العراق.. تراجيديا الموت أم أرقام إحصائية؟

عبد الحسين شعبان

 

 

يُنسب إلى ستالين قولاً مفاده أن موت شخص واحد هو تراجيديا، أما مقتل مليون شخص فهو مجرد إحصائية، هكذا هو الحال في العراق الذي شهد أهوالاً لا حدود لها خلال العقود الثلاثة ونيّف الماضية منذ الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988، وبعدها حرب قوات التحالف ضده العام 1991 بسبب غزوه الكويت في العام 1990، ثم استمرار الحصار والعقوبات الدولية التي ذهب ضحيتها أكثر من 1650000،مليون وستمئة وخمسون ألف إنسان، وبعدها جاء الاحتلال الأمريكي العام 2003 ليستكمل مسلسل القتل الذي زادته الاحترابات الأهلية والتطهيرات الطائفية والمذهبية والإثنية واستشراء الإرهاب وتفشي العنف، ولاسيّما بعد احتلال داعش للموصل في 10 يونيو/حزيران 2014.

استعيد ذلك بمناسبة صدور تقرير للأمم المتحدة يتناول أعداد الضحايا خلال العام الماضي. والأرقام التي يذكرها التقرير، وإنْ كانت لا تعبّر عن العدد الحقيقي للضحايا، لكنها أرقام كبيرة، بل ومرعبة، خصوصاً وقد ترافقت معها علميات لا إنسانية ودموية شملت فئات واسعة من السكان الذين تستمر معاناتهم، بل تزداد فيها مآسيهم في معادلة طردية مع ارتفاع منسوب العنف والإرهاب.

في تصريح مثير ليان كوبيش، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، بخصوص ضحايا الإرهاب والعنف من المدنيين في العراق قال: بالرغم من الخسائر المستمرة التي تكبّدها داعش على يد القوات التابعة للحكومة العراقية، إلاّ أن هذه الآفة ما فتئت تقتل وتشوّه وتهجّر المدنيين العراقيين بالآلاف، وتسبّب معاناة غير مسبوقة. وكرّر كوبيش دعوته إلى جميع أطراف الصراع لضمان حماية المدنيين من تأثيرات أعمال العنف، كما دعا المجتمع الدولي لزيادة دعمه للجهود الإنسانية التي تقوم بها الحكومة العراقية لإعادة الاستقرار والإعمار في المناطق المحرّرة من سيطرة داعش، كي يتمكّن العراقيون الذين هجروا بسبب الخوف من العودة إلى ديارهم بأمان وكرامة، وكي تتمكّن الجماعات المتضرّرة من العودة إلى أماكنها الأصلية.

جاءت تلك التصريحات عقب تقرير دولي صدر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي - UNAMI)، ومكتب مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR)، استناداً إلى شهادات تم الحصول عليها مباشرة من ضحايا انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما فيها مقابلات مع نازحين.

التقرير الأممي الذي صدر يوم 19 يناير/كانون الثاني الجاري يورد تفاصيل عن التأثير الشديد والواسع للصراع في العراق، خصوصاً ما تعرّض له المدنيون من انتهاكات. ويتناول أرقام الضحايا التي بلغت ما يزيد على 50 ألف ضحية خلال عام تقريباً. حيث بلغ عدد القتلى ما يزيد على 18802 (ثمانية عشر ألفاً وثمانمئة واثنين) شخص من المدنيين، أما عدد الجرحى فقد تجاوز 36245 (ستة وثلاثين ألفاً ومئتين وخمسة وأربعين) شخصاً. أما عدد النازحين (داخلياً) فقد بلغ ما يزيد على ثلاثة ملايين ومئتي ألف (3.200.000) ويبلغ عدد الأطفال من المجموع الكلّي بمن فيهم من هو في عمر الالتحاق بالمدارس، نحو مليون طفل.

ليس من المبالغة القول إن العدد الحقيقي قد يكون أكبر من ذلك بكثير، ففي مجزرة سبايكر وحدها ذهب نحو 1700 (ألف وسبعمئة) ضحية، وفي مجزرة الحويجة كان المئات من الضحايا. أما المجزرة بحق الإيزيديين، ولاسيما النساء، فقد كانت كارثة إنسانية حقيقية، حين تحرك داعش باتجاه سنجار فاحتلتها في 3 أغسطس/آب العام 2014، وتوغّل نحو صلاح الدين والأنبار، حيث تعرّض السكان المدنيون إلى خسائر بشرية هائلة وخسائر مادية رهيبة، إضافة إلى الخسائر من جانب قوات الحكومة أو الحشد الشعبي، أو من المدنيين العزل.

والأمر لم يقتصر على ذلك فحسب، حيث شهد قضاء سنجار وحده، مقتل المئات من الإيزيديين الذين دفنوا في مقابر جماعية، تم اكتشاف إحداها مؤخراً، وقد احتوت على 20 جثة، إضافة إلى سبي العشرات والمئات من النساء الإيزيديات، كما شهدت محافظتي ديالى وكركوك مئات القتلى، فضلاً عن محاولات التطهير والهيمنة بخصوص مناطق النفوذ بعد طرد داعش من بعض الأماكن المتنازع عليها. وتعاني ديالى اليوم، والمقدادية تحديداً، عمليات تطهير وانتهاكات سافرة وارتكابات صارخة لحقوق الإنسان، من جانب ميليشيات غير نظامية، في إطار الصراع الطائفي والإثني، ليس هذا فحسب، بل إن عمليات التفجير والمفخخات وكذلك العمليات الانتحارية، وإنْ انخفض منسوبها، إلاّ أنها لا تزال مستمرة، ويسقط يومياً ضحايا كثيرون بسببها، وكما يقول التقرير الأممي فإن نصف الضحايا كانوا من بغداد العاصمة.

إن الارتكابات المنهجية الواسعة النطاق التي يقوم بها داعش ترقى إلى جرائم حرب وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، طبقاً لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، ولاسيّما لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها، والمقصود بروتوكولي جنيف لعام 1977، الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.

وخلال الفترة المذكورة في التقرير قام داعش بقتل واختطاف العشرات من المدنيين، سواء المعارضين لتوجهاته وحكمه في المناطق التي تحت سيطرته، أو من يعتبرهم مرتبطين بالحكومة العراقية، من منتسبي الجيش والشرطة والموظفين السابقين، والإعلاميين وشيوخ العشائر ورجال الدين، ونصبت لبعض هؤلاء محاكم صورية وأنزلت بهم أقصى العقوبات، بما فيها الرجم وبتر الأطراف، وغير ذلك من العقوبات الغليظة. وقد تناول التقرير بعض الأساليب التي يستخدمها داعش للقيام بحفلات دم علنية، مثل إطلاق الرصاص، وقطع الرؤوس، والسحق بالجرافات، والحرق، وإلقاء الضحايا من سطوح بعض البنايات، في إطار حرب نفسية شرسة لإحداث الرعب في الآخر.

وبسبب الصراع الدائر فإن الأطراف المتنازعة، كما يذكر التقرير، بما فيها الحكومة العراقية والميليشيات (الحشد الشعبي) وقوات البيشمركة والقوات العشائرية، هي الأخرى ارتكبت بعض الأعمال المنافية للقوانين الدولية، منها القتل خارج القضاء والتهجير والاختطاف وأعمال انتقامية وكيدية. والأكثر من ذلك فإن بعض الهاربين من داعش كانوا قد تعرّضوا لعمليات عسف، سواء في مناطق نزوحهم أو عند وصولهم على مشارف بغداد، وقامت قوات حكومية باعتقال والتحقيق مع عدد منهم بزعم احتمال اختراق داعش.

إن اندلاع أعمال تطهير طائفي في ديالى وبغداد مؤخراً، دفع ممثل الأمم المتحدة إلى التحذير وإعطاء الأولوية القصوى لوقف ذلك، وهو ما حذر منه المفوض السامي لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، ومثل تلك الأعمال تذكّر بأعمال التطهير المذهبي التي حدثت في عامي 2006 و2007 إثر تفجير مرقدي الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء، وفي ظل الانفلات الأمني والاستقطابات الطائفية هناك قلق عراقي من احتمال تصاعد تلك الأعمال.

إن معاناة العراقيين ازدادت عمقاً وشمولاً والضحايا كبرت على الوصف، ففي الحرب العراقية- الإيرانية سقط من الطرفين نحو مليون قتيل، وضعف هذا العدد كان من الجرحى والمعوّقين، وكان ضحايا الحرب ال 42 في العام 1991 (17 يناير/كانون الثاني) ولغاية 26 فبراير/شباط) ما يزيد على 100 ألف ضحية، أما ضحايا الاحتلال وإن تفاوتت الأرقام بشأنهم، فهم على الأقل منذ العام 2003 ولحد الآن زادوا على مليون قتيل وضعفهم من الجرحى والمعوّقين، فضلاً عن أكثر من ثلاثة ملايين نازح، ويعادل هذا الرقم من اللاجئين، إضافة إلى أكثر من خمس ملايين طفل يتيم وأكثر من مليوني أرملة، وثمانية ملايين إنسان دون خط الفقر.

وإذا كان موت إنسان تراجيديا، فإن الأرقام الإحصائية هي كارثة حقيقية، وفضيحة دولية بكل معنى الكلمة، وينبغي أن يوضع حد لها، وإلاّ فإن لعنة التاريخ ستحلّ على جميع المتسببين بها، مهما كانت الذرائع والمبرّرات.