من مناضل ... الى طفيلي !

سلام موسى جعفر

 

 

مساهمة في النقاشات حول الرواتب التقاعدية للمناضلين ! " رواتب الخدمة الجهادية ، والرواتب التقاعدية للأنصار الشيوعيين "

كنت قد تناولت الموضوع في منشور سابق على الفيسبوك بنفس العنوان ، وكان سببا لسوء فهم تولد عند بعض الرفاق السابقين و خسارة بعضهم . والمقال الحالي كان جاهزا منذ اكثر من شهرين ، وسبب ترددي كان حرصي على عدم خسارة من تبقى من الصديقات والاصدقاء .

ولكن كل الخسارات تعوض الا احترام الانسان لذاته . الحياة مواقف ، قد نربح منها الكثير ، وقد نخسر بسببها اكثر ، لكن الأجيال ستذكر لنا الصحيحة منها ، فتنصفنا . اما المواقف الانانية ستلتصق بتاريخ المناضل بقعا سوداء ، من الصعب محوها من ذاكرة الأبناء والأحفاد.

احدى ابشع وأحقر ظواهر التفسخ السياسي والاخلاقي التي طبعت المجتمع العراقي بعد الاحتلال الامريكي للوطن هي ظاهرة تحول "المناضل"السابق ، المعارض لنظام المجرم صدام حسين ، الى طفيلي يعتاش على قوت المواطن ويزاحم الفقير في لقمة عيشه!

هدفي ليس الخوض في ظاهرة الفساد والنهب والاختلاس التي اصبحت متفشية بين قادة احزاب المعارضة السابقة وكوادرها من مختلف المستويات والتي اعقبت الاحتلال ، و بتشجيع منه .

وانما اعني التعويضات المالية والمادية التي اتخذت أشكال ومسميات عدة ، وكذلك الامتيازات العديدة التي صار يحصل عليها المناضل السابق.

اصبحت تلك الامتيازات والرواتب والمنح والسلف جزء لا يتجزء من منظومة الفساد والنهب التي ميزت العملية السياسية البريمرية، واحد معالمها الاساسية.

من سخريات القدر وغدر الزمن وظلمه ان رواتب الخدمة الجهادية شملت ايضا "مناضلين " سابقين من الخونة والجواسيس الذين قاتلوا في صفوف القوات الإيرانية ضد قوات الجيش العراقي اثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات من القرن الماضي. وشملت كذلك عملاء وجواسيس تعاونوا مع مخابرات إقليمية ودولية في التحضير لاحتلال بلدهم ، وحرضوا على غزوها . ولم يستثني مشرع هذه الرشاوى الخونة الأنذال ممن ساهموا بقوة في الدعوة لاستمرار الحصار الاقتصادي على العراق وتشديده ، ذلك الحصار اللاإنساني البشع الذي الحق دمارا كارثيا في كل مفاصل حياة المجتمع العراقي دون ان يلحق الاذى بقادة السلطة وأزلامها .

اذا كانت ظواهر الاٍرهاب ، وانتشار الفساد والنهب وتفشي الطائفية و تجهيل الشعب وتخليف التعليم وانحدار الثقافة وتغير الوعي الشعبي ، لم تحدث كلها بشكل عرضي ، وانما بفعل فاعل ، فان ظاهرة تعويض المناضل السابق ، هي الاخرى ، لم تحدث مصادفة .

تعويض المناضلين السابقين أدى الى توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام السياسي الذي اوجده المحتل ، وبالتالي ضمان استمرار عمليات الفساد والنهب دون خوف من ردات فعل شعبية ذو حجوم كبيرة.

كما تم ضمان ان لا يتحول العدد الأكبر من المناضلين الى معارضين ، بعد ان تم تخديرهم .

ان قبول المناضل بمبدأ " التعويض مقابل النضال " يحول النضال الى سلعة في أسواق العرض والطلب ، وتباع لمن يدفع اكثر!

النضال السياسي هو اختيار شخصي و تطوعي وتسقط قيمته الحقيقية عندما ينتظر المناضل او يطالب مقابلا له ، او حتى اعترافا به.

من انبل واصدق المناضلين السابقين هم رفاق الحزب الشيوعي العراقي ، الذين تصدوا لدكتاتورية صدام الدموية وقدموا تضحيات كبيرة جدا ، فمنهم من استشهد وحيدا بين أيدي الجلادين ومنهم من اعتلى المشانق بشجاعة ، يحق لرفاقه الاعتزاز والفخر بهم ومنهم من استشهد وهو بين رفاقه في معارك الانصار التي امتدت سنوات الثمانينات من القرن الماضي.

لم يخطر ببال قواعد الحزب الشيوعي العراق وكوادره من الرفاق الذين بادروا الى العمل الأنصاري وفرضه على قيادة الحزب فرضا كأسلوب كفاح بديل ، او ببال الشباب الذين التحقوا بهم، ان الحظ ممكن ان ينتزع بعضهم من براثن الموت ليبقيهم على قيد الحياة شهود عيان على ماحدث من ماسي إنسانية لابطال غيبهم الموت في سبيل قضية اختاروها بأنفسهم ، كما اختارها من بقي على قيد الحياة.

عندما طرحت فكرة شمول الانصار بالرواتب التقاعدية للبيشمركة ، كانت البلاد قد تم احتلالها بمساعدة كبيرة من الاحزاب القومية الكردية التي تحولت الى اهم الأدوات التي يستخدمها المحتل في تنفيذ مشاريعه في العراق. الإمكانيات المادية التي توفرت لدى هذه الاحزاب بعد الاحتلال وبفضله أعطتها الفرصة لتنفيذ مخطط إسقاط وإفساد المجتمع عبر البدء بمناضليه. ثم توسعت لتشمل رواتب وامتيازات مغرية على مستوى وزراء ووكلاء وزارات لقادة الحزب الشيوعي العراقي السابقين والقيادات الجديدة . وفيما بعد طرحت فكرة شمول الانصار الشيوعيين الذي تعيش الغالبية الكبرى منهم في بلدان اللجوء ، بتقاعد البيشمركة ونفذت على مراحل. اندفعت الغالبية من المشمولين بالقرار الى تقديم طلبات التقاعد ، بعد ان تم تسويق القرار باعتباره استحقاقا وطنياً.

الاستحقاق الوطني الذي تم عبره خداع المناضلين السابقين وتوريطهم بالقبول بمبدأ النضال سلعة لها ثمن ، أخذ ينكشف وبدا يتحول الى عطاء تحدد شروطه ومن يستحقه سلطات الإقليم ، وليس طرف اخر .

في العام الماضي استدرجت سلطات الإقليم الانصار الشيوعيين الى خديعة جديدة ، تمثلت بمنح الانصار الشيوعيين العرب قطع اراضي . شروط منحة الارض تتمثل بمليء استمارة باللغة الكردية فقط. ويتم التقديم عبر الممثلية القنصلية لإقليم كردستان في البلد المعني وليس عبر السفارة العراقية ، كما هو متبع في الامور المتعلقة بالرواتب التقاعدية !الإجراءات المتعلقة بمنحة قطعة الارض جسدت محاولة توجيه إهانة للمشمولين. وقتها بادرت بدعوة النصيرات والأنصار بالتنازل عن منحة الارض ، واجهت دعوتي إهمالا ورفضا وخسارة " اصدقاء " .

صديقاتي وأصدقائي اعتقد ان الوضع الكارثي الذي حل بالوطن كنتيجة للاحتلال وكنتيجة العملية السياسية التي أنشأها ورعاها الاحتلال وعملاءه يتطلب من الجميع مراجعة المواقف السابقة والتي اثبتت مجموع تطورات الأحداث عدم صحتها وأهمها موقف المشاركة في العملية البريمرية وتبعات هذا الموقف ، كالمشاركة غير المباشرة في منظومة الفساد عبر قبول الامتيازات الممنوحة لنا من قبل سلطات الفساد والإفساد .

من المؤسف ان يتم تناول الرواتب التقاعدية للأنصار الشيوعيين من خلال النقد الساخر اسوة بالرواتب الجهادية ، والعتب في هذه الحالة يقع علينا بسبب استمرار قبولنا استلام هذه الرواتب . لقد حان الوقت لمراجعة الموقف من الرواتب التقاعدية للأنصار ، وارى من المفيد اخذ النقاط التالية بعين الاعتبار في الحوار حول هذه الرواتب وبقية الامتيازات والتي سُميت "استحقاقا وطنيا"

اولا : ان التواجد المسلح للشيوعيين العراقيين الذي سمي " حركة الانصار " حدث في إطار خلافاتنا مع حزب البعث بعد انهيار تحالفنا معهم ، وليس نتيجة لانتفاضة شعبية مسلحة . لذا فان الشعب لا يتحمل مسؤولية خلافاتنا السابقة مع حزب البعث.

ثانيا : ان الغالبية العظمى من الانصار الشيوعيين من العرب او الكرد تعيش في بلدان المهجر ، وتعيش وضعا اقتصاديا مستقرا ، بالمقارنة مع من يعيش في العراق.

ثالثا : لا يحق لي القول ان الرواتب التقاعدية للأنصار هي العامل الرئيسي وراء الأزمة المعاشية التي يمر بها غالبية الشعب العراقي ، ولكنها جزء من الكل ، حتى لو كان صغيراً جداً.

رابعاً : ان الالتحاق بالعمل الأنصاري جرى بشكل تطوعي ( اختيار شخصي ) والنتائج يتحملها المتطوع عادة.

خامساً : ان القبول بالتعويض يعني الاعتراف بان النضال هو سلعة ، تفقد قيمتها بعد استهلاكها.

سادساً : ان الجهة التي تتبنى دفع الرواتب ، سواء كان مصدرها ، الخزينة العراقية ، او مساعدات أمريكية وأوروبية و.... ، تتقصد إسقاط المناضلين الشيوعيين العرب ، بعد ان نجحت الى حد كبير محلياً.

سابعاً : رفض التعويضات من قبل المناضل القديم سيعيد له الشعور بقيمة نضاله و يعيد احترام ذاته واحترام المحيطين به لشخصه وللفكر الذي كافح من اجله.

ثامناً : حركة الانصار الشيوعيين ليست كردستانية ، بل حركة حزبية لعموم العراق .

تاسعا : اذا كان الدافع الاخلاقي والوطني والفكري والانساني وراء التطوع في العمل الأنصاري ، فيفترض ان تكون نفس الدوافع وراء رفضنا استمرار استلام رواتب التقاعد . المناضل الحقيقي لا يقبل ان يعتاش على قوت الفقراء ولا يقبل ان يكون جزءا من أسباب فقرهم حيث بلغت نسبة الفقر حوالي الثلث بين السكان.

عاشراً : من المستغرب ان يواصل المناضل الشيوعي السابق استلام رواتبه من مافيات لا تخفي خيانتها للوطن عبر اباحة المناطق التي تتحكم بها لتواجد صهيوني استخباراتي وعسكري وثقافي واقتصادي !