" ترامب" رجل المال والأعمال رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية

 

صباح علي الشاهر

 

دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الخامس والأربعين ..

يمكن أن يكون هذا هو التعريف المرافق للرئيس الأمريكي، ولكن الأمر ليس هكذا تماماً، فترامب لن يكون رقماً، هو ليس كالرئيس الرابع أو الثالث أو الثاني والأربعين، ليس لأنه يمينياً، أو متطرفاً، فهاتان صفتان تلتصقان بأي رئيس أمريكي ولو بتفاوت نسبي لن يغير من جوهر المسألة شيئاً، وأمريكا أولاً وآخراً لن تنتج رئيساً يسارياً، لكنها تنتج رئيساً بأحسن الأحوال يمينياً محسناً كأوباما مثلاً ، والمعادلة المثلى التي لم تتغير ربما منذ نشأت الولايات المتحدة هي بين رئيس أمريكي فاقع بيمنيته، وآخر يتجمل بعبارات براقة ولكن لا مضمون حقيقي لها . 

إلى ما قبل ترامب كان الرؤساء واجهة لرأس المال، لكنهم ليسوا هم أصحاب الرأسمال الكبير، بمعنى أن الرؤساء قد يكونون أي شيء، رعاة بقر، أو ممثلين، أو قانونيين، أو سياسيي صدفة، أو ما شئت، لكنهم لم يكونوا أصحاب شركات كبرى، أو كارتيلات إحتكارية، بل كانوا واجهة لهذه الشركات، بصفة ممثلين أو وكلاء، أو حماة  لمصالح هذه الشركات التي لا تمس، ويبدو أن الشركات الإحتكارية والسياسيون إرتضوا هذه القسمة ، السلطة الظاهرية للسياسيين، والربح الوفير للشركات بمختلف أشكالها وألوانها، وهذا هو جوهر ( establishment   - النظام الأمريكي القائم ، أو ما يعرف بالإدارة الأمريكية) .  التي تكرست منذ ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية على الخارطة، ولهذا يمكننا تفسير هذه الحملة التي شنها ترامب على الإدارة الأمريكية، والموقف المضاد لهذه الإدارة، ومن إرتبط بها من منظمات وأجهزة إعلام، لظهور وبروز ظاهرة ترامب.

سيؤسس ترامب، أو بالأحرى من يمثله ترامب لإدارة  جديدة، قد تبدو مختلفة شكلياً، لكنها معبرة عن واقع أمريكا الحالي جوهرياً، ستكون الإدارة إدارة رؤساء الشركات الكبرى، وليس إدارة الوكلاء، هذه الإدارة ستدير أمريكا كما تدير شركاتها الإحتكارية، بنفس العقلية وبنفس المنطق.

منطق الشركات الإحتكارية " إذا زاد منتوج القمح، وتعرضت أسعاره للإنخفاض، فمن المستحسن رمي الكميات الزائدة في البحر كي يرتفع سعر القمح"، ليس في قاموس الشركات الإحتكارية أن ثمة جائعين في مكان ما من الكرة الأرضية، يمكن تقديم هذا القمح الزائد لهم كهبات أو مساعدات، حتى ولو بشروط.

ومنطق الشركات الإحتكارية أنها لا تقدم خدمات مجانية، فكل شيء محسوب وفق منطق الربح والخسارة، لذا فإن قول ترامب بأن على دول الخليج دفع أثمان حماية الأمريكان لهم من عائدات النفط ، ليست زلة لسان، ولا كلام غير محسوب،  خارج منطق السياسة، وإنما هو من صلب السياسة التي ستتبع.

وعلاقة ترامب ببوتين، ليس فيها ما هو بعيد عن هذا المنطق، فبوتين ليس رئيساً لدولة إشتراكية، فروسيا السوفيتية لم يعد لها وجود، وبوتين لا تسيره الأيدلوجية الثورية ، بل هو رئيس لدولة رأسمالية، تهمه مصلحة روسيا أولاً وأخيراً، ومصلحة الكارتيلات الروسية التي إرتبطت مصالحها بالكارتيلات الأمريكية، ووفق حسابات الربح والخسارة سيتم الاتفاق بين روسيا وأمريكا على قاعدة تبادل المنافع، لكن الموقف من الصين سيكون مختلفاً، فالصين التي هي ليست رأسمالية تماماً، يغزو إقتصادها العالم، ويضيق الخناق على الشركات الإحتكارية الأمريكية في عقر دارها، إلى أي مدى سيصل الصراع الأمريكي الصيني ذو الصبغة الإقتصادية هذا ما ستكشفه الأيام القادمة ؟ وهل سيبني بوتين علاقته مع أمريكا ترامب على  حساب علاقته مع الصين التي دخلت في حلف إستراتيجي مع روسيا، وهو الحالم ( أي بوتين) بأوراسيا، والمستند على قوة منظمة شنغهاي الصاعدة ، والذي يرى في تحالفه مع الصين قوة لروسيا قبل أن تكون للصين، صاحبة أقوى إقتصاد عالمي واعد.

أما الموقف من إيران والإتفاق النووي، فهو أمر يبدو أن الزمن قد تجاوزه، لقد تحولت إيران إلى رقم صعب، ليس بمقدور أي رئيس أمريكي تجاوز معطياته، وبالأخص بعد نزول أمريكا من قمة الهرم، ولعبها على سفوحه مع من كان إلى زمن قريب يعد في السفح، ولكن ثمة فسحة تتسع وتضيق بين أمريكا وإيران على قاعدة تبادل المنافع وفق منطق البزنس، ومثلما أمريكا بقيادة رجل المال والأعمال مستعدة للعب هذا الدور، فإيران البراغماتية مستعدة أيضاً للعب نفس الدور، وإذ يبدو الصدام صعباً، وإن لم يكن متعذراً ، فإن التفاهم ممكناً، لا بل هو أكثر ترجيحاً ، مع إستقرار الوضع الإيراني ، وتسجيل المحور الذي تقف إيران في قلبه إنتصارات متتالية ، سواء على صعيد الوضع في سوريا أو العراق ، وفي توسيع دائرة التفاهمات والتحالفات من الهند وصولاً إلى تركيا ، وإلى ما هو أبعد.

لن تكسب أمريكا المال من الساحة الصينية، وحتى بالنسبة لروسيا، فهي ستأخذ أكثر مما تعطي، وأوروبا المثقلة بمشاكلها لن تنتظر مشروع إنعاش أمريكي جديد، لأن أمريكا بحاجة هي ذاتها لإنعاش.

ترامب سيكون أكثر إيجابية في محاربة الإرهاب، وبالأخص داعش والنصرة ، وما يحسبه "تطرف إسلامي"، ليس بإعتبار أن المتهم بخلق داعش والنصره هي منافسته هيلاري كلينتن  وحزبها، وإنما لأن الرجل لديه موقفاً حاداً في عدائيته ليس للتطرف الإسلامي، وإنما للإسلام ككل، فهو أولا وآخراً "رجل متطرف- شديد التطرف" لا يترك فرصة من دون إعلان تطرفه هذا .  

يقولون عندما يفلس التاجر، يدوّر في دفاتره القديمه، فما هي الدفاتر القديمة التي سيفتحها التاجر الأمريكي المفلس؟

لم يعد الأمر سراً، فقد أعلنها ترامب واضحة عارية، على دول الخليج تقديم جزءاً من عوائد نفطها مقابل الحماية .

ترى ماذا لو قدمت روسيا الحماية بالمجان؟

وماذا لو تعهدت إيران بحماية المنطقة من كل دخيل، ومن هو خارجها؟