التاريخ الديالكتيكي لتطور المجتمع البشري

حسقيل قوجمان

 

 

هل المنتوجات في العهد الشيوعي بضاعة ؟

كتب فاخر فاخر في أحد تعليقاته"أنا أنتظرك أن تعترف بأن منتوجات العهد الشيوعي ليست بضائع !!"

ونظرا لأهمية الموضوع سالبيه وأجيبه في حلقة خاصة مستقلة.

ان ماركسية الدجاج على العكس من ماركسية الحمام الطائر تؤمن بالمادية الديالكتيكية وتحلل كل الحركات الطبيعية في الطبيعة وفي المجتمع تحليلا ماديا ديالكتيكيا. بنفس الطريقة سالبي طلب فاخر فاخر المهم.

حين انفصل المجتمع البشري عن المجتمع الحيواني كان الإنسان عظيم الشبه في حياته مع المجتمع الحيواني الذي انفصل عنه. كان كالحيوانات القريبة الشبه به يقطف الأثمار ويعتاش عليها. ولكن الفرق بينه وبين هذه الحيوانات هو ان دماغه تطور بحيث أصبح قادرا على تعلم الطبيعة وتعلم تغييرها وانتصبت قامته وأصبح قادرا على استعمال يديه للانتاج والمشي على رجليه. وربما بدأ يكون لغة تفاهم بدائية بين إنسان واخر.

كان المجتمع في هذه الفترة مشاعيا بدائيا بالضرورة. فقد كان الإنتاج الإجتماعي شحيحا ونادرا يكاد لا يكفي لمعيشة الإنسان. ولم يكن من الممكن في هذه الحال ان يستولي جزء من المجتمع على الإنتاج ويترك الاخرين للموت جوعا. استمر المجتمع المشاعي البدائي ملايين السنين او عشرات الملايين.

ربما كان اكتشاف النار أهم اكتشافات الانسان في فترة المشاعية البدائية. النار غيرت حياة المجتمع تغييرا جذريا. فقد جعلت النار بإمكان الانسان ان يحتل المغاور والكهوف وطرد الحيوانات المفترسة منها لخوفها من النار. واستطاع الإنسان ان يواصل الحياة في المغاور بإستعمال النار والتغلب على الفترات الجليدية المتعددة ونجح في صهر المعادن كالنحاس والحديد مما جعل بامكانه ان يطور ادوات انتاجه تطويرا هائلا اذ بدلا من الحجارة والحجارة المدببة أصبح قادرا على صنع واستخدام الأدوات والاسلحة المعدنية.

حسب قوانين المادية الديالكتيكية ينشأ نقيض الوضع القائم داخل هذا الوضع ويتطور تحت حمايته ورعايته. والنظام القائم هو المشاعية البدائية، وبناء على ذلك نشـأ نقيض النظام القائم اثناء وجوده وتحت حمايته ورعايته. ونقيض المجتمع المشاعي البدائي هو نشوء وتطور إنتاج الإنسان بحيث اصبح ينتج اكثر مما يحتاجه لاستهلاكه المباشر وأصبح من الضروري استبداله مع آخرين ينتجون انتاجا يختلف عن انتاجه. وهذا يعني رغم رأي استاذي الكبير فاخر فاخر نشوء السلعة أو البضاعة. البضاعة شيء، مادة، جزء من الطبيعة يحوله الإنسان بجهده وعمله الى شيء آخر خارجا عن جسمه يبادله مع انسان آخر ويغترب عنه بناء على ذلك. فالإنتاج الإجتماعي تحول سواء ارضي فاخر أم لم يرض الى بضاعة. المجتمع الطبقي هو النقيض الأول لقوى الإنتاج.

اضافة الى ذلك يعني هذا التطور نشوء فئة من الناس يستطيعون الاستيلاء على انتاج لم ينتجوه. وهذا يعني بدء نشوء طبقة مالكة تتطور الى طبقة سائدة. ان نقيض النظام المشاعي هو ظهور الإنقسام الطبقي للمجتمع اي نشوء المجتمعات الطبقية.

أدى نشوء المجتمع الطبقي ضمن وتحت حماية النظام المشاعي وتطور تدريجيا الى ان تحين لحظة الطفرة الديالكتيكية النوعية فيجري نقض المجتمع المشاعي ونشوء المجتمع الطبقي على أنقاضه. وفي المجتمعات الطبقية يوجد عادة طبقة مالكة سائدة وطبقات كادحة مسودة وهذا ماجرى تاريخيا في المجتمع البشري. والسؤال الان من هي الطبقة السائدة في المجتمع وهل يمكن لكل طبقة ان تكون طبقة سائدة تسود المجتمع أم ان ذلك يجري وفق قوانين تحدد طبيعة الطبقة السائدة؟

المادية الديالكتيكية تعلمنا ان الطبقة السائدة يحددها تطور قوى الإنتاج في المجتمع. وقوى الانتاج تتالف من ثلاثة عناصر هي الإنسان العامل على الطبيعة لتغييرها والطبيعة التي يعمل عليها ويغيرها والآلة التي يستخدمها في عمله على تغيير الطبيعة.

في المجتمع الطبقي ينبغي ان تكون للطبقة السائدة قدرة الإستيلاء على كافة الانتاج الاجتماعي ولا تترك للطبقات الكادحة اكثر مما يبقيها على قيد الحياة وعلى مواصلة انتاج الحياة بالتوالد. وتحتاج الطبقة السائدة ان تختار عنصر قوى الإنتاج الذي يتيح لها هذه القدرة. فهل تستولي الطبقة على عنصر الإنسان ام عنصر الارض ام عنصر الآلة لكي تستطيع الاستيلاء على كامل الانتاج الاجتماعي؟ هذا هو الذي يحدد ويقرر طبيعة المجتمع الناتج عن ذلك.

كان الاستيلاء على الانسان المنتج هو العنصر الذي كان يتيح للطبقة السائدة الاستيلاء على كامل الإنتاج الإجتماعي فكان المجتمع العبودي واصبح العبد هو العنصر الذي يحقق للطبقة السائدة الإستيلاء على كامل الإنتاج الاجتماعي. وارجو الا يغضب استاذي الجديد حين أقول له ان العبد أصبح هو السلعة أو البضاعة. ولم يكن العبد حتى في جمهورية افلاطون يعتبر بشرا كباقي الناس. كان العبد في المرحلة العبودية حيوانا ناطقا وحتى أيام دراستي كنا نتعلم ان الإنسان حيوان ناطق. كان العبد يباع كالبقرة او الحصان على انه حيوان وليس انسانا. وكان تملك بضاعة العبيد هدف أغلب الحروب كما يسجله تأريخ الحروب في تلك المرحلة. الا ان العبيد كانوا يباعون بالملايين بين أباطرة الحكم في المرحلة العبودية. كان السادة كما هو معروف يميزون العبيد عن الأسياد بادعائهم ان العبيد ذوو دم أحمر أما السادة فهم ذوو الدم الأزرق.

أدى تملك العبيد الى استخدامهم في انتاج جميع العمارات والانشاءات التي نسميها حاليا عجائب الدنيا مثل الاهرام التي بناها العبيد لأسيادهم كي يوضعوا فيها ولا يدفنوا كسائر الموتى لكي يسهل قيامهم يوم يبعثون. وسائر عجائب الدنيا. كان العبيد يبنون هذه العمارات والإنشاءات بعملهم الجسمي المرهق والمميت لعدم وجود أدوات انتاج تساعدهم على ذلك مما أدى الى موت الملايين منهم نتيجة ارهاقهم الجسماني.

ومعروف تاريخيا مجتمع المتاجرة بالعبيد كسلعة رئيسية في المجتمع العبودي. وكانت انتاجات المجتمع العبودي تعتمد على عمل الملايين من البشر كما هو معروف على سبيل المثال في بناء القبور للاباطرة كاهرام الجيزة التي يفتخر العالم بها. وكذلك تاريخ بناء الجنائن المعلقة في العراق والتماثيل العملاقة وغيرها من معجزات انتاج النظام العبودي.

وحسب قوانين المادية الديالكتيكية نشأ نقيض المجتمع العبودي داخل المجتمع العبودي وتحت حمايته وتطور تدريجيا خلال زمان النظام العبودي اذ تطورت الزراعة تطورا مطردا ونجح الإنسان في تدجين الحيوانات واستخدامها كادوات انتاج في الزراعة وعجزت طبقة أسياد العبيد عن التغلب على ثورات العبيد. عنصر قوى لانتاج الثاني، الأرض، تطور تدريجيا الى لحظة الطفرة النوعية الديالكتيكية التي تنقض المجتمع القائم، المجتمع العبودي، ونشوء المجتمع الإقطاعي على انقاضه. ولدى نقض المجتمع العبودي أصبحت الطبقة السائدة هي الطبقة الإقطاعية واصبحت الارض السلعة الرئيسية بدلا من سلعة العبيد. اي أصبح الصنف الثاني من قوى الإنتاج ، صنف الارض، الصنف الذي يمنح الطبقة السائدة القدرة على امتلاك جميع الانتاج الاجتماعي.

وفي ظل المجتمع الاقطاعي نشأ وتطور نقيض المجتمع الاقطاعي وتحت حمايته ورعايته. كانت الحرف الصناعية في النظام الإقطاعي منظمة وفقا لصناعة الاصناف حيث كان الإنسان يقضي عشر سنوات او اكثر من حياته يتعلم الصنعة من درجة مياوم الى درجة خلفة والى درجة استاذ في الصنعة وحينئذ يصبح صانعا معترفا به ويحق له انشاء مصنعه الحرفي المستقل. الحداد في حانوته والنجار في حانوته والصفار في حانوته وهلم جرا.

ونشأ خلال هذه الفترة أشخاص لم يتمسكوا باصول الحصول على درجة الاستاذ الصناعي بل يملكون بعض النقود يشترون بها بعض المواد الخام ويقدمونها للفلاحين لكي ينسجوها بادواتهم البدائية لقاء اجور فياخذ التاجر النسيج للبيع في أرجاء بلاده. وهذا ما يعرف تأريخيا باسم المانيفيكتورا. والمانيفيكتورا هي الشكل الاول لتحول النقود الى رأسمال ولكي تتحول البضاعة من بضاعة حرفية لا رأسمالية الى بضاعة رأسمالية. وهذا يعني ان الصنف الثالث من قوى الانتاج ، صنف الالة، أصبح الصنف الذي يمنح التاجر القدرة على تملك كامل الانتاج الاجتماعي وهذا كان بداية المجتمع الراسمالي وتحول السلعة الى سلعة راسمالية وما تلاها من الثورة الصناعية ونشوء المصانع الكبرى كما هو معروف تاريخيا. وبهذا انتهى استخدام ثلاثة أصناف قوى الانتاج ولم يعد ثمة صنف آخر يمكن ان يحول المجتمع الى مجتمع اعلى استغلالا من المجتمع الراسمالي الذي ما زال العالم كله يعيشه حتى يومنا هذا بشكله الامبريالي.

خلال تطور المجتمع الراسمالي نشأ نقيض المجتمع الرأسمالي تحت حمايته ورعايته. ونقيض المجتمع الراسمالي هو نقض النقض للمجتمع اي نقض النقض الاول الذي حول المجتمع المشاعي الى مجتمع طبقي بمراحله الثلاث الى النقض الثاني، نقض النقض، الذي يحول المجتمع الى المشاعية ولكنها بدرجة أعلى من التطور.

عاش كارل ماركس هذه الفترة من الإنتاج الاجتماعي وهو الذي شعر بهذا التطور الحتمي والضروري في المجتمع. وهذا ما منحه القدرة على اكتشاف قانون فائض القيمة. فهتف بندائه العظيم، بروليتاريي العالم اتحدوا واسس الاممية الاولى كخطوة في سبيل تحقيق ذلك. وهو النداء الذي نقش على ضريحه في لندن. ان نقض النقض، النقض الاول الذي حول المجتمع المشاعي البدائي الى مجتمع طبقي الى النقض الثاني، نقض النقض، الذي ينبغي ان يحول المجتمع الطبقي الى مجتمع المشاعية الثانية هو ما سمي النظام والمجتمع الشيوعي.

في هذا النظام عند تحقيقه يصبح الإنتاج الإجتماعي ملكا للمجتمع كله وليس لفئة من المجتمع، اي اختفاء الإنتاج السلعي ونشوء مجتمع يكون الانتاج الاجتماعي فيه ملكية كامل المجتمع يستخدمونه لصالح المجتمع كله. وهذا المجتمع، عزيزي فاخر، ليس طوبائيا لا يمكن تحقيقه كما اعلنت في تعليقاتك وانما مجتمعا تأمل الانسانية في تحقيقه. وكما ان اي انتاج ينتجه الانسان ويستخدمه بنفسه ليس سلعة كذلك انتاج المجتمع الشيوعي عند تحقيقه يعني ان المجتمع المنتج يستعمل جميع الإنتاج الاجتماعي بنفسه ولمصلحته وليس ثمة انتاج سلعي أو بضاعي. ولولا وجود المجتمع البضاعي في تاريخ المجتمعات الطبقية لما امكننا التحدث عن مجتمع شيوعي ليس فيه انتاج سلعي. لدى انكار إنتاج السلعة في المجتمعات الطبقية السابقة للمجتمع الشيوعي لا يبقى أي معنى للقول بان إنتاج المجتمع الشيوعي ليس سلعة.