فرص العبادي "السانحة" وتعليمات دافوس

 

صائب خليل

 

 

في خطابه الأخير أثار العبادي نقاط عديدة تتعلق برؤيته للاقتصاد العراقي ومعالجته له.(1) وقد استقطب طرحه لـ "التكنوقراط" اهتمام الناس أكثر من اية عبارة أخرى، لكنها، على أهميتها التي سنعود لها في مقالة أخرى، لم تكن أهم ما قاله رئيس الحكومة العراقية في ذلك الخطاب.

تحدث العبادي عن "التحديات"، وكان جريئا بما يكفي أن يتكلم عن "حزم" الإصلاحات التي "أطلقها"، وكيف أن "الظلّام" من الكتل السياسية لم "يتظافروا" على نحو "حازم وواضح" كما يريد، وجوبه المسكين "بحملة تشويه" كما يقول، لكنه لم يرد عليها. وقال ان ذلك تزامن مع "انهيار كبير في أسعار النفط" التي تركت البلاد بـ 15% فقط من خزينتها السابقة.

والحقيقة هي ان النفط لم ينهار من نفسه، بل تم دفعه للانهيار بخطة شاركت حكومة العبادي فيها متمثلة بوزير نفطه الذي وقف علناً وبحماس مع السعودية وقال انه يريد إخراج شركات النفط الصخري من السوق! وكان حماس عبد المهدي كمثل زميله السعودي لتحطيم الأسعار لكي تفلس تلك الشركات، بل أن صاحبنا كان أكثر حماسا من السعوديين في الفترة الأخيرة لإبقاء السوق مغرقة بالعرض! ولم يكن للقصة كلها في الحقيقة أية علاقة بالنفط الصخري ولا إخراج الشركات من السوق (وتلك ممارسة تمنعها منظمة التجارة العالمية بكل شدة ولم يكن عبد المهدي يجرؤ على التصريح بها لولا أن الجميع يعلم أنها كذبة فارغة)، بل كانت لتحطيم اقتصاد بضعة بلدان تريد الولايات المتحدة تحطيم اقتصادها فتقود السعودية مثل تلك العمليات كعادتها. وكانت الضحايا المستهدفة هذه المرة هي روسيا وفنزويلا، وأيضا بلاد عبد المهدي: العراق!

لكن الله لطف بنا فجاء بالعبادي الذي حفظ البلد من الانهيار، حسبما قال في خطابه، مضيفاً: "وقد وجدنا الفرصة سانحة لتغيير التوجهات والتحرك السريع لدعم حقيقي للقطاع الخاص"!

وهنا ينتهي المزاح ويبدأ الكلام الجاد بلغز قد يبدو غريبا لأول وهلة. فحسبما نفهم، فإن الأزمات المالية وانخفاض الميزانية لا يمكن أن تحتوي أية "فرصة سانحة" لدعم القطاع الخاص أو أي قطاع آخر، بل وأي دعم! فهل من المعقول أن الدخل الزائد قبل الأزمة كان يمنع "دعم القطاع الخاص"، وبزوال هذا الدخل، جاءت "الفرصة السانحة"؟ إنه كلام بهلوانات لغة تتشقلب بعباراتها، والدليل هو أننا لو قلبنا الأمر لكان معقولا أكثر: لو أن الحكومة تضاعف مدخولها، وقال رئيسها انه وجد في ذلك "فرصة سانحة" لدعم القطاع الخاص، لكان كلاما مفهوماً. فكيف تؤدي حالتين متناقضتين إلى نفس الشيء؟ كيف تكون كل من حالة تضاعف الموارد وحالة انكماشها، "فرصاً سانحة"؟

أن من يستطيع ان يفهم تلك العبارة الغريبة فوراً، ويدرك ما وراءها من قصد، هم فقط من قرأوا عن "رأسمالية الكوارث" في كتب مثل "عقيدة الصدمة" لـ "نعومي كلاين"، والذي يمكن تنزيله من الإنترنت(2)، أو مشاهدة فلم عنه قبل ذلك(3(

وملخص فكرة الكتاب هو كما يلي: الليبراليون الجدد (من يحكم أميركا في العقود الأخيرة، وما تحاول اميركا فرضه على الدول التي تحت سيطرتها، وهم أكثر أجيال الرأسمالية جشعا في التاريخ حتى اليوم) يبحثون عن طرق لتحويل كل الثروات إلى أثرياء البلد وتركيزها في ايدي هؤلاء وايديهم هم بشكل خاص، فيما يسمى بالخصخصة.

 

لكن هؤلاء يجدون في الأنظمة الاقتصادية والسياسية السابقة التي مازالت تعمل بشكل جيد، ومن يدافع عنها ممن يدرك ما يهدده من خطر إن تمت تلك الخصخصة، عائقاً صعباً. وقد اكتشف هؤلاء الليبراليون بأن خير طريقة للتغلب على مقاومة الناس لخططهم هي: الكوارث الطبيعية والكوارث السياسية والاقتصادية التي يمكن ان تصيب البلد. فهي بمحوها تلك المنظومات السابقة، تقدم لهم "فرصاً سانحة" للبدء من جديد بمؤسسات تعطى مباشرة الى القطاع الخاص، أي لهم.

يبدأ كتاب نعومي كلاين بأن يضرب مثلا بإعصار كاترينا حينما حطم المدن والبنى التحتية في لويزيانا، فقدم "فرصة سانحة" لعصابات الليبرالية الجديدة.  فبينما كان الناس مصدومين من الكارثة التي اصابت مدينتهم، يلفهم الحزن والخوف على مصائرهم، كان البعض ينظر بشكل آخر، فيسيل لعابه للأرباح التي ستغدقها الكارثة عليه.

سعيداً بـ "الفرص السانحة"! في ذلك اليوم، أعلن ريتشارد بايكر، ابن المدينة (نيو أورلينز) "ها قد حللنا مشكلة الإسكان الشعبي في نيو أورلينز. لم نستطع أن نفعل ذلك بأنفسنا، لكن الله استطاع". وتحدث المقاول جوزيف كانيزارو عن "فرص سانحة كبيرة جداً". والمقصود من كل ذلك وضع خطط لاستبدال مشاريع الإسكان العام بالمجمعات السكنية ذات الملكية المشتركة. ويمكننا هنا أن نسجل بشكل عابر، دهشتنا لنوع البشر الذي لا يرى في دمار مدينته التي ترعرع فيها وعاش معززاً، إلا "فرصا سانحة" للربح، لكن تلك هي القاعدة وليس الاستثناء لوحوش المال في كل مكان.

وراء هذه النظرة الوحشية إلى الكوارث، يقف ميلتون فريدمان، المرشد الأكبر لحركة الرأسمالية غير المقيدة، والذي اعتبر في منتصف القرن الماضي أكثر رجال الاقتصاد نفوذا، وتتلمذ على يديه رؤساء للجمهورية ورؤساء وزراء بريطانيون والكثير من الأقليات الحاكمة في روسيا ووزراء مالية بولنديون وطغاة عديدون في العالم الثالث ووزراء من الحزب الشيوعي الصيني ومدراء في صندوق النقد الدولي، وكان آخر ثلاثة مدراء للبنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي من تلامذته. وتشرح كلاين كيف ان تلامذة فريدمان كانوا يحصلون على البعث الدراسية المدفوعة التكاليف ليعودوا إلى بلدانهم في اميركا الجنوبية وغيرها، في انتظار انقلاب، تدبره مجموعات أخرى مكلفة بذلك، ليطيح بالحكومات الشعبية الديمقراطية (كما حدث في شيلي بشكل دقيق) ليقفزوا إلى كراسي الاقتصاد فيطبقوا تلك التعاليم التي لم يكن ممكنا تطبيقها على شعب قادر على المقاومة.

الخصخصة (بيع مؤسسات الدولة ومصانعها للأثرياء) وإلغاء الدعم الحكومي (للمواد الأساسية للشعب، مثل الغذاء والوقود) وإلغاء القواعد المحددة للإنتاج (مثل منع التلوث، الخ) هو الشعار الثلاثي لما سمي بـ "مدرسة شيكاغو" التي وضع فريدمان أسسها، وأرسل تلامذته كالفيروسات لتنشر تلك المفاهيم في الأرض وتفرضها على الشعوب بقوة السلاح غالبا، وبالخداع أحياناً، وبالاستفادة من أية كارثة تعيق مقاومتها ثالثا.

فريدمان كان "من بين أولئك الذين رأوا في فيضان نيو أورلينز بعد إعصار كاترينا فرصةً سانحة" كما كتبت نعومي كلاين. وبرغم بلوغه الثالثة والتسعين وتدهور صحته استجمع طاقته ليكتب افتتاحية "وول ستريت جورنال" قائلا: "بات معظم مدارس نيو أورلينز حطاماً كما باتت منازل الأطفال الذين كانوا يقصدونها. هذه مأساة. لكنها أيضا فرصةَ تتيح لنا إجراء إصلاحات جذرية في نظام التعليم".

الوحشية المالية ذاتها تطل من كائن يضع قدما في الحياة وأخرى في القبر، وهو يتحدث عن "الفرص السانحة" من تدمير مدارس الأطفال وبيوتهم، ومحاولة إخفاء السعادة بعبارة قصيرة فارغة: "هذه مأساة"!. والقصد طبعا من "الإصلاحات الجذرية" هو تحويل التعليم العام المجاني إلى "مؤسسات تديرها هيئات خاصة" تفرض أجوراً على الدراسة. فـ "التعليم المجاني" يعتبر تدخلا سافرا في شؤون السوق، بالنسبة لمدرسة فريدمان. وعلى عكس البطء الشديد في إصلاح سدود المدينة وإعادة الكهرباء، تم عرض النظام المدرسي الجديد في المزاد العلني بسرعة وبدقة لا مثيل لهما إلا في الجيش. وجيرت الأموال المخصصة أساسا لضحايا الفيضانات، إلى عملية إزالة نظام التعليم الرسمي المدعوم من الدولة وتحت إشرافها، واستبداله بنظام تعليم "خاص".

لقد وضع فريدمان نظريات تفصيلية لاستغلال الكوارث. فأوصى بالتصرف بسرعة خاطفة عند وقوع أزمة ما، لفرض تغيير سريع لا رجوع فيه، قبل ان يستيقظ المجتمع من الصدمة. واعتبر فريدمان أنه "سيكون أمام الإدارة الجديدة مهلة زمنية تتراوح بين ستة إلى تسعة شهور لتحقق التغييرات الكبيرة، وإلا فإنها ستضيع فرصتها الوحيدة"!

وبينما عمل تلامذته مستشارين ووزراء للعديد من الدكتاتوريات في العالم الثالث وأوروبا الشرقية بعد سقوط السوفييت، عمل فريدمان بنفسه مستشارا للدكتاتور التشيلي بينوشيت، حيث نصحه ان يستغل صدمة الانقلاب لفرض تحول خاطف في النظام الاقتصادي بخفض الضرائب وتعزيز التجارة الحرة وخصخصة القطاعات الخدمية وخفض المعونات الاجتماعية والحد من تدخل الحكومة. وقد عرف تحول شيلي باسم "ثورة مدرسة شيكاغو" لأن العديد من رجال اقتصاد بينوشيت أيضاً كانوا قد تتلمذوا على يد فريدمان، الذي طالما تحدث عن "المعالجة بالصدمة".

بعد ثلاثين سنة برزت صيغة الصدمة في أماكن مختلفة. في سريلانكا قام التسونامي بمهمة الصدمة. وبالفعل توافد مستثمرون أجانب ومقرضون دوليون لاستغلال جو الهلع وتم تسليم الخط الساحلي إلى متعهدين بنوا المنتجعات السياحية الضخمة وطردوا الآلاف من صيادي السمك، وهو الأمر الذي طالما عجزوا عن تنفيذه قبل التسونامي.

وجاءت سياسة الصدمة الاقتصادية في العراق بشكل أكثر عنفاً وفرضت الصدمة الاقتصادية من قبل بول بريمر بينما كان البلد تحت لهيب النار: خصخصة شاملة، تجارة كاملة الحرية وضريبة ثابتة بنسبة 15% وتقليص كبير لدور الحكومة. لكن الأمور لم تجر بالسلاسة اللازمة في العراق كما كان يؤمل، وتمكن الشعب، رغم كل الفكرة السلبية المنتشرة، من إبداء مقاومة لتلك الهجمة.

فلم تتوفر "الكارثة" اللازمة رغم كل الإرهاب، لتمرير "الإصلاحات الاقتصادية" بأمان. ورأينا ذيول الشركات من عادل عبد المهدي وعدنان الجنابي يهجمون ويتراجعون، فيكتب أحدهم الأكاذيب والدعوة لعقود المشاركة ثم يتراجع مدعيا أنه قد اسيء فهمه. ولعل هذا الفشل كان من الأسباب التي دعت أميركا إلى إطلاق الإشارة لكلبها المختص، الحكومة السعودية، لتطلق حرب الأسعار على العراق إضافة إلى روسيا وفنزويلا، وليشاركها ذلك عبد المهدي وحكومة العبادي في المؤامرة ضد بلدهم.

تلك المقاومة كانت ملحوظة ليس على تصرفات عبد المهدي وأمثاله فقط، بل سبق ذلك أن تراجعت أميركا عن خصخصة النفط وأجلت فرض قانون النفط وقبلت بعقود الخدمة للنفط في العراق (عدا كردستان، التي كانت تعلن بصراحة موقفها لتحويل العقود إلى عقود مشاركة بل وتخطيطها لتسليم نفط العراق كله للشركات لإدارته). لكن التراجع الأمريكي كان كعادته قبولا مؤقتاً. وها نحن نرى عودة عادل عبد المهدي مدعوما بالإعلام المأجور والمخدوع، لجهوده لتغيير تلك العقود والحديث عن ضرورة "الشركات" لإدارة الاقتصاد واهمية التخلص من الحكومة وخصخصة كل شيء (مع إضافة عبارات تشويش عن مصلحة المواطن وحصة له وإشراك القطاع العام الخ). وقد كتب الباحث فؤاد الأمير في أكثر من كتاب له، عن المنع المتعمد عن تخصيص أية موارد عراقية لدعم الصناعة العراقية وتركها تتلف. كذلك أشار كاتب هذه السطور في كتابه الأخير "الجهود الأمريكية لتفكيك الدولة العراقية" (تجده على النت)، إلى دور أميركا في تحطيم الاقتصاد العراقي.

فإذا كان التدمير لاقتصاد الشعب في الدول الأخرى بدافع الإثراء للأثرياء، فأن السياسة الأمريكية الملزمة بالأجندة الإسرائيلية تضيف إلى ذلك عاملا آخر، وهو ضرورة تدمير أية دولة عربية وأي شعب عربي، وبشكل خاص العراق، وبغض النظر عن الأرباح الاقتصادية، كما تبين الأدبيات الإسرائيلية بوضوح. لذلك كان الإرهاب وكانت الكوارث على غير ما هو معتاد. فكانت الكوارث تحقق أجندة التدمير، وتحقق الأرباح أيضاً. فقال مايك باتلز يصف الفرصة السانحة لشركته الأمنية: "قدم الخوف والفوضى إلينا فرصة ذهبية" حيث حققت شركته الجديدة أرباح قاربت مئة مليون دولار.

وتشرح كلاين كيف أن تلك الدعوات المدمرة لمصالح معظم الناس كانت تلقى المقاومة الشديدة في معظم البلدان، وأن ليبراليي فريدمان كانوا يحتاجون إلى الكوارث الطبيعية والحروب والانهيارات الاقتصادية للتغلب على تلك المقاومة. ويشرح الكتاب كيف أن تلامذة فريدمان كانوا يجوبون قارة أميركا الجنوبية ويشعلون الانقلابات إن تطلب الأمر ويتعاقدون مع الدكتاتوريات لتنفيذ برامجهم التي اغرقت القارة في بحور من الدم والفقر، والتي انتجت فيما بعد ذلك الكره الشديد للاقتصاد الليبرالي ولأميركا، وكان رد الفعل شديدا حيث صعدت إلى السلطة أحزاب يسارية حازمة وأخرى وسطية، مثلما حدث في فنزويلا والأكوادور وشيلي وبيرو والأرجنتين والبرازيل وغيرها.

ويشرح الكتاب، الذي يمكن تنزيله بالعربية من الرابط، والذي اوصي بقراءته بلا شك، تفاصيل تلك الخطط الاقتصادية وما نتج عنها من دمار وبطالة وفقر وتفاوت شديد في الدخل، وفساد يدعم الدكتاتوريات والشركات الأجنبية والمحلية على حساب الشعوب، ويشرح التلاحم الشديد بين قواعد الرأسمالية النقية وضرورة الصدمة بالكوارث أو العنف ضد الشعب ليقبلها أو ينشغل عنها. ومن المؤكد أن سيكون لنا عودة أخرى إن لم تكن أكثر من مرة لزيارة ما ورد في هذا الكتاب القيم من حقائق وتحليلات عظيمة الأهمية.

 هناك، في تلك الكوارث والأزمات الاقتصادية، حيثما وجد شعب تحت تأثير الصدمة والرعب والضياع، ستجد البعض يتحدث عن "الفرص السانحة" فتعرف أنهم من مدرسة شيكاغو!

كذلك ليست غريبة أيضا عبارة "الفرص السانحة" في الكوارث الاقتصادية على "القاتل الاقتصادي"(4). تلك العصابة الدولية المنظمة التي تهرع إلى استغلال اية أزمات مالية لإجبار الدول على بيع و"خصخصة" ثرواتها، وإن لم تتوفر تلك الكوارث، فإنهم يسارعون بخلقها. وليست عصابة القاتل الاقتصادي أو عصابات مدرسة شيكاغو، إلا من نتاج فلسفة ملتون فريدمان في سعيه لخلق "الرأسمالية النقية".

والحقيقة أن "الرأسمالية النقية" لم تكن من ابتكار فريدمان، بل كانت الرأسمالية في اول نشأتها أقرب ما تكون إلى تلك الحالة. ولم تتغير الرأسمالية إلا انقاذا لنفسها من غضب البشرية الذي كاد يطيح بها ثلاث مرات: بعد الحرب العالمية الأولى وفي الكساد الكبير وبعد الحرب العالمية الثانية. وفي كل من هذه الحالات سارعت الرأسمالية لخلط مسحوقها السام ببعض الاشتراكية فكانت "الكينزية" وكانت دولة الرفاه الاجتماعي والتي ساعدت على إقناع الشعوب بالهدوء لحين عبور الرأسمالية مرحلة الخطر المحدق بها من انتشار الشيوعية والاشتراكية واستقلالية القرار الاقتصادي للدول النامية، او ما يسمى بالمدرسة "التنموية" التي انتشرت في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، وتم اغتيال رموزها الواحد تلو الآخر بانقلابات السي آي أي ومؤامرات القاتل الاقتصادي وغيرها. والآن وقد انتهى الخطر الشيوعي، لا يجد الرأسماليون سببا لعدم إظهارهم لأنيابهم كاملة.

نعود إلى العراق اليوم وحيدر العبادي، لنتأمل هذا المنادي الجديد بـ "الفرص السانحة". وتتضح الكثير من الحقائق لنا حين نتذكر أنه قد كان قبل بضعة أسابيع في اجتماع عصابة دافوس، والتقى بالرؤوس الكبيرة ومنهم مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شفاب، (إضافة إلى وزير الدفاع الأمريكية وأمين عام حلف الناتو). (5(

وهذه العصابة تجتمع في دافوس لتحدد "فرصها السانحة" وتقرر في أي شعب ستغرز أنيابها في المرحلة القادمة. وقد جوبهت اجتماعات هذه المجموعة في السنوات السابقة، بتظاهرات عارمة من قبل الشباب في مختلف انحاء العالم، والذي وعى دورها الخطير في تدمير الاقتصاد والدول ومستقبل الشعوب. وجوبهت تلك التظاهرات بالعنف الشديد حتى في الدول التي تفاخر بديمقراطيتها، فأمام مصالح الرأسمال، لا توجد خطوط حمر ولا ديمقراطيات او حقوق إنسان.

ورغم أن العبادي يتصرف كما لو كان أحد تلامذة "مدرسة شيكاغو" لتحطيم البلدان اقتصاديا ويجتمع معهم، فهو ليس واحداً منهم. فعندما يذهب أمثال العبادي إلى مثل هذه الاجتماعات فهم يذهبون لتلقي التعليمات فقط، وما نراه اليوم من ألغاز وعبارات غريبة في خطاب العبادي، ليس سوى البدء في تنفيذ تلك التعليمات التي شرحها له شفاب. فصاحبنا كعادته، ولمحدودية قدراته الذهنية، أو لحدية الأوامر الصادرة له، يردد بلا تفكير، ما سمعه من عبارات مثل "الفرص السانحة"، قد تكون ملائمة ومقبولة لتلك الشركات الكبرى، لكنها بالنسبة لشعبه تعتبر عبارات عجيبة وفضيحة مثيرة للاستهجان يجب إخفاءها على الأقل في هذا الظرف.

ليست هذه هي الفضيحة الأولى لهذا الرجل المكلف بتحطيم العراق والذي جاء حاملا مشروع الحرس الوطني على ظهره. لكنه يدرك من تاريخ الحالات المشابهة، أن تمرير التدمير الاقتصادي لمدرسة شيكاغو في العراق قد يكون القشة التي ستقصم ظهره إن تم فضحها قبل ان تمر الأشهر التسعة التي حددها فريدمان بعد بدء الأزمة، لولادة النغل الاقتصادي المنتظر.

كتب أحد المعلقين على المقال في الفيسبوك أنه لا يستبعد أن يلجأ الأمريكان (مباشرة أو من خلال داعش) لإحداث كارثة "طبيعية" بتفجير سد الموصل، لتأمين ظروف الصدمة الكافية للشعب، والمناسبة لإجراء "الإصلاحات" الاقتصادية المطلوبة دون اعتراض. ويجب ألا نعتبر أن مثل هذه الجريمة فوق المعقول وأنها ضرب من الخيال المستحيل، فمن لا يرى في تدمير مدينته إلا "فرصة سانحة" لن يتردد في تدمير مدن الآخرين من أجل مثل تلك "الفرص"، والتدمير في حالة العراق على أية حال، هدف بحد ذاته، مثلما كان في سوريا وليبيا.

وسواء كان ذلك ضمن المخطط أم لا، وسواء كان العبادي على اطلاع على التفاصيل أم لا، فمن المحتمل أنه يدرك أنه قد يجابه بمقاومة من الشعب العراقي لتحطيم بلده، وأن هناك من سيفضح المهمات التي جيء به من أجلها. ولعل هذا هو السبب في تأكيده مرتين في خطابه على "حملة التشويه" التي أثيرت ضده، وتحميله "وسائل الإعلام الكريمة" لـ "مسؤوليتها". والحقيقة ان اقصى ما يريد العبادي من الإعلام هو "الصمت"! الصمت عن تدمير الشعب الوطن بل والتطبيل له!!. إنني على أتم الثقة بأن وسائل الإعلام لن تخيب ظنه أبداً، ككل وسائل الإعلام في كل بلد مر بهذه الكارثة: ستتحدث كثيرا عن أهمية الخصخصة وضرورة "دعم القطاع الخاص" والتقشف في الدعم الحكومي للأسعار، وستتحدث أيضا عن "الفرص السانحة". فإن سمعتم هذه العبارات فاعلموا ان الحملة قد بدأت!

 

 

(1) كلمة رئيس الوزراء د. حيدر العبادي الى الشعب العراقي - YouTube

 https://www.youtube.com/watch?v=q7EgbUPO_Sw

(2) عقيدة الصدمة - صعود رأسمالية الكوارث نعومي كلاين...

 https://www.facebook.com/the.ebook/posts/10201820121359457

(3) ‫عقيدة الصدمة للكاتبة ناعومى كلاين - مترجم للعربية - كامل - YouTube

 https://www.youtube.com/watch?v=YRDDQ9H_iVU&feature=youtu.be

(4) جون بركنز يشرح كيف تقوم أمريكا بقتل الدول اقتصادياً كامل | مدبلج بالعربي

 https://www.youtube.com/watch?v=0LEIjVE4tBw

(5) العبادي يلتقي كارتر وكلاوس شفاب على هامش منتدى دافوس | عراق القانون

 http://www.qanon302.net/news/2016/01/22/79894