شيوعيو " عزيز محمد " وساطع الحصري والعلم العراقي !

عارف معروف

 

 

1-أثارت الصور التي نشرت لمؤتمر الحزب الشيوعي الكردستاني وعدم وجود العلم العراقي في قاعة المؤتمر الامتعاض لدى بعض الأصدقاء فنشروا في ذلك بوستات عبرّت عن ردود افعالهم ازاء هذا السلوك الجدير بالازدراء حقا والذي يبدو ملكيا اكثر من الملك خصوصا وان الاحزاب الكردية القومية ، ماتزال تراعي هذا الامر رغم ان بعضها قد ابتعد كثيرا في اتجاه مغاير . لكن هذه البوستات وهي من منشورات الاخوين العزيزين " نصير المهدي " و" سلام موسى جعفر " حَوتْ في جنباتها بعض ما أرى انه جدير بالمزيد من التمّعن كما ان بعضها قمين بالنقد أما التعليقات فقد تضمن بعضها ما يثير الانتباه بالنسبة للأسس الفكرية والسياسية التي صدرت عنها وتستدعي المراجعة من قبل اصحابها ، وهذا ما يحفزني الى ابداء وجهة نظري في امور أرى انها حريّة بالتناول والتدقيق . وعذري في ذلك هو عذر المجتهد ان اصبت او اخطأت .

2-لاجدال في وجاهة الاعتراض وجدارة النقد بخصوص غياب ما يرمز الى الوحدة العراقية ، إن كان ثمة من يعتّدُ بأمر هذه الوحدة ، في هذا المؤتمر ومنظميه أو يقرّ بمواطنيته ضمن اطار الدولة الوطنية القائمة ورمزها الحالي ( العلم )، خصوصا وانه اضافة الى العلم الشيوعي كان هناك علم كردستان واذا كانت كردستان ما تزال ، بعد ، في نظر المؤتمرين ، إقليما من دولة العراق . وكذلك أرجحية ما اشار اليه الاخ نصير المهدي في بوسته حول ما يبدو انه اتفاق غير مكتوب ، تصّر عليه القيادة الكردية ، في ان يغيب العلم العراقي عن أية فعالية جماهيرية تتم على أرض كردستان ، ربما خوفا من تذكير الاجيال الكردية الشابة بأية علاقة بوطن اسمه العراق وتأكيدا على أولوية مبدأ الانفصال . رغم ان هذه القيادة تتذكر الوحدة العراقية في ثلاثة حالات فقط ، أولاهما الحقوق المالية للإقليم على المركز ، مع نسيان كامل للواجبات إتجاه المركز واتجاه مبدأ الوحدة او الاتحاد او الفدرالية أصلا . والثانية ضغط امريكي يدفع باتجاه العلاقة مع بغداد و يرى ان الساعة لم تحن بعد أو ان هناك دورا أهم ، والثالثة عدم ملائمة الظرف الاقليمي ، خصوصا فيما يتعلق بتركيا وايران . لكن هذا الامر ، أي الاصرار على تغييب العلم العراقي ، يبقى ضمن اطار المتوقع بالنسبة لسلوك القيادة الكردية في أربيل وبعض القوى القومية الكردية التي لا تخفي ميولها ورغبتها المتحرقة للانفصال بل وتأجيج حالة من الكراهية والعداء التي لن تخدم حاضر او مستقبل العلاقة بين الكرد والعرب . ولكن ما بال الشيوعيين الذين يلزمهم مبدأ الاممية أولا ، بعدم الانجرار خلف العواطف والميول القومية الضّيقة والانقسام الحزبي على اساسها خصوصا وانهم يدعون اصلا ، الى أممية الطبقة العاملة ووحدتهاعلى النطاق العالمي ، وما يزال الشعار الشيوعي الرئيسي الجامع هو " ياعمال العالم اتحدوا" . ويلزمهم مبدأ الوطنية ، ثانيا ، بمحاربة أو الوقوف بوجه أو على الاقل رفض وادانة محاولات تمزيق الوحدة الوطنية وتشظية الشعب والبلاد الى كانتونات ضيقة وعاجزة ومشلولة ، أو امارات في خدمة بيوتات اقطاعية او طبقات طفيلية ، وهم الحزب الوطني العريق ؟! ان التغاضي عن وجود العلم ، رمز الوحدة العراقية ، هنا ، سلوك غير مبرر بل ومدان لأي مدّع بالوطنية يضع نفسه في موضع المسؤولية السياسية والاخلاقية .

اما ما أثاره الاخ نصير المهدي بخصوص انه لم ير العلم العراقي في مناسبات أخرى عديدة للشيوعيين العراقيين في المهجر قبل الاحتلال، فله باعتقادي جوانب أخرى يتعّين مناقشتها بجّدية ووعي خصوصا بالارتباط مع دعاوى اكثر اشكالية وخطورة سنتناولها لاحقا تجلت في ردود وتعليقات عدد من المساهمين في النقاش . ان العراق ، كما هو معلوم ، لا يملك إرثا تاريخيا في هذا الشأن كالكثير من الدول الاوربية او بعض الدول العربية والاسلامية وان العلم الوطني العراقي كان عرضة للتغيير وفقا لرغبات وميول قادة الحكومات الانقلابية غير الشرعية التي كانت دائما معادية للشعب ومصالحه الوطنية . ان العلم العراقي الوحيد الذي اختاره العراقيون وعكسوا فيه رموزهم وخصوصياتهم هو علم 14 تموز وربما كان هو أيضا العلم الوحيد الذي اكتسب معنى عاطفيا مؤثرا لدى الغالبيه الساحقه منهم أيام وجوده علما رسميا والبعض منهم حاليا ، وخصوصا ، الجيل الذي عاصر ثورة تموز وارتبط وما زال يرتبط بالكثير من مثالياتها واحلامها أو وعودها . أما العلم العراقي الحالي فقد كان، كما هو معلوم ، في الاساس ، علم الجمهورية العربية المتحدة ، الذي جاء به انقلاب شباط 1963 واضاف اليه نجمة واحدة بعد ان كان يحوي نجمتين تعبيرا عن وحدة مصر وسوريا ولكي يعبر عن وحدة العراق معهما ، تلك الوحدة التي لم تر النور في الواقع ، أبدا ، وبقيت مجرد رسما لنجمة على علم ! مثلما كان علم المملكة العراقية الاول هو علما طارئا أيضا ، وجاءت به العائلة الهاشمية دون ان يرتبط برؤيه او عاطفة أو تصميم عراقي . لقد إرتبط علم شباط 1963 والذي أضاف اليه صدام حسين وبخط يده ، لاحقا ، شعار الله اكبر ، بأسوء الذكريات وأكثرها دموية بالنسبة للشيوعيين والكثير من المواطنين وارتبط لديهم ، كذلك ، بنظام البعث وصدام حسين ، فمن الطبيعي ، تماما ، والحال هذه ، ان لا نرى له أثرا في لقاءاتهم ومؤتمراتهم التي كانت تعقد خارج العراق قبل 2003 ، ان مطالبتنا بالعكس والقول بانه علم يخّص الوطن ولا يخص النظام أو شخص الدكتاتور يشبه ، من بعض الوجوه ، مطالبة الديمقراطيين أو الشيوعيين الالمان أن يرفعوا العلم النازي في لقاءاتهم التي كانت تتم في المهجر ابان الحكم النازي باعتبار ان هذا العلم هو علم المانيا الوطن لا علم هتلر والنازية ! ان شخصانية الدولة كانت هي الحقيقة الاكثر جلاءا في الدولة العراقية قبل 2003 وهذا ما يكمن في جذر ويفسر الكثير من الظواهر ، ومنها ، أيضا ، النهب والتخريب الواسع النطاق الذي حصل في أعقاب الغزو والاحتلال . لقد لفت نظري ، حقا ، تعليق أحد الاخوة وملامته للشيوعيين العراقيين من انهم لم يشجعوا او يدعموا تطوير صناعة الصواريخ الباليستيه التي شرع بها صدام خلال الحرب العراقية الايرانية ، على اعتبار ان تطوير تلك الصناعة كان يخدم العراق كدولة وليس شخص صدام حسين !! وهو هنا يستند الى نفس المنطق الذي يمكن ان يطالب اليساريين الالمان، مثلا ، بدعم واسناد الصناعات الالمانية النازية باعتبار انها ستخدم المانيا لا هتلر !! وهو يتصل بخطيئة شائعة تتمثل في تصوير الحرب العراقية الايرانية على انها حرب وطنية ، أي انها حرب العراق ضد ايران وهي في حقيقة الامر حرب النظام الذي توسل بدور شرطي الخليج ، في حينها ، وبندقية للإيجار خدمة للمصالح الامبريالية والرجعية في المنطقة على حساب مصلحة وثروات وأمن ودماء الشعب العراقي الذي لم تكن له في تلك الحرب ناقة ولا جمل ....

3-لقد كانت هناك فرصة للعراقيين للعودة الى علم 14تموز وهو أكثر الاعلام " عراقية " تاريخا وتصميما وتعبيرا ، لكن ذاك العلم وما ارتبط به من ذكريات لم يكن موضع ترحيب أو تعاطف لا من قبل امريكا ولا أي من القوى الفاعلة والمقررة لمسار العملية السياسية التي اعقبت 2003. ولذلك اُقتُرِحَ العلم الذي صممه السيد رفعت الجادرجي والذي كان ، بحق ، أسوء تصميم والأكثر اثارة للشبهات باعتبار الشبه الملفت بينه وبين العلم الاسرائيلي من ناحية التصميم والالوان والذي قدم أفضل خدمة لمن اراد ودعى للتمسك بعلم النظام السابق بعد اجراء بضعة تحويرات طفيفة عليه تخص رفع النجوم وتبديل نوعية خط الكتابة .الخلاصة ، ان لرفض العلم السابق من قبل الشيوعيين وغيرهم كالقوى الكردية ، في الماضي ، مبرراته المعقولة .

4-ومما يلفت النظر أيضا ، ويدعو بعضه للتساؤل ، هو التعليقات التي ركزّت على الانتماء القومي او الانحدار العرقي او الديني او المذهبي للأشخاص باعتباره مثلبة أو أساس يركن اليه في تقرير طبيعة سلوكياتهم ومواقفهم السياسية وتفسيرها . ان هذا التوجه يمكن ان يذكّر ، مع الاسف ، بأسلوب كان قد ارتبط بممارسة القوى الاكثر عداءا للديمقراطية والحريات وكذلك الوحدة الوطنية طوال تاريخ العراق الحديث وقد تسبب بكوارث ومآسي على الوطنية والوحدة العراقية ، هو اسلوب النبش في الخلفيه العرقيه لهذا الشخص أو ذاك والتشكيك في عراقيته أو عروبته استنادا الى تاريخ اسرته او تفسير سلوكه السياسي ، مهما كان سيئا ، على أساس من تلك الخلفية . ولا يخفى ان المجتمع العراقي ، بحكم الجغرافيه والتاريخ ، كان بودقة انصهرت فيها العديد من العناصر والانتماءات العرقيه والقوميه والدينيه والفئوية . وهذا ليس شأننا فقط وانما شأن العديد ان لم أقل غالبية المجتمعات المعاصرة . والمجتمع ذو الانتماء العرقي أو اللون الديني أو المذهبي الواحد نادر ان لم نقل غير موجود أصلا . ولا يعيب أحدا ان يكون أجداده او آباؤه من هذه القوميه أو ذاك العرق أو هذا الدين او المذهب والمهم هو انتماؤه الوطني الحالي ومدى اخلاصه لهذا الانتماء وكيفية تعبيره عنه . ولابد من الاشارة هنا الى امر يتعلق بإشكالية أو تاريخ الجنسيه العراقيه وطبيعة الظروف التي حكمته نظرا لتأثيراته المؤذيه للغايه على علاقة الوطن والمواطن، لاحقا . لقد صدر قانون الجنسية العراقية رقم 42 في سنة 1924 اثر معاهدة لوزان ، واعتبر بموجبه كل الرعايا العثمانيين مواطنين عراقيين وقد حدد شروطا وجاء بحيثيات استخدمتها الحكومات المتعاقبه استخدامات سياسية سيئة اساءت الى فكرة وعلاقة المواطنه وتجنت على الحقوق الاساسية للكثير من المواطنين ووضعتهم ، باستمرار ، تحت طائلة التهديد في سويداء علاقتهم بتربة هذا الوطن وهو المواطنه وحقيقتها وحقوقها ، رغم ان جلهم كانوا من الاكثر اخلاصا في اداء ما ترتب عليهم من واجبات ، وحرّي بالمثقفين الوطنيين ، المتنورين والعلمانيين ، نقد تلك الافكار والوقائع ، وتبيان ضررها الاجتماعي والثقافي والسياسي . لقد عادت الى ذاكرتي ، واقعة اثارت اشمئزازي ، يومها ولا تزال ، فعند اعتقالي من قبل الامن العامة في نهاية السبعينات ، وجه لي المحقق الذي لم اره، طبعا، الملامة والتقريع ، فيما يبدو انه حفظه حفظا، من افكار طلفاحية ، قائلا : كيف تتبع ، وانت العربي وابن العائله العربيه، اشخاصا مثل عزيز قلي العجمي ومظفر النواب الهندي ؟

5-ان الانكليز كانوا هم من وضع الأساس للدولة القومية المذهبية . كما يحاول ورثتهم الامريكان ، اليوم ، التأسيس لدولة مذهبية من لون مغاير ولأسباب مغايرة أيضا . وهم أول من هدد بعض العراقيين وشكك بعراقيتهم على أساس مذهبي بدوافع الخصومة السياسية ، ونفوا ، بالفعل ، ثلاثة من قادة الثورة العرب ، بحجة انهم ايرانيو الجنسية ، واشكالية تمتع البعض من العراقيين في بغداد والنجف وكربلاء ، بحماية القنصل الايراني على أساس التبعية الايرانية في أواخر العهد العثماني معروفة الاسس والدوافع والذي استمر ، لدى بعضهم ، في اعقاب تأسيس الدولة العراقية ، وقد حاول بعضهم ، الجمع بين الميزات التي يمكن ان يحققها وضعه قدم هنا واخرى هناك ، مما تسبب بإشكالات له وعقابيل ضارة لأسلافه وبذر بذورا مؤذية انبتت ما كان موضع استغلال من قبل القوى العنصرية والطائفية المضادة لاحقا، والحق الضرر الوبيل بالوحدة العراقية. وبالفعل ، فأن مشكلة فصل ساطع الحصري بصفته مديرا للتعليم العام خلال عام 1927 للجواهري من سلك التعليم بحجة ايرانيته ، والتي ذُكرت خلال التعليقات ، تمثل إحدى الأمثلة النموذجية على ما أسلفنا، فقد كان الجواهري بالفعل ، يومها ، يحمل الجنسية الايرانية ، رغم انه كان عراقي المولد والارومه لأكثر من 150 سنه سبقت ذلك كما كتب سيد عبد المهدي المنتفجي الى الحصري في سلسلة كتب رسميه كانت بمثابة سجال بينهما حول الموضوع . الأول بصفته وزيرا للتعليم والثاني بصفته مديرا للتعليم العام . لقد اعتمد فيصل والانكليز على الحصري وسلموه ادارة التعليم العام ، كما يلوح لي ، لسبب مهم هو التأسيس للحماسة والروح القومية وتعزيزها باعتبارها الاساس المكين للوحدة العراقية والمسوغ الاساس لشرعية وجود وحكم العائلة الهاشمية ولذلك فقد كان الحصري ، إضافة الى نزوعه الشخصي ، طبعا ، شديد الحساسية اتجاه ما يشم منه نأيا عن العرب والعروبة وكان يرقب ، بالفعل ، بعين الشك الشخصيات الشيعية النافذه يومذاك . مما يمكن ان يكون قريبا مما ندعوه اليوم " طائفية " ، رغم ان من يقرأ آثار الحصري ومذكراته ويطلع على منهجيته وجوانب شخصيته يرى انه يبعد كثيرا عن التصرف على اساس طائفي ، وهي التهمه التي حاول ان يؤسس لها ويشيعها بقّوة ، حسن العلوي ، حتى انه ظلم نفسه والحصري ، كثيرا ، حينما حاول ان يسلبه عروبته وقال انه رجل تركي لا يعرف كلمة عربيه واحده ! لكن اقوال حسن العلوي لم يعد أحد يأبه لها ، أو يزنها بميزان بعد ان رأى من سلوكه وادعاءاته ما وضعه في مكانه الصحيح . لقد فصل الحصري الجواهري بسبب أبيات شعرية ثلاثة نشرها في جريدة الفيحاء وتغنى بالثالث منها بهواء وجمال " فارس " ، ولا تصلح مثل هذه الابيات ، بالطبع ، أساسا لفصل موظف لولا حساسية الحصري والتي أظن انها كانت محفزة ومدعومه من فيصل من طرف خفي ولولا ان الجواهري كان قد صرح بجنسيته الايرانيه في لقائه مع الحصري في تفاصيل يوردها الحصري في الجزء الاول من مذكراته .

6-أعود الى امر أظنه في غاية الاهمية ، في هذا الجدل ، هو مواقف " عزيز محمد " ورهطه وما يتحملونه من مسؤولية وامتدادهم الذي يتجسد في قيادة الحزب الشيوعي العراقي الحاليه . فأقول ان الوزر الاكبر الذي يجب ان يثقل كاهل عزيز محمد وجماعته من قيادة الحزب الشيوعي خلال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات ، إنْ توفر إحساسٌ حقيقي بالمسؤولية ، الوزر الذي يجب ان يجعلهم يتوارون عن الانظار ويلوذون بالصمت إن لم يملكوا الشجاعة على ممارسة نقد كاشف لمسؤولياتهم الشخصية ، وتعرية جريئة وشجاعة لكل الظروف والملابسات والقوى والادوار الداخلية والخارجية التي تسببت في خسارة طاقات إجتماعية وسياسية كبيرة واجهاض امكانات واحلام ورؤى مهمة ، بالترويج لمفاهيم مغلوطة وضلالات بيّنه اتخذت لبوس مشاريع سياسية وتحليلات وبرامج حزبيه وقادت الى تضحيات جمّة بلا أي مسوغ أو انجاز حقيقي أو عشر معشار ما تستحقه من مقابل ، بدلا من محاولة العودة دون حياء الى تصّدر الواجهات او توجيه النصائح او تدبيج المذكرات الشخصية وكأنهم جنرالات واستراتيجيون خاضوا غمار معارك كبرى تكللت بالظفر بفعل ثاقب نظرهم وسعة افقهم وصائب تحليلاتهم وشجاعتهم التي لا تبارى ! . ان صور العشرات من الضحايا الشباب بعمر الورد والعوائل المثقفه التي كانت تَعِدُ بالكثير والتي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي ، من قبل الصديق خالد حسين سلطان وغيره تدمي القلب مني وتجرّح المشاعر ، سواء من عرفتهم وعرفت اي ارواح نبيله وأحلام انسانيه عظيمه كانت تنطوي عليها جوانحهم منهم ، أو لم اعرفهم ولم التقيهم ولكنهم كانوا ، حتما يشبهونهم . أعرف ان هؤلاء ، جميعا ، كانوا ضحايا الطاغية ونظامه الاجرامي ، ولكن من كان الشريك الذي تولى أمر التغرير والتدليس وتصوير الوحش الدموي الضاري الكامن في الغابه على انه مجرد حيوان اليف مستأنس ، بل هو حصان مفيد سنمتطيه بدهائنا الى شاطيء الامان ! من الغبي ، البليد، التافه ، في أفضل الافتراضات ، الذي كان يصّر على ان ألامبراطور كان يرتدي اجمل الحلل في الوقت الذي كان حتى الصبيان ممن ذهبت دماءهم المجانية بلا مقابل يرون عريه واضحا لا لبس فيه !

لكنني بالمقابل ، أيضا ، أرى ان عزيز محمد وغيره ، نتاج نهج فكري وتربية مدرسة سياسيه ، وان النقد الحقيقي والبحث الجاد يجب ان يتركز في نقد وتعرية أسس هذه الافكار والتنظيرات والممارسة السياسيه التي قامت وتقوم عليها . ان المشكلة ، ليست ، كما يتصور البعض ويكتبون ، في " حميد مجيد موسى " او " فخري كريم " وقبلهم عزيز محمد أو المرحوم عامر عبد الله كما كان شائعا في الستينات و أوائل السبعينات ، دون ان نتجاوز عن المسؤولية الشخصية والممارسات الفردية لكل منهم . او الخوض في عرق هذا ومذهب ذاك ، لأن هذا سيجعلهم ضحايا ويجعل النقد مفتقرا لعناصر قوته واقناعه التي تكمن في الموضوعية والبعد عن ان يكون شخصيا .

ان هذه الممارسة السياسيه التي تستند الى اساس فكري واجتماعي محدد ، تعود بثمارها المرّة الى نهاية الخمسينات وليس السبعينات فقط ، وقد توالت هزائمها الفكرية والسياسية طوال عقود ، وان من يراها في شخصية هذا أو ذاك إنما مثل من لا يرى الشجرة ويكتفي بالتعجب من ثمارها القميئه .ان ما يجعل لهؤلاء الاشخاص بطبائعهم المعروفة لدينا قادة ويمكنهم من اعتلاء سنام الحراك اليساري هو محتوى ها الحراك نفسه وبنيته التي تعود بأسبابها الى وضع اجتماعي وتاريخي وثقافي معين ....

لقد كتبت في هذا الامر سلسلة مقالات قبل اكثر من عشرة اعوام ، وانبرى لي البعض بالاسئلة الخالدة اياها : لماذا في هذا الوقت بالذات ، ولصالح من ؟ واجبت في حينها ان الوقت لنقد جاد ومسؤول، في عرف هؤلاء ، لن يأتي ابدا . اما لصالح من ؟ فالصالح الحق والحقيقه ولاجيال الشباب الطامحه الى اداء دور جاد أذْ لم تعد هناك فزاعة " هجمه امبرياليه " لأنكم انتم بالذات اصبحتم اليوم من اصلب طلائعها .... ...واحسب ان هناك ، اليوم بقايا من عقول ما تزال تدور في فلك الاسئله الغبيه ذاتها .....