ملاحظات حول خطاب السيد مقتدى

 

صباح علي الشاهر

 

 

 

خطاب السيد مقتدى يصلح أن يكون برنامجاً للحكومة القادمة لو عرض للنقاش ، وأجريت عليه التعديلات المناسبة ، وسنتناول بعض النقاط والملاحظات بالتتابع :

أولاً : حول تعديل الدستور

تعديل الدستور يحتاج إلى تحديد النقاط الواجبة التعديل، وتثقيف عامة الناس بضرورة هذه التعديلات، ثم إستمزاج رأي الناس عبر نقاشات مفتوحة في وسائل الإعلام المتاحة، والمؤتمرات والندوات، وبعد ذلك تعرض المواد المقترحة للتعديل على الإستفتاء الشعبي، وهذا ما ينص عليه الدستور الحالي، وكل دستور في العالم، ولا يمكن أن يعدل الدستور بناءا على طلب السيد مقتدى، أو التيار الصدري، أو المرجعية، أو المعتصمين، لأن كل هؤلاء رغم ثقلهم لا يمثلون كل الشعب، فهل ستبقى الإعتصامات حتى إنجاز هذا، وماذا يحدث لو أن الشعب أو أغلبيته رفضت التعديلات؟

ثانيا : " إلغاء المحاصصة السياسية بكل تفاصيلها، والتأكيد على مراعاة التوازن بين مكونات الشعب العراقي"

لم أفهم معنى ودلالة المحاصصة السياسية هنا، فالعراق يعاني من محاصصة بالتأكيد لكنها غير موصوفة بالسياسية ، فخطاب السيد سياسة، والتظاهر سياسة، والإعتصامات سياسة ، والحكومة المنتظرة كائنة ما كان شكلها سياسية، تزاول السياسة في تشكيلها وبرنامجها، ومهامها، ربما كان قصد السيد " الحزبية " ، ونحن مع هذا، لكن عدد الأحزاب في العراق محدود ( حزب البعث وهو غير معني هنا، وحزب الدعوة، والحزب الإسلامي والأحزاب الكردية، وحزب الفضيلة، والحزب الشيوعي) ، وهي على فكرة غير قانونية لحد كتابة هذه السطور لعدم وجود " قانون نافذ للأحزاب"، إذن المطلوب إلغاء المحاصصة الحزبية، ولكن هذا غير كاف، فالبعض سيقول نحن تياراً وليس حزباً، أو نحن كتلة، أو حركة، وحتى الأحزاب، فقد إختارت واجهات، الدعوة " دولة القانون" والحزب الإسلامي " إتحاد القوى"، والأحزاب الكردية " التحالف الكردستاني" ، وحتى الحزب الشيوعي " التحالف المدني " .

إذن ينبغي إضافة الطائفية إلى الحزبية، وحتى هذا غير كاف، لأن الدعوة سيقول "نحن حزب إسلامي" وليس طائفياً وإسمنا " حزب الدعوة الإسلامية " ، والحزب الإسلامي " سيقول لسنا حزباً طائفياً سنياً بل نحن " حزب إسلامي " كما يشير إلى هذا إسمنا ، إذن لا بد من إضافة دينياً، إلى حزبياً وطائفياً، وليس هذا كاف أيضاً، فالكتلة الكردية ستقول نحن غير مشمولين لأننا لا طائفيين ولا دينين، وكذلك الآشوريين، والتركمان وغيرهم، إذن لا بد أن تكون الجملة ( إلغاء المحاصصة الحزبية والطائفية والدينية والعرقية ). 

ثالثاً : ليست الشعبوية دائماً على حق!

يورد السيد في المادة 18 ما يلي " تخصيص حصة لكل مواطن عراقي من عائدات النفط" ..

بغض النظر عن الواقع الاقتصادي الحالي في البلد، والذي جعل الحكومة عاجزة عن تسديد رواتب المموظفين، مما دفعها لفرض إستقطاعات مختلفة، وتحت يافطات مختلفة، وهي مهما إزدادت فإنها سوف لن تفي بالغرض، لأن " الشك كبير " كما يقول المثل، ورغم أن هذا المقترح ليس بجديد، إذا سبق أن طالب به الراحل الجلبي، ونادي به البعض أثناء الانتخابات الآخيرة، ويومها كانت الدولة متخمة بوفرة الأموال،  إلا أن ثمة إعتراضات جوهرية على مثل هكذا مقترح.

السيد يريد صرف حصة من النفط لكل مواطن عراقي، أي المواطن المتخم كالرؤساء والوزراء، والموظفين الكبار، والسفراء، ومن يتقاضى أكثر من راتب، والمليارديريه، وأصحاب الشركات، إلى جانب المعوزين وذوي الدخل المحدود ( هذا هو معنى حصة لكل مواطن!).

لو إفترضنا أن خزينة الدولة الآن تستطيع منح كل فرد 100 دولار سنوياً فقط، وهو مبلغ لا يعني شيئاً، ولا ينقل المواطن العراقي من حال إلى حال، فإن الدولة ستخصص (ثلاث مليارات ونصف المليار دولار) سنوياً، وبحساب سنتين يكون المبلغ ( سبعة مليارات دولار )، وهو مبلغ يكفي لبناء آلاف المدارس التي ستجعل العراق يتخلص من نقص الأبنية المدرسية، التي قدر الإحتياج لها حتى اللحظة بأكثر من خمسة آلاف مدرسة، بالإضافة إلى المدارس التي تحتاج إلى ترميم، وأحياناً إعادة بناء، علماً أن أغلب الطلبة حالياً يتكدسون في صفوف ضيقة، وأن البناية الواحدة مشغولة من ثلاث مدارس أو أكثر، والطالب لا يداوم في المدرسة إلا ساعات قليلة، غير كافية لإكمال المناهج، حتى لو إستعمل الأستاذ الطريقة الصاروخية في التعليم، في حين لو تم بناء العدد اللازم من المدارس، فإن التلاميذ والتلميذات سيتمكنون من الدوام في مدارسهم الخاصة، صباحاً ومساءاً، مثلما كان الأمر سابقاً، وهذا يعني أن الهيئات التدريسية ستتمكن من إكمال المناهج المقررة، ويستطيع التلميذ بالإضافة إلى هذا مزاولة النشاطات اللاصفية، بالإضافة الى النشاطات الفنية والرياضية، وبهذا نضع اللبنة الأساسية لتطوير التعليم، ومن المؤكد أن إنشاء تعليم صحيح وسليم هو إستثمار في الحاضر والمستقبل، له مردود كبير على المواطنيين والوطن .

وعند الوصول إلى الحالة الطبيعية فيما يتعلق بالمدارس والمؤسسات التعليمية، يتم الإنتقال في توظيف وإستثمار هذه  الأموال في قطاع آخر، يشخص حسب الأولوية، كأن يكون قطاع السكن مثلاً ، بحيث يتم بناء مئات آلاف الوحدات السكنية قليلة الكلفة، تُمنح لعوائل الشهداء إذا لم يكن لديهم مسكنهم الخاص، ولضحايا الإرهاب إذا لم يكن لهم مسكناً ، وللعوائل التي لا معيل لها، ولذوي الإحتياجات الخاصة، ولساكني العشوائيات والصرائف، وبهذا العمل تتحرك عجلة الاقتصاد في البلد، وويتم توظيف أيادي عاملة كثيرة ، وتزدهر الحرف، الحداد، والنجار، والسباك، والصباغ، وقطاعات كبيرة من الحرفيين، والأهم من كل هذا يشعر المواطن أن وطنه لا ينساه.

أليس هذا أنفع و أجدى من توزيع ما يقارب المائة ألف دينار على كل مواطن ؟!