عملية تحرير الموصل أم منع تحريرها؟

 

صائب خليل

 

 

لا اكتمكم أن فرحتي الكبيرة بانطلاق عملية تحرير الموصل تختلط بالقلق والتوجس.. فهناك اميركا، والتاريخ لا يساعد على إطلاق التفاؤل، ولا ما سبق المعركة يطمئن. وما لم ننتبه جيداً فسيتحول النصر في الموصل إلى هزمية، ولست الوحيد الذي يرى الأمر بهذا الشكل.

زينب العاني تحذر: "مادامت أمريكا تشارك في العمليات فهو لذر الرماد في العيون اولا وثانيا لتدمير أكبر مباني ومنشآت حكومية وحيوية للمدينة (قصف أحد الجسور وتدميره) كما فعلت قبلها في الرمادي وكما فعلت بالعراق عموما عند عملية احتلاله عام 2003 حيث لم تسلم منشأة حكومية من قنابلها الذكية.. "

وبالفعل كتبت نداء الخشاب من الموصل عن "استهداف جسر الحرية من الوسط بواسطة طيران التحالف"، وهو ما يبدو جزءاً من عملية متكاملة لتدمير الشعب العراقي منذ حرب الخليج بتعمد اميركا تدمير حتى شبكة مياه الشرب في العراق قبل سنوات كما اوضحنا في مقالة سابقة بوثائق رسمية، إلى تدمير معمل أدوية الموصل من قبل طيران التحالف قبل فترة وجيزة.

 

 

وكتب نصير المهدي منبها إلى الانتصارات هزيلة النتائج وغالية الثمن، حيث "تبخرت داعش وكأنها لم تكن أو انسحبت جهارا نهارا الى مأمنها كما حصل في منبج السورية والفلوجة.. لتظهر عند الحاجة وتستعيد قوتها وجبروتها...أن ما يجري هو المخاض الكبير الذي يعيد رسم الجغرافيا وكتابة التاريخ ويحقق غايات المستهدف فيها هو العراقي نفسه مع أنه صاحب التضحيات والبطولات في وطنه ووجوده."

أما السبب، فهو "لأن الغائب الأكبر هو المشروع الوطني الحقيقي رغم أن رئيس حكومة المنطقة الخضراء سيرتدي اللباس العسكري ويحضر الى غرفة العمليات والميدان وسيشبع تصويرا ولكن هو الآخر ليس أكثر من جزء من الديكور العام لهذه المشاهد..

عادت الموصل الى حضن الوطن حتى لو فقدت نصفها في طريق العودة.. ثم ماذا؟ فقد عادت الموصل كي يذهب العراق.."

 

لماذا هذا القلق من نتائج هذه المعركة؟ ببساطة لأن العدو هو الذي حدد توقيتها بما يناسبه. فأميركا قد طبخت الساحة لتكون مناسبة لبساطيلها، وبالشكل التالي:

 

1- إيران روحاني اليوم لم تعد إيران نجاد المؤمن بضرورة توحد المنطقة بوجه اعدائها، بل يحكمها مجموعة تجار البازار الذين يسعون ضمن مصالحهم الطبيعية إلى دفع إيران الى الحضن الأمريكي بما يستطيعون. وما تأخرها في ذلك إلا لأن هناك قوى مازالت تقارع في إيران.

 

2- وفي تركيا يجلس رجل مشبوه على رأس السلطة بدأ علاقته بالعرب بخدعة "اسطول الحرية" ثم اختتمها بتدمير سوريا وإدخال داعش لها وللعراق ونهب نفطهما مع عصابة البرزاني، ثم رفع العلاقات مع إسرائيل إلى اعلى مستو في تاريخ تركيا.

 

3- الحال العربي في أسوأ ما يكون. فالجامعة تستورد قائمة الإرهاب من إسرائيل، وسوريا، رغم انها تحقق انتصارات كبيره بفضل استقلال حكومتها عن اميركا، وحريتها في التحالف مع روسيا، فهي مدمرة تماما.. والسعودية تصل إلى الصراحة في علاقتها مع إسرائيل، وبقية دول الخليج تتقدم، ومصر والأردن كما هما منذ زمن.

 

4- كردستان تلعب دورها المعروف، الخنجر الإسرائيلي الأكثر غورا في قلب العراق، وتكشف نفسها بتدريج مدروس ولا تمنع نفسها من سيلان اللعاب على ما يمكن قطعه من هذا البلد الذي يوشك ان يذبح. المؤشرات تقول ان برزاني مرعوب ويتكلم بلهجة أخرى، لكنه رجل لا يؤتمن.

 

5- في العراق يجلس على رأس الحكومة أشد الذيول الأمريكية انبطاحاً واستسلاماً في تاريخ البلد منذ تأسيسه وحتى اليوم، ليمنع الحشد كلما استطاع ويوقت الهجوم بما يناسب اسياده، ثم ليعود ويصرح تصريحا "وطنياً" يخفي حقيقته عندما تشتد الوطأة عليه.

 

6- الحشد تم الحاقه رسمياً بالعبادي، ليتمكن من التدخل في الوقت المناسب لتحييده او تأمين انسحاب داعش قبل هجومه. وتقود الحشد قيادة رغم شجاعتها، فهي تفتقر إلى الوعي السياسي والفكري. فلم تعترض هذه القيادة مثلا على وضع رجل اميركا فالح الفياض على راس هيئة الحشد. ومع تغيرات إيران، يقلقنا ان تبدو هذه القيادة غير قادرة على تمييز مصالح العراق عن إيران عندما تتباين، وليس لديهم كما يبدو أية فكرة كيف يتصرفون عند حدوث تغيرات مؤثرة.

 

7- القوات المسلحة العراقية، رغم بسالة جنودها وضباطها، فهي تمتلئ بالقادة العملاء الذين ينصبون من قبل العبادي بمشورة الامريكان كما كان الأمر مع المالكي، وكانوا السبب في استسلام المدن امام داعش وتسليمها أسلحتها لها دون قتال. ثم ليضمن العملاء في المنطقة الخضراء (من المالكي إلى العبادي) تأمين خروج هؤلاء العملاء إلى التقاعد بسلام، لينعموا بالثمن الذي قبضوه، بقية حياتهم. وتأكيداً لكلامنا نشير إلى تحذير اللويزي بأن معظم القادة الذين عينهم العبادي لعملية "التحرير" هم من الكرد ومن عملاء البرزاني، كما تحدث النائب إسكندر وتوت عن مقالق مشابهة!

 

8- اليسار العراقي، وعلى عكس اليسار عموماً، صار بوقوفه غير المشروط مع بارزاني، جزء من الكارثة على الشعب العراقي وليس جزء من العون له. وعلى العكس مما ينتظر تاريخيا من اليسار، فهو في العراق جهة ضائعة البوصلة، ليس في التفاصيل فقط بل حتى الخطوط المبدئية العريضة التي تحدد تحالفاته، وافتقاره إلى أي منجز يذكر خلال 13 عاماً من الاحتلال.

 

9- الإعلام العراقي يكاد يكون بأكمله في يد الخندق الداعشي الأمريكي. وهو كداعش، يدير حرب إبادة جماعية على وعي الشعب العراقي وقدرته على تمييز أصدقائه من أعدائه. فهذا يفجر ليقتل الناس مباشرة، وذاك يفجر قنابله الإعلامية ليدفع الناس لتركض إلى الهاوية المعدة لها. وقد تمكن هذا الإعلام من تشويه كل صديق للشعب العراقي في نظره، وتجميل كل سافل يعمل على تحطيمه، وهو ماض في مهمته. فلا يقل أذى صحفي متفرغ أو إداري يعمل في "شفق نيوز" أو "عراق القانون" أو الحوار المتمدن" و "المدى" وغيرها كثير جداً من الأدوات الإعلامية التي تم غرسها في العراق، عن أي داعشي يفجر نفسه بين الناس في المدن.

 

10- نتيجة هذا كله، صار الشعب العراقي في حال لا يحسد عليها، فتم بث الشعور بالغربة في مكوناته. وبشكل خاص تم استهداف السنة واسقاطهم في وهم شديد وانفصال عن الواقع. فرغم ان سكان المناطق السنية، وبخاصة الموصل، يستطيعون ان يروا بكل وضوح مقارنة بين نتائج تحرير المدن التي حررها الحشد مثل تكريت، وتلك التي "حررتها" قوات تحالف العبادي مع الجيش، مثل الرمادي، ورغم التهجير الصريح للبيشمركة للقرى العربية، فإن رعب هؤلاء يتجه رغم ذلك الى الحشد وإلى إيران وليس الى القوات الأمريكية وذيولها.

 

أحد اقربائي، يصف مقالتي التي كشفت بها أكاذيب "شفق نيوز"، (مستنكرا او ساخراً) بأني "صرت اللسان المتحدث باسم الحشد"!

وفي مكان آخر رفع أصدقاء مشاركتهم لتلك المقالة بعد ان خشوا أن الجو الذي يحيطهم لا يتقبلها! وفي مكان آخر، ينبه أحدهم إلى "الطائفية الشديدة" في مقولة لنائبة يكرهها، ولا تجد طائفيةً في مقولتها!

كل هذا لا يجعلنا مطمئنين ان ندخل معركة ونكسبها..

 

يجب ان ننتبه اننا لسنا في مواجهة مع داعش وحدها، وإنما يقف في "الخندق المقابل" القوة الأمريكية (والتحالف)، وكذلك حيدر العبادي وحكومته ومعظم قيادات السنة وغالبية قيادات الشيعة. ويشمل غالبية العاملين في الإعلام العراقي، إضافة إلى تركيا والسعودية والأردن، وبعض قيادات الحكومة الإيرانية (لا ننسى اتفاق السفارة الإيرانية مع اميركا في تدخلهما الصلف في ازمة البرلمان). ويعمل كل هؤلاء بقيادة الحكومة الأمريكية والإسرائيلية التان تنسقان العمل وتشرفان على كفاءته. هؤلاء كلهم في الخندق المعادي الهادف لتدمير شعب العراق. التحدي هو بيننا وبينهم جميعاً. وتمييع الحدود التي تميز الأعداء واقصارها على مقاتلي داعش، لا يخدم إلا تسهيل اختراق الخندق المقابل لنا وتحويل نتائج المعركة إلى غير ما نريد.

 

كتب نعوم جومسكي عما سمي عملية "تحرير كوبا" من الاستعمار الاسباني، والتي قادتها اميركا في نهاية القرن التاسع عشر، بأنها كانت في حقيقتها عملية "منع تحرر كوبا"، وضمان تحولها من الاحتلال الاسباني إلى الاحتلال الأمريكي. واليوم يبدو الشبه صاعقاً بين هذا التاريخ وعملية "تحرير الموصل" التي تقودها اميركا ايضاً. فكل شيء يشير إلى أن الأمريكان لم يبدأوا الهجوم (الذي أطلق بلسان رجلهم العبادي) إلا بعد استعدادهم لتقسيم المدينة الذي ينتظر منه أن يهيئ الظرف لتقسيم العراق، وتسليم ما سيبقى من الموصل إلى داعش البعث بعد حلق اللحى.

 

لقد قصرنا لسبب او لآخر، في تحضير أرضية المعركة، وبالتالي فعلينا ان نستعد للمفاجآت غير السارة، إلا إذا قدم المقاتلون الأبطال الذين لا يخضعون للأوامر الأمريكية بشكل مباشر او غير مباشر، معجزة تغير توقعات المعركة. وربما يمكننا ان نساهم في خلق تلك المعجزة بالانتباه والمراقبة والوعي المقاوم للسموم الإعلامية، ومقاومة اليأس والاستعداد للمبادرة والضغط عند الحاجة، وإلا فعلينا ان لا نتفاجأ إن صارت هذه معركة "منع تحرير الموصل"، وليس "معركة تحريره".