العراق والشرق الأوسط في عالم انتقالي بلا -ثوابت- : من -الحداثة المستعارة- الى-الحداثة الذاتية-؟(1-2)

عبدالامير الركابي

 

 

 

فيما عدا محاولة المفكر الاستراتيجي الأمريكي الفذ بريجنسكي "الاختيار"، لم توضع في الدوريات او الكتابات المختصة بالشؤون الاستراتيجية العالمية، اية لبنة تحليلية تتناسب وعمق المتغيرات التي وضع العالم بمواجهتها مع غياب "الاتحاد السوفياتي"، وتحول القوة الأمريكية الى قوة عظمى منفردة عالميا بغضون عقدي التاريخ الأول من القرن الحالي، والأخير من القرن الماضي، وحيث ان تلك المسالة لم تعالج بما يناسب خطورتها فان قضية أخرى مفصلية مثل قضية احتلال بلد مثل العراق، وتدمير دولته "الحديثة" بعد 82 عاما على قيامها، ماكان مقوقعا لها هي بالأحرى ان تحظى بماتستحقه من عناية.

وتحضر بهذه المناسبة نفس قاعدة التفارق والتتابع بين الحدث والفكرة، وتقدم اولهما الحتمي على الثانية، فحين انهار الاتحاد السوفياتي، لم يكن العالم يتوفر على نمط او منظومات من الأفكار وأدوات التحليل تتعدى نطاق ماكان متداولا أيام القطبية والثنائية الدولية التي طبعت القرن الماضي، وحتى " برجنسكي"، لم يظهر انه قادر على التفكير سوى بخيارين هما من بديهيات وموفورات العالم الأسبق على لحظة ظهور الولايات المتحدة بمظهر المنتصر كونيا، فالمفاضلة بين " قيادة العالم"، او "السيطرة عليه" يقف في خلفيتها تصور راسخ ينيبيءعن اعتقاد بالديمومة، وبكون لحظة صعود القوة الامريكية لها صفه الاستمرارية. لم يخطر في بال احد احتمال بدء سيرورة سقوط وتداع ابعد، لايمثل غياب الاتحاد السوفياتي سوى مقدمتها، ولايتوقف الامر على هذا الجانب من القصور الريؤي والتقييمي، فطبيعة الاحكام والتقييمات تخضع عادة لاحتساب يشمل جملة من المعطيات المتداخلة والمتفاعلة المعلومة والمختبرة، فاما ان تكون من طبيعة مستقبلية وتنطبق على مايكون قد استجد من محركات بالإمكان ملاحظتها في اللحظة المعنية، اوانها تنتكس اذا بقيت أسيرة احكام جامدة موروثة، فغزو العراق وتدمير دولته "الحديثة" نظر اليه باعتباره حدثا عسكريا له ابعاد سياسية كونية وامبريالية اعتبرها "بوش الاب" نقطة انتقال بالعالم نحو "نظام دولي جديد"، عاد ابنه ليتحدث عنه كامر "الهي"، وبحساسية متناقضة وغبية، ترى الى العالم بروح ماضوية متوهمة انها متجهه الى الامام. لم يكن لاي من هؤلاء او من المتابعين ومراكز الأبحاث الامريكية والاوربية ان يروا في خطوه تدمير العراق، فاتحة تداعيات طابعها الكوني مرهون بالانتقال من "الحداثة المستعارة" الى "الحداثة الذاتيه"، تنتقل معها مفاعيل الحداثة الثانية من الطرف المصري، الى شرق العالم العربي، ليتركز في العراق، الموضع الامبراطوري ومركز الفعالية الحضارية الكوني الوحيد في الدائرة الحضارية التي ينتمي اليها، مع كل ماقد يعنيه ذلك ويترتب عليه من تمخضات ومتغيرات متعدية للاطار الاقليمي.

لقد انتهى اليوم عصر ما بعد انهيار السلطنة العثمانية، حين تكرست الحداثة الاوربية الاستعمارية في "دول"، بينما كان الاستعمار القديم معنيا بسبب طبيعته ابان اللحظة إياها، ببناء الكيانات في البلدان المستعمرة، وقتها كان العالم يعمل بناء على فعل هيمنة مشاريع شاملة، قادرة على فرض ارادتها بالقوة المادية، وبقوة مفعول النموذج والأفكار والمفاهيم، ماكان من شانه فرض شروطه على العالم المستعمر ونخبه، وهو ما تجلى في العالم العربي بصيغة اطلق عليها وقتها تسمية "عصر النهضة"، قبل ان ينتهي مع الحضور العسكري الأوربي المباشر ب" نظام عربي"، تحول لاحقا للتناغم مع الزامات نظام دولي تحكمه القطبية الثنائية ومفاعيلها.

ويرفض الغرب كليا فرضية التفريق بين المنجز الصناعي الراسمالي كلحظة تحول تاريخية كونية كبرى تحققت بنتيجة تطور الحضارة البشرية، وبين الغرب كموضع حضاري وجغرافي شهد التجربة الاولى في التحول الى الصناعة والعصر. وهو يمارس بلا توقف فرض "نموذجه " الحداثي على انه الأوحد والاكمل، متسلحا بعصر الانوار وجملة ماتحقق هناك من منجزات في السياسية والأفكار والفنون والدولة، ومثل هذا الالحاح على كمال العصر الصناعي بالنموذج الأوربي الغربي، تكاد تمارس كدين، يحرم بموجبه أي تفكير باحتمال تعدد اشكال ونماذج الانتقال للعصر الصناعي، ومن ماركس الى هنتكتون اعتبر كل "ميل" للخصوصية، بمثابة كفر وخروج عن جادة الصواب، لابل وذهاب الى " الصدام" بين الأمم، وبهذا ظل الغرب يعزز" دكتاتوريته الحضارية" مدعما سيطرته المادية بمنظومة عقيدية، حبسته هو بالذات داخل منظور جامد عن نفسه وعن العالم، ما قد منعه من رؤية اية افاق كونية مستقبلية، وبرر نمطا من "الاستعباد الحضاري" على الأمم الأخرى، وصولا لاعلانه المشين عن "نهاية التاريخ" بعيدغياب الاتحاد السوفياتي، نافيا قطعيا، أي احتمال لعصر حضاري إنساني يتسم بالتفاعلية التعددية كونيا، وكمثال بارز فلقد عمل "دين النموذج الغربي للعصر" على نكران وتحوير حقيقة النماذج المعاصرة البارزة في الوصول الى العصر، واهمها النموذج الروسي والصيني، اللذان يطلق عليهما تزويرا تسميات من نوع "الاشتراكية"، بتجاهل كونهما نمط توسل سبل انتقالية قسرية وبيروقراطية للتحول للعصر محكومة لخاصيات حضارية وتاريخية، أصبحت الان حاضرة بقوة ومؤهلة لمنافسة للنموذج الغربي.

مع نهاية الاتحاد السوفياتي، كان العالم يبدا فعليا عصر تراجع دكتاتورية الغرب الحضارية، أي نهاية تاريخ الغرب كقوة مسيطرة ماديا وعقيديا على التاريخ، وبما يتعلق بالولايات المتحدة، فانها تفتقر أصلا لمنظور امبريالي معني بالتفاعل الحيوي مع واقع منطقة الشرق الأوسط، فهي لم تكن حاضرة بالفعل، عندما كانت الركائز الأساسية للنظام العربي والشرق اوسطي تتشكل عند مشارف انهيار السلطنة العثمانية وحضور الاستعمار الأوربي مع منظوره المحبذ لسياسة "بناء الأمم". فالولايات المتحدة وبمخالفة ملفته للمشروع الحداثي المفترض اختارت بداية عالم النفط والعلاقة مع السلفية السعودية مرتكزا لنفوذها في المنطقة، وهي بالأساس لم تصبح قوة امبريالية مهيمنة الا بعد الحرب العالمية الثانية، يوم كان الاستعمار القديم يتهاوى واوربا تستعد لمغادرة موقع السيادة، وحين أصبحت زعيمة للغرب، كان الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي يواجهانها كقطب دولي اساسي، والمتغيرات الحالية، وماتشهدة المنطقة العربية والشرق الأوسط تبدو بقوة خارج قدرات الولايات المتحدة على الادراك، وبالذات من زاوية كونها مخاض مرحلة مابعد "الحداثة الأحادية القسرية"، كما كانت ارستها في بدايات القرن الماضي، الامبريالية الاوربية، أي ان ماتتجه له المنطقة والعالم اليوم تنتظر نتائج تاكلات نظام عربي /شرقي اوسطي أصيبت مرتكزاته بالانهيار مع حلول حالة كونية اهم ملامحها انها لم تعد تتمتع بغلبة منظور شامل، او حتى مفهوم امبريالي تدعمه قوة مشروع كوني، فالولايات المتحدة متراجعه، والاتحاد السوفياتي الذي انهار، ورثته قوة تحالف راسمالية اسيوية روسية، والتناقضات الدولية المستجدة تفتقد الى المحور الغالب، وحتى الى القطب القادرعلى وضع تصورات قابلة للتطبيق، وتتوفر له قوة تنفيذها.

وفي مثل هذه الحالة لايعود من المستغرب عودة الاليات الموروثة بشتى مظاهرها للفعل، الامر الذي بيطل القطعية الحداثية، ويزيد من غموض الواقع، وبالأخص لدى الدوائر التي كانت مسيطرة عالميا، والغالب ان الابهام و حضور اللامتوقع في الحالة الشرق أوسطية ستظل هي العنصر الأكثر حيوية في المشهد الدولي العام، مع اتسام كل ذلك بنفس مايتسم به الوضع الكوني في اللحظة الحالية من انعدام المشروع المتغلب عقيديا وماديا، لحين تبلور لحظة الحداثة الذاتية المتجاوزة للماضي وللحاضر المتراجع.. وبهذا يكون العالم والتاريخ قد تسارعت خطاه فطوى لحظة "سقوط الايديلوجيات"، ليتبعها فورا بلحظة سقوط "دكتاتورية النموذج" .