ومضات .. الشهيد ستار غانم

محمد السعدي

 

 

سامي حركات .. بهذا الرمز عرف وشاع أسمه الحركي في الجبل في نهاية السبعينات مقاتلا ومناضلا صلدا لايهاب الموت في التعبير عن مواقفه ومن أجل مبادئه .. شيوعيا لا يحيده عن قول الحق والوقوف ضد الظواهر الشاذه في جسم الحزب ، الذي أنتمى له وتشرب في دمه الا الموت من أجل ذلك الهدف السامي من النضال الثوري .

في نهايات عام ١٩٨٣، كنت أيضا نصيرا شيوعيا في جبال سليمانية ، وكان الاحتراب مع حلفاء الامس مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني ( أوك ) في قمته بعد مذبحة بشتاشان راح ضحيتها نبذة متميزة من رعيل الشيوعيين . رن أسمه على سمعي بأطراف أحاديث غير ودية شتى من النعوت والسيناريوهات في مختبرات التكالبات الحزبية الضيقة  .

بعد سنوات قالوا عن سامي ومجموعته .. أرتباطهم بأجهزة البعث ، لانهم تبنوا وجهة نظر مغايرة عن سياسة الحزب فجلدوا ، ومات مشتاق جابر عبدالله ( منتصر ) . في التعذيب في مراحيض قرى بارزان . وترك سامي مع رفيقه أحمد الناصري ( أمين ) ورفاقهم على الحدود الايرانية بوصلتهم فقط أيمانهم بالشيوعية  .. تلك الاحداث المشفرة همسأ لم تعني لي شيئأ أنذاك .. والأغلب كان يطبل على ذلك الإيقاع المشروخ … أنهم أيتام البعث .

مشت السنوات .. وتكررت التجربة  مرة أخرى مع قوات الإتحاد الوطني الكردستاني ( اوك ). بعد أن فرطت مفاوضاته مع البعث وعاد خائبا الى الجبل  . بعيدأ عن جود وجوقد المحروستين بأمان الله .    في ربيع عام ١٩٨٧ عبرت مع الرفيقين طه صفوك ( أبو ناصر ) والفقيد علي الجبوري ( أبو اثير ) . من جبال وقرى لولان الى الاراضي الايرانية مناطق زيوه ، حيث مقرنا هناك بقيادة ( أبو هيوا ) . بأتجاه مناطق سليمانية كانت وجهتنا بغداد وديالى ، أنا والرفيق علي الجبوري .

في مقر زيوه همس بأذني الرفيق علي الجبوري .. هل ترافقني أنا على موعد مهم مع شخصية ستعجبك ، لكن خلي في بالك لو كشف أمرنا سنتعرض الى مساءلة حزبية وربما عقوبة أو على أقل تقدير سيشهر بنا  ،  في الوهلة الاولى لم أفهم قصده ، ونحن المفروض علينا عدم الخروج من المقر خوفا من أعتقالنا من قبل الاطلاعات الايرانية واهمين نفسنا ومصدقين أننا لنا مقر شيوعي على الاراضي الايرانية في غفلة عنهم .

بعد تناول فطورنا لبنة مخثرة مع خبز أيراني حار .. تمشينا أنا وعلي الجبوري في حارات المدينة  العتيقة لا يلفت أنتباهك الا المظاهر المسلحة .. بشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني ( حدك ) . والبازدار الايراني  .

أدلفنا الى زاروب ضيق أدى بنا الى جايخانة قديمة . رأينا الشهيد سامي حركات بسحنته السمراء الوجلة  جالسا على طرف تخت مصنوع من سعف النخيل ويقلب بكتاب مغلفا بجريدة أيرانية حول جيفارا . قدمني له الفقيد علي الجبوري أنه رفيقنا لطيف بدون أن يعرفني من هو ؟ . بادرته بالسؤال عن هذه الشخصية .. قال لي أنه سامي حركات ، حقا تفاجأت .. تلك المفاجأة أستلت كل معلوماتي التي تلقيتها من رفاقي .

رحبنا ببعضنا وسررنا بتعارفنا ولم أخفي عنه ضمن حديثنا الودي ما تلقيته من تشويشات عن مواقفه ووجع الاتهامات التي لحقت به جورأ .. بادرني بسؤال .. أكيد كنت معتقد بتلك الاتهامات ، رد علي الجبوري عليه حول مواقفي ورفضي للاتهامات لمناضلي الحزب .. ولو كان لطيف مثل الاخرين لم أصطحبه معي للقاء بك .

في اللحظات الاولى تأكد لي تخميني السابق أن ما تعرض له ورفاقه من حملة تشهير هي باطلة وضمن الحاق الحيف بالرفاق الشجعان وذوو المواقف المتميزة في الثورية والوطنية .

ومن تلك اللحظات ولد ذلك التقارب بيننا فكريا وسياسيا من جملة قضايا كنا مبتلين بها . وجدته مناضلا يحمل مشروعا سياسيا متقدما عنا لخمسين عام قادمة . بعد حوار لم يخلوا من الاوجاع ودعنا بعضنا . وفي طريق العودة الى المقر .. سألت الرفيق علي الجبوري من أين لنا تلك القساوة في قتل رفيق وهو حيا بشتى التهم والاقاويل ونحن حزب معارض ومناضل ؟؟ . 

قال لي …  سامي ورفاقه وما تعرضوا له لا يذكر قياسا الى ما تعرض رفاق أخرين الى التشهير والتهميش والطعن والغبن .

في الطريق من قاطع سليمانية مع مفرزة أنصارية تحركت من مناطق قرداغ بعد مسيرة محفوفة بالمخاطر ونذالة مشهودة ..  الى مناطق سركلوا وبركلوا مقرات قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني ( أوك ) . ضيوفا مدللين عند كاكا شورش ومام بكر ذوو الاتجاهات اليسارية في تجمع نوشيروان ( هالاي شورش ) . وكانا مبعدين من التنظيم لمواقفهما الراديكالية ، بعد أيام أخبرونا هناك في سفح الجبل وعلى تخوم قرية مهاجرة رفاق شيوعيين مختلفين مع قيادة الحزب ومن الشيوعيين النادرين في الثقافة والموقف ، أذا سنحت الفرصة سوف نزورهم واللقاء بهم . لكن عيوننا كانت تربي الى قمم السلسة الجبلية المكسوة بكثافة الثلوج للعبور الى الاراضي الايرانية منفذنا الوحيد .

في ليلة حالكة الظلام وممطرة ، شيقنا ممرأ وسط أكوام الثلوج في سفح الجبل ، حيثما هناك ينامون ويحلمون ويتأملون ويتألمون في غرف رطبة يكسو سطوحها بياض الثلوج الكثيفة لا حراسة ولا كلمة سر يتدثرون تحت البطانيات وحول موقد النار الساحر وعليه خميرة الثوار ( الشاي ) . دخلنا عليهم أنا وعلي كرادي والرفيقين من ئالاي شورش  .

لم تصدق عيناي بالمشهد في اللحظات الاولى أنه سامي حركات ورفاقه أبو عليوي .. لطيف .. جابر .. نبيل . تعانقت معهم بألم وشوق وحصرة على تلك السنيين وعذابات النضال المريرة .. وماذا أدت بنا ؟ .

تحدثنا بمرارة على تجربتنا المرة وأفاق النضال . في فترة أقامتي بمقرات سركلو وبركلو ، قال لي مام جلال .. كيف يجرؤ الحزب أن يضحي بهذه الكوكبة من الشيوعيين  ؟ .

من تلك الساعة في ذلك الليل الدامس قررنا أن نتقاسم مع رفاقنا حياتهم المرة في النضال والبرد والخوف والخبز اليابس المنقوع بالماء حفاظا على شيوعيتنا . جذورنا ممتدة في أرضنا العراقية الوطنية ولم يقلعنا عنها الا مخاطر الانفال ورائحة الكيمياوي وقصف الطيران وأجتياح القرى والجبال بقوات الحرس الجمهوري .. فتسلقنا الجبال مع مئات من مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني وأهالي القرى المذعورة باتجاه الاراضي الايرانية . حط بنا الرحال بعد رحلة خطيرة كادت لمرات أن تودي بحياتنا في مدينة سرادشت الايرانية وفي أحدى فنادقها المحترمة ووجبات الجلو كباب .

وصلنا طهران باوراق مقاتلي أوك .. في بيت رفيقنا بالكوجة مروي أبو محمد الصيدلاني وبعد أيام عاد سامي حركات الى الجبل .. وبقيت مراسلاتنا مستمرة وقائمة حول وجعنا العراقي .. وأستمرت وأنا في الشام ومدينة مالمو السويدية .. نتبادل بها تطلعات الناس وهموم شعبنا في المحن ، وكان ينقل لي ومن خلال زيارته السرية الى العاصمة بغداد توجس الناس وتوجعاتهم والتقلبات التي عصفت ببنية المجتمع العراقي . في مطلع التسعينيات أختفت أخباره في بغداد وتواردت عن مصيره أنباء متضاربة وبعضها كان مدسوسا ، لكن من يعرف سامي حركات ويعيش معه عن قرب يتيقن أنه سيعتلي الشهادة مرفوع الرأس والقامه دفاعا عن شيوعيته .. وبهذه المأثرة أعتلى الشهادة في أقبية البعث مرفوع القامة يمشي .

المجد لك يا رفيقي سامي حركات

وستبقى أيقونة للنضال الشيوعي

محمد السعدي

مالمو السويدية