قانون حظر الخمور في العراق: أربع قراءات واستنتاج

 

علاء اللامي

 

شرع مجلس النواب العراقي قبل أيام قانونا جديدا يحظر بموجبه صنع وبيع واستيراد الخمور وكافة انواع المشروبات الكحولية . وقد خضع القانون الجديد لعدة قراءات سياسية واجتماعية نورد منها هذه الأمثلة الأربع :

يعتقد أصحاب القراءة  الأولى أن بواعث إمرار هذا القرار لا تخرج عن المزيادات الانتخابية قبل موسم انتخابات المجالس المحلية القادم . وهو يستبق استجواب رئيس هيئة الوقف الشيعي في البرلمان في خلال الأيام القليلة القادمة  باتهامات فساد مالي وإداري. أصحاب هذه القراءة يستشهدون بالعديد من الأمثلة المشابهة التي سبقت المواسم الانتخابية الفائتة والتي لم تترك الأحزاب والشخصيات الإسلامية موضوعا صالحا للاستثمار الانتخابي إلا واستغلته و يذكر أصحاب هذه القراءة بأن النائب " و قاضي الدمج " الذي اقترح مشروع القانون محمود الحسن سبق أن ضبط متلبسا بمخالفة قانونية انتخابية حين كان يبتز سكان الأحياء العشوائية من الفقراء ويطلب منهم انتخاب قائمته " دولة القانون بزعامة نوري المالكي" مقابل توزيع أراض ومساكن مجانية عليهم، وقد ضبط متلبسا  ومصورا بالفيديو و عاقبته مفوضية الانتخابات الرسمية بغرامة مقدارها خمسون مليون دينار عراقي وقد دفعها...

القراءة الثانية: ويضع أصحاب هذه القراءة تشريع هذا القانون في سياق المحاولات المستمرة  للأحزاب الشيعية لـ"أسلمة" الدولة والمجتمع على الطريقة الخومينية في إيران والإخوانية في مصر وتركيا وصولا إلى إقامة دولة شمولية ثيوقراطية دينية بالكامل. ويستند أصحاب هذه القراءة بالعديد من مشاريع القوانين التي تم تشريعها أو أوجلت مؤقتا بعد أن اصطدمت برفض قوى من قبل الرأي العام و فئات اجتماعية مهمة كمشروع قانون ( الأحوال الشخصية الجعفري)  المعروف شعبيا باسم ( مشروع قانون تزويج القاصرات ) الذي قدمه وزير العدل السابق عن حزب الفضيلة "الفتيلة" حسن الشمري ومعلمه الروحي محمد اليعقوبي.

تسجيل الفيديو " لقاضي الدمج" والنائب محمود الحسن الذي قدم مسودة مشروع القانون في برلمان المنطقة الخضراء وفيه يعتبر مقولة  ( العدل أساس الملك ) المنسوبة لابن خلدون ، يعتبرها  آية قرآنية  وهو يعطينا صورة واضحة عن مستوى  هؤلاء الإسلاميين في الأحزاب الشيعية حيث يختلط غالبا العته بالجهل بالغباء بالمشبوهية السياسية والأخلاقية !

 

القراءة الثالثة : يضع أصحاب هذه القراءة  القانون موضوع النقاش في سياق معركة تحرير الموصل من تنظيم الدولة" داعش" والتي سبقها و تخللها ترويج قوي لمشروع تقسيم محافظة نينوى إلى عدة محافظات أو إلى إقامة محافظة جديدة في سهل نينوى للمسيحيين وأبناء الأقليات هذا المشروع مدعوم من قبل لوبي فعال في داخل الكونغرس والخارجية  الأميركيين تطرقنا له في مناسبة سابقة - ليتم لاحقا إلحاق هذه المحافظة بالإقليم الكردي عبر استفتاء شعبي. وهذا المشروع التدميري الخطير طرح في نسخته الأولى من قبل أحزاب الإسلام السياسي الشيعي حين طالب  عبد العزيز الحكيم الزعيم السابق و والد الزعيم الحالي  لحزب المجلس الأعلى ( كان اسمه في السنوات الأولى للاحتلال " المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق " ثم عدل إلى " المجلس الإسلامي الأعلى العراقي" و قد تم تعديل الاسم بأمر من بول بريمر كما قال متابعون )، بإقامة إقليم شيعي يضم محافظات الجنوب والوسط. ومن طالب بإقليم طائفي لأكثر من نصف العراق ذات يوم لن يتردد في المطالبة أو العمل على إقامة إقليم طائفي في سهل نينوى لفرض إقليمه الشيعي لاحقا كأمر واقع !  ويأتي تشريع هذا القانون   كالخطوة الأولى  من مجموعة خطط  مدبرة ومحسوبة بالاتفاق بين قيادتي التحالف الوطني الشيعي والكردستاني يراد من خلالها  دفع المسيحيين أبناء الأقليات الدينية و الإثنية  العراقيين في سهل نينوى الذي تم تحرير أغلبه في عمليات تحرير نينوى، و الذي يعتمد سكانه على المزروعات والصناعات ذات العلاقة بالمنتجات الزراعية  ومنها الخمور ( معروف أن مدينة بعشيقة هي عاصمة صناعة الأنواع الجيدة الخمور العراقية و زيت الزيتون والعسل. ويربط أصحاب هذه القراءة بين هذا القانون وأعمال القتل والتفجيرات التي تطال أصحاب محلات بيع الخمور في مدن الوسط الجنوب فقط والهدف من كل هذا  هو دفع وتشجيع من تبقى من أبناء الأقليات  إلى تشكيل إقليمهم الخاص و إنجاز مهمة التقسيم الطائفي للعراق على الأرض و في المجتمع تمهيدا لإقامة الدويلات الطائفية الثلاث التي شرَّع و نظَّر لها نائب الرئيس الأميركي جو بايدن .

القراءة الرابعة  و استنتاج و ثلاث ملاحظات مهمة : وفق هذه القراءة فإن عملية إمرار هذا القانون  لا يخلو من دوافع تجارية خبيثة من قبيل  إخلاء السوق من المنتجات الكحولية المستوردة رسميا والمرخصة التصنيع بأخرى سرية تديرها شبكات سرية تابعة لقوى سياسية ومليشياوية إسلامية نافذة ولها خبرة عريضة في تهريب الخمور والمخدرات. ويستشهد أصحاب هذه القراءة بواقع سيطرة هؤلاء على شبكات ونقاط بيع الخمور والمخدرات في العديد من المدن العراقية الجنوبية وفي بعضها حدثت صدامات واشتباكات بين أفراد هذه العصابات يتكتم عليها الإعلام المليشياوي السائد و الاخر  النخبوي التابع له ، ومعلوم أن العراق صار واحدا من أهم أسواق وطرق عبور المخدرات القادمة من إيران وأفغانستان ويتهم بإدارة هذه الأسواق أشخاص ومسؤولون مدنيون وعسكريون عراقيون نافذون في الأحزاب الإسلامية الشيعية.

 استنتاج وثلاث معلومات مهمة: أعتقد، أن من الممكن جدا الخروج بقراءة واحدة مركبة من مجموع هذه القراءات الأربع مضافا إليها عوامل أخرى، ودمجها في سياق الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العام في العراق، والذي أكدت وقائعه و حقائقه فشل الإسلاميين سواء كانوا من الشيعة أو السنة في حكم وإدارة الدولة العراقية بل وفي تحولهم إلى معول تدمير لهذه الدولة و للمجتمع العراقي ككل. التناقض التناحري نجده هنا: هؤلاء الإسلاميون السنة  أو الشيعة  هم من النوع الشمولي التحريمي التكفيري ولا يعترفون باستقلال وحياد الدولة كالأحزاب الديموقراطية ذات الخلفيات الدينية في كل مكان، أما المجتمع العراقي فهو مجتمع  تعددي ومتنوع  النسيج، وهناك تناقض جوهري بين طبيعة الطرفين ( الحاكم الطائفي الديني والمجتمع التعددي) لا مندوحة من تحول هذا التناقض - إنْ آجلا أو عاجلا - إلى صراع  تناحري لن ينتهي إلا بنهاية  أحد الطرفين أو استسلامه، فإما أن يطيح الإسلاميون الشيعة وحلفاؤهم  بالدولة والمجتمع العراقيين،  ويحولونهما الى دويلات مليشياوية متذابحة أو أن المجتمع سيطيح بهم و يحظر نشاطاتهم  وأحزابهم ذات الطبيعة التحريمية التكفيرية أو أن هذه الأحزاب  تستسلم و تعترف  بسيادة واستقلال وحياد الدولة في موضوع خلافات الديانات والمذاهب، ليبني هذا المجتمع - دولته المستقلة دولة المواطنة والمساواة والحريات العامة والفردية.

ملاحظة 1 : قانون الخبل محمود لمنع صناعة وبيع واستيراد الخمور ليس قانونا أو إجراء  قانونيا مؤقتا واضطراريا تلجأ إليه الدولة في حالة انفلات مجتمعي كما هي الحال في قرار قيادة  الثورة الشيوعية الروسية باقتراح من فلاديمير لينين منع تناول الفودكا خلال الأيام الأولى لانتصار الثورة أو مثل قرار الحكومة السوفيتية خلال حقبة البيريسترويكا التدميرية الذي هدف إلى الحد من تعاطي الكحوليات بعد أن أصبحت ظاهرة خطيرة  بل هو قانون دائم يطمح مشرعوه إلى أن يكون حجر أساس مهم من مجموعة احجار دستورية لإقامة دولتهم الثيوقراطية الدينية في العراق اليوم.

ملاحظة 2 : في كل تجارب الدول الأجنبية  لمنع الخمور نشأت ظاهرة تصنيعها منزليا  وتوزيعها من قبل شبات ومافيات خارجة على القانون؛ خمور منزلية ذات نوعيات رديئة وذات سُمّية عالية ومضرة بالصحة أنتجت في خاتمة المطاف أجيالا من المرضى والمدمنين والمعاقين.

ملاحظة 3 : في دراسة علمية  لمعاهد أبحاث أجنبية متخصصة،  نشرت في ثمانيات القرن الماضي ولا يمكنني للأسف  توثيقها الآن -  تأكد ان نسبة تعاطي الخمور في دولة سوريا آنذاك حيث الخمور مباحة الصناعة والبيع والاستيراد هي أقل من نسبتها في المملكة السعودية التي تعاقب صانعها وبائعها ومستوردها بالإعدام بقطع الرأس  بأكثر من 30%. بمعنى، لو ان النسبة في السعودية هي 40% فهي في سوريا 10% فقط! أما بخصوص نسبة تعاطي واستهلاك المواد الجنسية الإباحية ( أفلام، عاهرات، غلمان، مجلات ومواد أخرى ) فقد أورد الباحث المصري اليساري الشهير د.سمير أمين في أحد كتبه  معلومة مهمة جدا من إحصائية مشابهة تؤكد أن المملكة السعودية و معها مجموعة دول الخليج تستهلك 70% من الانتاج العالمي لهذه المواد. والفاهم غير المغرض يفهم!