خدعة وزارة " التكنوقراط"!

صباح علي الشاهر

 

 

 

يبدو أن مسألة الفساد ومكافحته، أضحت كأحجية، هل البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة ؟!

مكافحة الفساد هو الشعار الأرأس على ألسنة الجميع، لكن الجميع يختلفون في كيفية وطريقة المكافحة الموعودة هذه . منهم من يطالب بحكومة " تكنوقراط" ، وهل التكنوقراط بعيدون عن الفساد؟، ثم ألا  يوجد في الحكومات المتعاقبة، وبمختلف مفاصل المسؤولية، من هم " تكنوقراط " على سن ورمح، لكنهم كانوا أفسد الفاسدين . هل ندلكم على حملة الدكتوراه، والشهادات العالية ممن تبوء المناصب القيادية في البلد، أتذكر أن حكومة بريمر، وكذا حكومة علاوي، والحكومات التالية، حفلت بالعديد من حملة الشهادات العالية، بدءاً من أعلى رأس حتى أدناه. حتى أن بعض (الكويتبون) قارنوا بين حكومات الإحتلال ذات التأهيل العالي، والحكومات السابقة، حكومات الأهل والأقارب ، حكومات الجندي الأول، والعريف، وبائع الثلج، والمضمد!!

كيف يتصور البعض أن صفة " التكنوقراط" صفة ما نعة للفساد، ثم من قال أن علم إدارة الدولة يحتاج إلى أصحاب شهادات عليا في الأدب أو الفلسفة، أو الدين ، أو حتى العلوم التطبيقية؟

عندما يتم الحديث عن التكنوقراط في إدارة الدولة، فإن المقصود أصحاب الخبرات المتراكمة، أولئك الذين تفرزهم عقود من العمل المسلكي الوظيفي، وليس الحاصل على الشهادة مهما كبرت، فالسلم الوظيفي يحدد درجة وراتب حملة الشهادات، وموقعهم الإبتدائي، ولا يتعين الشخص مديراً عاماً لمؤسسة لأنه من حملة الدكتوراه؟

نحن نتحدث هنا عن محرك العمل الوظيفي، وهم المدراء العامون، ورؤساء الأقسام، ولا نتحدث عن الوزراء، فالوزير صفة سياسية، يأتي منفرداً حاملاً خطته الخاصة أو خطة حزبه لتطوير عمل الوزارة، وعندما نقول يأتي منفرداً ، فإننا نعني ما نقول، حتى مكتبه الخاص يختاره من بين الخبرات المتوفرة في الوزراة، ولا يأتي به من خارجها، وهو عكس ما يحدث الآن حيث عندما يأتي الوزير المستوزر يأتي بجيشه الخاص من الموظفين الذين يعينهم على هواه وبالمنصب الذي يريده، ويأتي معه بحمايته الخاصة، وهو بهذا يغتال الكفاءات الوطنية، ويهمشها، وحيث أنه بلا خبره، والقيادات التي عينها بلا خبرة، فإنه والحال هذه سوف لن يكون عاجزاً عن تطوير العمل، وإنما سيكون عاجزاً عن إدارة الوزراة .

أزعم أن الوزارت العراقية المتعاقبة ليس ما بعد الاحتلال فقط ، بل حتى ما قبله وإن بدرجة أقل، أسهمت في تدمير ديناميكية العمل الوظيفي العراقي، وبالتالي شوهت الدولة، وحطت من قيمة الوظيف العمومي، بحيث أصبح عند عامة الناس صنواً للفساد والإرتزاق والنهب واللاجدارة .

إدارة الدولة تحتاج إلى خبرات إدارية تصنع أوتوماتيكيا عبر مدرسة العمل الوظيفي المتدرج، فترتقي من الأدنى إلى الأعلى، وتصطفى الصفوة  للقيادة لأنها تأهلت فعلاً، عبر ممارسة الإدارة بكل صنوفها، واشكالها، بما فيها القيادات العسكرية والأمنية، وحتى التدريسية، فمثلما الضابط يرتقي من نجمه، ومن قيادة بضعة أنفار، إلى فريق ركن وقيادة فيلق أو جيش، فإن الأستاذ يتدرج من معيد، ومساعد مدرس، ومدرس، ومساعد أستاذ، إلى أستاذ، وعميد، ورئيس جامعة، كذلك الموظف يتدرج في دوائر الدولة، من أدنى السلم في الوظيف العمومي، إلى أعلاه وصولاً إلى قيادة المؤسسة أو الوزارة، أمثال هؤلاء لا يمكن لأحد الضحك عليهم، وهم عماد إدارة الدولة بكل مفاصلها، وهم الثروة الإدارية الحقيقية للبلد، ومن دونهم لا إدارة ولا هم يحزنون .

ينبغي سحب مهمة التعيين من أيدي الوزراء والمسؤولين كافة، وإناطتها بمجلس الخدمة الوطنية، الذي يتحمل مجلس النواب عدم إقرار قانونه  لحد الآن . إن تفعيل مجلس الخدمة الوطنية خطوة حاسمة لإيقاف تسونامي الفساد القادم، أما الفساد الذي حصل فهذا يحتاج إلى تفعيل الجانب القضائي المستقل، وسرعة البت بالإجراءات القضائية، وعدم الإكتفاء بالإدانة، بل المطلوب إعادة كل ما تم نهبه، إن شعار " من أين لك هذا ؟" هو الشعار الذي ينبغي أن يكون عنواناً لمهمة مكافحة الفساد. 

ولا أغالي إن قلت أن الوضع في العراق يحتاج إلى عملية تطهير، وأن عمليات التطهير لا تستثني أي مفصل، ولا أي أحد، وهذا يستلزم أول ما يستلزم رفع يد الكتل والأحزاب عن عمليات التطهير والمحاسبة، وفضحها في حالة محاولتها التدخل، وهذه مهمة عامة، موكولة لكل الشرفاء أينما كانوا، في الشارع أو المدرسة ، أو في وسائل التواصل الاجتماعي .

سنوات عجاف من تغول التقاسم الطائفي والحزبي، سنوات عجاف من تهشيم الوطن، وتحطيم المواطن وإذلاله، تستوجب إعادة النظر بالقوانين والتشريعات ، التي كانت السببب المباشر في وصول الحال إلى ما هو عليه الآن .

لن ننخدع ببدعة الوزراء التكنوقراط بل نريد الكفاءة والخبرة والنزاهة، وبعد أن جربنا الحزبيين، نريد وزراء لا يخدمون أحزابهم، بل يخدمون العراق، الذي نساه الجميع ، فإحزابكم وكتلكم، ليست فوق العراق، العراق فوق الجميع، وكلكم ملزمون بخدمته .