مفهومان لسوراقيا

صباح علي الشاهر

 

 

كنت ممن دعا لسوراقيا، كمنطلق لتوحيد المنطقة، ولم أكن أول من دعا، ولا أبرز من دعا، فالموضوع كان مُثاراً منذ عشرات السنين، وفيه وحوله كتب سياسيون وباحثون بارزون وكتاب، وقد إقتصرت مساهمتي على بضعة مقالات ليس إلا، واليوم يثير البعض هذا الموضوع ولكن من زاوية ضيقة، وعلى نحو مختلف تماماً، يشوه التوجه ويفرغه من كل إيجابياته، ويحوله من رافعة لتوحيد الأمة، إلى وسيلة لمواصلة التجزئة والتقسيم، وتمرير مخططات أعداء المنطقة للهيمنة على المنطقة، عبر الإستمرار بمنهج الهبل الذي يتمثل في الإحتراب، وتأجيج الطائفية، والتخندق الطائفي .

ولكوني مؤمناً بأن سوراقيا هي أحدى منطلقات نهضة الأمة، فقد وجدت لزاماً عليّ  تأكيد نوعية سوراقيا التي نريد .

يقول البعض في مسعى التهجم على سوراقيا، أن داعش هو من طبق عملياً هذا المفهوم، فوحد شمال غرب العراق مع شرق سوريا، وأسس عملياً بتأسيسه لدولة الخلافة سواراقيا الكيان الموعود .

ترى أي سوراقيا هذه التي أنشأها داعش؟

هل سوراقيا هي أعالي الفرات والجزيرة ونتوء من أقصى شمال العراق؟

وهل سوراقيا الموعودة هي التنوع الثر والإنفتاح، أم الإنغلاق والنكوص إلى بداوة ما قبل ألف وأربعمائة عام؟

سوراقيا التي في الذهن هي المُعطى الحضاري الذي قدم للبشرية أغلب ما تتباهى به الآن، التنوع، والتسامح، والعيش المشترك لأقوام وأجناس وديانات ومذاهب شتى، والإنفتاح وعدم الإنغلاق، هي منفتحة على الجهات الأربع ، مرتبطة بالجهات الأربع كجغرافيتها التي هي قدرها.

سوراقيا هي الشام برمته، وبلاد الرافدين بتنوعها وغناها، وهي التطلع لبناء علاقات متكافئة مع أمة الشمال وأمة الشرق، تستهدف النفع المشترك، وتستبدل التدافع  والإحتراب والتناحر بتبادل المنافع، على قاعدة من الإحترام والتكامل ، وسوراقيا لا تتطلع للحلم الكسيح بضم أمة الشمال أو أمة الشرق لجغرافيتها ، أو لدولتها، في حين أن دولة الخلافة تروم المستحيل الذي دونه قطع الرقاب، وهي تأسيس دولة إسلامية خرافية تمتد حدودها من الأطلسي غرباً حتى حدود الصين شرقاً، وربما تنغرز عميقاً في أوروبا وأفريقيا، ولا ندري ربما يأتي مهبول  آخر يدعو لضم الأمريكتين إلى خارطته!.

منطلقات سوراقيا على الضد تماماً من منطلقات دولة الخلافة، وهي إذ تسعى لشكل من أشكال توحيد الأمة فإنها، لا تسعى لفرض أمة عربية واحدة، كما نادى البعث، ولا أمة إسلامية واحدة كما يفعل المتأسلمون الإسلاميون،  وليس لها رسالة لا خالدة ولا مؤقته، هدفها وجوهر وجودها العمل المشترك مع جميع أبناء المنطقة، لخدمة إنسان المنطقة،  بل أنها تسعى لإعطاء القدوة والمثال ، والعمل على أحياء المصالح المشتركة بين الدول العربية، ونسج مصالح جديدة يفترضها الواقع الجعرافي، وتستلزمها أبجديات التقدم .

هل أبقى داعش على التنوع الذي هو أهم ميزات سوراقيا الجوهرية، أم سعى بأكثر الوسائل وحشية وهمجية إلى القضاء عليه؟

من دون هذا التنوع والثراء تفقد سوراقيا بريقها، ومبرر وجودها، إذ تصبح إمتداداً لعقم الصحراء وعزلتها، وتصبح ميزتها الجغرافية وبالاً عليها، حيث ستدخل في نزاع وجودي إقصائي  لايبقي ولا يذر .

سوارقيا جسر بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، وليست حائط صد.

سوراقيا قوة ذاتية كامنه، متجددة بإستمرار، ومتأصلة بلا إنقطاع، تستنبط مهامها من واقع حالها، وتكرس وعلى نحو متواصل قيم العيش المشترك ، الذي أسه الإحترام المتبادل والتعاون بين كل أطياف هذا الإقليم، هذه الأطياف التي سيكون عليها بناء سوراقيا مُلهمة، وإنموذجية، يريدها المحيط ، لا ليأكلها ، وإنما ليتبادل المنافع معها، ويحترمها  الأبعدون ، وينظر لها العالم بما تستحقه من تقدير .

سوراقيا تمد حبال المنافع المتبادلة حتى أقصى الشرق، الهند الناهضة والصين الواعدة، عبر إحياء طريق الحرير الإسطوري، وتتحكم بأهم خطوط إمدادات الطاقة، النفط والغاز ، من منابعها الكبرى إلى مستهلكيها في الغرب عبر الشمال والبحر، وإلى كل عالم الشرق عبر الخليج، وليس من المستبعد أن يمر السيل الجنوبي الناقل لغاز روسيا وحليفاتها عبرها ، بإعتبارها ستكون آمن وأسلم ، واضمن طريق، بالإضافة إلى غاز إيران،  ودول الخليج .

مهما كانت قدرة الإنسان على تخيل درجة الإزدهار والنمو التي ستكون عليها سوراقيا فإن هذا التخييل لن يكون أبداً أقل من الواقع أوأقل مما سيتحقق. ليس لإبناء الإقليم فقط ، وإنما للأمة العربية، وأبناء المنطقة، وللعالم كله .