عن السلامة العقلية والأخلاقية للسعداء بضرب سوريا

صائب خليل

 

 

 

بعيداً عن المشبوهين المؤيدين لمواقف أميركا، اخصص مقالتي إلى مجاميع الناس "الأبرياء" من العراقيين الذين تسهل لهم عواطفهم تصديق اية خرافة، مادامت تبرر ضرب نظام الأسد، وأبين أنها حماقة مدمرة لإنسان ضائع عقلياً وأخلاقياً!

 

لنبدأ بتلخيص بعض الحقائق. قصة الكيمياوي الأخيرة كانت من ضعف الإتقان، أنها صارت أكثر مسخرة من القصة التي سبقتها، حين كانت فضائحها من الكثرة ما منع اميركا من تجميع تأييد لضرب سوريا حتى في بريطانيا التي رفض برلمانها لأول مرة في التاريخ، المشاركة في هجوم أميركي!

مخرج المسرحية الجديدة لم يجد بديلا لفريق الخوذات البيضاء المفضوح سابقاً من قبل منظمة الأطباء السويديون الذين كشفوا تزوير عمليات الإنقاذ وأكدت انها عمليات تمثيل وحشي بأجساد لأطفال ميتين(1)، وأن غاز السارين المستعمل مهرب من ليبيا بتصريح من كلنتون(2)، وحينها هدأ "الضمير"، فمادام التعاطف مع الأطفال لا يخدم اجندة اسقاط الأسد، فلا داعي له!

 

نسى المخرج في المسرحية الجديدة أن يضع لهؤلاء "المنقذين" كمامات وقاية من الغازات السامة ونسى كذلك ان يحفر حفرة مناسبة العمق والحجم أو ان يترك بقايا قنابل الغازات "الذكية" التي لا تصيب إلا الأطفال والتي أطلقها النظام السوري بالضبط، وكما في المرة الأولى، في أسوأ توقيت ممكن له.

 

رغم هذا الإخراج السيء أو ربما بسببه، سارعت اميركا بقصف القاعدة الجوية السورية التي أطلقت صواريخها قبل بضعة أيام على طائرة إسرائيلية (بالصدفة طبعا). نتيجة ضعف المخرج هذا، انكشف العمل الداعم بوضوح لداعش، واثار حتى الشارع الأمريكي الذي تظاهر الناس فيه مطالبين برفع اليد عن سوريا. وسخر من المسرحية حتى الجمهوريين، كما عبر عنه قول رون باول: "لا اعتقد ان هناك دليل، ولم يقدم أي دليل. لا أستطيع ان اتخيل كيف يمكن تصديق مثل هذا الادعاء.(3)

وقال "كل ما يحتاجون إليه هو تزوير حادث ما، وسرعان ما يهتف الجميع: لنلقنهم درساً! (4)

هذا لم يردع الصلفين من العرب مثل الصهيوني السعودي المعروف أنور عشقي لإطلاق تأييده التام لـ "القصف الذي أعاد لأميركا صورتها الإنسانية"! لكن الغالبية بحثت خجولة عن طريقة ملتوية للتعبير عن ولائها لموقف مفضوح.

 

 

 

بعد مناقشة طويلة مع مجموعة، أصرّ افرادها على ان بشار الأسد مثل صدام وأنه من النفاق ان نريد إسقاط صدام والحفاظ على الأسد وندعي الديمقراطية الخ، طلبت من كل من يفضل العيش مع عائلته في سوريا داعش "الديمقراطية" على سوريا الأسد الدكتاتور، أن يرفع يده! وكما توقعت، منعتهم أمانتهم من هذه الكذبة الصريحة. فسألتهم لماذا يعتقدون ان الشعب السوري يفضل الحياة في النظام الذي لم يقبل به أي منكم؟ لا جواب طبعا! من المؤكد ان أي منهم سيصاب بالرعب لو ان عائلته كانت في مدينة تحكمها داعش، كما جرب البعض، وأن احمد عبد الحسين سيفضل لو ان البراغيث تأكله على "ديمقراطية" داعش، ومع ذلك تراه يستميت في "حق الشعب السوري" في الحصول على تلك الديمقراطية!

 

والآن لنفترض ان الخرافة حقيقة، وأن بشار من الحماقة أن يضرب اطفاله بالكيمياوي ليضيع فرصه، وأنه المسؤول عن كل ما جرى من تدمير، وأن كل الشعب السوري يريد داعش لتحكمه.

ألا يفترض بالعراقيين رغم كل ذلك، بعد أن رأوا داعش خطراً داهماً يهددهم، أن يدافعوا عن أنفسهم وأن يحاربوه بكل ما استطاعوا من قوة، وأن يضعوا مصلحة حياتهم قبل سعادة شعب جار بديمقراطيته؟ لنفترض أنكم ترون ان مصلحة الشعب السوري في حكم داعش وبقية المنظمات الوحشية التي فرختها، فهل أن مصلحة الشعب السوري عزيزة عليكم وديمقراطيته حاسمة لمواقفكم إلى درجة انكم مستعدين لتدمير بلادكم من اجل سعادة الشعب السوري؟ أم انكم تريدون اقناعنا بخرافة أخرى بأن منظمات "الثوار" الديمقراطية الملائكية ستظهر من تحت الأرض وتقضي على داعش في سوريا وتستولي على السلطة مكانها؟

 

ماذا عن ادخال الأسد للإرهابيين في العراق؟ إنها قصة غير واضحة واتهام محتمل فقط، وإن صح فهو يعود لوقت سابق وظروف سابقة، أما داعش فهي حقيقة حاضرة معمدة بالدم، وجيوش تحتل مدناً كاملة لا إرهابيين متفرقين، ولا يستطيع أي كان ان يناقشها أو يشكك في حقيقتها او حقيقة أهدافها!

 

الحقيقة ببساطة هي: إن كان الشعب السوري ينتخب داعش، فهو ينتخب نظاماً عدوانيا خطراً علينا مثلما انتخب الشعب الأمريكي وحشاً خطراً على البشرية. ومثلما احتجت البشرية السليمة وأعلنت استهجانها لهذا الخيار الأمريكي ووقوفها بوجهه حتى في اميركا ذاتها، فعلى العراقيين ان يحاربوا داعش بكل ما اوتوا من طاقة، وأن يتمنوا بقاء الأسد لسوريا، حتى لو كان ذلك بالفعل ضد ما يريده الشعب السوري. كان علينا حينها كشعب سوي، أن نلوم الشعب السوري على خياره المعادي لنا، وأن نعتذر منه اننا مضطرون حماية لأنفسنا ان نقف بوجه خياره ما استطعنا!

هذا هو خيار الشعوب السليمة التي تقدر حياتها وسلامتها، لا من يتراقصون كنزلاء مستشفى المجانين حين تتوفر لهم "فرصة" للوقوف بالعكس من مصلحتهم وبشكل يهدد حياتهم، بحجة مراعاة ديمقراطية الآخرين!

 

لحسن الحظ أن هذه الفرضية خرافية، وأن "ديمقراطية داعش" ليست سوى هلوسة تحشيش، وإننا لسنا مضطرون فعلا للخيار بين مصلحة الشعب السوري وبقاءنا على قيد الحياة، وأن الشعب السوري لا يختار عدونا داعش، وأنه يدرك أنها الخطر الأكبر على حياته مثلما هي على حياتنا وأن سلامة العقل منا ومنهم تتطلب عمل كل شيء من اجل القضاء على هذا الخطر ومن يقف وراءه.

هذه الحقيقة السعيدة تكشف لنا حقيقة أخرى مرعبة، وهو أن مدى الجنون الذي يعتري البعض منا هو أكبر من جنون التضحية بشعبك مقابل ديمقراطية الاخوة، وأنه جنون التضحية بحياة شعبك والشعب الشقيق الصديق، من أجل خرافة فقط!

جنون يجعل البعض مستعدين أن يصدقوا بأن النظام الذي يرى في قتل نصف مليون طفل عراقي (اولبرايت، سفيرة الولايات المتحدة السابقة في الأمم المتحدة) ثمن ليس كبيراً لتنفيذ السياسة الأمريكية، يتفجر غضباً اليوم لسقوط عشرات الأطفال السوريين! نظام هو الأكثر وحشية والأبعد عن أي قانون أو شريعة، باعتراف مواطنيه ذاتهم!(5)

 

لذلك فهذا التصديق المتمني والهتاف للعدوان الأمريكي على سوريا، ليس لهما أي أساس عقلي أو أخلاقي، إنما هي حماقة لا أخلاقية أدخلتها في رؤوس الكثيرين، وسائل اعلام معادية، بمساعدة مشاعر طائفية وعصبية تسهل تصديق غير المعقول وتدخله إلى رأس الإنسان بدون المرور بتمحيص العقل!

وتستخدم وسائل الإعلام مختلف التأثيرات النفسية مثل هذا الخطاب الذي يصرخ ويولول بهستيريا مفضوحة الافتعال، صراخاً ضرورياً لا مفر منه لمنع العقل من التفكير والتمحيص، في الوقت الذي يحشر فيه كل اكاذيبه، ويدخل اليه صور الإسرائيليين كمنقذين وإنسانيين شرفاء! (6) فعلى قدر حجم الأكاذيب المتوجب حشرها، يتوجب تخدير المتلقي بالصراخ.

 

إن رفضنا ان نكون ضحايا بسيطة لهذه الضوضاء المفتعلة ورفضنا هذا الحشر للجنون في رؤوسنا، نجد أن الموقف العقلي والأخلاقي الوحيد من الجريمة الأمريكية الإسرائيلية التي تجري في سوريا، هو الوقوف بكل قوة وبجميع الطاقات المتوفرة بوجهها وبوجه كل من يصطف معها، بل وبدعم بشار الأسد مباشرة أيضاً وبدون تردد! فمن يدعو لإسقاط أو إزاحة الأسد اليوم، ومهما كان خطابه ملطفاً ومحاطاً بالمقدمات الطويلة، لا يخدم إلا الموقف الأمريكي الإسرائيلي التدميري بوعي أو بدون وعي. إنها حماقة متناهية ان يفترض السني أن مصلحته مع إسقاط الأسد لمجرد أن المنظمات الإرهابية التي اسستها إسرائيل تتكون من "السنة"، وأن هؤلاء سيقفون معه أو يحمونه من الخطر الموهوم للشيعة. كذلك من السخف المطلق التصور بأن مساوئ النظام السوري توفر غطاءاً اخلاقياً لموقف مع إسرائيل وأميركا وخططها التدميرية الواضحة حتى للأعمى. فمهما كان نقدنا لبشار الأسد، مهما كانت ملاحظاتنا عليه، فهو أفضل لسوريا وللعراق وللمنطقة، للمسلمين الشيعة والسنة والعلويين وللمسيحيين والأقليات الأخرى جميعا، ألف مرة من البدائل الأمريكية الإسرائيلية الوحيدة الممكنة حقا، والمتمثلة بداعش والنصرة واخواتها، وأي موقف آخر ليس سوى حماقة عقلية واخلاقية كبرى أي كان انتماؤك، وستكون غالية الثمن على قومك وعلى كل من يسكن المنطقة! التراجع إلى الصمت والحيرة لا يكفي. لا بد لموقف أخلاقي أو عقلاني أن تقف مع ما يقوله عقلك وما تأمر به اخلاقك!

 

(1) منظمة الأطبّاء السويديين -الخوذ البيضاء: تلاعب مروّع بأطفال موتى لإقامة منطقة حظر الطيران في سوريا

http://orhay.net/index.php?singlePage=NDc5

(2)  Seymour Hersh Says Hillary Approved Sending Libya’s Sarin to Syrian Rebels

http://www.strategic-culture.org/news/2016/04/28/seymour-hersh-hillary-approved-sending-libya-sarin-syrian-rebels.html

(3) They’re terrified that peace was going to break out’ – Ron Paul on US Syria strike https://www.rt.com/usa/384021-ron-paul-syria-strike/

(4)  FALSE FLAG’ — Ron Paul Says Syrian Chemical Attack ‘Makes No Sense’

http://www.ronpaullibertyreport.com/archives/false-flag-ron-paul-says-syrian-chemical-attack-makes-no-sense

(5) فيديو عن ازمة 2013: من له عقل يمكن ان يصدق ان اميركا لها الحق في محاسبة أحد بعد جرائمها؟

https://www.facebook.com/MintpressNewsMPN/videos/1422559624454235/

(6) صرخات مدوية من معتز مطر حول مذبحة_شيخون

https://youtu.be/pKp16iA6uXg