تفكيك المفكك، حول المربد ومهرجانات الثقافة وجلد الذات غير المبرر

صباح علي الشاهر

 

 

جلست في أعلى صف أتيح لي . أنا في " الكولوسيوم" ، في الساحة الدائرية كان الـ " الكلاديتر" المتصارعون حتى الموت يفترس بعضهم بعضاً ، الجماهير التي كانت تقدر بعشرات الالآف من سكنة روما ، وهم ربما أغلبية السكان لا يرضون إلا بأن تختتم المصارعات لا بهزيمة أحد المتصارعين وإنما موت الآخر ، وكلما كان الموت أكثر بشاعة كلما كان هذا مدعاة للحبور ، ولم تكن المصارعة بين بشر وبشر فقط ، بل بين بشر، وحيوانات مفترسة جُوعت قسراً لتكون أشد شراسة ، وكان صراخ المشاهدين المنتشيين يتعالى وهم يرون اللحم البشري تنهشه الضواري الجائعة ..

هذا هو مختصر تأريخ الكولوسيوم الذي يعتز به الإيطاليون، ويزوره سنوياً ملايين السواح من أنحاء المعمورة ، ويدرج ضمن المعالم الحضارية والثقافية لا في روما ، وإنما على ساحة التراث الإنساني .

****

في مدينة صغيرة من مدن البرتغال كان ثمة بناء واسع بإفرط ، هو المكان الذي كان ينقل إليه العبيد ، هنا إسطبل بشري بمعنى الكلمة ، لا إسطبل خيول ، ولا ربضة يبيع فيها القوم ويشترون، البشر هم البضاعة هنا، حيث تمتهن آدميتهم ، ويفرق بين الأم وطفلها، والأب وأسرته ، وهنا كانت تجري أشد الموبقات وأكثرها دناءة بحق بشر أخذوا قسرا من عالم الحرية إلى عالم العبودية ، من دون أن يعرفوا لماذا وكيف . ومن هنا كان العبيد يرحلون إلى أمريكا تحديداً، هذا المكان البشع بكل دلالاته أصبح معلماً سياحياً ، يتحول أحياناً إلى محفل ثقافي وتجاري ، ويزوره أيضاً عدد كبير من البشر من أرجاء الدنيا ..

****

ونخجل نحن ( المتحضرون، الإنسانيون!)، من أن يكون المربد ملتقاً للشعراء، لأنه كان ربضة ، وإسطبل ، يأمه المتكسبون من مهنة الشعر ..

أنا من مدينة كانت الربضة أول ما أراه عندما أخرج من بيتي ، وقبل أن ألج السوق، والربضة مكان بدائي يفترش فيه المزارعون والريفيون الأرض ليبيعوا بضاعتهم ، بسعر أرخص من أصحاب الدكاكين ، وكان رأس السوق عباره فسحة كبيرة ، تربض فيها الأبل والحمير والجياد ، وهي وسيلة النقل الوحيدة يومذاك ، تماماً مثلما هو اليوم كراج وقوف السيارات في أي مول حديث معاصر .

المربد ، وعكاظ ، سوق بدائي ، يجتمع فيه البشر ووسائل نقلهم ، يبيعون فيه ويشترون ، ويستغلون هذه المناسبة ليتباروا في الشعر ، الذي هو ديوانهم ، في الجاهلية إختاروا سبع من المعلقات وقيل عشر ليعلقوها على أستار الكعبة ، وفي عصر الإسلام أسهموا في وضع لبنات علم التقييم والتقريض والنقد للمنتج الشعري، وطبيعي أنك ستجد إلى جوار هؤلاء الشعراء الذين يتبارون في الشعر ، من يتكسب بشعره ، وتجد السارق والمخادع، تماماً مثلما تجد أمثال هؤلاء في الحج والعمرة ، وفي كل المناسبات الدينية والثقافية في كل أنحاء المعمورة ، وعلى مدى التأريخ .

من أغراض الشعر المديح والرثاء ، وفيهما جانب تكسبي، لكن ليس كل ما أنشد من أجل التكسب ، ولا كل رثاء ، فرثاء الشريف الرضي لجدته، وهو من عيون الشعر ما كان الغرض منه تكسبياً ، ورثاء الشاعر لأوسط صبيته، ما كان كذلك ، الرثاء مثلما الهجاء والمدح قد تكون دوافعه غير تكسبية ، بل إنسانية محضة .

إلى فترة قريبة كان أي ديوان شعر، لأي شاعر يختتم بالإخوانيات، والأخوانيات قصائد تقال في عرس أو ولادة ، وحتى ختان طفل ، أو أي من المناسبات الإجتماعية الخاصة ، وحتى هذا النوع من الشعر أنت واجد في بعضه الصدق والشاعرية العالية .

****

هل العرب لوحدهم من ظهر فيهم من يتكسب بالشعر ؟

هل المنشد المداح على ربابته إنموذج عربي خاص بالعرب ، أم أن هذا النموذج موجود في كل مكان؟

أدعوكم للتجوال في شوارع المدن الأوربية الكبرى ، لندن وباريس ، وبرلين ، وأي عاصمة أخرى ، وهناك ستجدون شعراء، ومغنين ، وموسيقيين ، وفنانيين تشكيلين ، وبهلوانات ، وممثلين، وكل ما يخطر ببالكم ، وهم يقدمون عروضهم تكسباً ، فلماذا هذا جائز ومقبول، ولا غبار عليه ، في حين أنه مرفوض ومدان ومعيب عند شاعر الربابة ؟!

أولم يقتل شعراء ، ويحرقوا، ويطمروا وهم أحياء لأنهم رفضوا إبتذال الشعر، أو الموقف ؟!

أين نضع شعر الزهد ، وشعر التصوف، وهو أصدق ما كتب في الحب ؟

أو يجرؤ أحد على إخراج الشعراء من بيت شعر الجواهري الكبير:

لثورة الفكر تأريخ يحدثنا بأن ألف ألف مسيح دونها صلباً

أو لم يصلب الحلاج وتحرق جثته؟

قالوا وكانوا صادقين " الشعر ديوان العرب" ، وديوانهم هنا " مجلسهم" فلمصلحة من يحاول البعض تهديم ديواننا ، وتشتيت مجلسنا