يومَ عاد سلام عادل إلى العراق عام 1962

 

باقر إبراهيم

 

 

كنت قد كتبت في مذكراتي مايلي"...كنا في إنتظار عودة السكرتير الأول للجنة المركزية سلام عادل من الخارج...كلفت إلى جانب محمد صالح العبلي عضو المكتب السياسي ومسؤول المنطقة الجنوبية آنذاك، سلطان ملا علي، لتهيئة مستلزمات ما يلزم لتأمين وصوله في حزيران / 1962 عن طريق البصرة. وبعد شهر من البحث في المتطلبات الفنية والتوقعات العديدة، تم وصول سلام عادل الوطن، بطريقة مضمونة ويسيرة".

عند صدور مذكراتي، في آب/ 2002، تجنبت أن أذكر التفاصيل والإيضاحات عن تلك المتطلبات الفنية والتوقعات المختلفة لكيفية وصول سلام عادل بطريقة مضمونة ويسيرة، كما أشرت. وحول هذه الجوانب أكتب بعض ما تخزنه ذاكرتي.

كنت كمسؤول عن لجنة التنظيم المركزي في الحزب، وأشرف على تسفيرات كادر الحزب القيادي سراً، إلى الإتحاد السوفياتي وبلدان أخرى، عن طريق البصرة – إيران. وكان من بين من سافروا عن هذا الطريق سلام عادل وعائلته صيف عام 1961 وقد ودعتهم في ساحة الفتح ببغداد فيما كانت سيارتهم تمرق بسرعة نحو الجنوب.

لم يطل بقاء سلام عادل في الإتحاد السوفيتي كثيراً حيث عاد إلينا صيف عام 1962، وكان علينا أن نستقبله من البصرة، دون أن أفهم أو أتصور في البداية الطريقة التي سيعود فيها. كل مافهمته، إنه سيعود عن طريق البحر وشط العرب، لذلك أعددنا زورقاً بخارياً صغيراً، يقوده ربان ماهر أختير بمعرفة الرفيق سلطان ملا علي.

خلال شهر تقريباً، كان علينا أن نتعرف على واقع رسو البواخر القادمة من الخارج وكيفية الوصول إليها، ولم تكن جولات الإستطلاع والتقصي، التي أمضيناها نحن الثلاث مع رباننا وبعض مرافقينا، تقتصر على البحث والتعرف على مواقع شط العرب لمسافات طويلة. فقد كانت السباحة ملاذا لطيفا لمواجهة القيض البصري الذي لايطاق صيفا.

في أحدى الأمسيات أرتدنا، أنا والعبلي كازينو على كورنيش البصرة. فطلب العبلي كأساً من العرق بينما طلبت أنا البيرة، وكان قبالتي بصري دخل معنا في حديث منفتح ولطيف. ورغم إنه إقترب من حالة الثمالة، لكنه إستطاع أن يعبّر عن شكواه المرة من غدر الأصدقاء وطمعهم فيه! وأنتهت الشكوى بأن أخرجَ حافظة نقوده، ليرميها أمامي قائلا: خذ كل ما أملكه أقدمه لصديق طيب مثلك! شكرت ذلك البصري الطيب وأعدت إليه حافظة نقوده وودعناه بذات المودة وتمنيت لو ألتقيه ثانية!

كان محمد صالح العبلي هو مصدر معلوماتنا السرية. وعصر اليوم الأخير من مهمتنا توجهت وأياه، في السيارة التي كنت أتولى سوقها، لموعد في أحد شوارع البصرة نستلم فيه سلام عادل ومعه شخص روسي لايتكلم العربية.

لاول مرة سمعت كلمات: إلى اليسار، إلى اليمين، ثم إلى الأمام باللغة الروسية ترجمت لي حتى أوصلنا الروسي إلى حيث يريد.

وبعد أن ودع سلام عادل تلك الشخصية الروسية، طلب إليه أبلاغ أحر تحياته وشكره لقبطان السفينة وجميع معاونيه، كما طلب إليّ شراء بضعة ساعات يدوية مناسبة، كهدية تذكارية، أرسلناها لهم في اليوم التالي.

كان عملنا السري، في أواخر عهد قاسم، يحتمل فرصاً معينة لحرية الحركة، أما تلك المجازفة، في إيصال السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب، المطارد من قبل السلطة العراقية، بباخرة سوفيتية، فقد فهمناها بأنها أحد أشكال التضامن الأممي الثمينة مع حزبنا.

كانت هذه السفرة، المناسبة الأولى التي جمعتني  بالشهيد محمد صالح العبلي لفترة طويلة والتعرف على آرائه الصريحة، حين كان يتحدث بأسلوبه الشعبي المعهود والمحبب، حول شؤون العمل الحزبي أو صفات بعض قادة الحزب، أو في المرأة وقضايا أخرى.

كتبت في مذكراتي، الخاتمة التالية:" تذكرت يوم أستقبلنا سلام عادل عائداً إلى الوطن في حزيران من عام 1962، وإلى الشعب والحركة الوطنية، كي يقود الحزب وهو يحمل تطلعات وطموحات ضخمة، ولكن في ظروف غامضة وخطرة...ومن ثم ليموت باسلا هادئاً واثقاً، وفي آذار 1963، أي بعد ثمانية أشهر من ذلك العود الأحمد".

 11/ 1 / 2016