الجامعة العربية الصهيونية

عبدالستار قاسم

 

 

لم تكن الجامعة العربية يوما على مستوى تطلعات المواطن العربي، وكانت في الغالب مخيبة للآمال. لم تستطع الجامعة العربية إنشاء كيان اقتصادي عربي متماسك، وعجزت عن حل الأزمات التي عصفت بالوطن العربي على مدى عشرات السنوات. وغالبا كانت تلجأ إلى دول خارجية مثل الولايات المتحدة أو إلى أحلاف مثل حلف الأطلسي لحل هذه الأزمات. فشلت الجامعة العربية بإنشاء قوة عسكرية عربية موحدة تواجه التحديات العسكرية الخارجية، وفشل أعضاؤها في الالتزام بمواثيق الجامعة المختلفة والتي بقيت حبرا على ورق. لم تستطع الجامعة العربية إلزام أعضائها بمواثيقهم التي وقعوها وأوهموا الشعوب العربية بأنهم حريصون على مصالح أبنائها. الخلل ليس كله في مبنى الجامعة العربية وأمينها العام، إنما ينبع الخلل أساسا من ميثاقها الهش الذي يترك الخيارات مفتوحة أمام الأعضاء ليتصرف كل منهم كيفما يشاء وكيفما تقتضي مصالحه. لم يكن ميثاق الجامعة العربية يوما قاعدة للاتفاق العربي ولا للوحدة العربية ولا للتضامن العربي أو العمل العربي المشترك. الميثاق يفتح الأبواب أمام التسيب السياسي والقانوني والأخلاقي والشذوذ عن تطلعات المواطنين العرب. تكونت الجامعة العربية على هيئة ميثاقها وهي هيئة مشوهة قاصرة عاجزة.

إذا نظرنا إلى المنظمات الدولية والإقليمية لن يكون من الصعب علينا الاستنتاج بأن الجامعة العربية هي أفشل المنظمات العالمية بالتوازي مع منظمة الدول الإسلامية. خطت المنظمة الأفريقية خطوات إلى الأمام فيما يتعلق بالتنسيق بين الدول الأفريقية، أما الجامعة العربية لم تستطع الانطلاق إلى الأمام وبقيت حبيسة الصراعات الداخلية العربية التي تنشب عادة بين الأنظمة العربية. لقد أفسدت الأنظمة العربية الجامعة العربية، وعملت دائما على اختيار أمين عام مشلول على شاكلتها.

تحمست الدول العربي عام 1944 لقضية فلسطين وقررت قبل إنشاء الجامعة العربية أن قضية فلسطين قضية عربية وأن المحافظة على حقوق شعب فلسطين ليست شانا فلسطينيا فحسب وإنما هي شأن عربي. ووقفت الدول العربية في الأمم المتحدة ضد تقسيم فلسطين، كما وقفت مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد عام 1974، وضغطت لكي تتبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات لصالح الشعب الفلسطيني كان أهمها قبول منظمة التحرير عضوا مراقبا في الجمعية العامة، وتأييد الجمعية العامة لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. كما أن الدول العربية تبنت إقامة جيش فلسطيني على إثر قرار التقسيم سمي الجهاد المقدس بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني، والتزمت بحشد قواتها لتحرير فلسطين فور خروج آخر جندي بريطاني من فلسطين. أي أن الجامعة لعبت دورا إيجابيا إلى حد ما تجاه القضية الفلسطينية قبل قيام الكيان الصهيوني. لكن هذه الدول أو الأنظمة ارتدت عن حماسها للقضية أثناء الهدنة التي تم التوصل إليها بوساطة غربية أثناء حرب عام 1948.تقدمت أغلب الجيوش العربية في ساحة القتال أثناء الحرب، وكان من المتوقع أن يستمر تقدمها حتى تخليص فلسطين من براثن الصهاينة، لكن هذه الجيوش أخذت تنسحب من مواقعها بعد انتهاء الهدنة، الأمر الذي أشار إلى تواطؤ القيادات السياسية العربية مع الدول الغربية لفتح الطريق أمام قيام إسرائيل. ارتدت الجيوش العربية وعلى رأسها جيوش الأردن والعراق ومصر، وتموضعت في أماكن معروفة الآن بأنها حدود الضفة الغربية وقطاع غزة. لقد تراجعت الجيوش العربية تاركة خلفها مناطق للصهاينة أوسع من المناطق التي خصصها قرار التقسيم. خصص قرار التقسيم للصهاينة حوالي 53% من مساحة فلسطين الانتدابية، بينما انسحبت الجيوش العربية من مواقعها لتترك للصهاينة ما يقرب من 76% من المساحة.

وبعد قيام الكيان الصهيوني، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني من غزة في 1/تشرين أول/1948 الاستقلال الفلسطيني وتشكلت أول حكومة فلسطينية سميت حكومة عموم فلسطين بقيادة أحمد حلمي عبد الباقي. هذه الوزارة لم تعمر طويلا، إذ أرسلت القاهرة للحاج أمين الحسيني القائد الفلسطيني آنذاك للحضور للقاهرة واحتجزته، ثم قامت القوات المصرية بدخول قطاع غزة واعتقلت أحمد حلمي عبد الباقي وأعضاء حكومته واقتادتهم إلى القاهرة، وهدمت بذلك البذرة الأولى لإقامة الدولة الفلسطينية.

ضاعت فلسطين واستمرت الجامعة العربية بالإعلان عن مواقفها الحريصة على قضية شعب فلسطين, لكن هذا لم يكن يصمد أمام سياسات الدول العربية التي كانت تزمجر كثيرا وتتوعد الكيان الصهيوني دون أن تقوم بالاستعدادات المتناسبة مع هذا التهديد والوعيد. فأصيب الفلسطينيون بصدمة كبيرة عام 1967 عندما هزم الكيان الصهيوني الجيوش العربية في ساعات محدودة. لقد اتضح للعرب وللفلسطينيين زيف الوعود العربية وكذب الجامعة العربية.

أخذت مصر تتجرأ بعد اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني على ترشيح أمناء عامين للجامعة العربية من المتصهينين المصريين ذلك لأن ميثاق الجامعة العربية ينص على أن الأمين العام للجامعة يجب أن يكون مصريا. رشحت عمرو موسى الذي كان وزير خارجية حسني مبارك للأمانة العامة، ووافقت عليه الأنظمة العربية وهو الشخص الذي كان يقيم علاقات مع بعض رجالات الكيان الصهيوني، وكان يمارس هواية التطبيع مع الكيان. ولا ينسى العالم منظره عندما تخلى عن أردوغان في مؤتمر دايفوس وتركه يغادر القاعة وحيدا. وخلف نبيل العربي عمرو موسى والذي عرفت عنه علاقاته مع صهاينة وانحيازه لدول عربية تابعة للولايات المتحدة، ووقف ضد إيران ومختلف قوى المقاومة العربية. ثم تبعه بطل التخاذل العربي وهو أحمد أبو الغيط. أبو الغيط يدافع عن تعويض الفلسطينيين  عن وطنهم الذي فقدوه. وربما هو لم يكن يعي تماما مضمون قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين. القرار ينص على حق العودة وتعويض من لا يريد العودة. عرب كثر يفهمون القرار على أنه تعويض عن وطن ولا يدركون أن حق العودة هو الأساس في القرار. وأبو الغيط هو الذي يمسك بيد ليفني التي كانت وزيرة خارجية الكيان، وهو الذي بقي صامتا عندما أعلنت أمام الإعلام في القاهرة أن الكيان الصهيوني سيهاجم غزة عسكريا. لم ينبس أبو الغيط بأي اعتراض مما حدا ببعض الناس تفسير صمته أنه موافقة على ضرب غزة. واتضح بالفعل بعد ذلك أن مصر حسني مبارك ومعها عدد من الأنظمة العربية قد أيدت الكيان في هجومه على غزة وتمنت عليه إنهاء المقاومة الفلسطينية.

أبو الغيط من المتصهينين العرب، وربما يسعى أثناء عمله إلى ضم الكيان الصهيوني إلى مجلس الجامعة العربية إن رغب الكيان بذلك. وهو بالتأكيد لن يجرؤ على اتخاذ قرارات أو التنسيق مع مجلس الجامعة لاتخاذ قرارات دون أن يأخذ بالحسبان المصلحة الصهيونية.

هنيئا للعرب بجامعة عربية متصهينة، وليكتب التاريخ هذا العهر العربي الذي لا ينضب والذي نرى ممارسات عربية تؤكده كل يوم.   وتعيين أبو الغيط أمينا عاما يكشف تماما سياسة النظام المصري القائم حاليا تجاه القضية الفلسطينية وغطرسة الصهاينة المدعومة عربي