من الصدامية الى السيستانية

 

عبدالأمير الركابي

 

 

بعد 10 حزيران 2014 تغيرت "العملية السياسية" التي ارسيت على يد الامريكيين بعد احتلالهم للعراق وتدمير الدولة التي كانت قائمة فيه وسحقها، وهي الطور الثاني من تدبيرين استعماريين غربيين، الاول اقيم على يد الانكليز كمحاولة اخيرة لجأوا لها بدل الانسحاب العسكري كما كانوا فكروا جديا، باثر ثورة العشرين وما تكبدوه فيها من خسائر فادحه، الى ان اهتدوا لصيغة "الحكم من وراء ستار"، اي اقامة حكومة من "أهل البلاد"، جيء بها من حواشي الادارة والحكم العثماني المنهار والثورة الحجازية، وباستبعاد وعزوف مجال "أرض السواد" الذي قامت فيه الثورة الكبرى، وكانت الدافع القوي وراء ذلك التدبير ذي الطابع الكوني، فما قام به الانكليز وقتها يدخل في باب الانقلاب في طبيعة "الاستعماٍر" القديم والنظرية الهندية، التي جاء الإحتلال الانكليزي يحملها، واراد تطبيقها في ارض مابين النهرين قبل ان يضطر لاعتماد صيغة اخرى هي باكورة وبداية ماعرف عالميا فيما بعد باسم "الاستعمار الجديد".

الا ان الدولة التي اقيمت كستار وحاجز انشيء ليحول بين "دولة اللادولة" وتجلياتها غير القابلة للاقلمة والاخضاع،  بدت فورا ومباشرة مضطرة لاتخاذ اجراءات اججت من جديد مواطن الثورة، ففيما كان الحكم المعوم استعماريا يسعى الى المركزة، تبين انه عاجز فعليا عن بسط نفوذه وسلطته على مجال ومجتمع "اللادولة الاسفل"، وان ذلك مستحيل من دون اختراق الحيز المذكورعن طريق خلخلة وتخريب بنيته التاريخية الموروثة،  بارساء قواعد "ملكية الارض" وخلق "فئة" مالكة متنصلة من ابناء جلدتها، تكون بمثابة قاعدة اجتماعية ترتكز لها الدولة المقامة، وكانما تولد من حينه قانون ثابت يقضي بسحق عالم "اللا دولة" المشاعي التاريخي كشرط لازم لاستتباب الامر للاستعماريين ومع جاءوا بهم للحكم، الامر الذي لم يكن قابلا للتحقق بالقمع والقوة فقط ، ومن دون اختراق  يرتكز على  زعزة وتخريب قاعدة مجال اللادولة الاسقل بنيويا.

من هنا جاء اللجوء ل"قانون التسوية" لعام 1932 والذي يتحول المشايخ المشاعيين بموجبه الى "شيوخ حكومة"، وهو اجراء  سبق للاتراك ان مارسوه بدون نجاح، لعدم توفر اسباب تطبيقه في حينه، ماجعل حالة ازدواجية السلطة تستمر طيلة وجودهم بين مجال اللادولة الجنوبي، ومركز الولاية المحدود السلطات، غير ان الإجراء الاستعماري الانكليزي لم يفض الى ماكانوا يهدفون لتحقيقه، فقد اثارعلى العكس موجة هائلة من السخط تليق بحالة رفض ومقاومة عملية اقتلاع تاريخي لبنية راسخة وتحويرها، فجرى وبسرعة استثنائية تبني خيارات حديثة،  وتجاوز قيادات حقبتي التشكل الوطني الحديثة القبلية والدينية التجديدية السابقة المستمرة منذ القرن السابع عشرقبل الحضور الاستعماري العسكري، وقيام الدولة المركزية ستارا احتلاليا.

ففي مابين العشرينات والثلاثينات،  تصدرت القوى الايديلوجية الحزبية المشهد وبالاخص ذلك الاقرب للمشاعة التكوينية بغض النظر عن ايديلوجيته،  فالحزب الشيوعي بطبعته الدوغمائية المخالفة للشيوعية العراقية البنيوية التاريخية، وضع ضمن تاثيرها وخضع لقوة زخمها، ودفعت به مضطرة بسبب عدم تبلور مفهومها الخاص عن نفسها وهي في حالتها في حينه، متجاوزة على  جوهر اختلافه عنها بنية وتركيبا واستهدافات.

وبعكس ماتعتقد الشيوعية الحديثة الايديلوجية، فان المشاعة الزراعية العراقية هي التي منحت الشيوعية الايديلوجية تميز حضورها وسرعته لاسباب تتعلق بحدة تصادمها مع الاحتلال ودولته، ولان هذه الاخيرة ومن يقفون وراءها، وجدوا انفسهم في حالة تصادم مع نمط وبنية لادولة سحقها شرط لازم لتامين الهيمنة، ان تاريخ الاستعمار في العراق الحديث وتاريخ الدولة الحديثة المستندة لقوة المثال والهيمنة الغربية في الفترتين 1921/1958 والثانية 1968/2003 هو تاريخ صراع النموذج الحضاري الغربي المستعار، مع نمط حضاري مقابل ومخالف تكوينا  واليات وبنية، انصب خلاله فعل الهيمنة الغربي على هدف رئيسي هو سحق "دولة اللادولة" المشاعية العراقية والعمل على قتل اليات  البنية والكيان الامبراطوري الكوني العراقي.

وتفصح مالات وسيرورة الصراع بين نمطين حضاريين وفق الرؤية الوطنية المطابقة للتكوين العراقي، عن خضوع اليات الصراع مدار البحث لاحكام الواقع الوطني، وليس لذلك الذي يرسم سردية وهمية ايديلوجية مستعارة، تلغي الواقع ونمط الكيان المركب من دولتين متصارعتين ومن تكوينين متباينبن كليا،لصالح منهجيه مستمدة من صيرورة الغرب ونموذج دولته الحديثة، تحاول المشابهة لابل مطابقة حال العراق بالحال الاوربي لمجرد انه "التحق بالسوق الراسمالية العالمية"، وهو تعبير استعماري الاصح ان يستبدل بعيارة"اصبح متاثرا"، علما بان من وضعا مفهوم "الالتحاق" هما الضابطان الملحقان بالحملة البريطانية: فيليب ويرلند ولونغرك، قبل ان يقوم العقل الاتباعي العراقي في بدايات تعرفه على الافكار الغربية باعتمادها على علاتها وحرفيا،

والحال فان تفاصيل العملية التاريخية الصراعية  في العراق الحديث، تطابقت واقعيا مع توزع العراق على حيزين، وفيما بين العشرينات والثلاثينات توزع المستويان الاعلى الامبراطوري من جهة، ومجتمع "اللا دولة" الاسفل كل من موقعه وحسب ماهو متفق مع تكوينه، وماينسجم مع دوره. فالعراق المشاعي الاسفل اختار سلاحا له الحزب الشيوعي والاشتراكية بما فيها حزب البعث في تاسيساته الاولى، ففشل الماركسيين الاوائل  وعجزهم عن ان يكونوا قوة منظمة فعالة في العاصمة بغداد، دليل ساطع على ان الشيوعية في العراق ليست ظاهرة منشؤها "طبقي" بل "مشاعي عراقي"، تاسس على يد مسيحي  وزنجي متخلف من ايام ثورة الزنج، في المكان الاكثر تخلفا لكن الذي تتركز فيه اعمق تقاليد وقيم مجتمع "اللا دولة" في "المنتفك" عاصمة التشكل الوطني العراقي الحديث، الامر الذي تكرر مع "حزب البعث"، وهو الاخر الاهم حين كان "اشتراكيا" في مرحلة التاسيس، هذه الظاهرة لايعيرها الايديلوجيون المتاوربون المتجردون من الوطنية ايه اهمية تذكر، ويميلون سواء منهم الحزبيون المتنطحون لمهمة التنظير، او البحاث الاكاديميين مثل بطاطو الاقل دوغمائية والاكثر التزاما بشروط البحث المتعارف عليها في الغرب، اي قدر من الاهمية الا ماندر، من قبيل بعض الملاحظات الانطباعية عن المدينة التي تاسس فيها الحزبان/ الناصرية/ وبعض خاصياتها الثورية البديهية.

  وكما العادة،  وكما ظلا يتقابلان تاريخيا ويتنازعان مشكلين مجالين مجتمعيين متصارعين، استمرا اليوم ايضا يستعير كل منهما الوسائل والاسلحة التي يحتاجها ويجدها اقرب اليه ولطبيعته،  واكثر استجابة لها وتناغما: الاعلى استعمل تنظيم "الدولة الحديثة" ومؤسساتها، من ادارات وجيش وشرطة، وعلم ودستور ومجلس امة "محرفة"، ونظام مركزية مفروضه، وملك ووزارات، وادعاء انتقال الى العصر، ونظام تغيير للعلاقات الاجتماعية وقلبها في الريف، بينما بادرحيز "اللادولة" لتبني  احزاب اليسار الحديثة، فمنحها زخمه، وعزز حضورها، وصلب عودها، واسبغ عليها دينامياته، مزودا اياها بالطاقة والاستعداد للتضحية غير المحدودة، عدا عن الفعالية المطردة، وقوة التجدد الاستثنائية، فكان الصراع "عصري" و"حديث" شكلا،  وتاريخي اصيل وخاضع لمحركات واليات وطنية وبنيوية موروثة مضمونا.

****

على وفق ماتقدم من تعديل على السردية العراقية الحديثة يصبح الانتقال من الرؤية او المنهجية "الايديلوجية" الحزبية الاستعمارية الاصول الى المخطط السردي "الوطني" ممكنا، على الاقل من حيث الاسس العامة الضرورية، مع ان هذه الابتدائية ذاتها لاتصح، او هي لاتكتمل ولو جزئيا، من دون اضافات اخرى لازمه، ومن هذه ما من شانه تشخيص بعض الظواهر المتكررة والملازمة للتاريخ العراقي في مجالي الدولة القاهرة ونقيضها، واشكال وتمظهرات كلا الحالتين او الدولتين الامبراطورية العليا والكونية السفلى.

فعلى سبيل المثال عجز المفهوم الايديلوجي عن التوصل الى أي تشخيص مناسب ومطابق لظاهرة "الصدامية"، وظلت مفاهيم وشعارات عمومية تضليلية من قبيل " الدكتاتورية" و"الفاشية"، تلصق بالظاهرة مع ثقل القصور المنهجي الكامن في قلب البنية الايديلوجية المستخدمة نفسها، اذا ما نسبناها لما تدعيه من "علمية" بمعنى الانتماء للمنهجية العلمية في التحليل والتشخيص الاجتماعي: فما الذي يعنيه تعبير " الدكتاتورية" عراقيا وخارج النظرية المستعارة، ولماذا لايكون مفهوم "الاستبداد" بخاصياته الشرقية واسس حضوره التاريخي، مدخلا لايجاد بنية تصور مقابلة، ومن نسيج الظاهرة المدروسة حسب اليات تشكلها الخاص، بدل القاء التصورات الى وهم يجعل من يتبنونها خارج الحالة الملموسة، ذلك مظهر مهم من مظاهر لاصلاحية"الحزبية الايديلوجية" التي انتهى فعلها منذ الستينات، فمن قبل كان التحليل المستعار يمكن ان تكون له بعض الفعالية العملية رغم عدم تطابقه مع الواقع، ومع حيثيات الصراع المجتمعي، وذلك لانه كان وقتها وبالرغم من خطله ومجانبته للواقع، يستمد بعض الوجاهة ما دام خاضعا بالرغم منه لمفردات الصراع الواقعية بين الحيزين، ولظاهرة تبنيهما كل من جانبة للاداة الاكثر قربا في العموميات لموقعه صراعيا وحسب مستجدات العصر، وهذا ماطبع الحياة والممارسة الحزبيتان في العراق بفقر الدم في الجانب النظري، بمقابل الغزارة والثراء في الميدان العملي.

 

 

وبهذا وعلى عكس ما اشاعته السردية الاستعمارية الحديثة بالغائها فعل الاليات المحلية التاريخية، فان "الالتحاق" المزعوم بالسوق الراسمالية العالمية لم يتولد عنه سوى تغييرات شكلية طرات على الواقع العراقي، لامسته، بينما ظل محكوما في العمق والجوهر لاليات الحركة والصراع التاريخي كما ظلت تعمل تاريخيا في هذا الموضع المركب المزدوج الدولة، فشيوعية "فهد" كانت مظهر تعبير مستعار عن دولة اللادولة العراقية ضمن لحظة معينة، بمقابل الحيز الاعلى الاستعماري المركب من نخب عسكرية ومدنيه "عثمانية" متحولة الى العروبة. في حين تمثل شيوعية " عزيز محمد" مشروع قتل مجتمع اللا دولة خلال التدبيرية الاستعمارية الثانية، مع اعتماد " الحزب العقائدي" والريع النفطي وسيلة ضبط وتحوير بنيوي متناغمة مع متطلبات الواقع الدولي ابان فترة القطبية الدولية.

لقد عرف العراق بناء لحكم خاصياته وفعل الياته التاريخية، ثلاث شيوعيات على التوالي هي : "شيوعية فهد" و"شيوعية سلام عادل" و"شيوعية عزيز محمد"، وكل منها لاتشبه الاخرى في الدور والوظيفة ان لم تتناقض كليا احيانا، وهي كلها مجتمعة استخدمت من قبل، وارتبطت بقوة مجتمعية من خارجها، فالاولى الفهدية منحتها زخمها بداية حين كانت حية وفعالة، ردة الفعل الهائلة لمجتمع المساواتية المشاعية الجاري تحوير طبيعة العلاقات داخلة باحلال ملكية الارض بدل الشيوع التاريخي، بينما لعبت شيوعية "سلام عادل" دورا توفيقيا انتقاليا، الى ان اصيبت "دولة اللا دولة" الحديثة، بواحدة من اكبر هزائمها في التاريخ بالقمع والتصفية اولا خاصة في شباط 1963، حين بدات الشيوعية تخرج من الفعل التشاركي، لتتحول وبرعاية وتدبير دولي قطبي، الى اداة مساعدة في قتل الحيز اللا دولوي، وهو ما اضطلعت به شيوعية "عزيز محمد" بتحالفها مع انقلاب 1968.

وتكرر هذه الظاهرة ايقاعا تاريخيا تقليديا عراقيا، ففي تاريخ الصراع الطويل بين الحيزين الامبراطوري من جهة والكوني من الجانب المقابل، تحدث احيانا اختلالات في موازين القوى لصالح احد الحيزين، فاذا تمكن الحيز الاعلى الامبراطوري، سواء لتعاظم الريع، او انتظام العملية الانتاجية، او الارجحية العسكرية والتحصينية للمدن الدول الامبراطورية، وتهيأت مقومات سرقة المثل السفلى، او تزويرها كما حدث ابان دولة بابل، او ايام العباسيين، وتحقق قدر زائد عن الحد من الاختراق لدولة اللا دولة أي خنقه بالقوة السافرة والايديلوجا المزورة، دخل الكيان برمته في المازق، واختل بما يفضي وافضى الى الهجرة بفكرة "التوحيد"، أي بمفهوم انتزاع السلطة من يد البشر وايداعها في السماء. ففي تلك السياقات مثلا تبلورت "الابراهيمة" لتبدا رحلة بناء مملكة الله خارج ارضها.

بعكس ذلك وبالمقابل، يحدث في حال ضيق افق المدى الامبراطوري للحيز القهري الاعلى، او اختلال الحيز المذكور لاي سبب كان، ان يتمكن مجتمع اللا دولة من التعبير عن ذاته كما حدث في ثورة كوراجينا 2355 قبل الميلاد، حيث ظهرت لاول مرة في التاريخ البشري كلمة "امارجي" / "حرية" وكل حقوق الانسان المعروفة اليوم، وتم الجهر بكلمة "عدالة" و"مساواة"، او عندما قامت دولة القرامطة اثر وهن قبضة العباسيين وبدء انغلاق المدى الامبراطوري / استمرت الدولة القرمطية أي دولة اللا دولة في العصر الوسيط قائمة ل105 سنوات/ وتلك التبادلية في مجرى الصراع استمرت في العصر الحديث محكومة الى الشروط الانتاجية والحياتية التي وجد عليها العراق، مع كل ميزات فعل المحيط والنهرين المعاكسين فعلا واثرا للدورة الزراعية، فقد استمر في العصر الحديث ومنذ القرن السابع عشر مع ظهور الاتحادات القبلية في جنوب العراق واولها "اتحاد قبائل المنتفك" معلنا تراجع مفاعيل فترة الانقطاع والتدهورالثاني، المستمرة منذ سقوط بغداد على يد هولاكو 1258 ودخول العراق دورته الحضارية الراهنة الثالثة، بعد الدورة الاولى السومرية، والثانية المتحققة بفعل تحرير الفتح العربي الاسلامي للاليات الحضارية المعطلة بقوة هيمنة الاحتلال الفارسي، ونمطه الاقطاعي المخالف كليا لطبيعة ارض السواد.

وخلال حقبتين حديثتين استمرتا منذ القرن السابع عشر، قبلية واخرى دينية تجديدية، عاش العراق حالة ازدواج سلطة قادته اولا دولة مدينة قبلية "سوق الشيوخ" سومر العصر الحديث، و"دولة مدينه" د ينية " النجف" هما قيادتا " لادولة، تجسداتا قيميا في نموذج "حمد ال حمود" كنموذج مشاعي للشيخ القبلي المساواتي، و "حسن الشيرازي" كمجتهد اكبر ومثال للزعيم اللا دولوي في الظرف المخصوص، وصولا الى التظاهرة المميزة الكبرى في العشرين بعد الاحتلال الانكليزي، ووصولا الى ثورة تموز، فقد استمرت حالة عزلة الحيز الاعلى وعجزه عن بسط سلطته خارج المدن والقلاع، بينما الانتفاضات والعصيانات لاتحصى، وصولا الى الانتفاضات الفلاحية بعد قيام الدولة العيا المركبة على صورة " الاستعمار الجديد" والحكم من وراء ستار،قبل انتقالها الى المدن في 1952 / و1948/ و1956 / مع عشرات الاضرابات، وحركات الاحتجاج، بعد ان امكن باستعارة شيوعية " فهد" تحقيق التوحيد من اسفل، وصولا لثورة تموز 1958التي من اول واهم خاصياتها، انها سحقت والغت لابل اجتثت، كما يقول حنا بطاطو، الدولة المقامة على يد الاحتلال، واقتلعت جذورها الاجتماعية كليا وعفويا، وهو ماندر مثاله في تاريخ الثورات.

تلك سردية الصراع بين الحيزين الاجتماعيين العراقيين، قبل وفي ظل الهيمنة الاستعمارية وخلال "الالتحاق" المزعوم بالسوق الراسمالسة العالمية، وصولا للحظة التحويرية البنيوية بعد انقلاب عام 1968، وقتها جرى الانتفال نحو تطبيق المشروع الدولوي الثاني للحيز الاعلى، بما هو الانقلاب التاريخي المضاد الحديث الاكثر خطرا وشمولية، بعد ان جرت تهيئة عناصره وشروط تحققه، ما استغرق حوالي عشر سنوات من العمل المضاد، المصمم لسحق مجتمع "اللادولة" في وقت لم يكن هذا قد بلغ مرحلة التعبير المطابق عن ذاته بعد، مااضطره لقبول تعبير مستعار عنه، جرت سرقته منه بالقمع والتدبير الدولي، بعد ادخال عنصرين جديدين وفريدين في الصراع هما :

الحزب العقائدي والريع النفطي.

 هذان العنصران استعملا لتادية مهمة تاريخية غير مسبوقة، استهدفت البنية التاريخية العراقية وسعت لتحويرها بوسائل قاهرة غيرمعروفة من قبل، وتلك هي "الصدامية" باعتبارها اخطر ظاهرة عرفها التاريخ العراقي برمته، بما فيه من خاصيات فريدة وبنية "امبراكونية" فعلها يتعدى حدودها، ويصل لدرجة اضفاء خاصيات حضارية على منطقة برمتها من العالم عرفت بمنجز "الابراهيمة"   والفعالية الاستثنائية للعقيدة، فالعراق هو مركز الفعالية والعبقرية الحضارية في محيطه، وهو المكان الذي تمتاز به ومن خلاله المنطقة الحضارية لشرق المتوسط، بمقابل دائرة الحضارة الاوربية المقابلة المتميزة بالملكية الخاصة وصراع الطبقات، مقابل الصراع العمودي العراقي بين حيزين ومجالين مجتمعيين مع غياب الملكية الخاصة، وهو ما اراد الغرب في العصر الحديث ازالته من الوجود ردا على امتناع البنية التاريخية العراقية عنه، وتمردها الفائق المتجاوز للقدرة الاستعمارية على الضبط، ومثل هذه الحالة مرت من قبل على العراق خلال فترة الانقطاع الاولى، بعد سقوط بابل، ووقوع العراق تحت الهيمنة الفارسية، فقد جرى وقتها تعطيل الاليات الحضارية الخاصة بتسييد نمط الاقطاع الكسروي، غير ان تلك المحاولة لم تكن قد ادت لالغاء الاليات البنيوية الخاصة لحضارة مابين النهرين، وهذا مالم يكن ممكنا بحكم الفترة التاريخية وسيادة المرحلة الزراعية ومايلازمها من وسائل الانتاج والصراع ، ماقد ادى لعودة تلك الاليات للعمل بمجرد ان انهار ثقل الحضور الفارسي بالفتح العربي.

****

تركت "الصدامية" بانهيارها بفعل الغزو الامريكي، العراق يغوص وسط ازمة غير مسبوقة، ففي حين انهارت الدولة الريعية العقائدية، وعادت بنى ماقبلها للفعل موضوعيا واجباريا، فقد وضعت هذه بمواجهة مهام إعادة بناء العراق في وضع انهارت فيه الدولة الريعية القاهرة، بينما اختفت او كادت، الاليات والمحركات البنيوية المميزة تاريخيا للعراق، فالزراعة ومفعول النهرين الخاص والاستثنائي حيث كل عناصر توليد المشاعة ومجتمع اللا دولة كان قد اصيب بضربة قاصمة، والفعل الطبيعي للنهرين اصلا، قد تناقص لاسباب اخرى، منها تراجع منسوبهما المطرد بفعل السدود التركية، ناهيك عما ذكرناه مما قد نجم عن فعل الريع النفطي والحزب العقائدي.

فدفق دجلة والفرات الفائض عن الحاجة، وقوة فيضانهما المدمر، ومخالفة ارتفاع مناسيبهما ومواقيتهما الدائم للدورة الزراعية، كان العامل الاكبر في جعل البنية الحضارية العراقية ترتكز الى قوة وضع رئيسي ناشئ عن تنظيم اجتماعي لا دولوي حيث حرية المنتجين وانتفاء خضوعهم لاية سلطة منفصلة او برانية، شرط لايمكن ضمان سلامة العملية الانتاجية واتساقها من دونه، ما يجعل ذلك من قبيل الميزة الاساسية التي يخرج بموجبها العراق قطعيا وكليا عن كل ماهو معروف من اشكال الانتاج الزراعي "النهري" الموسوم بالاستبدادية، وتضخم دور الدول المركزية وهيمنتها على المجتمعات ومجموع الوحدات الزراعية كما الحالة في مصر، مع مايرافق ذلك كاضافة، من حتمية وتميز عراقي، اضطر المجتمع المشاعي الزراعي حتميا واجباريا لاقامة شبكات محكمة ومعقدة من السدود والنواظم والسواقي، بما ان عنصر العملية الانتاجية الرئيسي "النهرين" مجاف ومهدد لسلامة العملية الانتاجيية، مايتولد عنه تلازم بين الانتاج الزراعي والاحكام والرفعة التكنولوجية العالية، ما قد طبع وميز الحضارة السومرية والبابلية، وحتى العراقية الوسيطة ايام العراقيين من خلفاء بني العباس، وتسبب في ذات الوقت بانهياراتها الكبرى، ووقوعها تحت وطأة فترات ليست بالقصيرة، مما يمكن تسميته بـ"الانقطاع الحضاري"، عرفت منه فترتان كبرييان، امتدت الاولى من سقوط بابل الى الفتح العربي الاسلامي، والثانية من سقوط بغداد 1258 حتى مشارف القرن السابع عشر، حين بدأت عناصر انبعاث ونمو عملية التشكل الوطن ـ كوني العراقي الحديث تتفوق على عوامل الانقطاع، بعدما ظهرت اولى الاتحادات القبلية في جنوب العراق.

وتعكس ظاهرة "الانقطاع"، مفعول الحساسية الفائقة للبنية الحضارية العراقية، وتلازم وتشابك عناصرها الانتاجية والسياسية والتكنولوجية، ما يجعل من اختلال التوازن بين مختلف عناصرها الرئيسية، او احتدام الصراع بين حيزيها الاعلى والاسفل، او انغلاق مجالها الامبراطوري، مسببات حاسمة بالاضافة للغزو الدائم الذي تتعرض له لاسباب جيوبوليتيكة، ولكون أرض مابين النهرين من أخصب المواضع كما لاحظ هيرودوت، تحيط به مناطق وجبال جرداء، حولت هذه البقعة من العالم، أي أرض السواد على مر تاريخها، الى مصب بشري للامم والسلالات الغازية، واضاف بهذه الظاهرة عنصرا وخاصية اخرى من خصائص هذا الموضع، اذ ظل يستبطن دائما "جنون الحدود"، ويسعى لاقتحامها تامينا لسلامة وجوده وضمان توازن وانطلاق بنيته الحضارية وفق مبدأ الهجوم خير الوسائل للدفاع، ماقد اضفى عنصر كينونة الى المحركات الامبراطورية الداخلية المتأتية أساسا من قوة ضغط مجتمع اللادولة الاسفل على الحكومات القابعة في الاعلى، والمتمترسة داخل مدن شديدة التحصين والعسكرة.

وما ان تختل العناصر المذكورة ويفتقد الانسجام، حتى يفقد البناء المادي المعقد والمحكم ،الحماية، ويعود ليغدو عرضة للانهيار المريع تحت وطاة الفيضان، مايتاتى عادة عن ضعف عامل هام ملازم للعملية الانتاجية العراقية توازي جنون الحدود الخارجية، فجنون طغيان وفيضان النهرين المفاجئ، وخطر ضياع الجهد السنوي للزراع، أوجد حالة يقظة استثنائية، واستنفار رقابي لايقبل الغفلة طلبا لـ"الفزعة" مصدر "النخوة" المعروف بها أهل هذه البلاد وقت الحاجة، فاذا تعذرت هذه واضطر الزراع المحاربون المساواتيون للانشغال والانصراف عن سدودهم وضفاف انهارهم لفترات طويلة، اقتربت الكارثة، وبدا الانهيار الكبير المريع، وسادت "الفوضى العراقية الانقطاعية"، لا ماقد( اشاعه علي الوردي من مفاهيم قصخونية خاطئة من بين ماكتبه عن خاصيات العراق والمجتمع العراقي، ليس هنا مجال تناولها كلها مع أهمية الاشارة هنا تحديدا الى خطر فكرة تنازع البداوة والحضارة في تاريخ العراق كما يؤكد بلا روية، ومن دون تحفظ علمي، ومن حسن الحظ ان الحفريات الاركولوجية في جنوب العراق، ومع كل ماعثر عليه من اثار الحضارة العراقية وعشرات الوف اللقى، لم يعثر على لقية او تمثال لجمل واحد على الاطلاق، بينما وجد الاسد المجنح وكل مايتعلق بحضارة اصلها كوني وامبراطوري فريد) . ومع انهيار البناء المادي، تبدأ عملية الانهيار السياسي، وتسقط الدولة العليا، بينما تغرق السفلى في الفوضى، ومن المتكرر ومما يؤكد برانية ولا "وطنية"/تلك الدولة بمعنى ومفهوم "الدولة الامة" المتاتية من تشكل وطني، وانسجام وانصهار مجتمعي"/ انهيار الدول العليا المريع كما في حالتي بابل وبغداد واختفاءهما كامثلة، الامر الذي تكرر مايذكر به اليوم، مع سقوط "الصدامية" التي سحقت كليا بالغزو، فلو ان الغزو الامريكي الحالي للعراق حصل في مصر، لما سحقت الدولة وانهارت، لانها في وادي النيل جوهر البناء الحضاري الاستبدادي لدولة شرقية تهيمن على المجتمع، بينما الدولة العليا في العراق برانية دائما، تفتقد الى الجذور المجتمعية، وهي بناء ومستوى فوقاني يعيش داخل المدن المحصنة المعسكرة والقلاع، ويمارس مهامه بالغزو وتجريد الحملات على المنتجين في ارض السواد لجلب الريع، ما يضيف قسوة للقسوة الطبيعية للعملية الانتاجية التي يمارس المنتجون العراقيون ضمنها استخلاص مقومات وجودهم، الامر الذي يسبغ على الاضطهاد الممارس من قبل الدولة العليا هنا، طابعا قهريا لايمكن وصفه، او احتساب درجة الحيف وانحطاط المقاصد التي يتضمنها، ماقد ولد ثقافيا ونفسيا على مر التاريخ، بداهة تكوينية لدى الفرد في ارض السواد، قاعدتها المفهومية النفسية الصلبة، كره الدولة العليا، لا بل مقتها الذي لايقبل تسوية ولا مساومة.

لم تسقط بغداد بيد هولاكو لان فلانا تواطأ مع الغزاة، أو لان مجون الخلفاء وحاشيتهم وتحللهم وصل درجة تعدت المعقول، هذه مجرد تفاصيل ونتائج ناجمة عن خلفية موضوعية، فالتاريخ والحضارة الانسانية تحكمها عوامل وقوانين ليست هي قوانين "المادية التاريخية" المرحلية الطبقية حصرا، فالعراق يمر وفقا لشروطه واليات تاريخه، بدورات وانقطاعات، الغالب فيها مجتمعي صراعي بين نمطين وتكوينين، الدورة الثالثة منها هي التي نعيشها منذ القرن السابع عشر بعد ان تجاوزنا "الانقطاع الثاني".

لم يسبق ان حدث على الاطلاق في تاريخ العراق الطويل ان مرت البلاد بما قد حل بها عام 2003 ومابعده، فانهيار الدولة الريعية العقائدية، ترك العراق من دون الياته التاريخية الثابته، بعدما حور العملية الانتاجية، وريع الحياة، وقتل الزراعة ومفعولها، فلم يعد ممكنا اللجوء الى القوانين التقليدية، وغاب من الحياة أي مشروع سياسي لدولة او جهاز حكم يخضع لديناميات شاملة، ليحل بدل ذلك التحاصص والدوافع الجزئية حزبية ومليشياوية، في حين صار نصاب الدولة نهبا وغنيمة، موزعة بين قوى وعيها ودوافعها لاترقى لمستوى يتعدى ذاتيتها الشخصية والحزبيه المليشياوية، بلا أي افق او دافع عام، واستعير بدل المصلحة العامة، مفهوم الشعائر الدينية كوسيلة يستغلها ويغذيها المتصدرون للوضع، فيجعلون منها ممارسة بديلة عن اللازم الضروري حياتيا، ومن بين القوى التقليدية التي صار بديهيا ان يؤول لها الامر، لم تبد لا القبيلة التي هي اول تعبير تقليدي ظهر ليدشن التشكل الوطني في الدورة الحالية الثالثة منذ القرن السابع عشر، ولا دولة المدينة المقدسة التجديدة، أي المظهر الثاني من مظاهر التشكل الوطني، القدرة على العودة لممارسة دورها كما كانت قبل ان تمر البلاد بالحقبة الايديلوجية العلمانية التي انتهت الى كارثة، والى تحوير للبنية الثابته تاريخيا.واذ اختلط فعل قوى كانت ظهرت خلال الحقبة الايديلوجية الحزبية خارج المرجعية التي هي قمة نظام الاجتهاد والتقليد والحوزة المبتكر في المدينة الدولة اللا دولة بعد القرن الثامن عشر في النجف، فقد عملت الاحزاب والتجمعات الاسلامية المحدثة على مصادرة السلطة، وعلى التدافع بقصد التسيد والنهب والتمتع بمنافع الحكم بلارقابة، من دون ان يلوح داخلها أي مشروع يلاحظ منه احتمال او بارقة انتقال نحو حقبة يعاد فيها بناء الوطنية والشمولية المجتمعية على قاعدة تتناسب والتطور العميق الحاصل في العالم والاقليم وفي العراق على وجه الحصر.

وبرغم المحطات المروعة التي اجتازتها البلاد، الا ان ملامح او احتمالات بروز عمود فقري لمركز قيادة عراقية من نفس نسيج و ملامح الحالة التي يمر بها العراق اليوم، لم تلح في الافق الا بعد 2013 ، فلقد اقتضت الظروف قبل ذلك مرور الكثير من التجارب والتجاذبات والتخبط، عدا التطورات الخطيرة والعنف والتنازعات الدموية، قبل ان يبدأ تيار المرجع السيد علي السيستاني باحتلال موقع راجح بين مجموع قوى العملية السياسية واحزابها ومليشيلتها، مادفع بهذه الاخيرة للانحياز شبه الكلي لطرف اقليمي والتنسيق الكلي معه، ولم يصبح موقع السيستانية واقعيا وعمليا، الا بعد ان شارفت العملية السياسية المرة ما صار يعرف بالحشد الشعبي  ومشارفة  العملية السياسية المحاصصاتية الطائفية على الانهيار في 10/ حزيران 2014

****

  لم تظهر علائم تبلورعمود فقري يمكن بالارتكاز اليه، او بواسطته،  تبين ملامح قابلة لاعادة بناء"وطنية" لها شيء من مقومات الثبات، وتذكر بعودة اليات تشكل "وطني"  تمتاز بالشمولية  الكيانية والموثوقية بعد انهيار "الصدامية" وكل هيكل "الدولة الحديثة"، الا بعد اكثر من عقد على الغزو الامريكي وغياب "الصدامية".

 لاح هذان المظهران الاوليان  وكانهما بداية اعلان مدو عن نهاية وفشل كارثي انتهت له" العملية السياسية الطائفية"، وانتهى  بقصورها الكلي شبه المطلق ازاء مهمة اقامة "نظام" مقبول، او يتمتع بقدر من الاستقرار، او مما يمكن اعتماده منطلقا لمسار ثابت قابل للبناء وان على مدى طويل.

اول هذين المظهرين سلبي دفاعي، انبثق بمناسبة سقوط الموصل بيد "داعش" في 10 حزيران 2014 .

 والثاني نجم عن متغير اصاب المورد المالي الوحيد "الريعي"، مع انخفاض اسعار النفط المتسارع الى اكثر من نصف السعر الذي منح العملية السياسية انتعاشها الوهمي خلال فترة  ترؤس المالكي للوزارة.

 قبل ذلك كانت الاتجاهات الغالبة آنية وعفوية، وتجري وفق  الحس الاقرب للغرائزية الاجتماعية شبه الاولية على مستوى المجتمع، مع قدر من سلوك براغماتي تميزت بها قوى سياسية منظمة بالحد الادنى، كانت خارج البلاد تمارس ماعرف ب "المعارضة" من موقع الهزيمة التاريخية، وافتقاد الصلاحية النظرية والسياسية، بعد ان هزمت على يد النظام  السابق ماديا وتنظيميا في الداخل، وعلى صعيد البنية التي جاءت الصدامية اصلا لتخلخلها وتحدث فيها تغييرا جوهريا وتاريخيا.

 لم تكن اللحمة بين قوى التمثيل السياسي المفترض متوفرة بظل انهيار الدولة بديهيا، وعلى كافة المستويات عاش العراق من هذه الناحية شعبيا وفي مجال السلطة، حالة فريدة غير مسبوقة وغريبة، فالمجتمع محور مفتقد لالياته التاريخية، والعلاقة العضوية بينه وبين أي من القوى التي عادت للبلاد منعدمة، فتلك القوى ابتعدت لسنوات تقارب العقود الثلاثة، من دون ان تظهر في منافيها اية حيوية او قدرة على فهم مجريات الوضع الداخلي، او تتوصل الى تعيين المهمة الاساسية والتاريخية الخطيرة والبنيوية التي اظلعت الصدامية بتاديتها ضد المجتمع وبنيته، وخلال اكثر من ثلاثة عقود، عجزت المعارضة المذكورة بكل اطيافها الاسلامية والقومية واليسارية عن ان  تضع تصورا، او يصدر عنها كتاب واحد او بحث، له قيمة تاريخية، او يمكن اعتماده قاعدة او مرتكزا لرؤية يمكن ان تضع القوى المذكورة على ضخامتها وتعدد احزابها، وقواها، وتياراتها، وشخصياتها، في تفاعل حيوي مع واقع العراق الداخلي ووضعه الناشيء عن انهيار مشروع الحداثة، وانتصار صيغته الصدامية مدمرة البنية والاليات الوطنية التاريخية.

 وحيث عادت القوى المذكورة باجمالها،  وبالذات منها تلك التي رضيت الالتحاق بمشروع الغزو الامريكي، واسهمت في تبريره، فانها حضرت لتواجه عالما ومجتمعا لاتعرفه، ولاصلة عضوية لها به، فهي قوى  استمرت على اجترار مفاهيم وشعارات عائدة الى حقبة ماقبل الصدامية، ولم يكن من بينها من يمكن او تجوز نسبته الى التمخضات الداخلية خلال فترة الحرب الامريكية الاولى 1091  وانتفاضة شعبان، سوى "التيار الصدري"، وهذا كان يعاني ومازال من فقدان القيادة بعد مقتل زعيمه ومؤسسه "محمد صادق الصدر" وانتقال القيادة لشخصية غير مؤهلة، وعاجزة كلياعن التناغم مع المستجات المعقدة الناشئة، وهو ما اثبتتة التجربة لتظهر تخلف التيار الهام المذكور عن التفاعلية الحية مع المتغيرات التي اوجدها الاحتلال وانهيار الدولة وعودة القوى الحزبيه الاسلامية وغيرها تحت مظلة الغزو.

 طرف او مركز اخر مهم كان حاضرا هو "المرجعية النجفية"، وهي الاخرى من قوى الداخل التي لم تهاجر، وظلت في مكانها متحملة تبعات اضافية غير عادية، تحتاج متابعتها لوقفة اخرى (  سنتعرض لمسارات وضع المرجعية بظل الصدامية في مقاربة لاحقة بعنوان "السيستانية بمواجهة الخمينية " ننوي نشرها متسلسلة هي الاخرى لاحقا) وكاجمال مما يمكن ملاحظته وقتها، فان هذا الموقع القيادي كان مضطرا للتعامل في ظل الفراغ الناشيء مع وضع غريب، تزدحم فيه كل اشكال وصنوف اختلالات الوضع القيادي المرجعي منذ مابعد ثورة 1920 وما اعقبها من استهداف مخطط وموضوعي لدور النجف وموقها القيادي الاستثنائي، انتهى لاخراجها الى حد بعيد من دائرة الفعل القيادي الوطني، فحوصرت بالمشروع الحداثي المزدوج على مستويي الدولة المركزية والمعارضة،  ما ولد نوعا جديدا من التفاعلات، افضى في النهاية ومنذ الخمسينات لتمخضات من نفس طينة المرجعية ومذهبها، تتوسل اساليب مستحدثة تحاكي اشكال تطور العمل السياسي الاسلاموي في العالم العربي نظريا وفي الاساليب التنظيمية والدعوية، وقد جاء ذلك بالضبط على حساب المرجعية التقليدية، مع انه اكتسب في لاوعي منشئيه صيغة ثارية، حفزها اختناق المركز القيادي  الذي سبق وتشكل منذ القرن الثامن عشر، الى ان تجسد في " الدولة المدينة " اللادولة، وارفع مبتدعاتها  العراقية الصرف: الاجتهاد، والتقليد ، والحوزة.

 هذا العالم الحزبي المستجد، بدا بالاضافة لقوة ضغط الحداثة العلمانية الايديلوجية الصاعدة والطاغية منذ العشرينات على مستوى الدولة، ومنذ الثلاثينات في مجال المعارضة ك"شيعية جديدة"، او موجه شيعية تنتمي لزمن الحداثة وطغيانها، نتعرف عليها في ابرز واكمل تجاربها "حزب الدعوة" منذ النصف الثاني من الخمسينات، وبالاخص تراوحه بين "تجديد المرجعية" باقتراح مفهوم "مرجعية الميدان"  او " المرجع مبسوط اليد" تعبيرا عن الطابع المتعدي للمكان، او الذي كان محددا حصرا "في عاصمة مدينية كما في حالة مدينة النجف"، وفق ما كان يرى محمد باقر الصدر، ومن بعده الصدر الثاني، وبين صيغة " الحزب" الذي استقر عليها الدعوة، وهذه بلا شك مع تفرعاتها، هي اهم التجارب المتصلة بتبدل حالة وموقع المرجعية كقيادة وطنية مختنقة تحت ثقل الحداثة الايديلوجية الحزبية، على صعيدي الدولة والمعارضة.

  عدا ذلك تبلورت حركات تناسلت عن تراث المرجعيات وراثيا، مع قدر من الاستجابة للتطورات الحاصلة في مجال حركات وتيارات الاسلام السياسي، مثل تيار ال الحكيم المسمى"المجلس الاسلامي الاعلى" وهو حركة لاسند لها ايديلوجيا او تنظيميا محكما، هذا غير بعض المليشيات واقدمها مليشيا "بدر" او التشققات اللاحقة مثل "عصائب اهل الحق" الخارجة من عباءة التيار الصدري، ذلك سوى تيارات مهدوية اخرى، ومليشيات متعددة ظهرت لاحقا مثل "حزب الله العراقي" وغيره، مما يجعل الوسط الشيعي عالما متعدد الرؤوس ومتباين التوجهات، وغير موحد، اي  يفتقر للتطابق بين الطائفة كطائفة وتمثيلها السياسي او المذهبي.

 ولايمكن وسط عالم كهذا متعدد الرؤوس تصور انعدام نزعات التزعم، اوالرغبة في احتلال موقع الارجحية القيادية، ومحاولة اكتساب الشرعية الوطنية بظل فراغ تاريخي فجائي في حيز السلطة، غير انه وبالبحث عماكان يلعب دورا اساسيا في ضبط توجهات مراكز القوة داخل مجال الطائفة بالدرجة الاولى، لانجد اكثرمن قوة حاسة حيازة السلطة، مع الشعور بافتقاد الشرعية والتبرير، ولم يكن كافيا اقتراح المحتلين الامريكان ل "مجلس الحكم" كاطار هو امتداد لتحالف قوى مؤتمري "لندن و "صلاح الدين"، فتبرير الاحتلال كان شانا يفوق قدرات قوى غير خلاقة، ومفوته تاريخيا، وبلا خطاب مقنع، او براعه تنظيمية، ولم يكن ثمة من وسيلة يمكن التعويل عليها وركوبها في حينه غير "الانتخابات" باعتبارها هي " الديموقراطية"، وفي مجتمع بلا خبرة على هذا الصعيد، ومن دون تراث وليس لديه خبره فكرية او سياسية او مؤسساتية في هذا المجال،  وعانى طويلا من التسلط والدكتاتورية، اصبحت صياغة الدستور والاستفتاء الشكلي عليه عام 2005 بمثابة اللاحمة بين مجتمع بلا وجهة  ومقطوع الراس بلا تمثيل مطتابق، مفتت ومسقطة عنه  سلطة دولة انهارت فجاة، واطار من خارجه، مركب ومقحم عليه، لم  يفرزه عضويا  ولم يتشكل من داخله.

  وقتها لم يكن امام تلك القوى  غير ان  تمنح اقصى ولائها للمرجعية  النجفية، فعادت الى " الاصول" التقليدية، وعظمتها براغماتيا على أمل نوال مباركتها، وحين اوصى المرجع الاعلى انصارالمرجعية ومريديها بالتوجه لصناديق الاقتراع في حينه، كسبت قوى العملية السياسية القدر الذي تحتاجه من مقومات "الشرعية الضرورية"، ومن هنا بدات بالانطلاق عملية اقامة السلطة المركبة من عنصرين غير متلاحمين ولا "معجونين" في صحن السنوات والتجربة الحية.

 

دولتا الريع المتعاقبتان

 

على المستوى الذاتي وفيماعدا الحماية الاحتلالية التي كان يؤمنها الغزوالامريكي، اتكأت "العملية السياسية الطائفية" في تأسيساتها من عام 2005 تاريخ اول انتخاب بعد كتابة الدستور  والاستفتاء عليه، الى حاملين: المرجعية وموقفها، وعوائد النفط المتعاظمة. وكان ماحصل مع فرسان تلك "العملية" له مايصله من حيث المصادفات، او مايسميه مكيافيلي  التداخل الغامض بين القدر  والحظ "فيرتونا"، بفصل من تاريخ العراق القريب والخطير، يعتبر مناقضا له على طول الخط. فنظام صدام حسين صعد سلم الاستقلال الريعي عن المجتمع بعد 1973 غداة حرب تشرين، وحصول ازمة الطاقة، وتعاظم موارد البترول المفاجيء، وهو كان بحاجة ماسة لرعاية "الكاهن" قبل ان تتاح ممكنات اطلاق يد " الجلاد"، فكان يتوسل الاجراءات والقرارات " التقدمية" المطمئنة، فيوما الاتفاق مع المانيا الديموقراطية، ويوما قوانين جديدة في الاصلاح الزراعي، عدا عن "اطلاق سراح السجناء السياسيين"، والاتفاق مع الاكراد عام 1970، وكل هذا والجهود لم تتوقف على طريق الصفقة الاكبر مع الشيوعيين، وهو مالم يتحقق الا في حزيران 1973، اي في العام نفسه الذي امطرت السماء فيه  نفطا ليغدو المزيج النفطي "التحالفي" قوة ارتفاع بنظام الصدامية الى السماء،  لحظتها دق التاريخ  نغم الصعود ب"الصدامية" الى القمة على مقربة من مقاصدها العليا التحويرية البنيوية.

  كانت "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" وتوقيع ميثاقهاعام 1973 ليس باقل  ضخا للروح في هيكل بلا سند فعلي، يطمح، او هو معني بانجاز مهمة تاريخية غاية في الخطورة، من رعاية المرجعية النجفية  ل"العملية السياسية" الحالية، فلكل زمن ولحظة قواها ودلالات مواقف فاعليها، و"العملية السياسية الطائفية" الحالية، حظيت هي الاخرى بتلاقي الذراعين المفتولين: اسناد النجف، والارتفاع غير المسبوق في اسعار النفط عالميا الى مافوق ال 100 دولار واكثر، ولان قوام ونسيج "العملية السياسية" ومادتها البشرية اي " نواتها الصلبة" متدنية الوعي، وادنى وعيا من مقتضيات قيادة الدولة، والوطنية، ولانها تقوم على فراغ، ومن دون مكرهات ضاغطة من اسفل  تعين "حدود القوة"، او مدى السلطة، فلقد تحول احد الذراعين الى مبرر وسبب ودافع مغري للتملص من الزامات او اشتراطات الذراع الثاني، وضوابطه على الاقل الاخلاقية البديهية والمتعارف عليها في مجرى الممارسه.

 وبهذا وفي فترة حكم المالكي بالذات ( وهو من يمثل اصدق تمثيل اقصى ممكنات هذه اللحظة   بقدر مايمثل مآلاتها وانحدارها)، فقد تعززت نزعة هي بالاصل وعلى مستوى انتماء وانحدار حزب المالكي، محاولة استقلال "شبه مدني" من قبل حزب اسلامي ما بعد " مرجعي، عن "المرجعية التقليدية"، ففي هذا الميدان ينسى المحللون تاريخ التشيع العراقي ومحطاته، وظواهره وتمخضاته وتفارقات قواه، ولايولون اهتماما، لمغزى ظهور "حزب الدعوة الاسلامية العراقي" بعد عام 1957،  ولا لدوافع واثر هذا التطور في التمثيل  والقيادة الشيعية،  بظل متغيرات واختلالات الدور المفترض ابان فترة تصدر التيارات العصرية العلمانية للمشهد على مستويي الدولة والمعارضة وطنيا بعد عام 1920. ولو تصدر "العملية السياسية" ابان فترة المالكي شخص من غير "حزب الدعوة"، لكان تصرف هذا اختلف، ولكانت علاقته بالمرجعية خضعت لاعتبارات اخرى ودوافع  مغايرة، ولو كان هذا مثلا من تيار "آل الحكيم" كما كان محتملا ان يحدث بالفعل ابان المنافسه بين المالكي وعادل عبدالمهدي، مع انهما من طينة واحدة اجمالا، لتغيرت الكثير من التفاصيل واشكال الممارسة على مستويي هيكل السلطة/ الدولة المفترضة، كماعلى المستوى الوطني العام.

  ولم يكن من يمثلون "العملية السياسية" ابان قمة صعودها وتظافرالعوامل المساعدة على  اقصى اشكال فعاليتها، يدركون معنى انهيار الدولة "المركزية الحديثة" بعد 82 سنة من قيامها، وغاب عنهم  تماما التفريق بين "الدولة كنصاب اجتماعي تاريخي" يعود لجهد العراقيين وثروتهم وتجاربهم المريرة خلال تسع عقود من التاريخ الحديث، وبين "الدولة الصدامية"، واذ هم بالغوا في الغاء  وانكار"دولة المجتمع" او "حصة المجتمع" من الدولة، فلقد كان لزاما عليهم بوعي ومن دون وعي، ان يحيلوا كل ما مضى الى ذمة رمز مشيطن هو "صدام حسين". ومن هنا تاتي اللاعقلانية المريعة، والرغبة الغائية للتبرير بقصد السيادة السياسية والتغلب غير المشروع، ولم يكن ذلك منفصلا عن  ضحالة "الثقافة" الانشائية المميزه لكل الاحزاب العراقية لدرجة تصديق ظاهرة كاتب بدائي في علم الاجتماع مثل المرحوم "علي الوردي"، على اعتباره مفكرا فذا،  وكل ذلك كان متوقعا ان يعزز الميل الذاتي الحزبي مادون الوطني، وفي اقصى الحالات الطائفي على دوافع وممارسة المعنيين ب" العملية السياسية الطائفية" ورمزها نوري المالكي.

 وعلى هذا المنوال افترقت ذاتية "العملية السياسية" ومقاصدها وخططها مع الوقت عن تلك التي  تريدها المرجعية وتراها منسجمة مع توجهاتها، ومع ماكان بدر من المرجعية من مواقف بماخص الاحتلال الامريكي، والايحاء برعاية "العملية السياسية"، وهو ماسنتطرق لخلفياته في (  السيستانية بمواجهة الخمينية)،  وجد السيد السيستاني والمراجع الكبار انفسهم هم ايضا وقتها مسمرين امام  حالة الفراغ المتولدة عن انهيار الدولة الصدامية، فكانوا مجبرين على تحمل حصتهم منها/ وليس هنا مجال معالجة تلك المواقف ومدى صوابيتها او انطباقها على المقتضيات الوطنية والاسلامية وسنؤجل ذلك لمناسبة قريبة قادمة/، مركزين هنا على الفترة التي انتهت بالتفارق بين المرجعية النجفية و"العملية السياسية" وما انطوى عليه ذلك الفصل من احداث ليس الان اوان تمحيصها والبحث فيها،  علما بان ما اتيحت لنا معرفته، وماهو ظاهر للعيان، ان العلاقة بين المركزين،"العملية السياسية الريعية الطائفية" من جهة والسيد السيستاني ومايمثل ومن يمثل، انتهت الى تباعد  تجلى اخيرا في عزوف المرجع عن اللقاء بمثلي السلطة الجدد، الطائفيون المحاصصاتيون الفاسدون.

  تفترق حالة الريع المركبه على جهاز دولة قائم، وله تاريخ كما الحالة ابان "الصدامية"، عن الريعية مع انهيار الدولة، حيث اعادة بنائها هي الاولوية الاولى، لامجرد تحويرها واستعمالها لاداء وظيفة محددة بعينها، ف"العملية السياسية الطائفية"، لاتملك في افضل حالاتها سوى اجهزة  ووسائل محدودة وغير منسجمة  بنيويا مع مهمة من نوع بناء الدولة، فالمتوفر هو من  بنى "ماقبل دولة"، وفيما عدا الحزب المجبر على الخضوع للقائم بنيويا، ليس هناك سوى العشيرة، و "الطائفة" بحالتها المزرية التي وجدت عليها بعد تجربة الدولة الحديثة الاكراهية، واللعب على هذه الادوات ليس حكرا على طرف دون طرف بما في ذلك الطرف الذي يتاح له ان يحكم، فالاستبداد الاحادي وان رغب به الراغبون، كان يفتقر لجهاز الدولة اصلا، وهذه انهارت، في حين لم يبق من مقومات "الشرعية" سوى الانتخابات المحاصصاتية التي ينبغي تضخيمها  وتسويقها على انها "الديموقراطية"، ولو لم تكن الدولة قد انهارت وقتها، لشهدنا حتما سيرة تصفية من قبل الحزب الذي يحوز السلطة لبقية الاحزاب والقوى على الطريقة الصدامية، وهو ماينسجم تماما مع بنية الاحزاب المتصدرة للمشهد العام، وما اكده سلوكها الاجمالي، وبما ان مثل هذه الالية لم تكن متاحة، فلقد جرى التركيز على الطائفة والعشيرة، مع تقديم لدور الطائفة  باعتبارها وسيلة سيادة على المستوى الوطني، وموطن ضمان الانتخابات حيث يظهر اثرالريع واستخدامه، سواء لارضاء الجمهور بالاعطيات متعددة الاشكال، اوتضخيم الاجهزة الامنية والعسكرية عشوائيا، ورفع رواتبها من قبيل ارشائها، ما اشاع جوا شكليا ومصلحيا  من الرضى، مازجه قدر من الاكتفاء الطاريء، شمل قطاعات مهمة، كانت في الحصيلة تشتم الحاكمين  الفاسدين وتصوت لهم.

  هذه الوجهة كرست ممارسة محاصصاتيه واكراهية دون وطنية، طابعها الفعلي جزئي، فبالاستناد للاغلبية الإنتخابية، امكن فرض ارجحية طائفية حكمتها اعتبارات لاتشذ عن الغرض الطائفي العام بين المتحاصصين انفسهم، بينما سادت داخل المحاصصة عموما ممارسة ارضائية زبائنية شاملة، ارتقت لمستوى القانون، قاعدتها اشباع متطلبات الاحزاب المتحاصصة ماديا بتسويغ واتاحة نهب المال العام، وتسييد قانون "الدولة الغنيمة" او " الدولة كمصدر رزق واعتياش"، ماجعل من حالة النهب والفساد قاعدة للوضع القائم،  لايمت بصلة لمنطق الدولة باعتبارها نصابا مجتمعيا، ومركزا تتجمع عنده الارادة والطاقة الوطنيتان، ومثل هذه السيرة والالية كما سادت، يستحيل ان تنتج عنها مشاريع لها طابع المردودية الوطنية الشاملة، في وقت قامت فيه وتضخمت،  اشباه مؤسسات وهياكل هشة منخورة، تعج بالفضائح والممارسات النهابة والبطالة. الامر الذي انتهى لكارثة مدوية وفضيحة دراماتيكية في 10 حزيران 2014 يوم سقطت الموصل وثلث مساحة العراق، وهددت بغداد من قبل "داعش"، ليسجل في حينه اكبر انهيار لمشروع زائف اوحى كذبا  باعادة بنا دولة، تسبب في سحقها الغزو  الاجنبي والاحتلال الامريكي، لتضاف لتلك الخسارة التاريخية المليارية، مليارات من التبديد العبثي لثروات وحياة وجهود وعرق العراقيين، فاذا بالجيش الجديد مجرد بناء كارتوني فضائي، واذا ب"العملية السياسية" جريمة  وخطا تاريخي من لحظة اوسياقات تحققها الاولى.

 يوم اصدر السيد علي السيستاني فتواه ب "الجهاد الكفائي"، كان هو قد قررتحمل مسؤولية خطوة ثقيلة جدا، فمثل هذا الموقف لم يسبق ان جرى الاقدام عليه منذ قرن من الزمن، فلم تصدر فتوى من هذا القبيل من مرجعية النجف سوى في 1914 يوم نزل الانكليز في الفاو جنوب العراق. الا ان اللحظة التي وجد المرجع السيستاني نفسه بازائها وقتها، كانت تتعدى مجرد الدفاع عن بغداد والعراق، ذلك ان الفتوى سلمت عمليا السلطة للشارع، مع مجازفة وقوعها بيد الجهة مصدرة الفتوى، وفي كل الاحوال نشأ وقتها "الفراغ الثاني"، بينما صار على المرجعية ان تتصدر هي المشهد، وتبدأ استلام  السلطة عمليا من يد القوى الحزبية وغيرها من التيارات المتحاصصة،  العاملة على تكريس مشروع " دولة" مستحيلة في ظل الاحتلال، وطبيعة تكوين  وبنية القوى المتصدية لاعادة بناء الدولة. وكما نعلم، فان قرار السيد السيستاني سبقه قبلها موقف، كان المرجع بموجبه قد بدا يبتعد عن ممثلي العملية السياسية المحاصصاتية، حتى وصل الامر به الى رفض استقبالهم، والامتناع عن منح اي منهم التزكية، بينما صار معلوما لدى الجميع ان المرجعية تدين الفساد والنهب المستشري، وكل مظاهر المحاصصة ونتائجها، ولاتقبل الممارسات الطائفية الاكراهية الفجة.

  مايثير الانتباه في المآلات ومسارات "الفيترونا" الميكافلية  حين تقاس على مصير العراقيين بين القدر والحظ وتداخلهما الغريب الغامض، لاتخلو المروية الحالية  والمتكررة من ملحمية مستمرة، فالانهيار بعد 10 حزيران 2014 مالبث ان تبعه سقوط الذراع الثاني، مصدر الريع الذي تعكز عليه  ممثلو "العملية السياسية الريعية الطائفية"، وحين جاء العبادي بدل المالكي، كان حتى بلا سلطة وهمية تمتع بها من سبقه، وبلا قدرة ربما حتى على دفع رواتب موظفي "الدولة"  الفضائية التي انشأها الذين ترأسوا الوزارة قبله.

التشكل الوطني غير المتناسق

في اللحظة الحزيرانية عام 2014 ، كأنما تذكر التاريخ قاطرة متوقفه في قلب الزمن صار من المقدر استئناف دوران عجلاتها، لكن العقود المحتدمة بالاختبارات والخيارات الكبيرة  والاحداث لاتمردون ان تترك اثارها فوق سحنات الاشياء والناس والظواهر والاسس المكونة، فالمرجعية والقبلية اللتان توقف فعلهما منذ العشرينات بعد انفجار ردة فعلهما الكونية ضد الاحتلال الاجنبي الكولونيالي الانكليزي عام 1920،  ظهرتا بعد عام 2003   تتمطيان على سرير التاريخ  قبل ازاحتهما غطاء عقود من الغفو القلق، وتتهيئان للنهوض لابدافع الرغبة او عودة الوعي، بقدرما  بدفع  اليوميات التي اعادت للحضور القيادي الفاعل ضرورته،  وان كان مايزال يتثاءب قبل ان يشرع بالحبو في وادي التاريخ المقفر من جديد.

 كان المدى المفتوح امام هذه القوة التي هي من نفس طينة وعينة نبت التاريخ الطويل الموغل، وتشبهه بنية وتعبيرا ودورا بعد القرن السابع عشر والثامن عشر، قد تغير  كليا، فلم تعد للعمل خلال السنوات الاولى من فترة مابعد انهيار الدولة، المحركات الموروثة التي حولتها منذ مابعد عودة التشكل الوطني الحديث في  القرن السابع عشر الى مدينة "دولة لادولة"  مرتكزه للتجديد الديني، ومتدامجة ومتطابقة بنية وتكوينا واليات مع محيطها التشاركي المساواتي، محتلة موقع السلطة العليا فيه من دون  "احتكار وسائل القمع" شرط السيادة في الحكومات القاهرة،  هذا غير انها وجدت نفسها اليوم موضوعه بازاء مهمة تفوق وتتعدى ميدان فعلها التقليدي المنقضي والمتوقف عمليا طيله قرابة عشرة عقود، فالافق الشامل  والعام على مستوى الكيان العراقي برمته، صار اجباريا، وهو بكماله الجغرافي والمجتمعي وعلى اتساع مداه، صار  الزاميا  لتحقق فعالية وذاتية وضرورة هذا المركز القيادي الوطني  الذي لم يكن قد اضطلع من قبل باكثر من مهمة جزئية تتعلق بارض السواد بمواجهة الاحتلال العثماني، فالتشكل الوطني العراقي بدا وتوسع ليشمل ارض السواد برمتها تقريبا تحت وقع الصراع مع السلطة العثمانية، وبالضد من جهودها الحثيثة والمستميتة الهادفة لاخضاع العالم الزراعي المساواتي، فكان الاندماج بين النجف كقيادة ودولة مدينة مع محيطها وبحرها الفلاحي المسلح والمنتفض بلا توقف، متأت من قوة فعل اليات بنيوية موضوعيه وتاريخية بقيت  قبل الصدامية ثابته  وفعالة.

  لقد كبرت المهمة كثيرا واتسعت كما لم يكن متخيلا، وكان انهيار عمل الحداثيين المضاد لتلك القيادة المجبره اليوم على الانبعاث، قد ترك بانهيارة : اولا تخريبا بنيويا بالريع والحزب العقائدي "الصدامية"، وثانيا توسيعا اصبح معتادا وقارا كواقع سياسي وجغرافي ومجتمعي لايجوز ممارسة الدور القيادي الوطني بعد تكريسه المستمر من عام 1920 من دون  الاجابة عليه والطموح للتناغم مع مقتضياته،  وعلى وقع هذا كله، وجدت قيادة النجف نفسها تحت ضغط  همين متضاربين ومتناقضين، نقص لابل غياب للاليات البنيوية بعد فعل الصدامية الريعي التحويري، واتساع في المهمات جغرافيا ومجتمعيا، الامر الذي سينعكس بصورة ارتباك ملحوظ وبطء وتلكؤ، تجلى تضاربا بين الاستجابه الوطنية التي انطوت عليها فتوى "الجهاد الكفائي" بعد سقوط الموصل، وبين  ضعف وتراجع النفوذ المطرد للمرجعية على القوة المدعوة ب "الحشد الشعبي"، مع انها هي التي اوجدته لتغدو ايران بقوة قدراتها التسلحية والماليه والقتالية المليشياوية، ارجح حضورا وتاثيرا عليه، ماقد قلص الى ادنى حد  من جهة اخرى حضور طرف ثالث هو من خلف المالكي  على راس مشروع السلطة المحاصصاتيه بالاخص بظل غياب الجيش منذ انهياره وتشتته اثر دخول "داعش"" للموصل.

  ولم تكن اعادة ترميم الوطنية العراقية من بين الموضوعات المطروحة على جدول اعمال المرجعية كقضية مدركة، فما كانت قد اضطرت للاقدام عليه من خطوات سواء في ضغطها على المركز السلطوي المتحاصص الفاسد ومن ثم مقاطعتها له، او في المجازفة باخذ زمام ادارة الاوضاع عبر "الحشد الشعبي" تحت وطاة ضغط "داعش"، كان بالاحرى من قبيل الانجذاب الغريزي غير المقنن، ولا المنظر له،  وفي الاجمال غلبت العفوية وتراكمات الخبرة التقليدية في الوقت الذي لم تظهر فيه اية ملامح دالة على فعل لمركز سياسي او فكري قابل من خارج المرجعية على تحويل الخبرة الحداثية المنهارة الى هيكل مشروع او مايقاربه،، يمكن ان ينطوي على قدر من المقومات الاولية الصالحة للتعميق.

 ولا يمكن  البحث عن ظاهرة كهذه الا  باعتبار ماقد تبلور من حالات هي الاخرى عفوية ومابعد حداثية، اتسمت بالعملية، وامتازت مثلها مثل المرجعية بالافتقار الى  مفهوم جاهز او صالح يؤسس لاعادة متطابقة مع الوضع لبناء الوطنية مابعد الدولة الحديثة الاكراهية، وفي مثل هذه الحالة  عن على الفكر ميل يريد النظر الى الماضي الحداثي، والى النخبة العراقية الحديثة وتجليات دورها ومفاهيمها المغرقة بالايديلوجا، والمتطابقة مع اشتراطات  الخارج، سواء بالتناغم  مع شروط الاستعمار الكولونيالي عبر الدولة بعد 1921 او من خلال التيار الذي ناهضه مع الثلاثينات، استجابة  لشروط دولية متغيرة، مالبثت ان اصبحت مع الستينات بمثابة نظام دولي تحكمه القطبية. والنمطان  المتناغم منه مع الغرب الكولونيالي، كما مناهضه الايديلوجي، هما قوى ساعية لتدمير وسحق وتحوير بنية موقع  لاتندرج خصوصياته تحت  اشتراطات العصر الراسمالي الاوربي، ولا القطبي المتشكل من الاستعمار الجديد والاشتراكية البيروقراطية.

   ومع ان الايديلوجي ينظر للعالم ايديلوجيا، فان المرء لايمكنه الا ان يستغرب لابل ويذهل من مستوى الادقاع الذي اتسمت به تجربة القوى الايديلوجية واحزابها. ومع كل الدوي الذي رافق او جاء بعد انهيار الصدامية، مازال هذا الوسط يحكي قصة عقم ما دون وطنية، وهو اليوم متصاغر ومتدن بالمقارنة بما تتطلبه قضية اعادة بناء الوطنية العراقية من مهمات تشمل عالم الافكار والوعي، وليست هذه المعضلة بنت الساعة او نتاج الظرف الحالي الذي يتزايد فيه حضور المرجعية كقاعدة وركيزة لاستعادة قوام فعالية وطنية يفترض حسب الظرف ان تكون متعددة المصادر، فما يعيشه العراق الحالي يكرر مرة اخرى اشكالا تاريخيا، تجلى على طول تاريخ العراق ببقاء الوطنية بمستواها الحسي، أي بحدود الوعي "بالذات"لا الوعي " للذات". فتعذر على طول التاريخ هنا الانتقال الى الادراك، بينما ظلت الغريزة سيدة الموقف.

 وحيث تذكر "الوطنية الحزبية" بجانب السيستانية الصاعدة فلكي لاينسى، او يستسهل الاعتقاد بان الوطنية العراقية قابلة في الوقت الحالي لاعادة الصياغة سواء في مجال العمل او التنظير، او كليهما، فالسيستانية تتقدم حاليا باتجاه حيازة موقع مؤثر قد يوحي برغبة، او طموح، او  استجابة تفرضها المسؤولية قي لحظة فراغ تاريخي خطر، او لان الحياة تكره الفراغ، فعدا ذلك لايمكننا ابدا وضع اليد على عامل بنيوي، او قوة اليات بنيوية وتاريخية من شانها ان تضمن  حفظ مستقبل واتجاه سير الظاهرة الناشئة، واذا كانت الظواهر التي يمكن عدها في خانة التراكم  المطرد داخل ساحة السيستانية، متصلة وتترى ضمن زخم ملفت، الا انها بلا شك،، ماتزال لم تنظم او تنتظم  كسمفونيا على يد مايسترو يؤالف بين نغماتها، ومع ان الفيرتونيا  أي التفاعل الغامض بين القدر والحظ، لعبت هذه المرة وهي لاتتوقف عن اللعب  لصالح السيستانية، الا ان هذه الاخيرة ظلت تتصرف احيانا بطريقة تجعل المتابع قليل الثقة بان الاشياء والاحداث موضوعة لدى المرجعية السيستانيىة  داخل مطبخ العاجل والاستثنائي والغير قابل للتاجيل او الاهمال.

  فقضية النفط فتحت افاقا هائلة كان لابد للمرجعية ان لاتتركها بلا  معالجة ملائمة للحظة وللاحتياجات القيادية الوطنية، والتدني الخطير في اسعار البترول، والازمة  التي يتوقع ان تنجم عنها، لم تستدع من السيد السيستاني استعانة بذوي الاختصاص، ولا سمعنا انه بادر لتشكيل "لجنة طواريء نفطية" محاطة باختصاصيين في الشؤون الاقتصادية، يكون همها اعادة النظر في المسارات الريعية، وصولا لجعل هذه القضية الاقتصادية الاستثنائية منطلقا لتعزيز خطاب وطني تعبوي يبشر بقلب الاقتصاد العراقي واعادة هيكلته، هذا مع العلم ان هذه المسالة التي اعطت ايام المالكي لقوى "العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية" دفعا ساعدها على الاستقلال حتى بازاء مرجعية النجف،  عادت لتتحول الى عنصر اضعاف لابل والى عامل مهدد لموقع العملية السياسية.

 بالمقابل يلفت الانتباه  الاداء المبادر والحكيم ابان تصاعد تظاهرات الاحتجاج المطالبة بالاصلاح في الصيف الماضي، فلقد بادرت المرجعية في الوقت المناسب لحماية التظاهرت، واسهمت في توجيهها، ومنحتها زخما وقوة ازاء  القوى المضادة لها، وبالاخص التيار الموالي لايران، بحيث ادى الاصرار على ادماج زخم التظاهرات  بالنشاط المرجعي الى خلق حالة فرز تمايز واضحة، تقف فيها المرجعية والمتظاهرون واجزاء هامة من الحشد الشعبي ضمن جبهة واسعة عراقية عامه، ويقف الطرف الميال لتبني السياسة الايرانية في خندق، بينما القوى المتناغمة مع السياسة الامريكية تتجمع في خندق ثالث.. هذا ومازالت المعسكرات  والخنادق تنتظر احداثا وجولات قبل ان يصل التمايز بينها درجة ظاهرة للعيان، وملموسة في الداخل العراقي قبل ان تلاحظ في الخارج..

"الظهور" والمواجهة مع الخفي الاكبر؟

كلما مر الوقت كلما وجدت المرجعية نفسها مضطرة للحضور والانغماس المباشر في الاحداث، فهي تعلق اسبوعيا عبر ممثلها في كربلاء على المجريات، وتكاد تدخل عالما من الممارسة لم تعهده مثيلاتها ابدا ولم يسبق ان فكرت به، فالمعتاد والثابت في ممارسة المرجعيات ان تظل بعيدة عن التفاصيل السياسية كليا، معتمدة نمطا او تاكتيكا يتسم بال "عزلة"، تعلمها منها حتى بعض السياسيين  القريبين من اجوائها، واشهرهم "جعفر ابو التمن" زعيم "الحزب الوطني العراقي" في العشرينات وابو الحركة الوطنية الحزبيه الايديلوجية، فكان يمارس "الاعتزال" ضمن تكتيك ايجابي، اتسم على عكس  مايميز سلوك المرجعية بالتقطع وعدم الدوام، واستعمل في المنعطفات كنوع من "الاحتجاج"، يتم اللجوء اليه في الظروف الصعبه او القاهرة، او التي كانت الحركة الوطنية تعجز خلالها عن ممارسة دورها بفعل الخذلان داخل معسكرها، او الضغوط القاهرة المسلطة من السلطات الملكية الحاكمه ومن ورائها.

   وليس هذا بالامر العابر، بالاخص وانه قد تحول في بعض لحظاته الى موقف يكاد يكون خارقا، ولا مثيل له في كل تاريخ التشيع العراقي، فمنذ عدة اسابيع خرج ممثل المرجعية في كربلاء خلال خطبة الجمعة المعتادة ليطلب الى الشباب والمسلمين كافة، التهيؤ والتدرب على حمل السلاح  استباقا لماهو آت من احداث عظمى، على رأسها وبمقدمها "ظهور المهدي" الذي ورد في الخطبة ان الدلائل والعلامات تترى مؤكدة قرب حصوله، ومثل هذا الاعلان  برغم استثنائيته، الا انه يصيب ارضا خصبه شهد العراق خلالها ظهور مايقرب من تسع حركات "مهدوية"، من ابرزها "حركة اليماني" و"جند السماء" و"السلوكيون" عدا عما يوحي  ويقتنع به اخرون بما فيهم التيار الصدري، وجماعات في ايران، الامر الذي يجعل من مسالة " المهدي" من اكثر الظواهر دلالة ضمن التمخضات الفكرية والدينية السياسية في الربع قرن المنصرم من تاريخ العراق،  بقدر دلالته على سبات وموت  ماقد يعرف ب "الثقافة العراقية" العلمانية واليسارية ببنيتها الانشائية التقولية الايديلوجيه، وضآلة وانغلاق افقها، وانعدام حساسيتها ازاء  حركة الحياة والظواهر ومدلولاتها.

 ذلك في  حين لم تتوقف المواجهة بين "المرجعية" والمهدويات على كثرتها وخطورتها احيانا، كما كان الحال مع حركة "جند السماء" حيث عرف بان المرجعية كانت مهددة مباشرة وبالعنف واستعمال السلاح،  استنادا لدعاوى تلغي المرجعيات  بالقوة والتصفية الجسدية باسم "المهدي". وتدخل هذه الناحية او التطور الملفت داخل التشيع، بالاخص في الفترة الاخيرة من "الصدامية" وبظل الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضا على العراق في التسعينات،  وصولا الى ما بعد الاحتلال، وقيام "العملية السياسية الطائفية" بصفتها ثقلا وتحديا اخر على المرجعية عالجته  بعدم الرضوخ والعقلانية،  فانكرت بالصمت دعاوى مدعي المهدوية بما في ذلك ايحاءات التيار الصدري على الرغم من قوة وثقل حضوره.

  وقد يعتقد بعض الملتزمين بتلك الحركات المهدوية، او بقاياها، بان موقف المرجعية الاخير يقصدها ويريد الاجهاز على باقي متبقاياتها الفكرية او التنظيمية، كما ان البعض يمكن ان يداخلهم الظن بان هذا الموقف، ياتي مصداقا لماذهبوا اليه هم من قبل، فالاعتراف الاخير والتبشير المرجعي ب "قرب الظهور" قد يستعمل من قبل هذه الحركات وبعض مدعي المهدوية شخصيا، كدليل على صدق ماكانوا ادعوه قبلا، ممهورا هذه المرة من المرجعية بذاتها، وليس من الصعب والحالة الايحاء بان المرجعية " اضطرت اخيرا" للاعتراف بما هو حقيقة قريبة وعاها واحسها اولا ومبكرا، اناس من خارج المرجعية او هم ممهدون مكلفون الهيا من دونها.

 كل هذه المواطن، أي :"المهدويات"و "وتبدلات اداء المرجعية" و" تدني حضور المفهوم العلماني المواكب"، تلقي اليوم  في المجرى العراقي الحي مولدات على الهم العراقي التاريخي، يسم الوطنية مجددا انشغالاتهاعند لحظة ومرحلة، يكاد ملمح اعادة الولادة يكون هو الحاكم والناظم الاساسي الطاغي عليها، ومع ان موقف المرجعية الاخير غير المسبوق تاريخيا على مدى تاريخ التشيع يتسم بمغزى سياسي آني، قصدت المرجعية منه المزيد من احراج الموقف الايراني التدخلي في الشؤون العراقية، الا ان  تداخل هذا المقصد مع البعد المذهبي العقيدي الخطيرمن جهة، وعلى مدى اوسع، بعده الوطني التاريخي، يجعله متصلا بمقتضيات الكينونه العراقية الاشمل.

 ويمكن رؤية الاثر الذي يترتب على الاعلان المرجعي حول "قرب  الظهور" على الداخل الايراني، فمشاعر المهدوية الايرانية من شانها ان تتصاعد او على الاقل تضطر للانتباه وتركيز عينها على النجف، وهذا مما يثير خوف القيادة الايرانية، ويضعها امام احتمالات جديدة اقرب الى الهجوم المضاد المعاكس، سيكون في ظل  التركيب الايراني المجتمعي وتوزع التيارات داخل الحكم نفسه، بمثابة ضربة ليست هينة، يمكن ان تنتج عنها مؤثرات لاشيء يمنع من ان تتحول الى عامل تغيير في موازين القوى الداخلي، وبالاجمال فان هذا الاعلان مع احتمال رعايته وتعزيزه مستقبلا، سوف يجبر القيادة الايرانية على الانتباه الى كون المرجعية النجفية ليست بلا حول ولاقوة، وانها ليست اقل قدرة على الفعل في الداخل الايراني من فعل حكومة "ولاية الفقيه" في العراق، وقد يوجد من النابهين في ايران من يعيد الاذهان لذكرى مقتل ناصر شاه على يد المرجع" حسن الشيرازي" الذي اصدر بصفته العليا فتواه بتحريم التنباك، بالضد من ارادة حاكم ايران الذي كان يصر على تدخين اركيلته، متحديا فتوى الشيرازي، فاجبر خادمه الخاص على تحضيرها، مادعا هذا الاخير لاستلال خنجره وطعن الشاه فارداه قتيلا صدوعا لامر المرجع الاعلى النجفي وتنفيذا لفتواه.

  لقد تغير الزمن كثيرا، الا ان بعض الحوادث ينبغي ان تستعاد حين  تلح المناسبات والمشابهات، وحين نكون قد اقتربنا من لحظة مابعد "الخمينية" و"ولاية الفقيه"، تصبح الدلالات التاريخية، ونوع منها، ذات  مغزى مختلف، فالتشيع الايراني واخر مبتكراته "الخمينية"، هو بالاصل ومن حيث النشاة قد ترعرع في النجف، وهناك القيت في ظل المرجعية محاضرات الخميني عن "الحكومة الاسلامية" وفي العراق اثناء انتفاضة "خان النص" بين كربلاء والنجف في العراق شهد الخميني اولى بروفات الثورة الاسلامية قبل اقل من سنتين على انفجارها، مبتعدا بها خطوات من اسر ونطاق المتاح مرجعيا ونجفيا من تعامل مع مسالة الحكم المباشر، وعلى اهمية التشيع الايراني ووزن ايران البشري والسياسي الاستراتيجي، فان من يتصدون عادة لقضية قيادة التشيع هناك، كما الحال مع غيرهم من حكام هذا البلد الاساسي اقليميا، يميلون الى التزعم على المسلمين الشيعه، وعلى المدى الاسلامي المحيط والقريب. وهذا التناوب حصل مابين العراق وايران في العصر الحديث، مع نهضة التشيع الحديث منذ القرن السادس عشر، فالصفوية  مع صعودها، تصورت ان نموذجها قابل للسيادة، وعملت على ذلك واعتبرته بديهيا كامتداد لها في العراق خاصة في الفترة العثمانية، عندما كان العراق تابعا، ومازال يغط في الحقبة الفوضوية قبل ان يعود للتشكل وطنيا بعد القرن السابع عشر.

  الا ان  مثل هذا التصور لم يثبت على المدى التاريخي، ولم تلبث الحركة التجديدية الناشئة ان شهدت افتراقا بين تشيع شعبي جذوره " لادولوية" عراقي، وتشيع سلطوي يكرر التاريخ الكسروي، الامبراطوري، لكن الظروف تبدلت اليوم، والتشيع العراقي لم يعد يتمتع بنفس دفع وقوة المحركات التي كانت ثابته تاريخيا قبل "الصدامية"، والعصر والاحداث لم تتوقف عن الفعل وعن احداث المتغيرات العميقة، وتوسيع المدى المطلوب الفعل في رحابه"وطنيا"، هذا عدا التداخلات الاقليمية المحتدمة، والعالمية المتغيرة بقوة، وسوى ذلك من مستجدات كانت طرات اصلا خلال القرن الماضي على حركة التشيع داخل العراق،  لتفرز تشكلات وافكار وقوى، من بينها تلك التي تصدرت اخيرا وبعد نهاية "الصدامية" والغزو الامريكي "العملية السياسية الطائفية" القائمة.

 فهل الافتراض الذي يخبئه التاريخ الان وبمناسبة ما اصاب العراق على مدى القرن الماضي من مسارات مضطربة، وتحولات وانقطاعات وانبثاقات وحروب، وسلسله ثرة من الانقلابات الشاملة، عنت بالعمق الاستحالة، وانتفاء فعالية كل مؤثرات العصر وعدم  قدتها على تكريس مشروع يتوافق واشتراطات الحداثة المتصورة والايديلوجية تحديدا، وهل العراق كما اوحى تاريخه في المجابهة الكونية الاولى مع الغرب عام 1920 قد افلح في التملص من اسر وقيمومة المفهوم الاوربي السائد، وكيف ياترى رسم مساراته الخاصة سرا في العمق، وابقى برغم كل شيء على وفائه ل"الخفي الاكبر"، ذلك الذي عاش بالعراق وعاش به العراق على مدى قرون مديده، تعود الى اولى لبنات حضارة الانسان، خفيا مغفلا بقدر ماهو فاعل وحاضر، وقد ان الاوان حتى يصبح معاشا،  فيتجلى للمرة الاولى في عالم " الشهود" عراقيا ..امبراطوريا/ كونيا.

 

أيضا المواجهة مع الخفي الأكبر

 

  يتراوح حضور العراق في التاريخ مابين الإمبراطورية اوالاندراج ضمن سطوة وهيمنة الامبراطوريات، وهو كيان قمم حضارية تفصل بينها "انقطاعات"،  مرت الأولى على العراق مع سقوط بابل، واستمرت حتى الفتح العربي الإسلامي الجزيري، وحلت الثانية مع القرن الثالث عشر يوم سقطت بغداد على يد المغول 1258، حتى القرن السابع عشر يوم ظهرت الاتحادات القبلية في جنوب العراق مؤذنة ببدء التشكل الوطني الحديث، وفي التناوب بين الصعود الامبراطوري والانهيار تتغير اشكال وطبيعة الحكم والدولة، فلا حكم بنبع من العراق نفسه خلال فترات الانهيار، بالمقابل لاحكم من غير ارض العراق وتربته يسود عند فترات الصعود واكتمال التشكل الوطني، الأهم من ذلك  ان الحكم العراقي  بطبيعته وبحكم بنية البلاد واليات تشكلها المجتمعي والكياني، هي بنية امبراطورية، أي ان خضوع العراق للامبراطوريات يعقبه خضوع الامبراطوريات القريبة  للامبراطوريات العراقية التي كانت هي البادئة أصلا في  تدشين هذا النمط من الكيانات السياسية والسلطوية في سجل التاريخ، فسرجون الاكدي هو اول امبراطورواول من قال في التاريخ: "انا حاكم زوايا الدنيا الأربع".

ومع ان موجة الحداثة وسطوة النموذج الغربي في الدولة، قد طغى في العصر الحديث على التفكير وعلى النظر في الكيانات، ومنها الكيان العراقي الا ان مفاعيل البنية والاليات الموروثة التاريخية، ظلت حاضرة وفاعلة خارج التفكرات المستعارة على تنوعها الطبقي، والقومي، والليبرالي، فالازمة الحادة المتفاقمة التي رافقت قيام الدولة "الحديثة" المركبة بقوة الاحتلال وكوسيلة لتامين السيطرة الغربية، نجمت عن المفاعيل البنيوية العراقية، مثلها مثل ثورة العشرين، فمحاولة الاحتلال والاطار الحاكم المرتبط به، تبديل نمط العلاقات في  الموروثة في الريف الجنوبي وتحويلها عن المساواتية المشاعية وهي خاصية تاريخية اصيلة، تسببت بالمقابل بنهوض مضاد سرع في بلورة حركة اعتراض عارمة استغلتها الأحزاب الايديلوجية، وسارت بقوة دفعها وصولا الى ثورة 14 تموز 1958 حيث اسقطت الدولة القائمة، واجتثت ركائزها الاجتماعية شبه الاقطاعية التي هي رمز محاولة فاشلة عمدت لتحوير البنية الزراعية المشاعية العراقية.

 واما شكل الدولة في طورها الثاني 1968/2003 فقط جاء محكوما لاعتبارات فرضتها طبيعة البلاد البنيوية المتعدية لقدرات الهيمنه الغربية، وتطلبت ثنائية الريع النفطي والحزب العقائدي عدا عن النواة القرابيه، ماانتهى لاحتدامات حكمتها الضرورة الريعية وحتمية الاستقلال الامبراطوري عن المجتمع، وهو ما ميز سلوك "الصدامية" دون وعي منها، فالحرب العراقية الإيرانية، والرعب بإزاء نتائجها افي ميدان الريع النفطي الذي دخل لحظة " الافقار" مع تراكم الدين والزيادة السكانية المطردة، افقدت النظام شعوره بالاستقرار  وخلخلت ثقته بموقعه الراجح والمتحرر من  ضغط المجتمع، مادفع به للتصرف امبراطوريا في وقت اختناق الأفق الامبراطوري عالميا وحداثيا، فكان احتلاله للكويت، ودخوله بظل متغيرات عالمية استثناية، امالت الكفة كليا لصالح اقوى قوى الغرب / الولايات المتحدة الامريكية/ مسارا تدميرا هو نفسه غير متسق وتجريبي امبرياليا، وانتقالي على المستوى التاريخي الكوني.

 وبما ان الصدامية قد افلحت الى حد بعيد في تحوير البنية التي عجزت الحقبة الاولى من عمر الدولة الحديثة في الاجهاز عليها، ومن ثم عادت هي نفسها لتنهار تحت الغزو والاحتلال، فلقد دخل العراق طورا من تاريخه غير مسبوق، وخارج عن أي إمكانية تدبير  على المستوى الداخلي بالاخص بظل الادقاع التام على مستوى رؤية الذات الوطنية الامر الذي زادت التفكرات المستعارة الايديلوجية في ابهامه، لانها قامت أصلا وحظيت بما حظيت به من مكانة ودور بالدرجة الأولى، لانها حضرت في الثلاثينات لتلعب دور "بدل عن ضائع" مطلوب بالحاح، فالذاتيه العراقية ظلت على مر تاريخ العراق المديد المتقطع، تفوق قدرة العقل على الإحاطة، فكانت تمارس غرائزيا من دون ان تبلغ يوما مشارف الادراك الواعي، لان طبيعة هذا الكيان مركبة ومتفوقه على ماهو متوفر للعقل من قدرة على الإدراك في حينه وحتى اليوم،كما هو الحال بالنسبة للتاريخ برمته، فالماركسية اثبتت ان التاريخ كان قصصا وروايات عمدت الى اكتشاف قوانينه الغائبة عن العقل، وعلم الاجتماع الحديث، وهو احدث العلوم، بين ان البشر والمجتمعات محكومة في عيشها وكتابة تاريخها، لمسببات وعوامل خارج إرادة وفعل الفاعلين، وهو مالم يصبح مألوفا في البحوث والنظر الا مع نهايات القرن التاسع عشر بعد ماركس بعقود.

 واما الكيان والبنيه العراقيتان فينتميان الى نمط من التكوين، يتفوق من حيث  طبيعته حتى على النموذج الأخير من نماذج الاجتماع مجسدا في "الدولة الحديثة" بنموذجا السائد، أي " الدولة الامة"، وعليه فان هذا المجال التاريخي الهام، يتطلب اليوم ثورة كونية أخرى في مجال المعرفة التاريخية الاجتماعية والكيانية، وعلى صعيد النماذج السياسية، وفي مجال وحقل " الدولة" والسياسة والدين، وحيثما وجدت في الوقت الراهن اراء وكتابات مؤسسة على المنهج الأوربي في النظر للمجتمعات والدول، فان الزيغ والشطط يظل سيد الاحكام  عند تطبيقه على حالة العراق وهو مايجعل هذا الموضع خارج فعالية أي طاريء ايدلوجي إضافي، اما النظرات والمفاهيم الايديلوجية الماركسية العراقية الضحلة، او القومية ان وجدت، والليبرالية، فهي مجالات بالية وعملية مباشرة، لاترتقي اطلاقا حتى الى مستوى الاخذ بالحسبان، فالعراق اليوم يقف اما الحاح الحاجة القصوى لانتاج  نفسه لحساب نفسه والعالم، وهذا مجال ثورة كونية كبرى مدخرة  في اصل وحقيقة الوجود والتاريخ واسراره الكبرى المودعة في تضاعيف الحياة.

  ويعني ذلك اننا امام "الجدة" وبمواجهة الاكتشاف الأكبر، بعكس ماقد يحول بين العقل وبين تشوفاته اللامحدودة، ومن هنا فان مايترتب على "السيستانية" من مسؤولية، ومن تحديات هو اكبر بكثير من ان يوزن بموازين الحقيقة التي كانت في اصل تشكل النجف " دولة مدينة لادولة" في العصر الحديث، فالحقبة الحديثة  المحموله على التجديدية الدينية في القرن الثامن عشر ومابعده،والتي كانت شائعه في المنطقة ممثلة بالصفوية والوهابية، وغيرهما من اشكال التجلي الحداثي على قاعدة الدين والموروث، لم تعد قائمة. والخاصيات التي اضفت على التجديدية العراقية ميزات وخصوصيات لاتشبه غيرها مما هو محيط بها، عادت لتتجلى الان ليس في سياق الإجابة على ضرورات تشكل حديث، كان قبليا في البداية،  ثم تحول الى ديني  يدور في نطاق جزئي في ارض السواد، فقد غدت التفاعلات الان متعدية لحالتي الجزئية والمحلية بمعنى / الوطنية الكيانية/، فالعراق كما سبق ونوهنا، لن يعرف نفسه اذا نهض كجزء خاضع لغيره، او تحت هيمنة المجاورين له، بل يتحول صعوده الى انقلاب في السيادة على المحيط الاقليمي والعالمي، والمعول عليه اليوم هو النموذج الذي يمكن للعراق ان يقدمه للمنطقة، كتجل دينامي على قاعدة مزيج خلاق من التعددية والوحدة.

  لقد مرت على هذا الموضع الحيوي الأشد فعالية لابل الفعال الوحيد حضاريا في محيطه في العصر الحديث، ثلاث حقب هي، القبلية، والدينية، والايديلوجية، وثلاثتها بدات باطرجاهزه من الماضي والحاضر المستعار، وعاشت كبنى فوقية تنتج ذاتها ويعاد انتاجها بضوء واقع  واليات منفصلة عنها وليست من نتاجها، والان اذا تحرينا المشهد وبماذا يزدحم، سنتعرف على ركام  وانقاض من التمثلات  القبلية والدينية والعلمانية الايديلوجية، كلها ميته وفاقدة الحيوية، ولا تحتوي على أي نبض يتيح لها التفاعل مع ماقد بلغته البلاد على صعيد ازمة تشكلها الوطني الأخيرة الكبرى.

  واذا ما اجملت السيستانية أيضا ضمن العالم، او الحقبة الثانية الدينية الجزئية، فان الحكم لايكون جائرا، فهذا المركز الهام، يمكن ان يوضع افتراضا هو الاخر خارج الفعالية الراهنة بعدما مرت حقبة ايديلوجية أحدثت تحويرات ليست هينة في البنية الوطنية، الا اذا عومل من زاوية القطب الذي توقظه الضرورة بما هي اشتراطات الاستمرار والوجود، اما ماسوى ذلك ومادونه، فهو في المجال العملي قد لايتوقف على هذا المركز المدعو الى التفاعل مع قوى تتعدى نطاقه البحت، وفقط اذا ماتوفرت حساسية استثنائية وعبقرية تاريخية سيكون الفصل اللاحق من فصول استكمال التشكل الوطن كوني، مفتوحا على الأفق الموصل للمستقبل، غير ان هذه النقطة بالذات لن يكون بلوغها سهلا، ومع ان المرجعية السيستانية أبدت حساسية وانفتاحا غير عادي خلال تظاهرات الصيف الماضي المطالبة بالإصلاح، فحمتها وادمجتها بحركتها الاجمالية، الا ان الخوف مايزال مشروعا من ان يكون المحيطون بالمرجعيه عائقا امام مزيد من الانفتاح على الظواهر والفعاليات والمشاريع الوطنية بغض النظر عن انتماءاتها، فهل الضروره الوجودية ستواصل فعلها ياترى، وتحقق التواصل بين المرجعية كقاعدة استناد وقوة دعم، وحماية، وتحفيز، وبين القوة او الحركة الصاعدة اذا مااريد تجسيدها ضمن مشروع سياسي عملي، يضع اللبنات لانقلاب شامل وجذري متعدد فكريا ومكوناتيا.

 لاتوجد اليوم احتمالات مفتوحة امام تجديد او استمرار دور المرجعية كما كان يمارس قبل عام 1920، فالعراق  تعدى كليا مهمات ذلك الطور من تاريخيه، وهو اليوم امام قوة ضرورة التعبير عن ذاته وكينونته الإمبراطورية الكونية، على وفق مقتضيات واحكام العالم الراهن، والمرجعية من حقها راهنا، ان لم يكن من واجبها، ان تفتح الأبواب امام هذا الطور من التاريخ بكل ماينطوي عليه  من رفعة وعظمة، سوف تضاف كفضيله سامية لتاريخ وإنجاز "مدينة الدولة المقدسة" النجفية بما لايقل عن اجتراح سبيل دورة ثانية من دورات التجديد، ونحن ندرك بالطبع، لابل الاحرى بنا ان نكون موقنين، بان مانلمح له هنا ليس سوى حفر في الفضاء، واشارات نحو البعيد، وان الرؤية القابله للاتباع او الاعتماد، ينبغي ان تكون اكثر تفصيلا بكثير، وهذا ماراينا اننا بصدد بلورته والتعريض بمناحيه الثابتة والعتيدة، في بحثنا القادم "السيستانية بمواجهة الخمينية"(*).

 على امل ان ينفتح امام الجميع ومن كافة التوجهات والمشارب، افق نقاش  يترسم حقيقة وأسس الوطنية العراقية، ويوقظ من جديد حماسة الشعور الجمعي المقرون بهدف سام كوني  وعظيم، هو من دون شك حصة العراق التي خلق لها بالاصل، منذ بدأ التاريخ في هذه البقعة من العالم، "وكل شيء ميسر لما خلق له".

  انتهى

        سنبدا خلال وقت قريب نشر سلسلة مقالاتنا "السيستانية بمواجهة الخمينية" ومعها نامل من "المرجعبة السيستانية" المخصوصة في البحث المذكور، واوساطها، وكافة المهتمين والمعنيين بشؤون العراق وحاله الراهن ومستقبله، النظر في ماسيحمله الاستشراف المنوه عنه،  وصولا لمزيد من بلورة الموقف الوطني العراقي  لا امل من دونه في ظرف كارثي استثنائي ضاقت فيه الرؤية  واختنق البحث،  وتاه السبيل  فلا من مخرج.