هل ثمة إمكانية بأن يخرجوا على النص ؟

صباح علي الشاهر

 

سؤال تبدو الإجابة عليه بالإيجاب محض خيال، فالنص مُحكم ، مُدستر، ومُقنون، ومُفعل في كل مفاصل الدولة والحياة الاجتماعية ، وهو ما يني يتعزز ، وسط فوضى عارمة تجعل المتابع يتوه في تفاصيل لا أول لها ولا آخر، وليس لها بداية ولا نهاية ، ولا رأس خيط يمكن أن يمسك به. 

ثمة جيوش مرئية، وغير مرئية، تفعل فعلها، عن دراية بطبيعة المخطط ، أو عن مصلحة تتيحها الفوضى المدعومة بالقانون.

كل شيء يجري وفق القانون، وخارج القانون، البلد يدمر وفق الدستور وبنوده، والسلطة تتشظى وفق القوانين العجيبة التي يسنها البرلمان وتعتمدها السلطة ، والمواطن تستلب حقوق مواطنته خارج القانون ، وعلى عينك يا تاجر .

وإذ يزعمون أن دستورهم ، وقوانينهم ، وفيدراليتهم ، تندرج وفق أحدث ما تمخضت عنه التجارب البشرية ، فإن المجتمع يغرق فيما يناقض هذا تماماً ، حيث يغط في التخلف ، ويغرق في الخرافة ، والبلد الذي عرف بالريادة في حقول المعرفة والثقافة ، وبمثقفيه في مختلف المجالات ، لم تعد فيه ثقافة ، وأبدل المثقف بالدجال، والرادود، والروزخون، وفتاح الفال ، والساحر الذي يقرب البعيد ويبعد القريب ، ويجعل العاقر تلد مثنى وثلاث ، والمقعد يدخل سباقات المارثون .

وإذ يضعون للمرأة كوته لا تقل عن ربع المقاعد في البرلمان، فإنها تعتبر عورة من راسها حتى أخمص قدميها، ليس هذا فقط ، بل صوتها عورة وظلها كذلك، وليس لها من أجل الحفاظ على عفافها المستهدف بالإستباحة من أخيها وابنها وربما حفيدها الرجل، الوحش الكاسر الذي لا يجيد شيئاً في الحياة سوى هتك أعراض النساء، إلا البقاء بين جدران البيت، بحيث لا تخرج منه إلا  كمشاية في زيارة الأربعين، أو محموله على تابوت .

لكي تكون رجلاً كامل الرجولة في بلد الغرابة ما عليك سوى الحط من قدر المرأة، وإعلاء قيمة الرجل، فالرجل لا يعيبه شيء، وهو لا يسأل عن الإمانة والعفة ، ولا عن النزاهة والإستقامة ، فهو مغفور خطأه، ومقبول جنوحه ، أما المرأة فيعيبها كل شيء ، ولعل أهم عيبها أنها امرأة .

وهم إذ يمنعون الأغاني والموسيقى ، والسينما والمسرح، وكل ما يزعمون أنه يلهي عن ذكر الله، فإنهم يضعون في يد المرأة الوسيلة التي تجعل كل هذه الأمور ميسورة لها، وبسهولة، من دون حاجة للذهاب لدار سينما أو قاعة مسرح، أو حضور حفلة غنائية، مثلهم في هذا مثل الغارق في بركة مياه ويخشى أن تتبلل ملابسه الداخلية . 

يا أيها المتعنترون على الفاضي ، الموبايل أذل كبرياءكم ، وجعل نفخكم فاشوش ، جهاز بحجم حرحارة اليد ، أو أصغر، لو كان يعرف ما الضحك لضحك مستلقياً على قفاه ، ساخراً من عقول تتصور أنها قادرة على مقاومة حكم الزمن وحقائقه بأوهام ، هي في حقيقتها أوهى من نسيج العنكبوت .

وإعلم - رعاك الله- أن بعض النساء أشد جوراً على المرأة  من الر جل ، كأني بهن يردن أن يثبتن أنهن أكثر ذكورية منه ،  فيتقمصن نفسية السجان القاسي إزاء بنات جنسهن حبيسات الجدران الأربع ، فإذا كان الرجل يتساهل في أن تخرج المرأة لزيارة أمها ، فإن أختها المرأة تشترط  ذهاب محرم معها ، وحتى لو كانت أمها تسكن جوار البيت .

وأياك أن تقول أمام امرأة ترتدي ثلاث عباءات، أن المرأة مظلومة، فإنك ستسلق بلسان حاد يجبرك على الإعتراف بأن النساء ناقصات عقل ودين، وان الله فرض القوامة عليهن من قبل الرجال، والله أعلم من عباده بشؤون عباده، فإذا ألححت في الكلام فأنت من الملاحدة الذين يريدون أن تعم الفاحشة بين الناس، وتسعى للفساد في الأرض، كأن الأرض لم تفسد بعد، وكأن الفاحشة بكل أشكالها لم تعم بلد الظلام الذي أصبحنا .

ومع التجهيل الممنهج ، وبالترافق معه، تتم عملية الوصول إلى إعلان إفلاس البلد، وهو الهدف المركزي الذي وضعه المحتل ، ولن يتم هذا في بلد كالعراق ،  وهبه الله من الخيرات ما لا يحصى ، إلا إذا إلتهمت النفقات التشغيلية ، أكثر من تسعين بالمائة من الميزانية ، وهو ما حصل بالفعل ، فإذا أضيف إلى هذا إستمرار نزف الحرب والإرهاب ، يصبح أمر الإعلان الرسمي عن إفلاس البلد مسألة وقت ليس إلا ، وعندها سيتقدم المنقذ ، المتمثل بالشركات الإحتكارية ، وعلى رأس القائمة الشركات النفطية ، لشراء نفط العراق مقابل إنقاذ البلد من الإفلاس ، أما القطاع العام ، المتمثل بآلاف الشركات ، والذي تم تخريبه كلياً ، عبر سنوات الإحتلال ، فسيتم الإستيلاء عليه من قبل عملاء الإحتلال الذين سيتحولون من سياسيين إلى رجال أعمال .

هذا هو سيناريو بيع الوطن بإختصار ، تجهيل متعمد، وإشغال الناس بما لا نفع فيه ، ولا طائل من وراءه ، ولا ننسى أن سياسة النفط مقابل الغذاء سيئة الصيت كانت البداية ، حيث مهدت الطريق أمام خلق شعب مستهلك غير منتج ، لا يحترم العمل.

فلننتظر خصصه الكهرباء والفوسفات ، والسكك والموانيء ، والخطوط الجوية العراقية، والتعليم والصحة ، وبالترافق مع خصخصة النفط والكبريت والغاز، على أن يكون هذا من حصة المحتل ، ومن أسهم بالإحتلال، فالإحتلال لن يكون من دونما ثمن يقبضه المحتل ، وإن كان آجلاً ، إذا كان الطبخ على نار هادئة حيناً ، ومستعرة حيناً آخر .