير فراش وسائق ومراسل،  ويجلب معه من يرغب من الأبناء والأخوة وأبناء العمومة والعشيرة، والحزب أو الكتلة، وكل مصاريف ونفقات وتنقلات وبدلات سكن هذه الجيوش وتغذيتها، وحتى المصروف الجيبي على حساب الوزارة ، أي الدولة، بالإضافة لترميم وصيانة وتأثيث مساكن الوزير وحاشيته، ومضافاته، وهناك بدعة ألا  وهي تعيين جيش من المستشارين لكل وزير ومسؤول، علماً بأن الوزير إذا أراد رأياً قانونيا في مسألة ما فإن أمامه الدائرة القانونية التي ستزوده بالإستشارة القانونية اللازمة ، وإذا أراد إستشارة مالية فإن أمامه الدائرة المالية ، وإذا أراد إستشارة قضائية فأن أمامه الدائرة القضائية ، إلخ ، وكلها دوائر موجودة فعلاً في كل وزارة ومؤسسة عراقية ، وهي جهات إختصاص ، ومن نفس الوزارة ، ومتكفلة بهذه الأمور، لذا فإن ما يُسمى بالمستشارين بدعة أوجدوها للنهب والفساد ، وهي زائدة لا ضرورة لها ، ونفس هذه الإمتيازات وبدرجة أقل تنسحب على بقية المسؤولين ما دون الوزير، والنواب، والقادة العسكريين والأمنيين، حيث توزع عليهم التعيينات التي يبيعون أغلبها للناس المتعطشه للوظيف العمومي الذي أصبحوا يتحكمون به، لذا فعلى الحراك الشعبي أن يبدأ من هنا، يبدأ بإلغاء هذه  الإمتيازات، والصلاحيات، والإقتصار على إمتيازات وصلاحيات الوزير والمسؤول ما قبل عهود الإستبداد والنهب والإستغلال، فالدولة غير مسؤولة عن مئات الحمايات ، ولا عن إعالة وتدليل مريدي الوزير والمسؤول، وحتى مخصصات الإيفاد ينبغي أن تحدد وفق السياقات والإعتبارات المتعارف عليها، وحصر التعينات كلها ، وبلا إستثناء بمجلس الخدمة الوطنية الذي ينبغي العمل به فوراً، أما مسألة العقود ، وهي باب هائل للنهب، فينبغي أبعاد الوزير ومقربيه من إمكانية التأثير عليها ، بحيث تناط بجهات إختصاص ذات خبرة ، ومشهود لها بالنزاهة ، على أن تكون بعيدة كلياً على هيمنة الكتل والأحزاب الباحثة عن الإستفادة عن مصالحها حتى ولو كانت في خرم أبرة . 

ترى كم هي منافذ الفساد والإفساد التي سيتم إغلاقها، وكم هي المبالغ التي سيتم توفيرها لخزينة الدولة لو تم تنفيذ مثل هذه الإجراءات؟

ينبغي على الحراك رفع هذه الشعارات الملموسة، والعملية، والتأكيد عليها في كل مرّة حتى يتم تحويلها من مجرد شعارات إلى إجراءات قيد التنفيذ، ومن ثم يصار إلى رفع شعارات أخرى تتابع الفساد المالي في كل مفاصله، فالفساد المالي هو الجُحر الذي يُولد شياطين الفساد .