مرجعية النجف شريك غير معلن في الخراب العراقي !

جمال محمد تقي

 

 

 

لا لبس ولاغموض ولا شك في تحمل المرجعية الشيعية العليا في النجف الاشرف حجما لا يستهان به من المسؤولية التاريخية المادية والمعنوية عما يجري في العراق منذ احتلاله وحتى الان ، من خراب ودمار وفساد وانهيار وجودي ، سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ونفسي ، مثلها مثل القيادات الكردية ومنهجها اللاوطني والتقسيمي ، وكذلك مثلها مثل ما يسمى بالقيادات السنية التي تهافتت على مشروع تفصيص العراق وفدرلته وتحاصصه تمهيدا لتقسيمه ، فالمرجعيات الشيعية العليا الممثلة بالسيد علي السيستاني ، والسيد بشير النجفي ، والسيد اسحاق الفياض ، والسيد محمد سعيد الحكيم ، وحاشياتها المكونة من ابنائهم واقاربهم وخدمهم ، والناطقين باسم الاكبر بينهم " الشيخ عبد المهدي الكربلائي ، واحمد الصافي "  اضافة الى مراجع شيعية اخرى تقلدها وتتبعها بعض الواجهات السياسية الشيعية المتنفذة بالمشهد السوداوي الذي يلف كل صغيرة وكبيرة في عراق اليوم ، كآية الله  كاظم الحائري المقيم في حوزة قم ، والذي يعتبره حزب الدعوة مرجعا له ، مضافا لهم مراجع الصف الثاني والثالث والرابع من مراجع الدين والسياسة من الشيعة ، كمحمد بحر العلوم وجلال الصغير ، وصدر الدين القبانجي وحسين الصدر وعمار الحكيم ، ومن كان على قيد الحياة منهم اثناء فترة غزو واحتلال العراق ومن ثم اعادة تخليقه وبحسب المصالح الامريكية والايرانية ، كمحمد باقر الحكيم وعبد العزيز الحكيم .

مرجعية السيستاني ومن معه لم تكتفي بالصمت ازاء غزو العراق بل تماهت مع مواقف الولي الفقيه في ايران ، علي خامنئي ، والذي كان يردد بالعلن عدم موافقته على احتلال العراق لكنه في السر كان يضع قواعد صارمة لتقاسم النفوذ عليه مع الامريكان ، وقد اوعز للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية بقيادة آية الله محمد باقر الحكيم للالتحاق بركب القطار الامريكي الداخل للعراق ونفس الشيء مع حزب الدعوة الذي دخل بيت الطاعة متأخرا ولحسابات تكتيكية لا علاقة لها باي واعز وطني او اخلاقي ، برغم رفض هذا الدخول من قبل كل الشرعيات " الدولية ، والاسلامية ، والعربية ، والوطنية" ، ومن هنا كان تصادم حوزة السيستاني مع تيار مقتدى الصدر الذي كان يدعو للمقاومة ، فالسيستاني لم يكن صامتا وكذلك حوزته ، انها كانت على تفاهم سري غير مكتوب مع المحتلين ، لا مقاومة ولا فتوى جهاد ولا هم يحزنون ، مقابل وعد بتسليم سلطة بغداد لاعوانهم ، فكان تركيب مجلس الحكم منسجما مع هذه الرؤية وكذا الحال بالنسبة لكل المجريات الاخرى من قانون ادارة الدولة الى تشكيل الحكومة المؤقتة الى كتابة الدستور الى  قرارات الاجتثاث وحل الجيش ورهن النفط ، وبالمختصر ، تفاهم وتماهي وتكامل متعدد الاطراف ، لاسقاط وتدمير كل ما له علاقة بالدولة الوطنية ، وتحويل البلاد الى دولة مكونات محمية بجيوشها الميليشياوية ، الشواهد والحقائق التي تؤكد ذلك كثيرة منها سفر السيستاني اثناء اشتعال المواجهة مع التيار الصدري للعلاج في لندن ومع عودته جرى معالجة الموقف وجرى اقناع الصدر بايقاف مقاومته ولو جزئيا ، ومنها حركة الوسطاء بين المرجعية والمخابرات الامريكية ومن ثم بريمر " كجواد مهري قبل احتلال العراق ، وبعده كان عماد ضياء الخرسان وموفق الربيعي " الاشارات المتسقة في مذكرات رامسفيلد وبول بريمر تؤكد ذلك ، ومجريات الاحداث اثبتت حقيقة التناغم القائم بين رؤية ايران مع شيعة الامريكان في خارج العراق ومع المرجعية العليا وكافة مراجعها الدنيا داخل العراق ، عدا بعض الاصوات القليلة كالصدر والصرخي !

الحقائق لا تتجزأ ، والانتقائية والتبريرية والنظرة الاحادية والتبسيطية والانفعالية والمنحازة سلفا ولاي سبب كان ستشل حتما اي بصيرة نافذة اليها ، خاصة عند السواد الاعظم من المتدينين الشيعة الذين ينساقون للمتاجرين ، بالمظلومية التاريخية ، ومردود ذلك يعود لجيوب المتنفذين الذين يستقتلون لبقاء الحال على ما هو عليه ، لما يعود عليهم بالمنافع والمغانم والمكاسب ، وحتى لو كانت معطيات الفشل مبرهنة ومسلم بها ماديا وروحيا ، وما خروج مراجع النجف على تقاليد الفقه المرجعي المعروف تاريخيا باعتزاله السلطة المسبب بالاستغراق المنتظر لظهور صاحب الزمان "المهدي المنتظر" ، الا تأكيدا على حقيقة تماهيها مع مشروع ملالي ايران ، الساعي  لاقامة امبراطورية فارسية جديدة بغلاف طائفي يجعل من الولي الفقيه وكيلا حصريا للامام الموعود الذي لا اجل لظهوره،  ومن هنا يأتي اصرار مرجعية النجف على لعب دور البوصلة والوصاية غير المباشرة على الواقع الانحداري والخرب القائم والذي ساهمت هي بتشكيله قبيل 9 نيسان 2003 ، وما انتقادها لبعض سلبياته الفاقعة ، كما في خطب الجمعة لممثليها ، الا محاولة منها لمنع خروج الوضع عن السيطرة ، فهي تدعو لامتصاص نقمة الناس ، مستبقية سقف مطالبهم بالترقيع وليس التغيير الجذري الذي يعظم دور الوطنية العراقية ويقزم دور الهويات الطائفية ، وعليه لا تقوم لاي ثورة شعبية عراقية حقيقية قائمة  الا بمراجع وطنية اصيلة عروتها الوثقى ، العراق العظيم ، كوطن جامع وليس تابع ، شامخ بوجه شرور كل الطامعين من روم وعجم !

 لم تكتفي المرجعية بلعب دور الساكت عن الحق ، اثناء فترة الاحتلال ، وانما ذهبت الى ابعد من ذلك عندما جيرت التصويت الشيعي في الانتخابات الصورية لمصلحة محصورة طائفيا بدائرة نفوذها ، وعملت على تشجيع قيام تحالف شيعي يقبض على السلطة ويجعلها  خاتما باصبعه ، وذهبت للافتاء بحرمة عدم التصويت بنعم للاستفتاء على الدستور الذي شرعن نهاية العراق ، وبعد انكشاف حقيقة ما يجري ، وفساد ليس اشخاص العملية السياسية التي باركتها المرجعية عرفيا وليس تحريريا ، انما فسادها بالمجمل ، منهجا ودستورا وعقلية وغاية ووسيلة ، راحت المرجعية تتبرأ من الوضع القائم وتحمل بعض الاحزاب والشخصيات مسؤولية التدهور الحاصل ، ليس لانها مهتمة بالاصلاح الحقيقي والتغيير الوطني وانما خوفا من انهدام المعبد على الجميع بما فيها المرجعية ذاتها فهي تخشى ان يخرج الناس مطالبين باسقاط الوضع الفاسد برمته ، اي اسقاط العملية السياسية التي لا غنى للمرجعية عنها ، لانها ضمانتها لولاية الفقيه المعنوية والتي يستفيد منها كل مهتم برفع راية الطائفية الشيعية حتى ولو على حساب الوطن ، وهي تحصر كل المشكلة بوجود بعض الفاسدين على رأس السلطة ، وتدعو لاستبدالهم املا بالنزاهة المفقودة ، متغاضية عن حقيقة فاقعة مفادها بان الوضع برمته غير نزيه ، بما فيه دور المرجعية ، هي لم تكن نزيهة في تعاطيها السياسي ناهيك عن الطبيعة اللاوطنية لهذا التعاطي ، هي تتدخل حتى النخاع بالسياسة وتدعي غير ذلك ، وعندما يجدر بها التدخل لا تفعل وان فعلت فان الطائفية المبطنة والمغلفة بالتعميم الذي يغطي على حقيقة منطوقها هو جوهر مرادها ، حفاظا على مكاسبها وخموسها الذي يمول ميزانيات دول !

لقد اعلنت المرجعية عن الجهاد الكفائي ليس ضمن قوات الجيش العراقي وانما ضمن فرق تطوعية ميليشياوية وليس هناك تفسير اخر للاعلان ، بدليل عدم حصول غير ذلك ، ولم تكن بحاجة لتجعله حصرا شيعيا ، لتفادي الاقرار الطائفي لفتواها ، لان الامر مفهوم ، انه جهاد شيعي ضد داعش السني وحاضنته ، وما تعنيه كلمة حاضنة ، الامر ليس مفاجئا فايران كانت على دراية بالامر من قبل اعلانه بل هي من حفز المرجعية على المبادرة ، لتكون الفتوى غطاءا شرعيا لحراك ميليشياوي تقوده ايران ممثلة بالحرس الثوري وفيلق القدس وقائده قاسم سليماني ليدخل الحدود ومن دون حدود لتكريس الاضطهاد الطائفي وجعل كامل العراق ورقة ضغط على الامريكان لانتزاع المزيد من المكاسب لحساب امبراطورية الملالي الذين لا يترددون من ذكر بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء كأمصار لها ، ما حصل في المقدادية وعموم محافظة ديالى وصلاح الدين وابو غريب وحزام بغداد من جرائم طائفية تقوم بها ميليشيات الحشد الطائفي انما تتحمل وزره المرجعية ، حتى لو انكرت ذلك ، وما جرى في النخيب من عمليات تهجير طائفي وقتل واختطاف على الهوية ، وعلى يد حشود العتبات المقدسة التي يقود احداها الناطق باسم المرجعية الشيخ احمد الصافي ، الا دليل اخر على ان المرجعية هي ذاتها احدى ادوات الفعل الطائفي في العراق ، والمناخ الذي تترعرع فيه لا يؤدي الا الى هذه النتيجة حتى لو لم تكن تقصد ذلك ، خاصة اذا عرفنا بان المراجع الاربعة لا يظهرون للعلن لانهم ببساطة لايستطيعون التعبير عن انفسهم بانفسهم فالجميعهم لكنات اعجمية وسترها سيعطي اصحابها هالة غامضة ، وتقية متسقة مع مكنوناتها ، وعليه فهي تستعين بالمحيطين الذين في غالبيتهم يعملون على توظيف الدور المرجعي توظيفا سياسيا يخدم استمرارهم بالسلطة ونهب غنائمها !

الثورة الشعبية بحسها الوطني الجامع ، وليس غيرها هي العلاج الناجع لما يعانية العراق وشعبه من حالة الضياع والافلاس والتشظي والتبعية والتخلف السائدة منذ 2003 وحتى الان ، وان من اهم عوامل انفجارها ، تجاوز الاستكانة امام الخطاب المرجعي الذي لا يخلو من النفاق ، والذي ليس فيه غير الترقيع والتغطية والتخدير ، خطاب لا يخدم الا مصالح الطائفيين والمتنفذين في السلطة من السراق والمزورين !