عن المسألة الوطنية... مناقشة ورد على تقرير المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي العراقي

 

أحمد الناصري

 

 

 

أحاول هنا، في هذه المناقشة، تحليل وتفكيك جانب من المسألة الوطنية في بلادنا، ووضعيتها وحالتها الراهنة، فنحن نقف أمام مشكلة جوهرية وخلافية كبيرة، دار حولها ولا يزال جدل معمق وحام، لنرى ونعرف كيف عالجها تقرير المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي العراقي، باعتبارها المسألة الرئيسية التي تواجهنا في المهمات الوطنية والديمقراطية، ويرتكز عليها كل شيء تقريباً، وهي الحامل لشكل ومستقبل البلد والدولة والعلاقة بالمجتمع، لنصل إلى كيفية الخروج من الكارثة الوطنية الحالية ومعالجتها؟

تبرز المسألة الوطنية كأحد المسائل الرئيسية المرتبطة بالدولة الحديثة ونشوئها وواجباتها المتعددة، خاصة بالنسبة للبلدان( النامية) والمتخلفة أو بسيطة النمو، وهي تواجه مشاكل وأزمات داخلية وبنيوية متراكمة ومعقدة، قديمة وجديدة، أو للشعوب التي تواجه قضايا التحرر الوطني والاستقلال والتنمية والبناء والتطور والتقدم وفق المفاهيم الحديثة، وكذلك الدول الفاشلة أو المنهارة، وارتباط ذلك بالديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية وصولاً إلى تحقيق الاشتراكية كحلم ومطلب إنساني راق وملح، وكحل بأفق تاريخي وإنساني. وقد تشوشت وأربكتك المفاهيم الوطنية إلى أبعد الحدود بسبب نوع الدولة الحالية وطبيعة السلطة (في عموم النموذج العربي) التي قادت تجارب فاشلة ومدمرة أوصلتنا إلى ما نحن فيه، وبسبب التدخلات الخارجية والنهج الإمبريالي المعروف. من هنا جاء تركيزنا على موضوع المسألة الوطنية في بلد محتل كبلدنا العراق (أصبح الآن بلد شبة محتل وخاضع سياسياً بالكامل) وما نواجهه من مهمات وطنية وديمقراطية كثيرة، في ظرف استثنائي معقد ومتداخل مع أمور عديدة أخرى تحتاج إلى فرز وتفكيك وتوضيح. وهنا أيضاً تبرز قدرة المنهج الماركسي النقدي على التحليل لهذه الظاهر المتجددة والمساهمة في طرح ما هو جديد ومطلوب في هذا المجال، وصياغة فكر وطني جديد يساهم في الخروج من هذه الكارثة ومن هذا المأزق التاريخي، ومن هذه المحنة التي يتخبط فيها شعبنا ووطننا.

يعد التقرير السياسي التعبير المكثف لكنه المباشر، عن المنهج النظري المتبع، وعن الرؤية الفكرية والسياسية، التحليلية والتطبيقية، للوضع السياسي السائد في البلاد، وتشخيص طبيعته ومساراته، ثم تحديد الموقف الطبقي والوطني منه، وطرح المهمات المطلوبة ورفع الشعارات المناسبة وتحديد أساليب العمل والنضال. من هنا يكتسب التقرير السياسي أهمية كبيرة واستثنائية، وهو يشرح ويحدد ويرسم الاستراتيجية والتكتيك والمواقف السابقة والآنية والقادمة، وفق رؤية وطنية واضحة، لا تحتمل التأويل والأخذ والرد إزاء قضايا الوطن المصيرية والوضع السياسي والموقف من مصالح الشعب والوطن، والموقف من السلطة، من حيث تأييدها أو معارضتها على أسس والتزامات وطنية واضحة وليست شكلية أو ثانوية أو مؤقتة. أن التقرير السياسي يعد الملف المتكامل والشامل لرؤية الحزب السياسية للبلاد والموقف منها.

لقد قلنا في مقدمة المناقشة والرد على تقرير المؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي المنعقد بين بغداد وشقلاوة، من 8 إلى 13 أيار، وفي كتابات كثيرة سابقة، في محاولة لطرح وجهة نظر وطنية إزاء ما يحصل ويجري في بلادنا من كوارث سياسية متعاقبة، وما يتعرض له من تخريب وتدمير شامل ومنظم، بأن بلادنا التي كانت تخضع للدكتاتورية الفاشية المتخلفة التي تحولت بفعل الحرب والغزو والاحتلال وإجراءاته اللاحقة المعروفة إلى بلد محتل يخضع للإدارة العسكرية الأمريكية المباشرة، التي فرضت نظاماً طائفياً تقسيمياً متخلفاً، كانت قد أعدته ووضعت أسسه السياسية والتطبيقية في وقت سابق عبر نشاطات ومؤتمرات، سرية وعلنية، بالتعاون مع أطراف وشخصيات قبلت بخيار الاعتماد الكامل على ما يسمى بـ(العامل الخارجي) والتدخل الخارجي عن طريق الحرب والغزو والاحتلال، كما هو معروف، وهو خيار غير وطني، يتعارض مع مصالح شعبنا الوطنية بما لا يقبل الشك.

كان من أخطر النتائج التي خطط لها الاحتلال وفرضها وكرسها في النهاية لضرب وتهديد وتمزيق الوطن والمجتمع معاً، هو تحطيم وانهيار الدولة وتآكل وتفكيك مؤسستها المدينة، الذي بدأ بسبب رعونة الفاشية الهوجاء وتأثير الحصار وانتهي بالإحتلال العسكري المباشر وإجراءات بريمر المعروفة، ثم محاولة نقل وتكريس ذلك في الانقسام الطائفي المجتمعي، ودفع ما يسمى بـ(الهويات الفرعية) إلى السطح والواجهة، وإعطاءها دوراً رئيسياً لا تستحقه، وهي تشكيلات بدائية تعود إلى ما قبل الدولة الوطنية والمدنية الحديثة، وتخريب وتشويه المجتمع ودفعه إلى هاوية الحرب الداخلية الأهلية كشرط لإضعافه والسيطرة عليه وإعادة تركيبه مثلما يريد المحتل، وتخريب بقايا الاقتصاد المخرب والمحطم أصلاً من سلسلة الحروب العبثية والحصار الخانق، وهو مصير وحال الزراعة والثقافة والتعليم والبيئة، ودعم ذلك بإجراءات وقوانين وخطوات كان أبرزها فرض صيغة مجلس الحكم وقانون إدارة الدولة، ثم تشكيل إدارة محلية من صنع الاحتلال، وصياغة وفرض دستور مشوه يكبر و(يسيطر) فيه الإقليم على حساب المركز، في نسخة فيدرالية غريبة، ولا يحل قضية النفط والثروات الوطنية، ولا يعالج أي أمر أساسي وطني حساس. كل ذلك يجري ويترافق مع الإرهاب الأسود والمنظم والشامل، الذي ضرب مجتمعنا بعنف وشراسة قل نظيرهما، ومع ارتكاس مجتمعي وردة رجعية شاملة لمفاهيم وطقوس بدائية عجيبة، تهدد المرأة والأدب والفن والحريات الشخصية اليومية، على يد الأحزاب والمجموعات الدينية الطائفية والإسلام السياسي، المسيطرة على المشهد بإمكانيات مالية وعسكرية ودعم خارجي متنوع، مع بقاء مفاتيح اللعبة السياسية وأدواتها بيد الاحتلال ألأمريكي وإيران!

فكيف لحزب شيوعي وطني يشارك أو يؤيد هذه الإجراءات الموجهة والمعروفة؟ وهل تحتاج هذه الأمور إلى جهد كبير كي نكشف خطأها وأغراضها وخطورتها ونتائجها المقصودة القادمة؟

هذا التقديم المكثف إلى جانب مواقفنا الوطنية السابقة المعروفة، يوضح الموقف من الفاشية والحرب والإحتلال وتخريب الدولة ومؤسساتها وفرض نظام طائفي متخلف، والموقف من الكارثة التي يعيشها بلدنا. ومن هنا إنقسم المشهد السياسي الداخلي إلى موقفين، الأول وطني يرفض الفاشية والحرب والإحتلال ويقاومه بكافة الأساليب المشروعة والمتاحة حسب الظروف الملموسة، وموقف آخر يتعامل ويتعاطى مع الإحتلال ويشارك في جميع خطواته، العسكرية والسياسية والدعائية، بدرجات متباينة ومختلفة، مع سيل لا ينتهي من التبريرات والشروح والأمنيات الوهمية، التي تساقطت وتلاشت باصطدامها بالواقع الصلب والمعاند، ومن خلال ربطها ومقاربتها بالنتائج المرعبة التي عاشها ويعيشها شعبنا ومجتمعنا، والتهديد الجدي الذي لا يزال يواجهه وطننا إلى الآن، حيث تتناسل وتتصاعد الأزمات الداخلية الطاحنة، كما تزداد وتشتد التدخلات الخارجية المباشرة في رسم الحياة السياسية الرسمية وتوجيهها بشكل يومي ومباشرة، بواسطة أحزاب وشخصيات مرتبطة بإيران وغيرها من الدولة الإقليمية الفاعلة والعابثة في بلادنا، بما يتنافى ويتعارض مع أبسط أسس العمل والإستقلال الوطنيين والمصالح الوطنية، حيث أصبح النفوذ والتدخل الإيرانيين من المشاكل الكبيرة والخطيرة التي تواجهها بلادنا! وقد تراجع قسم قليل ومحدود ممن دعا وتحمس وتعاون مع الإحتلال وأيده، وصمت عن جرائمه البشعة، بل هناك من سماه تحرير، وصمت القسم الآخر، بينما لم تجر مراجعات وطنية حقيقية، سياسية وفكرية، جدية، واسعة وعميقة، لهذا التورط والإنزلاق الخطير الذي تورطت فيه مجموعات وأطراف غير قليلة خاصة من عراقيي الخارج والأحزاب والشخصيات.

أن تشخيص وتحديد الإنقسام والخلاف في المواقف الوطنية من الحرب والإحتلال والطائفية وصولاً إلى الكارثة الوطنية الراهنة التي يعيشها شعبنا ووطننا، ليس أمراً شكلياً أو ثانوياً، أو موضوع تجاوزه الزمن، كما يحاول أن يقول البعض بقصد خلط المواقف والأمور، أو التخفيف من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها البعض، بينما هو أمر في غاية الأهمية لمعرفة المواقف السياسية والتعامل معها على هذا الأساس. ومن هنا تبرز الأسئلة الخلافية الكبيرة، ويبرز التباين في المواقف الوطنية من قضايا مصيرية مثل الإحتلال والطائفية والموقف منهما. فهل يمكن ويجوز اللقاء والتقارب مع أحمد الجلبي وما يسمى بـ(مؤتمره الوطني) من وجهة نظر وطنية لمواجهة الفاشية أو ضمن العمل الوطني المعارض؟ وكذلك ينسحب السؤال على علاوي وأمثاله؟ وهل تجوز المشاركة بما يسمى بـ(مجلس الحكم) الذي فصله وفرضه الإحتلال والتعامل والتعاون معه بقيادة بريمر؟ أن المشاركة في مجلس الحكم كانت الخطيئة الأولى والكبرى والأكثر وضوحاً التي انجر إليها الحزب، ومن هناك بدأ الإنزلاق الصريح والمتوالي والمتواصل، ليصل إلى ما وصل إليه لاحقاً من أخطاء وتراجع وخسائر متلاحقة وصلت إلى ذروتها البالغة والفاضحة في نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة! وهذه الخطوة الغريبة والصادمة لا يمكن فصلها وعزلها عن المشاركة والدخول في ما يسمى (المؤتمر الوطني) المعروف بارتباطاته الخارجية وتوجهاته ومهماته، بتأثير وضغط من بعض العناصر القيادية!

في القسم الأول الذي كان بمثابة تقديم لمناقشة التقرير السياسي، قلت أنني سوف أركز على هذه الفقرات التي اقتبستها من التقرير واعتبرتها تلخيص مكثف وتعبير كامل عن الفكر السياسي للحزب والتطبيقات العملية لسياسة الحزب والموقف من الإحتلال والعملية السياسية الأمريكية وكيفية التعاطي مع خطواتها وإجراءاتها الخاطئة المعروفة، التي قادت البلاد إلى الكارثة الحالية، وهل كان المطلوب تأييدها والمشاركة فيها، أم رفضها ومعارضتها على أسس وطنية، واللجوء للعمل السياسي الجماهيري والإعلامي والوطني؟؟ وهذا ما أريد مناقشته والتركيز عليه، لأننا نعده من جوهر وصلب المهمات والمواقف الوطنية الطبيعية والمطلوبة، وليس المواقف المتخذة تحت حسابات وضغوطات وارتباطات معينة، لا تتفق ولا تتماشى مع المصالح الوطنية ومهمات حزب شيوعي أو ماركسي أو يساري وطني.

إنني لا أريد أن أقطع أو أفصل هذه الفقرات عن سياقها العام الموجود والوارد في التقرير بشكل مقصود أو غير مقصود، من أجل أن تكون المناقشة موضوعية، وهذا لا يعني أيضاً عدم وجود فقرات وأفكار تستحق الرد والمناقشة، ربما أعود إليها في مناقشات قادمة إذا ما تطلب الأمر وحسب أهميتها وقيمتها وعلاقتها بالواقع الحالي وتطوراته واتجاهاته الأساسية!

هذا الاقتباس الضافي والطويل نسبياً يعكس ويكشف الموضوع الذي نحن بصدده، وهو الموقف من الإحتلال ومن العملية السياسية (كواجهة له)، من جوانب عديدة وكافية للإطلالة على موضوع النقاش، أي المسألة الوطنية، كما يسهل عملية النقاش والرد وتوضيح نقاط الخلاف الرئيسية القديمة والجديدة مع هذا النهج وهذه المواقف.

1-(تضافرت طريقة إسقاط النظام الدكتاتوري البغيض مع تداعيات الإحتلال، وانهيار الدولة، والتغييرات العميقة في علاقات القوى السياسية والمجتمعية، والتركة الثقيلة للدكتاتورية، لتشكل بمجموعها أوضاعا استثنائية فريدة في بلادنا، ولتفجر تناقضات وصراعات متنوعة ومتداخلة، سياسية وقومية وطائفية واجتماعية، تراكمت عناصرها ومسبباتها على مدى عقود سابقة، واتسعت واشتدت بوجود القوات الأجنبية، وقوى الإرهاب القادمة من الخارج، وامتداداتها وحواضنها في الداخل، وبتأثير التدخلات الخارجية، الإقليمية والدولية).

2-(وقد وضعت هذه التطورات، وحقائق الأوضاع الجديدة التي نشأت بعد 9 نيسان 2003، شعبنا أمام مهمة أساسية مزدوجة، يتلازم فيها الوطني مع الديمقراطي، والسياسي مع الإجتماعي، أي إنهاء الإحتلال واستعادة السيادة الكاملة من جهة، وإعادة بناء الدولة العراقية على أسس دستورية ديمقراطية اتحادية وتحقيق تنمية اجتماعية اقتصادية وضمان رفاه المواطنين، من جهة أخرى).

3-انطلاق العملية السياسية

(تم تدشين العملية السياسية في صيف 2003، وهي، في نظر الحزب، عملية تهدف الى الإنتقال بالعراق من الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد، إلى نظام دستوري يضمن الحقوق والحريات لجميع ابناء الشعب، واستكمال سيادته كبلد ديمقراطي اتحادي موحد مستقل. وقد اعتمدت العملية السياسية، والقوى المشاركة فيها، الأساليب السلمية في تداول السلطة ومبدأ التوافق السياسي، في حل المعضلات التي تعترض تصفية مخلفات الدكتاتورية وإنهاء الإحتلال، وفي إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وصياغة وإقرار الدستور الذي يرسي الأسس والمبادئ العامة لعملية إقامة الدولة الجديدة).

ولتسهيل النقاش سوف أقوم بتقطيع الفقرات وترقيمها، لكي أقوم بتفكيكها ومناقشتها حسب رؤية ماركسية، هي رؤية المنهج الماركسي النقدي، وسنرى أخطاء ومشاكل الفكر السياسي واللغة المتبعة ومقاصدها.

يبدأ التقرير بكلمة (تضافرت) لكي تختلط الأمور وتضيع المواقف، حيث أن هذه الفقرة التي تتحدث عن سقوط النظام، لا تتحدث عن كارثة الإحتلال بذاتها لكي تعالجها باعتبارها قضية مركزية وزلزال عنيف تعرض له الوطن، تحتاج إلى موقف وطني مستقل ومتكامل، وفق رؤية وطنية حديثة ووفق الفكر السياسي الوطني، حيث تحولت الفاشية المتخلفة إلى احتلال بواسطة الحرب والغزو والإجتياح لوطننا، وليس عبر حل وطني داخلي، ولكي يجري التفلت لاحقاً من قضية رئيسية يفرضها الإحتلال على حزب شيوعي في بلد محتل، وعن مهمات التحرر الوطني التي تواجه البلاد، وما يتطلب وطنياً برفضه ومقاومته بجميع الوسائل الممكنة والمشروعة، حسب الظروف الوطنية والجماهيرية المحددة والملموسة! تلك هي مشكلة الاختلاف الرئيسية والأولي، والتي ستدور حولها الخلافات الأخرى، وعليها يتبين الموقف من الإحتلال، برفضه ومقاومته، أو تأييده والتعاون معه والمشاركة في مؤسساته اللاوطنية كمجلس الحكم والإدارة الطائفية مثلاً، أو تأييد الخطوات الأخرى بما فيها قانون إدارة الدولة والدستور والانتخابات وصولاً إلى تأييد المعاهدة الاسترقاقية مع الإحتلال، كما هو وراد في هذا التقرير.

وهل يمكن الدمج والربط بين المهمات الوطنية والديمقراطية والاجتماعية، بهذه الطريقة السطحية والتبسيطية والمشوشة، والعمل على تحقيقها من خلال العملية السياسية التي بنيت على أسس طائفية وقومية ووفق صفقة مع الاحتلال كما ورد في الفقرة الثانية؟ أنه أمر غريب حقاً!

أن هذه المقدمات الخاطئة تقود حتماً إلى نتائج خاطئة وفق منطقها وتسلسلها الداخلي والطبيعي، لذلك فأن عملية (التضافر) تلك قادت الحزب إلى طرح المهمات الخاطئة التي كما وردت في نفس الفقرة الثانية، حيث يقول التقرير (وقد وضعت هذه التطورات، وحقائق الاوضاع الجديدة التي نشأت بعد 9 نيسان 2003، شعبنا أمام مهمة أساسية مزدوجة، يتلازم فيها الوطني...... الخ الفقرة الموجودة أعلاه) والسؤال البسيط والمباشر، لكنه الأساسي، هل يمكن أو يجوز طرح وتحقيق هذه المهمات الوطنية (الصحيحة والمطلوبة) بالتعاون والتنسيق مع الإحتلال أم بالضد منه ومن عمليته السياسية والأحزاب الطائفية والقومية التابعة له والتي لا تقوم على أسس وطنية؟ وهل كانت إمكانية وأساليب العمل الوطني والنضال السياسي والجماهيري السلمي كافية لتحقيق هذه المهمات الكبيرة؟ لكي نرى أن طرح هذه المهمات وهذه الأساليب بهذه الطريقة، عملية خاطئة بل كارثية ساهمت في خلق الوضع الخطير الحالي، على الأقل في ضوء النتائج المباشرة؟ وسوف تتكرر هذه الأسئلة الأساسية كلما تابعنا ومشينا مع التقرير ومجمل مواقف الحزب منذ الحرب والاحتلال وقبلهما بقليل.

أن كل شيء سينكشف ويتوضح عندما نطّلع وندرس الفقرة 3 من هذا الاقتباس، حيث يتبين الخطأ والوهم الكبيرين حول فهم طبيعة (العملية السياسية الأمريكية) وقواها المحركة وأغراضها وآفاقها، ثم الموقف المؤيد لها والتعويل عليها وعلى آفاقها وفق رؤية قاصرة، حيث يقول التقرير (تم تدشين العملية السياسية في صيف 2003، وهي، في نظر الحزب، عملية تهدف إلى الإنتقال بالعراق من الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد، إلى نظام دستوري يضمن الحقوق والحريات لجميع ابناء الشعب، واستكمال سيادته كبلد ديمقراطي اتحادي موحد مستقل.... الخ آخر الفقرة رقم 3 من اٌقتباسنا والمثبت أعلاه). هنا كانت قيادة الحزب و(كتبه التقرير)، وفية للمدرسة اليمينية المتخلفة السائدة منذ عام 1958، بصدد الموقف من السلطة والتحالفات، وكيفية أنجاز المهمات الوطنية والديمقراطية، والقضايا الرئيسية الأخرى، بالرغم من وجود تحول نوعي حاسم في الحياة الوطنية يتمثل بحصول الغزو والإحتلال العسكري المباشر.

كان الموقف من الإحتلال وتشكيل العملية السياسية، واضح وجلي في تقرير المؤتمر الثامن، وهو يشرح ويبرر أسباب المشاركة فيها، وقد ناقشته ورددت عليه في حلقتين طويلتين منشورتين في المواقع الوطنية، لكن العجيب أن يتكرر نفس المضمون بالرغم من الادعاء بوجود اعتراض ومعارضة للوضع السياسي القائم، والتحدث عن تأزمه وفشله، حيث تبدو هذه الإعتراضات شكلية وثانوية، تتعلق بممارسات هنا وهناك، ولا تلامس جوهر ومضمون الوضع السياسي المختل والخطير في بلادنا والذي يتطلب موقفاً وطنياً واضحاً وشاملاً وجريئاً منه.

أن سياسة الحزب لا زالت خاطئة وضعيفة وهي تخضع لرؤية أحادية غير صحيحة عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي الذي تكون بعد الإحتلال، وطبيعة وحجم الكارثة الوطنية التي تواجهها بلادنا، مع ادعاءات خاطئة بالنظرة الواقعية والتعقل المفتعل، والخضوع لتوجهات وضغوط من الحركة القومية الكردية، التي تبنت توجهات ضيقة وخاطئة تلتقي مع مخطط الإحتلال وتستفيد من التوجهات الطائفية وشكل المحاصصة السياسية السائد الآن. كما تخشى قيادة الحزب من العزل السياسي والتعرض للاضطهاد في حال معارضتها ورفضها للوضع السياسي القائم. بينما المطلوب اللجوء للعمل الوطني الجماهيري واستعادة مكانة الحزب عبر تبني سياسة وطنية سليمة ومستقلة تقطع مع الوضع القائم وتعارض العملية السياسية الفاشلة. فعلى سبيل المثال فأن الأزمة الحالية بين أطراف (العملية السياسية) هي تعبير عن الفشل الجوهري الدائم بسبب طبيعة المشروع الطائفي الأول والذي لا يمكن إصلاحه أو تعديله بأي طريقة كانت، مع انهيار الوضع السياسي والأمني وفشل الخدمات الأساسية والتذمر الجماهيري والإنهيار الاقتصادي والتجاري والزراعي والبيئي، وهذه فرصة كبيرة للمراجعات والنقد والتصحيح، لكن الحزب غير قادر على القيام بهذا التحول النوعي بسبب حالته الداخلية العامة وتركيبه الحالي وضعفه الفكري والتنظيمي وطبيعة وإمكانيات قيادته السابقة والحالية وغياب روح المبادرة والنقد. أن هذا المسار الفكري والسياسي يمثل فشلاً وقصوراً، لكنه إصرار واستمرار أكيد للمواقف السابقة التي سارت عليها قيادات الحزب المتعاقبة.

أن ما صدر عن الحزب والمؤتمر من توجهات ومواقف سياسية كانت متوقعه ولم تكن غريبة عن أوساط ماركسية ويسارية عديدة تابعت وراقبت حالة الحزب وإعلامه وأطروحاته وطبيعة ومستوى قيادته القديمة والحالية. أنني اعتقد أن الوضع الفكري للحزب هش ومتراجع وربما معدوم ويمر بأسوأ حالاته، وهذا ما ينعكس على الوثائق واللغة وفي الإعلام وفي مستوى النقاشات العامة.

أن الإلتزام بالمنهج الماركسي يعطي الحركة الشيوعية والماركسية قدرة كبيرة على تحليل الواقع وصولاً إلى المساهمة في تغييره، ورسم سياسة سليمة ورصينة في هذه الظروف المعقدة والعصيبة. وهذا ليس كلام جامد أو عام أو مكرر، إنما يتطلب جهد فكري كبير وإضافات جديدة وكبيرة وإجابات على الأسئلة الكثيرة التي تطرحها الحياة، في ظروف من الارتكاس والردة الرجعية الشاملة التي يمر بها مجتمعنا، وهي مهمة صعبة ومعقدة، لكنها ليست مستحيلة، بل هي المدخل السليم لتنشيط الحركة الماركسية واليسارية.

أن القضية الوطنية في بلدنا الذي تعرض للغزو والإحتلال العسكري المباشر، ويواجه الآن احتلالاً غير مباشر ونفوذاً وتدخلات إيرانية وإقليمية خطيرة وواسعة ومباشرة، تتلاعب به وتوجه وتقرر مصيره، وتشوهاً بالغاً وخطيراً في شكل الدولة المنهارة والفاشلة وفي أسس المجتمع، هي قضية رئيسية تتطلب التوقف الجدي والنقدي وطرح المزيد من الفكر الوطني الذي يساهم في حل المشكلة الوطنية الكبرى التي تواجهنا اليوم، والابتعاد عن الفكر اليومي والتبسيطي والتبريري أو الفكر المؤقت السائد الآن. وهذا ما لم أجده في التقرير السياسي الصادر عن مؤتمر الحزب، وهذه نقطة الخلاف الرئيسية بالإضافة إلى قضايا كثيرة، قديمة وجديدة!

 

هوامش

هناك مواقف كثيرة تسترعي التوقف والانتباه وتتطلب دراستها بشكل مستقل رغم ارتباطها الوثيق بما تقدم سأورد بعض النصوص لنرى رؤيتها وطبيعتها وقصورها عن تشخيص وتلمس أو التصدي للواقع الحقيقي...

السيادة الوطنية الكاملة

(سيبقى العراقيون يتذكرون يوم 31 آب 2010، كونه يوم انجاز خطوة هامة على طريق انهاء الإحتلال واستعادة الاستقلال والسيادة الكاملين، على وفق الجدول الزمني الذي تضمنته اتفاقية سحب القوات، الموقعة بين العراق وأمريكا. ففي ذلك اليوم استكمل سحب القوات القتالية الأمريكية من المدن والقصبات. والى جانب ذلك، وبدلا من العلاقات العسكرية - الأمنية بين البلدين، بدأ التركيز على العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية، وفق ما تقضي به اتفاقية الإطار الستراتيجي بين العراق و الولايات المتحدة، التي ينبغي أن يكون تنفيذها معززاً لسيادة بلادنا واستقلالها.)

هل هذا موقف وطني سليم من بقايا الإحتلال وطبيعة بلدنا التابعة ومن المعاهدة الاسترقاقية المفروضة عليه؟

(ينص الدستور الحالي صراحة على امكانية تعديله، اذا استدعت الممارسة السياسية والاجتماعية ذلك. وهو يحدد ايضا ضوابط التعديل في مادتين أساسيتين، تتعامل احداهما (المادة 126) مع الظروف الاعتيادية، حينما تتطلب الحاجة تعديلاً.)

ما هي أهمية وقيمة هذا الكلام التطبيقية والحقيقية أمام الواقع المحدد والملموس الذي تعيشه بلادنا؟

(بعد ان حققت العملية السياسية خطوات مهمة، في مقدمتها اقرار الدستور في استفتاء عام، وانبثاق المؤسسات الدستورية، واعتماد الادوات السلمية وسيلة لتداول السلطة، وتحقيق انسحاب القوات الامريكية من البلاد، فانها تواجه اليوم صعوبات جدية تعكسها مظاهر عديدة، ابرزها استمرار الأزمة السياسية، وازدياد التشنج في العلاقة ما بين اطراف حكومة "الشراكة الوطنية"، والفشل في استكمالها)

هل هذا الكلام والتوصيف واقعي وينطق على حالة بلادنا السائدة الآن؟ .

سأكتفي بهذه النصوص الآن.

* بعض الأصدقاء كتب بطريقة احتفالية إنشائية عن المؤتمر قبل نشر الوثائق، لكنه يصمت الآن عن مهمة مراجعتها أو نقدها!

* لم أقم بتصحيح الأخطاء الإملائية الموجودة في الاقتباسات المأخوذة من التقرير السياسي، والتي كان لمصحح لغوي بارع ومتبرع أن يصححها مجاناً، مثلما كان يفعل الشيوعيون في وثائقهم ولغتهم، أو يصححها برنامج التصحيح الالكتروني!